شرح كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة [١٩]
لقد ضرب الصحابة أروع الأمثلة في تعظيم النبي ﷺ وإجلالهم وتوقيرهم ومحبتهم له ومتابعتهم وامتثالهم له في كل ما يأمر وينهى، ومع هذا كله لم يكن أحد منهم يتوسل به كما يتوسل المبتدعة، بل سدوا جميع الطرق والأسباب التي توصل إلى ذلك، ولا يزال المبتدعة يتمسكون ببعض الحكايات الموضوعة أو آحاد الفتاوى عن بعض العلماء، ليبرروا بدعتهم، كما استدلوا بأثر مالك وهو لا يصح سندًا ولا متنًا، ولكن البدعة تلجئ صاحبها لاقتحام جميع المنافذ.
[ ١٩ / ١ ]
الكلام على ما نقل عن مالك في التوسل بالنبي ﷺ
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [وأما إجابة السائلين فعام، فإن الله يجيب دعوة المضطر ودعوة المظلوم وإن كان كافرًا.
وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (ما من داع يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى خصال ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخر له من الخير مثلها، وإما أن يصرف عنه من الشر مثلها، قالوا: يا رسول الله! إذن نكثر، قال: الله أكثر).
وهذا التوسل بالأنبياء بمعنى السؤال بهم، وهو الذي قال أبو حنيفة وأصحابه وغيرهم: إنه لا يجوز، ليس في المعروف من مذهب مالك ما يناقض ذلك، فضلًا أن يُجعل هذا من مسائل السبب، فمن نقل عن مذهب مالك أنه جوّز التوسل به بمعنى الإقسام به أو السؤال به، فليس معه في ذلك نقل عن مالك وأصحابه فضلًا عن أن يقول مالك: إن هذا سبب للرسول أو تنقص به.
بل المعروف عن مالك أنه كره للداعي أن يقول: يا سيدي سيدي، وقال: قل كما قالت الأنبياء: يا رب يا رب يا كريم، وكره أيضًا أن يقول: يا حنّان يا منّان، فإنه ليس بمأثور عنه.
فإذا كان مالك يكره مثل هذا الدعاء إذ لم يكن مشروعًا عنده، فكيف يجوز عنده أن يسأل الله بمخلوق نبيًا كان أو غيره، وهو يعلم أن الصحابة لما أجدبوا عام الرمادة لم يسألوا الله بمخلوق، لا نبي ولا غيره، بل قال عمر ﵁: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيُسقون.
وكذلك ثبت في صحيح مسلم عن ابن عمر وأنس وغيرهما ﵃ أنهم كانوا إذا أجدبوا إنما يتوسلون بدعاء النبي ﷺ واستسقائه، لم يُنقل عن أحد منهم أنه كان في حياته ﷺ سأل الله تعالى بمخلوق، لا به ولا بغيره، لا في الاستسقاء ولا غيره، وحديث الأعمى سنتكلم عليه إن شاء الله تعالى.
فلو كان السؤال به معروفًا عند الصحابة لقالوا لـ عمر: إن السؤال والتوسل به أولى من السؤال والتوسل بـ العباس، فلِم نعدل عن الأمر المشروع الذي كنا نفعله في حياته -وهو التوسل بأفضل الخلق- إلى أن نتوسل ببعض أقاربه، وفي ذلك ترك السنة المشروعة وعدول عن الأفضل، وسؤال الله تعالى بأضعف السببين مع القدرة على أعلاهما، ونحن مضطرون غاية الاضطرار في عام الرمادة الذي يُضرب به المثل في الجدب.
والذي فعله عمر فعل مثله معاوية بحضرة من معه من الصحابة والتابعين، فتوسلوا بـ يزيد بن الأسود الجرشي كما توسل عمر بـ العباس ﵄.
وكذلك ذكر الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهم أنه يتوسل في الاستسقاء بدعاء أهل الخير والصلاح، قالوا: وإن كانوا من أقارب رسول الله ﷺ فهو أفضل، اقتداء بـ عمر ﵁، ولم يقل أحد من أهل العلم: إنه يُسأل الله تعالى في ذلك لا بنبي ولا بغير نبي.
وكذلك من نقل عن مالك أنه جوّز سؤال الرسول ﷺ أو غيره بعد موتهم أو نقل ذلك عن إمام من أئمة المسلمين غير مالك كـ الشافعي وأحمد وغيرهما فقد كذب عليهم، ولكن بعض الجهال ينقل هذا عن مالك ويستند إلى حكاية مكذوبة عن مالك ﵀، ولو كانت صحيحة لم يكن التوسل الذي فيها هو هذا، بل هو التوسل بشفاعته يوم القيامة، ولكن من الناس من يحرف نقلها، وأصلها ضعيف كما سنبينه إن شاء الله تعالى.
والقاضي عياض لم يذكرها في كتابه في باب زيارة قبره ﷺ، بل ذكر هناك ما هو المعروف عن مالك وأصحابه، وإنما ذكرها في سياق أن حرمة النبي ﷺ بعد موته وتوقيره وتعظيمه لازم كما كان حال حياته، وكذلك عند ذكره وذكر حديثه وسنته وسماع اسمه.
وذُكر عن مالك أنه سئل عن أيوب السختياني؟ فقال: ما حدثتكم عن أحد إلا وأيوب أفضل منه، قال: وحج حجتين فكنت أرمقه فلا أسمع منه غير أنه كان إذا ذُكر النبي ﷺ بكى حتى أرحمه، فلما رأيت منه ما رأيت وإجلاله للنبي ﷺ كتبت عنه].
في هذا الشاهد والشواهد التالية عن السلف ذكر الشيخ نماذج من تعظيم السلف لرسول الله ﷺ، والذي يصل إلى حد أنهم يتأثرون عند ذكره وعند سماع اسمه، وعند ذكر حديثه أو عند الرواية عنه، فهو يشير بهذا بطريق مباشر إلا أن هؤلاء السلف ﵃ من الصحابة والتابعين وأئمة الهدى الذين كانوا يعظّمون الرسول ﷺ حق تعظيم، ويجلّونه حق الإجلال، ويحبونه ويتأثرون بذكره أو
[ ١٩ / ٢ ]
تعظيم السلف لرسول الله ﷺ
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال مصعب بن عبد الله: كان مالك إذا ذُكر النبي ﷺ يتغير لونه وينحني حتى يصعب ذلك على جلسائه، فقيل له يومًا في ذلك فقال: لو رأيتم ما رأيت لما أنكرتم علي ما ترون، لقد كنت أرى محمد بن المنكدر وكان سيد القراء، لا نكاد نسأله عن حديث أبدًا إلا يبكي حتى نرحمه.
ولقد كنت أرى جعفر بن محمد وكان كثير الدعابة والتبسم، فإذا ذُكر عنده النبي ﷺ اصفرّ لونه، وما رأيته يحدث عن رسول الله ﷺ إلا على طهارة.
ولقد اختلفت إليه زمانًا فما كنت أراه إلا على ثلاث خصال: إما مصليًا، وإما صامتًا، وإما يقرأ القرآن، ولا يتكلم فيما لا يعنيه، وكان من العلماء والعُبّاد الذين يخشون الله.
ولقد كان عبد الرحمن بن القاسم يذكر النبي ﷺ فيُنظر إلى لونه كأنه نزف منه الدم وقد جف لسانه في فمه هيبة لرسول الله ﷺ.
ولقد كنت آتي عامر بن عبد الله بن الزبير فإذا ذُكر عنده النبي ﷺ بكى حتى لا يبقى في عينيه دموع.
ولقد رأيت الزهري وكان لمن أهنأ الناس وأقربهم، فإذا ذُكر عنده النبي ﷺ فكأنه ما عرفك ولا عرفته.
ولقد كنت آتي صفوان بن سليم وكان من المتعبدين المجتهدين، فإذا ذُكر النبي ﷺ بكى فلا يزال يبكي حتى يقوم الناس عنه ويتركوه].
[ ١٩ / ٣ ]
تفنيد ما يروى عن مالك في التوسل بالنبي ﷺ
الآن سيورد القصة المكذوبة التي أشار إليها الشيخ قبل قليل عن مالك، ويذكر أنها باطلة ولا أصل لها.
قال رحمه الله تعالى: [فهذا كله نقله القاضي عياض من كتب أصحاب مالك المعروفة.
ثم ذكر حكاية بإسناد غريب منقطع رواها عن غير واحد إجازة، قالوا: حدثنا أبو العباس أحمد بن عمر بن دلهات قال: حدثنا أبو الحسن علي بن فهر قال: حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن الفرح، قال: حدثنا أبو الحسن عبد الله بن المنتاب، قال: حدثنا يعقوب بن إسحاق بن أبي إسرائيل، قال: حدثنا ابن حميد قال: ناظر أبو جعفر أمير المؤمنين مالكًا في مسجد رسول الله ﷺ، فقال له مالك: يا أمير المؤمنين، لا ترفع صوتك في هذا المسجد، فإن الله أدّب قومًا فقال: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات:٢] الآية، ومدح قومًا فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [الحجرات:٣] الآية، وذم قومًا فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ [الحجرات:٤] الآية، وإن حرمته ميتًا كحرمته حيًا، فاستكان لها أبو جعفر، فقال: يا أبا عبد الله، أستقبل القبلة وأدعو؟ أم أستقبل رسول الله ﷺ؟ فقال: ولِم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم ﵇ إلى الله يوم القيامة؟ بل استقبله واستشفع به فيشفعك الله، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء:٦٤].
قلت: وهذه الحكاية منقطعة؛ فإن محمد بن حميد الرازي لم يُدرك مالكًا لا سيما في زمن أبي جعفر المنصور، فإن أبا جعفر توفي بمكة سنة (١٥٨هـ)، وتوفي مالك سنة ١٧٩هـ، وتوفي محمد بن حميد الرازي سنة ٢٤٨هـ ولم يخرج من بلده حين رحل في طلب العلم إلا وهو كبير مع أبيه، وهو مع هذا ضعيف عند أكثر أهل الحديث، كذّبه أبو زرعة وابن واره.
وقال صالح بن محمد الأسدي: ما رأيت أحدا أجرأ على الله منه وأحذق بالكذب منه.
وقال يعقوب بن شيبة: كثير المناكير.
وقال النسائي: ليس بثقة.
وقال ابن حبان: ينفرد عن الثقات بالمقلوبات.
وآخر من روى الموطأ عن مالك هو أبو مصعب وتوفي سنة ٢٤٢هـ وآخر من روى عن مالك على الإطلاق هو أبو حذيفة أحمد ابن إسماعيل السهمي توفي سنة ٢٥٩هـ.
وفي الإسناد أيضًا من لا تُعرف حاله.
وهذه الحكاية لم يذكرها أحد من أصحاب مالك المعروفين بالأخذ عنه، ومحمد بن حميد ضعيف عند أهل الحديث إذا أسند، فكيف إذا أرسل حكاية لا تعرف إلا من جهته؟ هذا إن ثبتت عنه، وأصحاب مالك متفقون على أنه بمثل هذا النقل لا يثبت عن مالك قول له في مسألة في الفقه، بل إذا روى عنه الشاميون كـ الوليد بن مسلم ومروان بن محمد الطاطري ضعفوا رواية هؤلاء، وإنما يعتمدون على رواية المدنيين والمصريين، فكيف بحكاية تناقض مذهبه المعروف عنه من وجوه رواها واحد من الخراسانيين لم يدركه وهو ضعيف عند أهل الحديث؟ مع أن قوله: (وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم ﵇ إلى الله يوم القيامة)، إنما يدل على توسل آدم وذريته به يوم القيامة، وهذا هو التوسل بشفاعته يوم القيامة، وهذا حق.
كما جاءت به الأحاديث الصحيحة حين يأتي الناس يوم القيامة آدم ليشفع لهم، فيردهم آدم إلى نوح، ثم يردهم نوح إلى إبراهيم، وإبراهيم إلى موسى، وموسى إلى عيسى، ويردهم عيسى إلى محمد ﷺ، فإنه كما قال: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، آدم فمن دونه تحت لوائي يوم القيامة ولا فخر)].
[ ١٩ / ٤ ]
الأسئلة
[ ١٩ / ٥ ]
كسب النبي ﷺ
السؤال
ما هو عمل النبي ﷺ الدنيوي الذي كان يكسب منه وينفق منه؟
الجواب
النبي ﷺ لا يملك أموالًا خاصة به، لكن كانت ترد إليه أموال؛ لأن النبي ﷺ عزف عن الدنيا لكنه لم يمنعها، تأتي الدنيا والأرزاق والأموال إلى النبي ﷺ من عدة طرق منها طريق الجهاد، ومنها ما يرد إلى حاكم المسلمين وهو النبي ﷺ من المسلمين مما يتعلق بالفيء وما يتعلق بمصارف الزكاة، وترد حقوق عامة إلى بيت مال المسلمين.
النبي ﷺ لم يطلب لنفسه شيئًا فقد كفاه الله ﷿ رزق الكفاف، لكنه ما كان يدعو إلى ترك الدنيا، وكان إذا قبض شيئًا يأكل ما يكفيه ويتصدق بما يزيد.
أما ما يتعلق بمصارف الأمة فهو يصرفها على الطرق الشرعية المعروفة، فالنبي ﷺ يملك أموالًا بالهدايا والحقوق التي تخصه مما أباحه الله له من الغنائم والفيء وغيرها، لكنه ما كان يبقى معه في يده إلا ما يكفيه، وأحيانًا تمر عليه الأيام وهو طاو ليس في بيته ما يؤكل إلا الأسودان: التمر والماء، بل ورد أن النبي ﷺ يجلس ثلاثة أيام، بل أحيانًا أربعة ما أكل شيئًا؛ لأنه كان ينفق، ولا يعني ذلك أنه كان يمنع أن تصله الدنيا بل تصله لكنها تخرج منه إلى مستحقيها من المسلمين الذين يسألونه أو يرى أنهم يحتاجون.
[ ١٩ / ٦ ]
كيفية التوسل بدعاء الرجل الصالح
السؤال
كيف يكون التوسل بدعاء الرجل الصالح، هل يدعو ويؤمَّن على دعائه أم يدعو لوحده في مثل الاستسقاء؟
الجواب
الصورتان وغيرهما جائزة بشرط ألا تكون من باب التوسل بذاته.
إذًا: التوسل بدعاء الرجل الصالح إما أن يدعو وهو غائب، كأن تقول له: إذا وصلت مكة فادع الله لي، أو يدعو وأنت حاضر دعوة خاصة لك فتؤمّن على دعائه، أو يدعو في مناسبة أو زمان أو مكان معيّن، فسواء أمّنت على دعائه وطلبت الله ﷿ أن يستجيب دعاءه أو لم تطلب، أو يكون في صورة الاستغاثة والاستسقاء أن يدعو ويؤمّن المصلون على دعائه، أو يدعو وحده ولو لم يؤمنوا، بأن يُحضر الرجل الصالح إلى مكان الاستسقاء من أجل أن يدعو سواء أمّن الناس على دعائه أو لم يؤمنوا كل هذه صور صحيحة، بشرط أن يكون حيًا قادرًا ويدعو هو بنفسه.
وقد كان من الناس من يتقصد الصالحين ويخرجهم إلى الصحراء، ويطلب منهم الدعاء، بل حدثت صور صحيحة من بعض الناس، فكان يذهب ببعض الصبيان والأبرياء من الذنوب إلى مكان في الصحراء فيجمعهم ويطعمهم ويفرحهم ثم يطلب دعاءهم، وأُغيث الناس بهذه الطريقة.
وحدثت صور كثيرة في نجد، وهي معروفة لا يزال أكثر الناس يتحدثون عنها، وأهل العلم يرضونها، حيث يجمع الرجل الصالح أو المرأة الصالحة الصبيان ويهدون لهم هدايا ويعدونهم بوعد طيب من أجل أن تنفتح هممهم وصدورهم للدعاء، فيدعون الله ﷿ بأن يسقيهم، وليس عليهم ذنوب، ويدعون ببراءة.
فأقول: هذه صور تتعدد، وهي أن يُطلب الدعاء ممن يتوسم فيهم الصلاح أو ممن يتوسم أن الله يجيبهم، فيدعون بصورة جماعية أو فردية، بالاستسقاء أو بغير الاستسقاء كل هذه صور صحيحة، لكن لا تكون مما يُكثر بحيث يعتمد الناس عليه كما تفعل بعض الفرق الآن، بحيث يلقنون أتباعهم طلب الدعاء من الآخرين في كل حال وفي كل مكان وفي كل مناسبة، حتى يكاد أحدهم أن يتّكل على طلب الدعاء من الآخرين، وينسى أن يدعو الله ﷿ فهذه تزيد عن الحد المشروع، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين.
[ ١٩ / ٧ ]