شرح كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة [١٣]
التوسل من الألفاظ المجملة التي تحمل معاني حقة ومعاني باطلة، فالوسيلة الحقة المشروعة التي جاءت النصوص بها هي التقرب إلى الله تعالى بالواجبات والمستحبات، أو التوسل بالنبي في حياته بدعائه وشفاعته، أما التوسل به بعد مماته والإقسام بالله تعالى عليه فهذا ممنوع وباطل.
[ ١٣ / ١ ]
معاني الوسيلة وأحكامها
قبل أن نقرأ هذا الفصل أحب أن أشير إلى بعض القضايا المهمة فيه تسهيلًا لفقراته؛ وذلك أنه يعد خلاصة لما سبق في موضوع التوسل والوسيلة، ومقدمة لما سيأتي، أي أن الشيخ أتى بما سبق كله كتقعيد للتفصيل، هذا التقعيد ملخصه هذه الصفحات التالية، والتي تتعلق بالتمييز بين المشروع والممنوع من التوسل، والفرق بين عبادة الله ﷿ بما شرع، وعبادة الله بما لم يشرع، أي: التوجه للمخلوقين، وذكر أنواع الوسيلة المشروع منها والممنوع للتفصيل فيها مستقبلًا في بقية الكتاب؛ لأن كل دروسنا هذه في كتاب التوسل والوسيلة.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [فصل: إذا عرف هذا فقد تبين أن لفظ الوسيلة].
قوله: (إذا عرف هذا)، الإشارة إلى الفرق بين التوسل المشروع والتوسل الممنوع، فقد عرف على جهة الإجمال، ثم هذه خلاصة وزبدة لما سبق سيذكرها الشيخ.
قال ﵀: [إذا عرف هذا فقد تبين أن لفظ الوسيلة والتوسل فيه إجمال واشتباه يجب أن تعرف معانيه، ويعطى كل ذي حق حقه، فيعرف ما ورد به الكتاب والسنة من ذلك ومعناه، وما كان يتكلم به الصحابة ويفعلونه ومعنى ذلك.
ويعرف ما أحدثه المحدثون في هذا اللفظ ومعناه، فإن كثيرًا من اضطراب الناس في هذا الباب هو بسبب ما وقع من الإجمال والاشتراك في الألفاظ ومعانيها، حتى تجد أكثرهم لا يعرف في هذا الباب فصل الخطاب].
[ ١٣ / ٢ ]
المعنى الأول للوسيلة
بدأ الشيخ يذكر معاني لفظ الوسيلة، وهذا هو المعنى الأول لها، وسيأتي قوله: (الثاني:) إشارة إلى هذا المعنى أن هذا هو الأول.
قال رحمه الله تعالى: [فلفظ الوسيلة مذكور في القرآن في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة:٣٥]، وفي قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء:٥٦ - ٥٧].
فالوسيلة التي أمر الله أن تبتغى إليه وأخبر عن ملائكته وأنبيائه أنهم يبتغونها إليه هي ما يتقرب إليه من الواجبات والمستحبات].
هذا هو المعنى الأول، وهو المعنى الشرعي السليم للوسيلة، وهي ما كان المقصود بها التقرب إلى الله ﷿، بعبادته بما شرع هو وشرع رسوله ﷺ، وقد عرفها الشيخ بقوله: (هي ما تقرب إليه من الواجبات والمستحبات)، وهذا هو المعنى الأول للوسيلة، وهو المعنى العام الشامل، والمعنى الشرعي الدقيق الصحيح السليم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فهذه الوسيلة التي أمر الله المؤمنين بابتغائها تتناول كل واجب ومستحب، وما ليس بواجب ولا مستحب لا يدخل في ذلك، سواء كان محرمًا أو مكروهًا أو مباحًا، فالواجب والمستحب هو ما شرعه الرسول ﷺ فأمر به أمر إيجاب أو استحباب، وأصل ذلك الإيمان بما جاء به الرسول ﵊.
فجماع الوسيلة التي أمر الله الخلق بابتغائها هو التوسل إليه؛ باتباع ما جاء به الرسول ﷺ، لا وسيلة لأحد إلى الله إلا ذلك].
حينما عرف التوسل بأنه التقرب إلى الله ﷿ بعبادته بما شرع وشرع رسوله ﷺ؛ ذكر أن شرط ذلك هو اتباع ما جاء به الرسول ﷺ، وإلا فقد يدعي أي إنسان أنه يتقرب إلى الله في عبادته، لكن نقول: لا، التقرب إلى الله والوسيلة المشروعة لا يكونان إلا بالتقرب إلى الله بما شرعه رسوله ﷺ؛ لأن هذا بأمر الله.
[ ١٣ / ٣ ]
المعنى الثاني للوسيلة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والثاني: لفظ الوسيلة].
هذا هو المعنى الثاني للوسيلة.
قال رحمه الله تعالى: [والثاني: لفظ الوسيلة في الأحاديث الصحيحة كقوله ﷺ: (سلوا الله لي الوسيلة، فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة).
وقوله: (من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد، حلت له الشفاعة).
فهذه الوسيلة للنبي ﷺ خاصة، وقد أمرنا أن نسأل الله له هذه الوسيلة، وأخبر أنها لا تكون إلا لعبد من عباد الله، وهو يرجو أن يكون ذلك العبد، وهذه الوسيلة أمرنا أن نسألها للرسول، وأخبر أن من سأل له هذه الوسيلة فقد حلت عليه الشفاعة يوم القيامة؛ لأن الجزاء من جنس العمل، فلما دعوا للنبي ﷺ استحقوا أن يدعو هو لهم، فإن الشفاعة نوع من الدعاء، كما قال: إنه من صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشرًا].
إذًا: هذا هو المعنى الثاني للوسيلة، وهو أن المقصود به المقام المحمود الذي سيكون للنبي ﷺ يوم القيامة، فليس لنا أن نطلب هذه الوسيلة، ولا أن نتطلع إليها؛ لأنها خاصة بالرسول ﷺ فندعو بأن تتحقق له، وقد وعد الله بهذا، فهذا هو النوع الثاني الشرعي للوسيلة، لكن هذه المسألة لا دخل للعباد بها، فليست من أمور العبادة التي يمكن أن نتخذها طريقة لعبادة الله ﷿، فغاية ما يكون منا هو الدعاء للرسول ﷺ بها، كالصلاة عليه.
[ ١٣ / ٤ ]
المعنى الثالث للوسيلة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما التوسل بالنبي ﷺ والتوجه به في كلام الصحابة فيريدون به التوسل بدعائه وشفاعته].
هذا هو المعنى الثالث، فقد ذكر المعنى الأول: وهو عبادة الله بما شرع وشرعه الرسول ﷺ، والمعنى الثاني: وهو الوسيلة الخاصة بالنبي ﷺ، وهذه لا نسعى إليها ولا نبحث عنها، إنما نؤمن بها ونرجو أن يحققها الله لرسوله ﷺ كما وعد.
النوع الثالث، استعمال التوسل بالنبي ﷺ والتوجه به في كلام الصحابة وهو حي، كما قال الأعمى، وكما ورد في أكثر من قصة، فإن الصحابة توسلوا بالنبي ﷺ وهو حي، أي: توسلوا إلى الله أن يقبل دعاءه، أو طلبوا منه أن يدعو لهم، وهذه الصور موجودة قد تجتمع عند الصحابة، فيتوسل أحدهم بالنبي ﷺ، يعني: يطلب منه أن يدعو الله له، ويتوسل بالنبي ﷺ بمعنى يطلب من الله ﷿ أن يقبل دعاء النبي ﷺ له.
أما لفظ: (إنك لا تخلف الميعاد) بعد دعاء الوسيلة عقب الأذان فالذي أعرف أن العبارة ضعيفة، لكن يبدو لي أن الأمر واسع في مثل هذه العبارات التي ليس فيها زيادة معنى يتعلق بالأحكام، إنما هي تمجيد لله ﷿، فباب التمجيد والتعظيم لله مفتوح، مثل أن نراوح بين أن نقول: الله ﷿، أو نقول: الله سبحانه، أو نقول: الله جل وعز، أو نقول: الله تعالى، فأقول: (إنك لا تخلف الميعاد) كلمة حق، ليس فيها معنى زائد أكثر من أن تكون تمجيدًا لله ﷿، وزيادة إيمان ويقين، ولو كانت تحمل معنى آخر جديدًا، لقلنا: تترك مادام الحديث فيها ضعيفًا.
بقي: ما هو الأولى؟ الأولى تركها؛ لوجود دعاء ثابت في وقت مخصوص على هيئة مخصوصة بمناسبة مخصوصة لكن من قالها لا ننكر عليه، هذا الذي يظهر لي، والله أعلم.
وقد سمعت أن سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ حسن هذه الزيادة.
[ ١٣ / ٥ ]
المعنى الرابع للوسيلة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والتوسل به في عرف كثير من المتأخرين يراد به الإقسام به والسؤال به كما يقسمون بغيره من الأنبياء والصالحين ومن يعتقدون فيه الصلاح].
هذا المعنى الرابع للتوسل، وهو المعنى الباطل الذي لا يصح، وهو التوسل بالنبي ﷺ في عرف كثير من المتأخرين، ويراد به الإقسام على الله ﷿ به، أو السؤال به، فيقول: اللهم إني أسألك بحق نبيك أو أسألك بنبيك، كما يفعل أهل البدع، فبعضهم يقول: (بنبيك) يعني: أقسم، وإذا قال: إني أسألك بنبيك فهو يقصد السؤال به، لكن أحيانًا يقسم، فيقول: بنبيك يا ربي أن تفعل لي كذا، بحق نبيك أن تنصرني، بحق نبيك أن تحقق لي كذا، فهذا إقسام وذاك سؤال، فالمعنيان من التوسل الممنوع وهو النوع الرابع.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وحينئذ فلفظ التوسل به يراد به معنيان صحيحان باتفاق المسلمين، ويراد به معنى ثالث لم ترد به سنة].
هنا أخرج الوسيلة التي هي المقام المحمود، ومما يجب أن نفرق بين لفظ التوسل والوسيلة، فالوسيلة خمسة أنواع، أما التوسل فهو هذه الأنواع الثلاثة.
[ ١٣ / ٦ ]
حكم التوسل إلى الله تعالى
قال رحمه الله تعالى: [فأما المعنيان الأولان الصحيحان باتفاق العلماء، فأحدهما: هو أصل الإيمان والإسلام، وهو التوسل بالإيمان به وبطاعته، والثاني: دعاؤه وشفاعته كما تقدم، فهذان جائزان بإجماع المسلمين.
ومن هذا قول عمر بن الخطاب ﵁: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، أي: بدعائه وشفاعته.
وقوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة:٣٥] أي: القربة إليه بطاعته، وطاعة رسوله طاعته، قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠]، فهذا التوسل الأول هو أصل الدين، وهذا لا ينكره أحد من المسلمين.
وأما التوسل بدعائه وشفاعته كما قال عمر، فإنه توسل بدعائه لا بذاته، ولهذا عدلوا عن التوسل به إلى التوسل بعمه العباس].
يعني: بعد وفاته ﷺ، أما في حياة النبي ﷺ فقد كانوا يتوسلون به، لكن على المعنى الصحيح المفسر الذي فسرته أفعالهم وأقوالهم، لئلا يأتي مبطل ويقول: مادمتم أقررتم بأنهم يتوسلون بالنبي ﷺ فهذا يعني أنهم قصدوا التوسل به، بمعنى دعائه من دون الله، أو الإقسام به على الله، أو السؤال به! وهذا لم يحدث من الصحابة، إنما حدث منهم أنهم طلبوا منه أن يدعو لهم، وطلبوا من الله ﷿ أن يستجيب دعاءه لهم، وبعد مماته عدلوا عن ذلك، مع أن الرسول ﷺ قريب في قبره، فلو كان دعاؤه بعد مماته مشروعًا لكان أسهل لهم من أن يبحثوا عن العباس وغير العباس وأقرب، فقد كان النبي ﷺ مدفونًا بجوار المسجد في حجرة عائشة، فما كانوا بحاجة إلى أن يبحثوا عن غيره لو كان عندهم هذا مشروعًا.
والصورة الصحيحة للتوسل لا تتحقق بعد ممات النبي ﷺ أصلًا؛ لأنه إذا كان المقصود الشرعي بالتوسل به ﷺ طلب دعائه، فلا يمكن أن يطلب دعاؤه بعد مماته! قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولو كان التوسل هو بذاته لكان هذا أولى من التوسل بـ العباس، فلما عدلوا عن التوسل به إلى التوسل بـ العباس علم أن ما يفعل في حياته قد تعذر بموته، بخلاف التوسل الذي هو الإيمان به والطاعة له فإنه مشروع دائمًا.
فلفظ التوسل يراد به ثلاثة معان:].
لاحظوا أنه الآن جاء بخلاصة الكلام، فأخرج الوسيلة التي هي المقام المحمود؛ لأنها لا تدخل في معاني التوسل؛ لأن الوسيلة ليست طلب من النبي ﷺ ولا من غير النبي ﷺ، إنما هي منزلة للنبي ﷺ أكرمه الله بها يوم القيامة، فليست من نوع الطلب للعبادة، فهنا الشيخ ركز على التوسل الذي هو فعل العباد.
وسيذكر ثلاثة معان للتوسل.
[ ١٣ / ٧ ]
حكم الإقسام على الله بخلقه
قال رحمه الله تعالى: [أحدها: التوسل بطاعته فهذا فرض لا يتم الإيمان إلا به.
والثاني: التوسل بدعائه وشفاعته، وهذا كان في حياته، ويكون يوم القيامة يتوسلون بشفاعته.
والثالث: التوسل به بمعنى الإقسام على الله بذاته والسؤال بذاته، فهذا هو الذي لم تكن الصحابة يفعلونه في الاستسقاء ونحوه، لا في حياته ولا بعد مماته، لا عند قبره ولا غير قبره، ولا يعرف هذا في شيء من الأدعية المشهورة بينهم، وإنما ينقل شيء من ذلك في أحاديث ضعيفة مرفوعة وموقوفة، أو عمن ليس قوله حجة، كما سنذكر ذلك إن شاء الله تعالى.
وهذا هو الذي قال أبو حنيفة وأصحابه: إنه لا يجوز، ونهوا عنه حيث قالوا: لا يسأل بمخلوق، ولا يقول أحد: أسألك بحق أنبيائك.
قال أبو الحسين القدوري في كتابه الكبير في الفقه المسمى بشرح الكرخي في باب الكراهة: وقد ذكر هذا غير واحد من أصحاب أبي حنيفة.
قال بشر بن الوليد حدثنا أبو يوسف قال: قال أبو حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، وأكره أن يقول: بمعاقد العز من عرشك، أو بحق خلقك، وهو قول أبي يوسف، قال أبو يوسف: بمعقد العز من عرشك، هو الله فلا أكره هذا، وأكره أن يقول: بحق فلان، أو بحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت الحرام والمشعر الحرام].
يكثر السؤال عن معقد العز، فيظهر لي أنه ليس هناك تفسير يتفق عليه في معقد العز، لكن يظهر من خلال تفسير أبي يوسف هنا، أنه فسر معقد العز من العرش الله ﷿ الذي هو مقام الله ﷾ الذي لا يعلم له كفيفة، ولا نعرف منه إلا أنه ﷿ على العرش استوى.
فربما سمي مقام الله وجلاله معقد العز؛ لأن العرش عرش الله، ومع ذلك فهذه العبارة تبقى غامضة مجملة ليس لها مفهوم، ولا أظنها صدرت عن أهل علم وفقه، إنما صارت أسلوبًا لدعاء بعض العباد أو بعض الصالحين الذين قصدوا بها معنى لا يزال غامضًا، إلا إذا وجد لها تفسير، أما أنا فما وجدت لها تفسيرًا، فإذا وجد لها تفسير عن أئمة الدين أوضح من هذا فلا بأس.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال القدوري: المسألة بخلقه لا تجوز؛ لأنه لا حق للخلق على الخالق فلا تجوز وفاقًا.
وهذا الذي قاله أبو حنيفة وأصحابه من أن الله لا يسأل بمخلوق له معنيان: أحدهما: هو موافق لسائر الأئمة الذين يمنعون أن يقسم أحد بالمخلوق، فإنه إذا منع أن يقسم على مخلوق بمخلوق، فلأن يمنع أن يقسم على الخالق بمخلوق أولى وأحرى.
وهذا بخلاف إقسامه سبحانه بمخلوقاته: كالليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى، والشمس وضحاها، والنازعات غرقًا والصافات صفًا.
فإن إقسامه بمخلوقاته يتضمن من ذكر آياته الدالة على قدرته وحكمته ووحدانيته ما يحسن معه إقسامه، بخلاف المخلوق، فإن إقسامه بالمخلوقات شرك بخالقها كما في السنن عن النبي ﷺ أنه قال: (من حلف بغير الله فقد أشرك) وقد صححه الترمذي وغيره، وفي لفظ: (فقد كفر) وقد صححه الحاكم.
وقد ثبت عنه في الصحيحين أنه قال: (من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت) وقال: (لا تحلفوا بآبائكم فإن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم)، وفي الصحيحين عنه أنه قال: (من حلف باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله).
وقد اتفق المسلمون على أنه من حلف بالمخلوقات المحترمة أو بما يعتقد هو حرمته كالعرش والكرسي والكعبة والمسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجد النبي ﷺ والملائكة والصالحين والملوك وسيوف المجاهدين وترب الأنبياء والصالحين وأيمان البندق وسراويل الفتوة وغير ذلك لا ينعقد يمينه، ولا كفارة في الحلف بذلك.
والحلف بالمخلوقات حرام عند الجمهور، وهو مذهب أبي حنيفة، وأحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد، وقد حكي إجماع الصحابة على ذلك، وقيل: هي مكروهة كراهة تنزيه.
والأول أصح، حتى قال عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر ﵃: لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إلي من أن أحلف بغير الله صادقًا؛ وذلك لأن الحلف بغير الله شرك، والشرك أعظم من الكذب، وإنما يعرف النزاع في الحلف بالأنبياء، فعن أحمد في الحلف بالنبي ﷺ روايتان: إحداهما: لا ينعقد اليمين به كقول الجمهور؛ مالك وأبي حنيفة والشافعي.
والثانية: ينعقد اليمين به، واختار ذلك طائفة من أصحابه كـ القاضي وأتباعه، وابن المنذر وافق هؤلاء، وقصر أكثر هؤلاء النزاع في ذلك على النبي ﷺ خاصة، وعدى ابن عقيل هذا الحكم إلى سائر الأنبياء، وإيجا
[ ١٣ / ٨ ]
الأسئلة
[ ١٣ / ٩ ]
معنى أيمان البندق
السؤال
ما معنى أيمان البندق في كلام شيخ الإسلام؟
الجواب
أيمان البندق يظهر لي والله أعلم، أنا راجعت حقيقة كتب اللغة ووجدت أنها أحيانًا تطلق، طبعًا البندق يطلق على أمرين: الأول البندق الذي هو الشجر ذا الثمرة الطيبة التي تؤكل ضمن المكسرات والبقول، والثاني: كل ما يرمى به، فيبدو لي أنه يقصد ما يرمى به في أمور الحرب والسلاح؛ لأنه ذكر بعدها ما يناسب هذا وهو الفتوة، فكأنه يقصد اصطلاحًا في وقته يتعلق بنوع من أنواع القوة والرماية.
والله أعلم.
[ ١٣ / ١٠ ]
سؤال عن أحد المشهورين
السؤال
هذا سؤال عن أحد المشهورين بالفتوى وله منهج في الدعوة، ربما يكون أيضًا له أثر بالغ الآن عبر الفضائيات وغيرها، وأظنه من رءوس الإخوان المسلمين أيضًا، فالسؤال من حيث التفافهم حوله وتنويه عن فتاواه وغير ذلك؟
الجواب
هذا الرجل كغيره تقاس أعماله بالكتاب والسنة، وقد يكون له اجتهاد صائب في بعض الأمور، لكن من الناحية المنهجية أرى أن منهجه ليس على منهج السلف، فهو في الاعتقاد على منهج المتكلمين، وفي النظر لقضايا الدعوة وقضايا الأمة أرى أنه ينحى منحى يختلف عن منحى المشايخ الراسخين في العلم المقتدين بمنهج السلف.
[ ١٣ / ١١ ]
سبب اختيار عمر للعباس في التوسل
السؤال
ما الحكمة من اختيار عمر ﵁ للعباس؟
الجواب
يظهر لي والله أعلم أن ذلك لقرابته من رسول الله ﷺ، فهو عم رسول الله، ولكبر سنه، ولما له من الفضل والقدر، ولا يمنع أن يكون لصلاحه ولقرابته، كل هذا وارد.
[ ١٣ / ١٢ ]
من التوسل برسول الله في حياته طلب الدعاء منه
السؤال
المعنى الثالث من معاني الوسيلة، وهو التوسل بالنبي ﷺ والتوجه به في كلام الصحابة، هل ينطبق على هذا كلام الصحابي أو ما فعله الصحابي الجليل عكاشة عند طلبه من النبي ﷺ أن يدعو له؟
الجواب
نعم، هذا من أوضح الأمثلة على التوسل بالنبي ﷺ في حياته.
[ ١٣ / ١٣ ]