شرح كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة [٢٥]
طالما يستدل أهل الأهواء والبدع بحديث الأعمى على جواز التوسل البدعي، وليس لهم فيه مستمسك، فإنه طلب أمرًا مشروعًا من شخص حي حاضر، والنبي ﷺ أمره بأمور شرعية ليس فيها ألغاز ولا غموض كما هي طريقة أهل البدع في التوسلات وغيرها، والسلف في القرون الثلاثة كانوا على منهج واحد لم يختلفوا في التوسل، ولكن في العصور المتأخرة كثرت الروايات الضعيفة، وأدخل في الدين ما ليس منه، وكثر المتطفلون وذوو المآرب من أهل الأهواء وغيرهم، حتى أحدثوا في العقائد ما ليس منها.
[ ٢٥ / ١ ]
الكلام على حديث موسى بن عبد الرحمن في التوسل
لا يزال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يتكلم عن مسألة استدلال السلف بالضعيف، وقد ذكر أن السلف ﵏ لم يستدلوا في تقرير الدين بالأحاديث الضعيفة، وأنهم إنما يأتون بالأحاديث الضعيفة للاعتضاد لا الاعتماد وذلك بشرط ألا تصل إلى حد الوضع والكذب.
وذكر أن عندهم في حشد النصوص والآثار مناهج: منهج يعتمدون فيه جمع النصوص بصرف النظر عن تمحيص الصحيح من غير الصحيح، ويتركون العهدة على الرواة، ويتركون الأسانيد لطلاب العلم ليمحّصوا الصحيح من غير الصحيح، وهذا كثير في كتب السنن والمصنفات.
وهناك كتب جاءت لتقديم الأحاديث الصحيحة واعتمدت ذلك مثل الكتب الصحيحة، هناك كتب اعتمدت على ما يرى أصحابها أنه يصح عن الرسول ﷺ ولو بطرق حسنة أو ضعيفة، لكنهم لا يدرجون في كتبهم ما يسمى بالموضوع أو المكذوب، وقد يكون بعض الأحاديث موضوعًا عند شخص وليس بموضوع عند آخر، ويفرّقون بين الجمع والاستدلال، فإنهم إذا استدلوا لا يستدلون إلا بالصحيح، أما إذا جمعوا فإنهم يجمعون ما يرد لهم من الأسانيد، وقد لا يستبعد الواحد منهم إلا ما ثبت عنده أنه موضوع وكذب على النبي ﷺ، أما ما عدا هذا -فكما ذكرت- أن هناك طوائف من السلف يجمعون الآثار ويتركون تمحيص الصحيح من غير الصحيح لمن يأتي بعدهم، أو لمن يشتغل بهذا الأمر.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [ومن هذا الباب حديث ذكره موسى بن عبد الرحمن الصنعاني صاحب التفسير بإسناده عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا أنه قال: (من سره أن يوعيه الله حفظ القرآن وحفظ أصناف العلم، فليكتب هذا الدعاء في إناء نظيف، أو في صحف قوارير بعسل وزعفران وماء مطر، وليشربه على الريق، وليصم ثلاثة أيام، وليكن إفطاره عليه، ويدعو به في أدبار صلواته: اللهم إني أسألك بأنك مسئول لم يسأل مثلك ولا يسأل، وأسألك بحق محمد نبيك، وإبراهيم خليلك، وموسى نجيك، وعيسى روحك وكلمتك ووجيهك) وذكر تمام الدعاء.
وموسى بن عبد الرحمن هذا من الكذابين.
قال أبو أحمد بن عدي فيه: منكر الحديث.
وقال أبو حاتم بن حبان: دجال يضع الحديث، وضع على ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس كتابًا في التفسير جمعه من كلام الكلبي ومقاتل.
ويروى نحو هذا دون الصوم عن ابن مسعود من طريق موسى بن إبراهيم المروزي حدثنا وكيع عن عبيدة عن شقيق عن ابن مسعود.
وموسى بن إبراهيم هذا قال فيه يحيى بن معين: كذاب.
وقال الدارقطني: متروك.
وقال ابن حبان: كان مغفلًا يلقن فيتلقن فاستحق الترك.
ويروى هذا عن عمر بن عبد العزيز عن مجاهد بن جبر عن ابن مسعود بطريق أضعف من الأول.
ورواه أبو الشيخ الأصبهاني من حديث أحمد بن إسحاق الجوهري: حدثنا أبو الأشعث، حدثنا زهير بن العلاء العتبي حدثنا يوسف بن يزيد عن الزهري، ورفع الحديث قال: (من سره أن يحفظ فليصم سبعة أيام، وليكن إفطاره في آخر هذه الأيام السبعة على هؤلاء الكلمات).
قلت: وهذه أسانيد مظلمة لا يثبت بها شيء].
مع ضعف الأسانيد يلاحظ أيضًا نكارة المتون، ففي المتون معان ومطالبات ومتطلبات لا تستاغ، وليس عليها نور النبوة ولا الحكمة أيضًا، فليست من جنس كلام النبي ﷺ، بل ولا من جنس كلام الصحابة؛ لأن فيها خلطًا بين التكهنات والتخرصات، وبين تعليق الأمور على ما لا تعلق به الأمور مثل الاتكال على غير الله ﷿ فهذه المعاني يدرك بعدها ونشازها بمجرد النظر العقلي، فضلًا عن أن تكون من الحكم أو من المعاني التي يؤبه بها.
[ ٢٥ / ٢ ]
بيان أن رواية بعض المصنفين للحديث الضعيف لا يعني الاحتجاج به
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد رواه أبو موسى المديني في أماليه، وأبو عبد الله المقدسي، على عادة أمثالهم في رواية ما يروى في الباب، سواء كان صحيحًا أو ضعيفًا، كما اعتاده أكثر المتأخرين من المحدثين، أنهم يروون ما روي به الفضائل، ويجعلون العهدة في ذلك على الناقل، كما هي عادة المصنفين في فضائل الأوقات والأمكنة والأشخاص والعبادات.
كما يرويه أبو الشيخ الأصبهاني في فضائل الأعمال وغيره، حيث يجمع أحاديث كثيرة لكثرة روايته، وفيها أحاديث كثيرة قوية صحيحة وحسنة، وأحاديث كثيرة ضعيفة وموضوعة وواهية.
وكذلك ما يرويه خيثمة بن سليمان في فضائل الصحابة، وما يرويه أبو نعيم الأصبهاني في فضائل الخلفاء في كتاب مفرد، وفي أول حلية الأولياء.
وما يرويه أبو الليث السمرقندي وعبد العزيز الكناني وأبو علي بن البناء وأمثالهم من الشيوخ، وما يرويه أبو بكر الخطيب وأبو الفضل بن ناصر وأبو موسى المديني وأبو القاسم بن عساكر والحافظ عبد الغني وأمثالهم ممن له معرفة بالحديث، فإنهم كثيرًا ما يروون في تصانيفهم ما روي مطلقًا على عادتهم الجارية؛ ليعرف ما روي في ذلك الباب لا ليحتج بكل ما روي، وقد يتكلم أحدهم على الحديث ويقول: غريب، ومنكر، وضعيف.
وقد لا يتكلم].
وهؤلاء الذين كتبوا على المنهج الأول الذي ذكرته -أعني مجرد الجمع- ليس عندهم اهتمام بتمحيص الروايات ودراسة أسانيدها وتبيين الصحيح من الضعيف، وإن بيّنوا فليس ذلك هو الغالب، نعم قد يقول أحدهم عند حديث من الأحاديث: هذا صحيح أو هذا ضعيف أو شاذ أو منكر لكن لا يلتزم هذه القاعدة، فهم إذًا ليس عندهم إلا مجرد الجمع، وليس كل ما جمعوه يعتبر عندهم صحيحًا ولا حجة، ولا يلزم أن يكونوا أقروه، بمعنى أنهم يروون ويتركون العهدة على الرواة، بل إن عمل كثير من هؤلاء الأئمة والمحدثين على غير مقتضى ما رووه في كثير من الأمور التي فيها شيء من البدع أو فيها شيء من المخالفات للسنة، فإنهم يلتزمون السنة، هذا بالنسبة لأعمالهم وعباداتهم، لكن فيما يروونه لا يقصدون به إلا الحشد والجمع، بخلاف الصنف الثاني الذين سيذكرهم الشيخ، وهم الذين يروون من الحديث ما يرون الاحتجاج به.
[ ٢٥ / ٣ ]
الأئمة الذين يروون الحديث لبناء الأحكام عليه
قال رحمه الله تعالى: [وهذا بخلاف أئمة الحديث الذين يحتجون به ويبنون عليه دينهم، مثل مالك بن أنس، وشعبة بن الحجاج، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك، ووكيع بن الجراح، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعلي بن المديني، والبخاري، وأبي زرعة، وأبي حاتم، وأبي داود، ومحمد بن نصر المروزي، وابن خزيمة، وابن المنذر، وداود بن علي، ومحمد بن جرير الطبري، وغير هؤلاء، فإن هؤلاء الذين يبنون الأحكام على الأحاديث يحتاجون أن يجتهدوا في معرفة صحيحها وضعيفها وتمييز رجالها.
وكذلك الذين تكلموا في الحديث والرجال ليميزوا بين هذا وهذا لأجل معرفة الحديث كما يفعل أبو أحمد بن عدي، وأبو حاتم البستي، وأبو الحسن الدارقطني وأبو بكر الإسماعيلي، وكما قد يفعل ذلك أبو بكر البيهقي، وأبو إسماعيل الأنصاري، وأبو القاسم الزنجاني، وأبو عمر بن عبد البر، وأبو محمد بن حزم وأمثال هؤلاء، فإن بسط هذه الأمور له موضع آخر.
ولم يذكر من لا يروي بإسناد مثل كتاب وسيلة المتعبدين لـ عمر الملا الموصلي، وكتاب الفردوس لـ شهريار الديلمي، وأمثال ذلك فإن هؤلاء دون هؤلاء الطبقات، وفيما يذكرونه من الأكاذيب أمر كبير.
والمقصود هنا، أنه ليس في هذا الباب].
يقصد باب التوسل البدعي.
قال رحمه الله تعالى: [والمقصود هنا، أنه ليس في هذا الباب حديث واحد مرفوع إلى النبي ﷺ يُعتمد عليه في مسألة شرعية باتفاق أهل المعرفة بحديثه، بل المروي في ذلك إنما يعرف أهل المعرفة بالحديث أنه من الموضوعات إما تعمدًا من واضعه، وإما غلطًا منه].
هذه في الحقيقة خلاصة كافية، والشيخ سيكررها أيضًا وسيستدل تفصيلًا على أن التوسلات البدعية التي يتدرع بها أهل الأهواء والبدع قديمًا وحديثًا ليس فيها حديث واحد مرفوع إلى النبي ﷺ يقوم دليلًا على ما قالوه، فضلًا عن أن يكون هناك حشد من الأدلة كما زعموا، كذلك فيما يتعلق بآثار السلف في التوسل البدعي يقول الشيخ: إن أكثرها ضعيفة، كما سيأتي في الفقرة التالية.
[ ٢٥ / ٤ ]
الكلام على ما روي عن السلف في التوسل بالمخلوقات
وأحب أن أنبه إلى أنه يقصد أن هناك أشياء أُثرت عن بعض السلف، لكنها إما أن تكون ضعيفة وهو الغالب، وإما أن تكون اجتهادات خاطئة مخالفة لما ثبت عن النبي ﷺ، ومخالفة لما ثبت عن عموم الصحابة، ومخالفة لما اتفق عليه جمهور السلف، وهي مصدر فتنة لكثير من أهل الأهواء والبدع في مسألة التوسل البدعي، وسيأتي الشيخ لها بنماذج في المقطع القادم.
[ ٢٥ / ٥ ]
الكلام على اجتماع عبد الملك بن مروان وأبناء الزبير والتوسل بالنبي ﷺ
قال رحمه الله تعالى: [وفي الباب آثار عن السلف أكثرها ضعيفة: فمنها حديث الأربعة الذين اجتمعوا عند الكعبة وسألوا، وهم عبد الله ومصعب ابنا الزبير، وعبد الله بن عمر وعبد الملك بن مروان.
ذكره ابن أبي الدنيا في كتاب مجابي الدعاء.
ورواه من طريق إسماعيل بن أبان الغنوي، عن سفيان الثوري، عن طارق بن عبد العزيز، عن الشعبي أنه قال: لقد رأيت عجبًا! كنا بفناء الكعبة أنا، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، ومصعب بن الزبير، وعبد الملك بن مروان، فقال القوم بعد أن فرغوا من حديثهم: ليقم كل رجل منكم، فليأخذ بالركن اليماني وليسأل الله حاجته، فإنه يعطى من سعة، ثم قالوا: قم يا عبد الله بن الزبير فإنك أول مولود في الإسلام بعد الهجرة، فقام فأخذ بالركن اليماني، ثم قال: اللهم إنك عظيم تُرجى لكل عظيم، أسألك بحرمة وجهك، وحرمة عرشك، وحرمة نبيك، ألا تميتني من الدنيا حتى توليني الحجاز، ويُسلَّم علي بالخلافة، ثم جاء فجلس.
ثم قام مصعب، فأخذ بالركن اليماني، ثم قال: اللهم إنك رب كل شيء، وإليك يصير كل شيء، أسألك بقدرتك على كل شيء، ألا تميتني من الدنيا حتى توليني العراق، وتزوجني بـ سكينة بنت الحسين.
ثم قام عبد الملك بن مروان، فأخذ بالركن اليماني، ثم قال: اللهم رب السموات السبع، ورب الأرض ذات النبت بعد القفر، أسألك بما سألك به عبادك المطيعون لأمرك، وأسألك بحقك على خلقك وبحق الطائفين حول عرشك إلى آخره قلت: وإسماعيل بن أبان الذي روى هذا عن سفيان الثوري كذاب.
قال أحمد بن حنبل: كتبت عنه، ثم حدث بأحاديث موضوعه فتركناه.
وقال يحيى بن معين: وضع حديثًا على السابع من ولد العباس يلبس الخضرة يعني المأمون.
وقال البخاري، ومسلم، وأبو زرعة، والدارقطني: متروك.
وقال الجوزجاني: ظهر منه على الكذب.
وقال أبو حاتم: كذاب.
وقال ابن حبان: يضع على الثقات.
وطارق بن عبد العزيز الذي ذكر أن الثوري روى عنه لا يُعرف من هو، قال: فإن طارق بن عبد العزيز المعروف الذي روى عنه ابن عجلان ليس من هذه الطبقة.
وقد خولف فيها، فرواها أبو نعيم عن الطبراني: حدثنا أحمد بن زيد بن الجريش، حدثنا أبو حاتم السجستاني، حدثنا الأصمعي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، قال: اجتمع في الحجر مصعب وعروة وعبد الله أبناء الزبير، وعبد الله بن عمر فقالوا: تمنوا، فقال عبد الله بن الزبير أما أنا فأتمنى الخلافة، وقال عروة: أما أنا فأتمنى أن يؤخذ عني العلم، وقال مصعب: أما أنا فأتمنى إمرة العراق، والجمع بين عائشة بنت طلحة وسكينة بنت الحسين، وقال عبد الله بن عمر: أما أنا فأتمنى المغفرة.
قال: فنالوا كلهم ما تمنوا، ولعل ابن عمر قد غُفر له.
قلت: وهذا إسناد خير من ذاك الإسناد باتفاق أهل العلم، وليس فيه سؤال بالمخلوقات].
[ ٢٥ / ٦ ]
الكلام عن المنامات الواردة في التوسل بالمخلوقات ونحوها من الحكايات
قال رحمه الله تعالى: [وفي الباب حكايات عن بعض الناس، أنه رأى منامًا قيل له فيه: ادع بكذا وكذا، ومثل هذا لا يجوز أن يكون دليلًا باتفاق العلماء.
وقد ذكر بعض هذه الحكايات من جمع الأدعية.
وروي في ذلك أثر عن بعض السلف، مثل ما رواه ابن أبي الدنيا في كتاب مجابي الدعاء، قال: حدثنا أبو هاشم، سمعت كثير بن محمد بن كثير بن رفاعة يقول: جاء رجل إلى عبد الملك بن سعيد بن أبجر، فجس بطنه فقال: بك داء لا يبرأ، قال: ما هو؟ قال: الدبيلة، قال: فتحول الرجل فقال: الله الله، الله ربي، لا أشرك به شيئًا، اللهم إني أتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة ﷺ تسليمًا، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك وربي يرحمني مما بي، قال: فجس بطنه فقال: قد برئت ما بك علة.
قلت: فهذا الدعاء ونحوه قد روي أنه دعا به السلف، ونُقل عن أحمد بن حنبل في منسك المروذي التوسل بالنبي ﷺ في الدعاء، ونهى عنه آخرون، فإن كان مقصود المتوسلين التوسل بالإيمان به وبمحبته وبموالاته وبطاعته، فلا نزاع بين الطائفتين، وإن كان مقصودهم التوسل بذاته فهو محل النزاع، وما تنازعوا فيه يرد إلى الله والرسول].
في هذا المقطع أشار الشيخ إلى بعض الأمور التي قد تشكل، منها قوله: (فهذا الدعاء ونحوه قد روي أنه دعا به السلف)، هذا أيضًا كلام مجمل لا ندري على أي وجه دعا به السلف، ثم إذا كان أُثر عن السلف وروي عنهم فما مدى صحة هذه الرواية، ثم إنه قد يلجأ بعض أهل العلم أو بعض السلف إلى شيء من هذا عن جهل أو خطأ.
كذلك قوله: (ونُقل عن أحمد بن حنبل في منسك المروذي التوسل بالنبي ﷺ في الدعاء).
هذا كلام مجمل، لكن شيخ الإسلام ابن تيمية فسّره بأحد أمرين، قال: (يحتمل أن يقصد به التوسل بالإيمان به، وبمحبته، وهذا حق)، وهذا هو الغالب، وهذا الذي يتماشى مع قواعد الشرع ومع ما كان عليه السلف من أنهم قد يتوسلون بالأمور الصالحة التي تتعلق بالنبي ﷺ كالتوسل بمحبته وطاعته واتباعه ونحو ذلك.
وإن كان المقصود الأمر الآخر، وهو التوسل البدعي، أي: التوسل بذاته، فهذا أيضًا كلام مجمل، فمن هم الذين توسلوا بذاته؟ هل هم الصحابة في أثناء حياته؟ فهذا أمر معلوم، هل هم بعض السلف بعد مماته؟ نعم نقل بعض آثار عن بعضهم أكثرها فيها ضعف، ومنها ما يكون محل اجتهاد لكنه مجمل ربما يفسّر على وجه شرعي صحيح.
إذًا: ما يمكن أن يتذرع به بعض أهل البدع مما أُثر عن بعض السلف من التوسل بالنبي ﷺ قد لا يثبت، وأيضًا يحتاج إلى تفسير، فالكلام المجمل لا يستدل به، لا سيما إذا لم يكن له أصل في الدين، ويتعارض مع قواعد الشرع، ومع إجماع السلف، ويتعارض أيضًا مع ما ثبت عن النبي ﷺ وعن صحابته والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وإذا كل ما يروى من الروايات المجملة يتعارض مع هذه الأصول، فإنه لا بد أن يحمل على تفسير صحيح أو يكون خطأ وزلة من عالم، فالخطأ والزلة ينبغي أن تفسّر على أنها أمر شخصي وقع فيه بعض المعتبرين من أهل العلم عن اجتهاد خاطئ، والزلة قد تقع من العالم فليس معصومًا إلا النبي ﷺ.
[ ٢٥ / ٧ ]
حصول المقصود من الدعاء لا يدل على جوازه
قال رحمه الله تعالى: [وليس مجرد كون الدعاء حصل به المقصود ما يدل على أنه سائغ في الشريعة].
هذه شبهة جديدة، فالشيخ بعد أن حرر مسألة الاستدلال وبيّن أنه ليس هناك دليل ثابت يستدل به أهل التوسل البدعي، انتقل إلى شبهة يقولها كثير من أهل البدع قديمًا وحديثًا، وهذه الشبهة هي أن بعض الذين يدعون بأدعية بدعية يستجاب لهم، كأن يتوسلوا إلى الأموات والأحياء بطلب حوائج فتحصل لهم أغراضهم ومطالبهم، فظن أهل البدع أن تحصيل هذه المطالب بالوسيلة البدعية دليل على أن هذه الوسيلة شرعية، قالوا: لذلك استجاب الله لهم، فيقولون فلان دعا عند القبر أو دعا صاحب القبر فأجيب دعاؤه، فلان توسل بالنبي ﷺ وهو في مكان كذا بعد موته فحصل له مطلوبه وهكذا، وهنا الشيخ سيناقش هذه القضية ويبيّن أن ما يحصل من إجابة لطلبات هؤلاء بالوسيلة البدعية لا تدل على أن عملهم مشروع، إنما هو من باب الابتلاء والفتنة، ومن باب تسخير الشياطين لتؤز هؤلاء المبتدعة إلى البدعة والكفر أزًا.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وليس مجرد كون الدعاء حصل به المقصود ما يدل على أنه سائغ في الشريعة، فإن كثيرًا من الناس يدعون من دون الله من الكواكب والمخلوقين، ويحصل ما يحصل من غرضهم.
وبعض الناس يقصد الدعاء عند الأوثان والكنائس وغير ذلك، ويدعو التماثيل التي في الكنائس ويحصل ما يحصل من غرضه، وبعض الناس يدعو بأدعية محرمة باتفاق المسلمين ويحصل ما يحصل من غرضهم.
فحصول الغرض ببعض الأمور لا يستلزم إباحته، وإن كان الغرض مباحًا، فإن ذلك الفعل قد يكون فيه مفسدة راجحة على مصلحته، والشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وإلا فجميع المحرمات من الشرك والخمر والميسر والفواحش والظلم قد يحصل لصاحبه به منافع ومقاصد، لكن لما كانت مفاسدها راجحة على مصالحها نهى الله ورسوله عنها.
كما أن كثيرًا من الأمور كالعبادات والجهاد وإنفاق الأموال قد تكون مضرة، لكن لمّا كانت مصلحته راجحة على مفسدته أمر به الشارع؛ فهذا أصل يجب اعتباره، ولا يجوز أن يكون الشيء واجبًا أو مستحبًا إلا بدليل شرعي يقتضي إيجابه أو استحبابه، والعبادات لا تكون إلا واجبة أو مستحبة، فما ليس بواجب ولا مستحب فليس بعبادة، والدعاء لله تعالى عبادة إن كان المطلوب به أمرًا مباحًا.
وفي الجملة فقد نُقل عن بعض السلف والعلماء السؤال به].
أي بالنبي ﷺ.
قال رحمه الله تعالى: [بخلاف دعاء الموتى والغائبين من الأنبياء والملائكة والصالحين، والاستغاثة بهم والشكوى إليهم؛ فهذا مما لم يفعله أحد من السلف، من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا رخّص فيه أحد من أئمة المسلمين].
[ ٢٥ / ٨ ]
الكلام على حديث الأعمى في التوسل وما ورد فيه من الروايات
[وحديث الأعمى الذي رواه الترمذي والنسائي هو من القسم الثاني من التوسل بدعائه، فإن الأعمى قد طلب من النبي ﷺ أن يدعو له بأن يرد الله عليه بصره، فقال له: (إن شئت صبرت وإن شئت دعوت، فقال: بل ادعه، فأمره أن يتوضأ ويصلي ركعتين ويقول: اللهم إني أسألك بنبيك نبي الرحمة، يا محمد يا رسول الله، إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه ليقضيها، اللهم فشفعه في) فهذا توسل بدعاء النبي ﷺ وشفاعته، ودعا له النبي ﷺ؛ ولهذا قال: (وشفعه في) فسأل الله أن يقبل شفاعة رسوله فيه وهو دعاؤه.
وهذا الحديث ذكره العلماء في معجزات النبي ﷺ ودعائه المستجاب، وما أظهر الله ببركة دعائه من الخوارق والإبراء من العاهات، فإنه ﷺ ببركة دعائه لهذا الأعمى أعاد الله عليه بصره.
وهذا الحديث حديث الأعمى قد رواه المصنفون في دلائل النبوة كـ البيهقي وغيره.
رواه البيهقي من حديث عثمان بن عمر عن شعبة عن أبي جعفر الخطمي، قال: سمعت عمارة بن خزيمة بن ثابت يحدّث عن عثمان بن حنيف: (أن رجلًا ضريرًا أتى النبي ﷺ، فقال: ادع الله أن يعافيني، فقال له: إن شئت أخرت ذلك فهو خير لك، وإن شئت دعوت، قال: فادعه، فأمره أن يتوضأ فيحسن الوضوء ويصلي ركعتين ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه فيقضيها لي، اللهم فشفعه في وشفعني فيه، قال: فقام وقد أبصر).
ومن هذا الطريق رواه الترمذي من حديث عثمان بن عمر، ومنها رواه النسائي وابن ماجه أيضًا.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي جعفر وهو غير الخطمي، هكذا وقع في الترمذي وسائر العلماء قالوا: هو أبو جعفر الخطمي وهو الصواب.
وأيضًا فـ الترمذي ومن معه لم يستوعبوا لفظه كما استوعبه سائر العلماء، بل رووه إلى قوله: (اللهم شفعه في) قال الترمذي: حدثنا محمود بن غيلان حدثنا عثمان بن عمر حدثنا شعبة عن أبي جعفر عن عمارة بن خزيمة بن ثابت عن عثمان بن حنيف: (أن رجلًا ضرير البصر أتى النبي ﷺ فقال: ادع الله أن يعافيني، قال: إن شئت صبرت فهو خير لك.
قال: فادعه، قال: فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضي، اللهم شفعه في).
قال البيهقي: رويناه في كتاب الدعوات بإسناد صحيح، عن روح بن عبادة عن شعبة قال: (ففعل الرجل فبرأ).
قال: وكذلك رواه حماد بن سلمة عن أبي جعفر الخطمي.
قلت: ورواه الإمام أحمد في مسنده عن روح بن عبادة كما ذكره البيهقي.
قال أحمد: حدثنا روح بن عبادة حدثنا شعبة عن أبي جعفر المديني: سمعت عمارة بن خزيمة بن ثابت يحدث عن عثمان بن حنيف: (أن رجلًا ضريرًا أتى النبي ﷺ فقال: يا نبي الله! ادع الله أن يعافيني، قال: إن شئت أخرت ذلك فهو خير لآخرتك، وإن شئت دعوت لك.
قال: لا، بل ادع الله لي، فأمره أن يتوضأ، وأن يصلي ركعتين، وأن يدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى الله في حاجتي هذه، فتقضي لي وتشفعني فيه وتشفعه في.
قال: ففعل الرجل فبرئ).
ورواه البيهقي أيضًا من حديث شبيب بن سعيد الحبطي عن روح بن القاسم عن أبي جعفر المديني -وهو الخطمي - عن أبي أمامة سهل بن حنيف، عن عثمان بن حنيف قال: (سمعت رسول الله ﷺ وجاءه رجل ضرير يشتكي إليه ذهاب بصره، فقال: يا رسول الله! ليس لي قائد وقد شق علي، فقال رسول الله ﷺ: ائت الميضأة فتوضأ ثم صل ركعتين، ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك نبي الرحمة، يا محمد! إني أتوجه بك إلى ربي فيجلي عن بصري، اللهم فشفعه في وشفعني في نفسي قال عثمان بن حنيف: والله ما تفرقنا ولا طال الحديث بنا حتى
[ ٢٥ / ٩ ]
الأسئلة
[ ٢٥ / ١٠ ]
حكم طلب الدعاء من شخص ودعاء الله باستجابة دعاء ذلك الشخص
السؤال
هل يجوز تكرار نفس الصورة مع رجل صالح فيطلب منه الدعاء، ثم الطالب يسأل الله ﷿ أن يستجيب فيه دعاء هذا الرجل الصالح؟
الجواب
فيما يظهر لي أن هذه الصورة ليس فيها ما يشكل.
أما الدعاء بقوله: (اللهم إني أسألك بهذا الرجل الصالح)، فهو انتقال عن الصفة المشروعة إلى الصفة البدعية؛ لأن النبي ﷺ يجوز التوسل بذاته في حياته، بينما لا يجوز التوسل بذات غيره لا أحياء ولا أمواتًا فمن هنا قد توجد صورة تحتاج إلى تحرير، فيجوز التوسل بذات النبي ﷺ وأشيائه بمعنى التبرك بها في حياته، وهذا مما اتفق عليه الصحابة، واتفقوا على العكس أيضًا، أنه بعد وفاته ﷺ لم يتوسلوا بذاته إنما توسلوا بآثاره حتى انقرضت، أي تبركوا بها حتى انقرضت؛ لأن التوسل يأتي على معان كثيرة، والمقصود هنا التبرك.
أما في الصورة التي يمكن أن يطلب فيها أحد من الناس من رجل صالح أن يدعو له، ثم هو يطلب من الله أن يستجيب دعاء هذا الرجل الصالح فيه، فهذا مما لا حرج فيه؛ لكن لا يعلّق الدعاء بذات الرجل، لأنه فرق بين ذات النبي ﷺ وبين بقية الذوات، إذ ذلك من خصائص النبي ﷺ.
أما عبارة: (وشفعني فيه)، ففيها إشكال وسيأتي الكلام عنها إن شاء الله.
[ ٢٥ / ١١ ]
الحكم على أثر: (يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي)
السؤال
ما الحكم في قوله: (يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك وربي يرحمني مما بي)؟
الجواب
هذه لا شيء فيها، فمعناها هنا: بدعائك؛ لأن النص فسّر بعضه بعضًا، ولأن النبي ﷺ يسمع ويستجيب، فالنبي ﷺ سمع نداء الأعمى ووجهه إلى ذلك، ثم لما قال: يا محمد، استجاب له النبي ﷺ، بمعنى أنه حقق رغبته بأن دعا له، فالصورة واضحة هنا رغم اختلاف الألفاظ واختلاف السياقات، فإنها كلها تدور على أن النبي ﷺ وجّه الرجل بأن يتوضأ ويصلي ثم يدعو الله ﷿، ثم يطلب من النبي ﷺ أن يدعو له، ثم يدعو الله بأن يستجيب دعاء النبي ﷺ فيه.
فالداعي الرجل الضرير، وأيضًا النبي ﷺ؛ لأنه حينما قال: أتوجه إليك يا رسول الله، فالمعنى: أن تدعو لي، فدعا له النبي ﷺ، ثم هو أيضًا دعا الله أن يستجيب فيه دعاء النبي ﷺ، فالمسألة واضحة إن شاء الله.
وأما قوله: (يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك وربي يرحمني مما بي)، فكلمة (وربي) فيها إشكال، والظاهر أنها لا بأس بها، والمعنى: أتوجه بك إلى ربنا جميعًا ربي وربك!
[ ٢٥ / ١٢ ]
الرد على شبهة أن بعض علل الأحكام لا تعرف
السؤال
الإسلام دين الفطرة والعقل فكيف لا تُعرف حكم بعض الأمور الشرعية، وكيف أرد على هذه الشبهة؟
الجواب
لم يرد أن جميع أمور الدين لا بد أن تُدرك بالفطرة والعقل، بل بعضها يدرك وبعضها لا يُدرك، ثم إنه لم يرد أننا متعبدون بالبحث عن الحكم، بل نحن متعبّدون بالتسليم المطلق لله ﷿ والتصديق بالرسول ﷺ، فكوننا نقول إن أمور الدين تقتضيها الفطرة فهذا في الجملة، أما التفاصيل فلا؛ لأن العقل والفطرة لا يستقلان بذلك، لكن ندرك بهما الأمور الجملية، مثل ضرورة التوحيد والعبادة والبعث وإرسال الرسل، والحكم في كثير من أمور التشريع تدركها العقول والفطر السليمة على وجه إجمالي لا على سبيل التقصي والكمال، ولا على سبيل الحصر لجميع الحكم.
[ ٢٥ / ١٣ ]
حكم تقبيل المصحف
السؤال
ما حكم تقبيل المصحف؟
الجواب
تقبيل المصحف فيما أعلم لا حرج فيه، إذا لم يكن لمعنى بدعي، أما مجرد تقبيل الإكرام فلا حرج فيه إن شاء الله.
[ ٢٥ / ١٤ ]
مدى صحة الآثار الواردة عن ابن مسعود وعكرمة في تقبيل المصحف
السؤال
ما مدى صحة الآثار التي وردت عن ابن مسعود وعكرمة في تقبيل المصحف؟
الجواب
لا يحضرني مدى صحة هذه الروايات، لكن أُثر ذلك عن كثير من السلف، وإلى اليوم يعتبر هذا من الأمور المقرة عند أهل العلم المعتبرين، إلا أن هناك من يخالف، فالمسألة من الأمور الخلافية، لكن الظاهر لي والله أعلم أنه ليس هناك مانع من تقبيل المصحف إذا كان على سبيل التكريم، والله أعلم، ونسأل الله للجميع التوفيق والسداد.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين.
[ ٢٥ / ١٥ ]