شرح كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة [٢٦]
العبادات لا تثبت إلا بنص الشارع، وما ثبت في حالات نادرة عن آحاد من الصحابة أو التابعين وفي مسائل محدودة وخالفهم عليها جمهور الصحابة، فإنه لا يعتد بتلك الآحاد النادرة، سيما إذا كانت النصوص الكثيرة بل والمتواترة قاضية على تلك الجزئيات، وهذا إذا سلمنا بصحة تلك الروايات، وإن كان في الأعم الأغلب أنها قد تكون ضعيفة أو باطلة الإسناد والمتن، والاجتهاد إذا عارض النصوص الواضحة البينة فإنه يلغى، ومثل هذا ما ثبت في التوسل من روايات ضعيفة، وإن ثبت عن آحاد الصحابة، ومن ذلك ما ورد عن عثمان بن حنيف فإنه من هذا الباب.
[ ٢٦ / ١ ]
ما ورد من الاحتجاج بحديث الأعمى بعد موت النبي ﷺ
وصلنا في الفتاوى إلى صفحة (٢٦٨) المقطع الأخير، وكلام الشيخ هنا سيتركّز على حديث يستدل به كثير من أصحاب التوسلات البدعية، وتزيد ألفاظه ومعانيه عن الحديث الأصل الذي ورد فيه أن الأعمى جاء إلى النبي ﷺ يريد أن يدعو له ليكشف الله ضره، وأن النبي ﷺ أمره بأن يتوضأ ويصلي ويدعو الله ﷿ في أن يستجيب دعاء النبي ﷺ فيه، ومن ضمن هذه الروايات أيضًا أنه خاطب النبي ﷺ بأن يشفع له، وطلب من الله أن يقبل هذه الشفاعة هذه الصورة وردت في حديث صحيح، وورد في بعض روايات الحديث بأسانيد أخرى وبألفاظ أخرى زيادات تعتبر مصدر فتنة وذريعة لأصحاب التوسل البدعي، وهذا ما سيتحدث عنه الشيخ في الصفحات التالية.
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: [ورواه البيهقي من هذه الطريق، وفيه قصة قد يحتج بها من توسل به بعد موته إن كانت صحيحة، رواه من حديث إسماعيل بن شبيب بن سعيد الحبطي، عن شبيب بن سعيد عن روح بن القاسم عن أبي جعفر المديني عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف: أن رجلًا كان يختلف إلى عثمان بن عفان في حاجة له، وكان عثمان لا يلتفت إليه، ولا ينظر في حاجته، فلقي الرجل عثمان بن حنيف فشكا إليه ذلك، فقال له عثمان بن حنيف: ائت الميضأة، فتوضأ، ثم ائت المسجد فصل ركعتين، ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد نبي الرحمة، يا محمد، إني أتوجه بك إلى ربي فيقضي لي حاجتي، ثم اذكر حاجتك، ثم رح حتى أروح، قال: فانطلق الرجل فصنع ذلك، ثم أتى بعد عثمان بن عفان، فجاء البواب فأخذ بيده، فأدخله على عثمان فأجلسه معه على الطنفسة وقال: انظر ما كانت لك من حاجة، فذكر حاجته، فقضاها له].
[ ٢٦ / ٢ ]
بيان ما ورد أن عثمان بن حنيف يعلم رجلًا التوسل بالنبي ﵊ بعد موته
في هذه القصة أمور زائدة عن أصل الحديث الأول، من هذه الأمور أن هذه القصة حدثت بعد موت النبي ﷺ.
ومنها أن هذا الصحابي وجّه هذا الرجل إلى أن يعمل عملًا صورته قريبة من صورة ما حدث للأعمى، لكن بغياب النبي ﷺ وليس بحضوره، وأنه لا يريد بها التوسل بالرسول ﷺ مباشرة إنما أراد التوسل به، ثم أيضًا أن يؤثر هذا التوسل في عثمان ﵁، وهذا أمر فيه إشكال، إذ كيف يطلب منه أن يتوسل بالنبي ﷺ بأن يقضي عثمان حاجته؟ هذه مسألة تدل على أن القصة فيها نوع لبس كما سيذكر الشيخ فيما بعد.
ثم إن الذي وجهه إلى ذلك ما أراد أن يتدخل مباشرة في القصة، وإلا لكان من الممكن أن نقول إنه أراد أن يشفع له عند عثمان بعدما يعمل هذا العمل، كأنه يريد الاقتداء بالنبي ﷺ على وجه من الوجوه، لكن كان في نية عثمان بن حنيف ألا يذهب به إلى عثمان، إنما تصور القصة أنه يعتقد أنه إذا فعل ذلك فإن هذا العمل بذاته سيؤثر في عثمان ﵁ فيقضي له حاجته.
إذًا القصة فيها غرائب وغوامض ومقاطع منفكة عن الأصل الذي وردت فيه، مما يدل على أن هذه الحكاية ليست صحيحة بهذه الصورة، وأن فيها جملة أغلاط وتوهمات، وربما يكون هذا راجعًا إلى أن القصة لا أصل لها، أو أن سندها غير صحيح.
قال رحمه الله تعالى: [ثم إن الرجل خرج من عنده، فلقي عثمان بن حنيف، فقال له: جزاك الله خيرًا ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إلي حتى كلمته في، فقال عثمان بن حنيف: ما كلمته، ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقول، وجاءه ضرير، فشكا إليه ذهاب بصره، فقال له النبي ﷺ: (أو تصبر؟ فقال له: يا رسول الله ليس لي قائد وقد شق علي، فقال: ائت الميضأة فتوضأ وصل ركعتين، ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه إلى ربي فيجلي لي عن بصري، اللهم فشفعه في، وشفعني في نفسي، قال عثمان بن حنيف: فوالله ما تفرقنا وما طال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضر قط).
قال البيهقي: ورواه أحمد بن شبيب بن سعيد عن أبيه بطوله، وساقه من رواية يعقوب بن سفيان، عن أحمد بن شبيب بن سعيد قال: ورواه أيضًا هشام الدستوائي عن أبي جعفر عن أبي أمامة بن سهل عن عمه وهو عثمان بن حنيف، ولم يذكر إسناد هذه الطريق.
قلت: وقد رواه النسائي في كتاب عمل اليوم والليلة من هذه الطريق، من حديث معاذ بن هشام عن أبيه عن أبي جعفر عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف.
ورواه أيضًا من حديث شعبة وحماد بن سلمة كلاهما عن أبي جعفر عن عمارة بن خزيمة، ولم يروه أحد من هؤلاء لا الترمذي، ولا النسائي، ولا ابن ماجة من تلك الطرق الغريبة التي فيها الزيادة، طريق شبيب بن سعيد عن روح بن القاسم.
لكن رواه الحاكم في مستدركه من الطريقين، فرواه من حديث عثمان بن عمر حدثنا شعبة عن أبي جعفر المدني سمعت عمارة بن خزيمة يحدث عن عثمان بن حنيف: (أن رجلًا ضريرًا أتى النبي ﷺ فقال: ادع الله أن يعافيني فقال: إن شئت أخرت ذلك فهو خير لك، وإن شئت دعوت، قال: فادعه، فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويصلي ركعتين ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه، اللهم فشفعه في وشفعني فيه).
قال الحاكم: على شرطهما.
ثم رواه من طريق شبيب بن سعيد الحبطي، وعون بن عمارة عن روح بن القاسم عن أبي جعفر الخطمي المدني عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف: (أنه سمع النبي ﷺ وجاءه ضرير فشكا إليه ذهاب بصره، وقال: يا رسول الله! ليس لي قائد وقد شق علي، فقال: ائت الميضأة، فتوضأ ثم صل ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألك، وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي، فيجلي لي عن بصري، اللهم فشفعه في وشفعني في نفسي، قال عثمان: فوالله ما تفرقنا ولا طال بنا الحديث حتى دخل الرجل وكأن لم يكن به ضر قط).
قال الحاكم: على شرط
[ ٢٦ / ٣ ]
الكلام على شبيب أحد رواة حديث عثمان بن حنيف
قال رحمه الله تعالى: [وشبيب هذا صدوق، روى له البخاري، لكنه قد روي له عن روح بن الفرج أحاديث مناكير، رواها ابن وهب، وقد ظن أنه غلط عليه، ولكن قد يقال: مثل هذا إذا انفرد عن الثقات الذين هم أحفظ منه، مثل شعبة وحماد بن سلمة وهشام الدستوائي بزيادة، كان ذلك عليه في الحديث، لا سيما وفي هذه الرواية أنه قال: (فشفعه في وشفعني في نفسي)، وأولئك قالوا: (فشفعه في وشفعني فيه).
ومعنى قوله: (وشفعني فيه) أي: في دعائه، وسؤاله لي، فيطابق قوله: (وشفعه في).
قال أبو أحمد بن عدي في كتابه المسمى بالكامل في أسماء الرجال، ولم يصنف في فنه مثله: شبيب بن سعيد الحبطي أبو سعيد البصري التميمي حدث عنه ابن وهب بالمناكير، وحدث عن يونس عن الزهري بنسخة الزهري أحاديث مستقيمة، وذكر عن علي بن المديني أنه قال: هو بصري ثقة كان من أصحاب يونس، كان يختلف في تجارة إلى مصر، وجاء بكتاب صحيح.
قال: وقد كتبها عن ابنه أحمد بن شبيب، وروى عن عدي حديثين عن ابن وهب عن شبيب هذا عن روح بن الفرج: أحدهما: عن ابن عقيل عن سابق بن ناجية عن ابن سلام قال: مرّ بنا رجل فقالوا: إن هذا قد خدم النبي ﷺ.
والثاني: عنه عن روح بن الفرج عن عبد الله بن الحسين عن أمه فاطمة حديث دخول المسجد.
قال ابن عدي: كذا قيل في الحديث عن عبد الله بن الحسين عن أمه فاطمة بنت الحسين عن فاطمة بنت رسول الله ﷺ.
قال ابن عدي: ولـ شبيب بن سعيد نسخة الزهري عنده، عن يونس عن الزهري وهي أحاديث مستقيمة.
وحدث عنه ابن وهب بأحاديث مناكير.
وإن حدثني روح بن الفرج اللذين أمليتهما، يرويهما ابن وهب عن شبيب، وكان شبيب بن سعيد إذا روى عنه ابنه أحمد بن شبيب نسخة الزهري: ليس هو شبيب بن سعيد الذي يحدث عنه ابن وهب بالمناكير التي يرويها عنه، ولعل شبيبًا بمصر في تجارته إليها كتب عنه ابن وهب من حفظه فيغلط ويهم، وأرجو أن لا يتعمد شبيب هذا الكذب.
قلت: هذان الحديثان اللذان أنكرهما ابن عدي عليه، رواهما عن روح بن القاسم، وكذلك هذا الحديث حديث الأعمى رواه عن روح بن القاسم، وهذا الحديث مما رواه عنه ابن وهب أيضًا، كما رواه عنه ابناه، لكنه لم يتقن لفظه كما أتقنه ابناه، وهذا يصحح ما ذكره ابن عدي، فعُلم أنه محفوظ عنه.
وابن عدي أحال الغلط عليه لا على ابن وهب، وهذا صحيح إن كان قد غلط، وإذا كان قد غلط على روح بن القاسم في ذينك الحديثين أمكن أن يكون غلط عليه في هذا الحديث.
وروح بن القاسم ثقة مشهور روى له الجماعة؛ فلهذا لم يحيلوا الغلط عليه.
والرجل قد يكون حافظًا لما يرويه عن شيخ، وغير حافظ لما يرويه عن آخر، مثل إسماعيل بن عياش فيما يرويه عن الحجازيين، فإنه يغلط فيه، بخلاف ما يرويه عن الشاميين، ومثل سفيان بن حسين فيما يرويه عن الزهري، ومثل هذا كثير فيحتمل أن يكون هذا يغلط فيما يرويه عن روح بن القاسم إن كان الأمر كما قاله ابن عدي، وهذا محل نظر].
[ ٢٦ / ٤ ]
رواية الطبراني لحديث عثمان بن حنيف
قال رحمه الله تعالى: [وقد روى الطبراني هذا الحديث في المعجم، من حديث ابن وهب عن شبيب بن سعيد، ورواه من حديث أصبغ بن الفرج: حدثنا عبد الله بن وهب عن شبيب بن سعيد المكي عن روح بن القاسم عن أبي جعفر الخطمي المدني عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف: أن رجلًا كان يختلف إلى عثمان بن عفان في حاجة له، فلقي عثمان بن حنيف فشكا إليه ذلك، فقال له عثمان بن حنيف: (ائت الميضأة فتوضأ، ثم ائت المسجد فصل فيه ركعتين، ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد ﷺ نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك ﷿ فيقضي لي حاجتي، وتذكر حاجتك، ورح حتى أروح معك، فانطلق الرجل فصنع ما قال له، ثم أتى باب عثمان بن عفان فأجلسه معه على الطنفسة، وقال: حاجتك؟ فذكر حاجته فقضاها له، ثم قال له: ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة، وقال: ما كانت لك من حاجة فائتنا، ثم إن الرجل خرج من عنده، فلقي عثمان بن حنيف فقال له: جزاك الله خيرًا ما كان ينظر في حاجتي، ولا يلتفت إلي حتى كلمته في، فقال عثمان بن حنيف: والله ما كلمته، ولكن شهدت رسول الله ﷺ وأتاه ضرير فشكا إليه ذهاب بصره فقال له النبي ﷺ: أفتصبر؟ فقال: يا رسول الله! إنه ليس لي قائد وقد شق علي، فقال له رسول الله ﷺ: ائت الميضأة، فتوضأ ثم صل ركعتين، ثم ادع بهذه الدعوات، فقال عثمان بن حنيف: فوالله ما تفرقنا، ولا طال بنا الحديث، حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضر قط).
قال الطبراني: روى هذا الحديث شعبة عن أبي جعفر واسمه عمير بن يزيد وهو ثقة، تفرد به عثمان بن عمر عن شعبة قال أبو عبد الله المقدسي: والحديث صحيح.
قلت: والطبراني ذكر تفرده بمبلغ علمه، ولم تبلغه رواية روح بن عبادة عن شعبة، وذلك إسناد صحيح، يبيّن أنه لم ينفرد به عثمان بن عمر.
وطريق ابن وهب هذه تؤيد ما ذكره ابن عدي، فإنه لم يحرر لفظ الرواية كما حررها ابناه، بل ذكر فيها أن الأعمى دعا بمثل ما ذكره عثمان بن حنيف، وليس كذلك، بل في حديث الأعمى أنه قال: (اللهم فشفعه في وشفعني فيه أو قال: في نفسي) وهذه لم يذكرها ابن وهب في روايته، فيشبه أن يكون حدث ابن وهب من حفظه كما قال ابن عدي: فلم يتقن الرواية].
[ ٢٦ / ٥ ]
رواية حديث الأعمى بزيادة تدل على التوسل عند كل حاجة
قال رحمه الله تعالى: [وقد ذكر أبو بكر بن أبي خيثمة في تاريخه حديث حماد بن سلمة فقال: حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا حماد بن سلمة أنبأنا أبو جعفر الخطمي عن عمارة بن خزيمة عن عثمان بن حنيف: (أن رجلًا أعمى أتى النبي ﷺ فقال: إني أصبت في بصري فادع الله لي، قال: اذهب فتوضأ وصل ركعتين، ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أستشفع بك على ربي في رد بصري، اللهم فشفعني في نفسي، وشفع نبيي في رد بصري، وإن كانت حاجة فافعل مثل ذلك، فرد الله عليه بصره).
قال ابن أبي خيثمة: وأبو جعفر هذا الذي حدث عنه حماد بن سلمة اسمه عمير بن يزيد وهو أبو جعفر الذي يروي عنه شعبة.
ثم ذكر الحديث من طريق عثمان بن عمر عن شعبة.
قلت: وهذه الطريق فيها: (فشفعني في نفسي) مثل طريق روح بن القاسم، وفيها زيادة أخرى وهي قوله: (وإن كانت حاجة فافعل مثل ذلك -أو قال- فعل مثل ذلك).
وهذه قد يقال: إنها توافق قول عثمان بن حنيف لكن شعبة وروح بن القاسم أحفظ من حماد بن سلمة، واختلاف الألفاظ يدل على أن مثل هذه الرواية قد تكون بالمعنى، وقوله: (وإن كانت حاجة فعل مثل ذلك) قد يكون مدرجًا من كلام عثمان لا من كلام النبي ﷺ فإنه لم يقل: وإن كانت لك حاجة فعلت مثل ذلك، بل قال: وإن كانت حاجة فعل مثل ذلك].
[ ٢٦ / ٦ ]
حكم الزيادة الواردة في حديث الأعمى والتي تدل على التوسل عند كل حاجة
قال رحمه الله تعالى: [وبالجملة فهذه الزيادة لو كانت ثابتة لم تكن فيها حجة، وإنما غايتها أن يكون عثمان بن حنيف ظن أن الدعاء يدعى ببعضه دون بعض، فإنه لم يأمره بالدعاء المشروع بل ببعضه، وظن أن هذا مشروع بعد موته ﷺ، ولفظ الحديث يناقض ذلك].
بدأ الشيخ الآن يذكر رأيه في هذه القضية ويفند أصل الاستدلال بها على التوسل البدعي، لكن كلامه في ذلك مفرّق، وستجدون أنه يبدأ بالنقض ثم يستطرد، ثم يعود إلى النقض مرة أخرى، وسيوجزه في كلمات سيأتي ذكرها بعد قليل.
فهو يذكر أن هذا الكلام الزائد بعضه من عثمان بن حنيف، وأيضًا ربما يكون عثمان بن حنيف ظن أن ما حدث للأعمى في عهد النبي ﷺ يصلح بعد وفاة النبي ﷺ، وهذا أمر خالف فيه إجماع الصحابة، فيكون -إن ثبت- اجتهاد صحابي زلّ في اجتهاده.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن في الحديث، أن الأعمى سأل النبي ﷺ أن يدعو له، وأنه علم الأعمى أن يدعو وأمره في الدعاء أن يقول: اللهم فشفعه في.
وإنما يدعى بهذا الدعاء إذا كان النبي ﷺ داعيًا شافعًا له بخلاف من لم يكن كذلك، فهذا يناسب شفاعته ودعاءه للناس في محياه في الدنيا ويوم القيامة إذا شفع لهم].
[ ٢٦ / ٧ ]
معنى قوله في حديث الأعمى: (وشفعني فيه)
قال ﵀: [وفيه أيضًا أنه قال: (وشفعني فيه).
وليس المراد أن يشفع للنبي ﷺ في حاجة للنبي ﷺ، وإن كنا مأمورين بالصلاة والسلام عليه، وأمرنا أن نسأل الله له الوسيلة.
ففي صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: (من قال إذا سمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة)].
إذًا: قوله: (وشفّعني فيه) إذا ثبتت فإن المقصود بها الإشارة إلى أنه يدعو الله ﷿ بأن يقبل منه الدعاء كما يقبل من النبي ﷺ، أو أن يقبل الله دعاء النبي ﷺ فيه.
وقوله: (شفّعني): يعني استجب دعائي، فليس المقصود بالتشفيع بأن يكون له على النبي ﷺ عدالة أو فضل، ولكن كأنه يقول: اقبل دعائي كما تقبل دعاء النبي ﷺ، فهذا نوع من الإشفاق والحرص على كشف الضر.
قال رحمه الله تعالى: [وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإن من صلى علي صلاة صلى الله عليه عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة، لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة).
وسؤال الأمة له الوسيلة هو دعاء له، وهو معنى الشفاعة؛ ولهذا كان الجزاء من جنس العمل، فمن صلى عليه صلى عليه الله، ومن سأل الله له الوسيلة المتضمنة لشفاعته، شفع له ﷺ، كذلك الأعمى سأل منه الشفاعة، فأمره أن يدعو الله بقبول هذه الشفاعة، وهو كالشفاعة في الشفاعة؛ فلهذا قال: اللهم فشفعه في وشفعني فيه.
وذلك أن قبول دعاء النبي ﷺ في مثل هذا هو من كرامة الرسول على ربه؛ ولهذا عُدّ هذا من آياته ودلائل نبوته، فهو كشفاعته يوم القيامة في الخلق، ولهذا أمر طالب الدعاء أن يقول: (فشفعه في وشفعني فيه).
بخلاف قوله: (وشفعني في نفسي)، فإن هذا اللفظ لم يروه أحد إلا من هذا الطريق الغريب.
وقوله: (وشفعني فيه) رواه عن شعبة رجلان جليلان: عثمان بن عمر وروح بن عبادة، وشعبة أجل من روى هذا الحديث، ومن طريق عثمان بن عمر عن شعبة رواه الثلاثة: الترمذي والنسائي وابن ماجه.
رواه الترمذي عن محمود بن غيلان عن عثمان بن عمر عن شعبة.
ورواه ابن ماجه عن أحمد بن يسار عن عثمان بن عمر.
وقد رواه أحمد في المسند عن روح بن عبادة عن شعبة فكان هؤلاء أحفظ للفظ الحديث، مع أن قوله: (وشفعني في نفسي)، إن كان محفوظًا مثل ما ذكرناه، وهو أنه طلب أن يكون شفيعًا لنفسه مع دعاء النبي ﷺ، ولو لم يدع له النبي ﷺ كان سائلًا مجردًا كسائر السائلين.
ولا يسمى مثل هذا شفاعة، وإنما تكون الشفاعة إذا كان هناك اثنان يطلبان أمرًا فيكون أحدهما شفيعًا للآخر، بخلاف الطالب الواحد الذي لم يشفع غيره.
فهذه الزيادة فيها عدة علل: انفراد هذا بها عمن هو أكبر وأحفظ منه، وإعراض أهل السنن عنها، واضطراب لفظها، وأن راويها عُرف له عن روح هذا أحاديث منكرة.
ومثل هذا يقتضي حصول الريب والشك في كونها ثابتة فلا حجة فيها، إذ الاعتبار بما رواه الصحابي لا بما فهمه إذا كان اللفظ الذي رواه لا يدل على ما فهمه، بل على خلافه.
ومعلوم أن الواحد بعد موته إذا قال: (اللهم فشفعه في وشفعني فيه) مع أن النبي ﷺ لم يدع له كان هذا كلامًا باطلًا، مع أن عثمان بن حنيف لم يأمره أن يسأل النبي ﷺ شيئًا، ولا أن يقول: (فشفعه في)، ولم يأمره بالدعاء المأثور على وجهه، وإنما أمره ببعضه، وليس هناك من النبي ﷺ شفاعة، ولا ما يُظن أنه شفاعة، فلو قال بعد موته: فشفعه في لكان كلامًا لا معنى له، ولهذا لم يأمر به عثمان، والدعاء المأثور عن النبي ﷺ لم يأمر به، والذي أمر به ليس مأثورًا عن النبي ﷺ.
ومثل هذا لا تثبت به شريعة، كسائر ما ينقل عن آحاد الصحابة في جنس العبادات أو الإباحات أو الإيجابات أو التحريمات، إذا لم يوافقه غيره من الصحابة عليه، وكان ما ثبت عن النبي ﷺ يخالفه لا يوافقه، لم يكن فعله سنة يجب على المسلمين اتباعها، بل غايته أن يكون ذلك مما يسوغ فيه الاجتهاد، ومما تنازعت فيه الأمة، فيجب
[ ٢٦ / ٨ ]
استدلال أهل البدع بالشاذ النادر
لو تأملنا هذه الحكاية التي وقعت في عهد عثمان ﵁ لوجدنا أنها حالة نادرة، هذا إذا ثبتت، وفي ثبوتها نظر كما ذكر الشيخ قبل ذلك.
والأمر الآخر: أنه لم يرد في القصة أنها شوهدت من مجموع من الناس، ولكن حدثت بين ثلاثة، وهي دعوى اجتهد فيها عثمان بن حنيف وربما أن عثمان ﵁ لم يطّلع على الأمر أيضًا، بل هو الغالب، فالغالب أن هذا الرجل عمل باجتهاد خاطئ من صحابي ولم يطّلع عليه آخرون، فلا يقال: إن هذا أُقرّ من عثمان أو ممن شهدوا، أو أنه أُقر من جماعة من الصحابة، فغاية ما يقال: إن ثبتت القصة فهي اجتهاد من عثمان بن حنيف مع رجل آخر عمل هذا العمل، وربما كان عمله خطأ، وعثمان بن عفان لم يشهد الموقف، ولكن أمره أن يسأل فسأل ولا يدري ماذا فعل.
ثم عثمان ﵁ إن ثبتت القصة حينما قضى حاجته لم يعلم أنه فعل ذلك، ولو علم لأنكر، فأصبح الأمر يرجع إلى اجتهاد من صحابي ولم يعلم به الصحابة الآخرون فضلًا عن أن يوافقوه عليه.
ثم إنها حالة نادرة والنادر لا حكم له، وهي قصة واحدة لا يمكن أن يُبنى عليها قاعدة في الدين وتكون سلوكًا يعمل عليه جماعة أو طوائف من المسلمين كما هو حال أهل التوسل البدعي، وهذه قاعدة في كثير من الأمور المشتبهة، أو النصوص والأدلة التي فيها اشتباه، فلا ينبغي أن تكون حجة في أمور تعارض أصول الدين وقواعده العامة التي أجمع عليها المسلمون، مثل قول النبي ﷺ: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، (كل بدعة ضلالة)، وغير ذلك من القواعد القوية الصارمة، فلا يمكن أن تُخرق هذه القواعد من أجل روايات إن ثبتت فهي فردية.
والأمور التي تتعلق بالعبادة فعلها في حالات نادرة في عهد الصحابة دليل على عدم ثبوتها وعدم العمل بها، أو أنها إن ثبتت فليست معتبرة؛ ولذلك نجد أغلب أدلة أهل البدع في استدلالاتهم من هذا النوع الشاذ النادر القليل إن ثبت، أو الذي في دلالته شبهة مثل استدلالهم بقول عمر ﵁: نعمت البدعة، وهذه يتعلقون بها وكأنها وحي منزّل، مع أنه معروف في سياق قصة عمر ماذا يقصد عمر، وأن التراويح كانت في أصلها سنة، وأن النبي ﷺ لم يتركها إلا لعلة، ولما زالت هذه العلة ما استصحبوا السياق، فالشاهد أن استدلالهم بهذه القصة استدلال ساقط على جميع الاعتبارات، ويبقى عمل الصحابة هو الأصل، والصحابة لم يعملوا بشيء من ذلك.
[ ٢٦ / ٩ ]
قاعدة فيما يسن فيه الاقتداء بالنبي ﷺ وما لا يسن
قال رحمه الله تعالى: [ولهذا نظائر كثيرة: مثل ما كان ابن عمر يدخل الماء في عينيه في الوضوء، ويأخذ لأذنيه ماء جديدًا، وكان أبو هريرة يغسل يديه إلى العضدين في الوضوء ويقول: من استطاع أن يطيل غرته فليفعل.
وروي عنه أنه كان يمسح عنقه ويقول: هو موضع الغل.
فإن هذا وإن استحبه طائفة من العلماء اتباعًا لهما، فقد خالفهم في ذلك آخرون وقالوا: سائر الصحابة لم يكونوا يتوضئون هكذا، والوضوء الثابت عنه ﷺ الذي في الصحيحين وغيرهما من غير وجه ليس فيه أخذ ماء جديد للأذنين، ولا غسل ما زاد على المرفقين والكعبين، ولا مسح العنق، ولا قال النبي ﷺ: من استطاع أن يطيل غرته فليفعل.
بل هذا من كلام أبي هريرة ﵁ جاء مدرجًا في بعض الأحاديث، وإنما قال النبي ﷺ: (إنكم تأتون يوم القيامة غرًا محجلين من آثار الوضوء)، وكان ﷺ يتوضأ حتى يشرع في العضد والساق، فقال أبو هريرة: من استطاع أن يطيل غرته فليفعل، وظن من ظن أن غسل العضد من إطالة الغرة، وهذا لا معنى له فإن الغرة في الوجه لا في اليد والرجل، وإنما في اليد والرجل الحجلة، والغرة لا يمكن إطالتها، فإن الوجه يغسل كله، لا يغسل الرأس، ولا غرة في الرأس، والحجلة لا يستحب إطالتها وإطالتها مثلة.
[ ٢٦ / ١٠ ]
المتابعة في السنة أبلغ من المتابعة في صورة العمل
وكذلك ابن عمر ﵄ كان يتحرى أن يسير مواضع سير النبي ﷺ، وينزل مواضع منزله، ويتوضأ في السفر حيث رآه يتوضأ، ويصب فضل مائه على شجرة صب عليها.
ونحو ذلك مما استحبه طائفة من العلماء ورأوه مستحبًا، ولم يستحب ذلك جمهور العلماء، كما لم يستحبه ولم يفعله أكابر الصحابة، كـ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود ومعاذ بن جبل وغيرهم، لم يفعلوا مثل ما فعل ابن عمر ﵄، ولو رأوه مستحبًا لفعلوه كما كانوا يتحرون متابعته والاقتداء به.
وذلك لأن المتابعة أن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعل، فإذا فعل فعلًا على وجه العبادة، شُرع لنا أن نفعله على وجه العبادة، وإذا قصد تخصيص مكان أو زمان بالعبادة خصصناه بذلك، كما كان يقصد أن يطوف حول الكعبة، وأن يستلم الحجر الأسود، وأن يصلي خلف المقام، وكان يتحرى الصلاة عند أسطوانة مسجد المدينة، وقصد الصعود على الصفا والمروة والدعاء والذكر هناك، وكذلك عرفة ومزدلفة وغيرهما.
وأما ما فعله بحكم الاتفاق ولم يقصده مثل أن ينزل بمكان، ويصلي لكونه نزله لا قصدًا لتخصيصه بالصلاة والنزول فيه.
فإذا قصدنا تخصيص ذلك المكان بالصلاة فيه أو النزول لم نكن متبعين، بل هذا من البدع التي كان ينهى عنها عمر بن الخطاب ﵁، كما ثبت بالإسناد الصحيح من حديث شعبة عن سليمان التيمي عن المعرور بن سويد قال: كان عمر بن الخطاب ﵁ في سفر فصلى الغداة، ثم أتى على مكان فجعل الناس يأتونه فيقولون: صلى فيه النبي ﷺ، فقال عمر: إنما هلك أهل الكتاب أنهم اتبعوا آثار أنبيائهم فاتخذوها كنائس وبيعًا، فمن عرضت له الصلاة فليصل، وإلا فليمض.
فلما كان النبي ﷺ لم يقصد تخصيصه بالصلاة فيه، بل صلى فيه لأنه موضع نزوله، رأى عمر أن مشاركته في صورة الفعل من غير موافقة له في قصده ليس متابعة، بل تخصيص ذلك المكان بالصلاة من بدع أهل الكتاب التي هلكوا بها، ونهى المسلمين عن التشبه بهم في ذلك، ففاعل ذلك متشبه بالنبي ﷺ في الصورة، ومتشبه باليهود والنصارى في القصد الذي هو عمل القلب.
وهذا هو الأصل، فإن المتابعة في السنة أبلغ من المتابعة في صورة العمل؛ ولهذا لما اشتبه على كثير من العلماء جلسة الاستراحة: هل فعلها استحبابًا أو لحاجة عارضة تنازعوا فيها؟ وكذلك نزوله بالمحصب عند الخروج من منى لما اشتبه: هل فعله لأنه كان أسمح لخروجه، أو لكونه سنة؟ تنازعوا في ذلك].
[ ٢٦ / ١١ ]
ما انفرد به صحابي اجتهادًا لا يعد سنة
قال رحمه الله تعالى: [ومن هذا وضع ابن عمر يده على مقعد النبي ﷺ.
وتعريف ابن عباس بالبصرة، وعمرو بن حريث بالكوفة].
التعريف المقصود به الجلوس والتعبد في المسجد يوم عرفة، وهذا حدث من ابن عباس ولم يوافقه عليه عامة الصحابة، وهو اجتهاد منه، وابن عباس ومن عمل بعده هذا العمل ربما تحرى فضل هذا اليوم، لا يقصد به التعبد اللازم بحيث تكون سنة من السنن الثابتة.
فهذا التعريف لم يكن من عمل عموم الصحابة، ولم يكن من السنة التي أمر بها النبي ﷺ ولا فعلها ولا أقرها، وإنما هو اجتهاد؛ فمثل هذه الأمور النادرة لا تعتبر أدلة، خاصة إذا اتُخذت هذه الأمور ذرائع إلى البدع.
وهذا ما حصل، فالذين فعلوها من الصحابة وغيرهم اجتهدوا، وغاية ما كان من الذين عاصروهم أنهم عذروهم بذلك لكن لم يفعلوا فعلهم، ولو سئلوا لأجابوا بالمنع، فاتخاذ ذلك سنة أو طريقة يكون من البدع.
فهذه -إذًا- قاعدة ينبغي أن يستفيد منها طالب العلم خاصة في قضايا العبادة والعقيدة، أنه أي أمر يكون القدوة فيه عالم لا يوافقه غيره من العلماء، ينبغي أن يُحمل على أنه غلطة أو زلة أو اجتهاد خاطئ، وأن هذا من ذرائع أهل البدع التي يتخذونها لتأييد بدعهم، ولذلك ما من بدعة من البدع إلا ويجدون لها مثل هذه المستمسكات التي لا تصح في الاستدلال، والتي تسقط بمجرد كونها شاذة أو نادرة، لا سيما إذا بُني عليها وتفرع عنها بدع كثيرة.
فأهل البدع مثلًا في مسألة التوسل لا يكتفون بمثل هذه الصورة التي وردت عن عثمان بن حنيف وأمر بها، بل يخرجون عليها صور ما لا نهاية له من الصور، وهذا دليل على أن هذه فتنة، وأنها من الأمور الملبسة التي ينبغي أن ينبه عليها الناس ويتنبه لها طلاب العلم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن هذا وضع ابن عمر يده على مقعد النبي ﷺ، وتعريف ابن عباس بالبصرة، وعمرو بن حريث بالكوفة.
فإن هذا لما لم يكن مما يفعله سائر الصحابة ولم يكن النبي ﷺ شرعه لأمته، لم يمكن أن يقال هذا سنة مستحبة.
بل غايته أن يقال: هذا مما ساغ فيه اجتهاد الصحابة، أو مما لا يُنكر على فاعله لأنه مما يسوغ فيه الاجتهاد، لا أنه سنة مستحبة سنها النبي ﷺ لأمته.
أو يقال في التعريف: إنه لا بأس به أحيانًا لعارض إذا لم يُجعل سنة راتبة].
لعل الشيخ يقصد أن إنسانًا مثلًا تذكر فضل هذا اليوم يوم عرفة وهو صائم، ثم ذهب إلى المسجد يتعبد فيتلو القرآن ويدعو لا لاعتقاد أن عمله هذا من السنن، إنما فعله تحريًا للزمن الفاضل والمكان الفاضل، نقول: لو حدث هذا لا على اعتقاد أنه من السنن المشروعة المأمور بها لكان ذلك مما يمكن أن يُسكت عنه، إذا لم يكن دائمًا ولم يقصد به أنه متعبّد بذلك، فهذا هو مقصود الشيخ بقوله: (لعارض إذا لم يُجعل سنة راتبة).
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهكذا يقول أئمة العلم في هذا وأمثاله تارة يكرهونه، وتارة يسوغون فيه الاجتهاد، وتارة يرخصّون فيه إذا لم يتخذ سنة، ولا يقول عالم بالسنة: إن هذه سنة مشروعة للمسلمين، فإن ذلك إنما يقال فيما شرعه رسول الله ﷺ، إذ ليس لغيره أن يسن ولا يشرع، وما سنه خلفاؤه الراشدون فإن ما سنوه بأمره فهو من سننه، ولا يكون في الدين واجبًا إلا ما أوجبه، ولا حرامًا إلا ما حرمه، ولا مستحبًا إلا ما استحبه، ولا مكروهًا إلا ما كرهه، ولا مباحًا إلا ما أباحه].
[ ٢٦ / ١٢ ]
ما اختلف فيه الصحابة فالرد فيه إلى الكتاب والسنة
قال رحمه الله تعالى: [وهكذا في الإباحات، كما استباح أبو طلحة أكل البرد وهو صائم.
واستباح حذيفة السحور بعد ظهور الضوء المنتشر حتى قيل هو النهار، إلا أن الشمس لم تطلع، وغيرهما من الصحابة لم يقل بذلك، فوجب الرد إلى الكتاب والسنة].
يشير بذلك إلى أن الصحابة ﵃ ليسوا معصومين، وأن اجتهاداتهم التي ينفرد الواحد منهم بها قد تكون خاطئة، ولا ينقص من قدرهم واعتبارهم وفضلهم كون الواحد منهم قد يخطئ في اجتهاد يخالفه عليه آخرون، فلذلك لا ينبغي للناس أن يتصيدوا هذه الزلّات ويعتمدوا عليها، ويجعلوها تشريعًا، ولا أن يتصيدوها فيطعنوا فيها بالصحابة ﵃، فإنهم كغيرهم من البشر يقع منهم الخطأ والسهو والنسيان والفهم الخاطئ، ويقع منهم اجتهاد خاطئ، فقد يتأولون النصوص على غير تأولها، لكن هذا يكون في حالات نادرة، بمعنى أنه لا يكون سلوكًا دائمًا لصحابي من الصحابة، وإنما يكون عن اجتهاد هو سائغ بالنسبة له، لكن لا يسوغ لغيره أن يقتدي به؛ لأن العبرة بالكتاب والسنة وبما عليه عامة العلماء، ولذلك تجدون المحققين من أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن تبعهم إلى يومنا هذا يبرزون مثل هذه الأمور على أنها تخالف قواعد الشرع ولا يطعنون فيمن فعلها، فالأصل عندهم أنهم يبيّنون وجه الخطأ فيها، وأنها تخالف أصول الكتاب والسنة، وأنها تخالف سنة النبي ﷺ، لكن لا يجعلون ذلك ذريعة إلى الطعن فيمن فعل أو في دينه أو في قدره، إذا كان ممن له قدر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك الكراهة والتحريم، مثل كراهة عمر وابنه للطيب قبل الطواف بالبيت.
وكراهة من كره من الصحابة فسخ الحج إلى التمتع].
يقصد قبل الطواف بالبيت ما إذا تحلل الحاج من التحلل الأول فالأصل أنه يجوز له الطيب ولو لم يطف بالبيت، إذا كان قد رمى الجمرة وحلق مثلًا، فيجوز جاز له أن يلبس ثيابه وأن يتطيب، وهذا ما يسمى بالتحلل الأول، فكره ابن عمر التطيب قبل الطواف مطلقًا.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكراهة من كره من الصحابة فسخ الحج إلى التمتع أو التمتع مطلقًا، أو رأى تقدير مسافة القصر بحد حده، وأنه لا يقصر بدون ذلك، أو رأى أنه ليس للمسافر أن يصوم في السفر.
ومن ذلك قول سلمان: إن الريق نجس.
وقول ابن عمر: إن الكتابية لا يجوز نكاحها.
وتوريث معاذ ومعاوية ﵄ للمسلم من الكافر.
ومنع عمر وابن مسعود ﵄ للجنب أن يتيمم.
وقول علي وزيد وابن عمر ﵃ في المفوضة: إنها لا مهر لها إذا مات الزوج.
وقول علي وابن عباس في المتوفى عنها الحامل: إنها تعتد أبعد الأجلين.
وقول ابن عمر وغيره: إن المحرم إذا مات بطل إحرامه وفعل به ما يفعل بالحلال.
وقول ابن عمر وغيره: لا يجوز الاشتراط في الحج.
وقول ابن عباس وغيره في المتوفى عنها: ليس عليها لزوم المنزل.
وقول عمر وابن مسعود: إن المبتوتة لها السكنى والنفقة.
وأمثال ذلك مما تنازع فيه الصحابة، فإنه يجب فيه الرد إلى الله والرسول، ونظائر هذا كثير فلا يكون شريعة للأمة إلا ما شرعه رسول الله ﷺ.
ومن قال من العلماء: إن قول الصحابي حجة فإنما قاله إذا لم يخالفه غيره من الصحابة ولا عُرف نص يخالفه، ثم إذا اشتهر ولم ينكروه كان إقرارًا على القول، فقد يقال: هذا إجماع إقراري، إذا عُرف أنهم أقروه لم ينكره أحد منهم، وهم لا يقرون على باطل.
وأما إذا لم يشتهر فهذا إن عُرف أن غيره لم يخالفه فقد يقال: هو حجة، وأما إذا عرف أنه خالفه فليس بحجة بالاتفاق.
وأما إذا لم يُعرف هل وافقه غيره أو خالفه لم يجزم بأحدهما، ومتى كانت السنة تدل على خلافه كانت الحجة في سنة رسول الله ﷺ لا فيما يخالفها بلا ريب عند أهل العلم].
بعد هذا الاستطراد سيذكر الشيخ النتيجة، وهذا ما جعلنا نطيل القراءة؛ لأجل أن نصل إلى النتيجة في سياق واحد، الشيخ ﵀ ذكر كثيرًا من أقوال بعض الصحابة التي خالفوا فيها الجمهور، بل أحيانًا يخالفون فيها مقتضى النصوص عن غير قصد، فأراد بهذا أن يقول إن هذه القصة التي تذرع بها أهل التوسل البدعي هي أعظم شذوذًا مما حدث من الصحابة في مثل هذه المفردات، وهذه النتيجة سيذكرها.
[ ٢٦ / ١٣ ]
خلاصة الكلام على حديث عثمان بن حنيف في التوسل
قال رحمه الله تعالى: [وإذا كان كذلك فمعلوم أنه إذا ثبت عن عثمان بن حنيف أو غيره أنه جعل من المشروع المستحب أن يتوسل بالنبي ﷺ بعد موته من غير أن يكون النبي ﷺ داعيًا له ولا شافعًا فيه، فقد علمنا أن عمر وأكابر الصحابة لم يروا هذا مشروعًا بعد مماته، كما كان يُشرع في حياته، بل كانوا في الاستسقاء في حياته يتوسلون به، فلما مات لم يتوسلوا].
من وجوه الاستدلال هنا، وهو استدلال ملزم، أنه لو صحت هذه الحكاية أن عثمان بن حنيف حينما وجّه هذا الرجل، لكان عموم الصحابة وعموم الأمة أحوج إلى مثل هذا في استغاثتهم بعد الجدب أو أثناء الجدب، هذه حاجة عامة ملحّة كبيرة، فلو كان الصحابة يرون مثل هذا لاستشفعوا بالنبي ﷺ في قبره على نحو ما كان استشفع به الأعمى في حياته، فلما لم يفعلوا ذلك دل على سقوط الدلالة فيما نسب إلى عثمان بن حنيف والرجل الذي عمل بعمله، فإن الضرورة العامة مع عموم الصحابة أقوى وأولى من ضرورة خاصة فردية لم تُعرف وهي مغمورة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [بل قال عمر ﵁ في دعائه الصحيح المشهور الثابت باتفاق أهل العلم بمحضر من المهاجرين والأنصار في عام الرمادة المشهور لما اشتد بهم الجدب حتى حلف عمر لا يأكل سمنًا حتى يخصب الناس، ثم لما استسقى بـ العباس قال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون.
وهذا دعاء أقره عليه جميع الصحابة، لم ينكره أحد مع شهرته، وهو من أظهر الإجماعات الإقرارية، ودعا بمثله معاوية بن أبي سفيان ﵁ في خلافته لما استسقى بالناس.
فلو كان توسلهم بالنبي ﷺ بعد مماته كتوسلهم به في حياته لقالوا: كيف نتوسل بمثل العباس ويزيد بن الأسود ونحوهما؟ ونعدل عن التوسل بالنبي ﷺ الذي هو أفضل الخلائق وهو أفضل الوسائل وأعظمها عند الله.
فلما لم يقل ذلك أحد منهم، وقد عُلم أنهم في حياته إنما توسلوا بدعائه وشفاعته، وبعد مماته توسلوا بدعاء غيره وشفاعة غيره، علم أن المشروع عندهم التوسل بدعاء المتوسل به لا بذاته.
وحديث الأعمى حجة لـ عمر وعامة الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، فإنه إنما أمر الأعمى أن يتوسل إلى الله بشفاعة النبي ﷺ ودعائه لا بذاته، وقال له في الدعاء: قل اللهم فشفعه في].
هذا واضح بأنه في حياته ﷺ.
قال رحمه الله تعالى: [وإذا قُدّر أن بعض الصحابة أمر غيره أن يتوسل بذاته لا بشفاعته، ولم يأمر بالدعاء المشروع بل ببعضه وترك سائره المتضمن للتوسل بشفاعته، كان ما فعله عمر بن الخطاب هو الموافق لسنة رسول الله ﷺ، وكان المخالف لـ عمر محجوجًا بسنة رسول الله ﷺ، وكان الحديث الذي رواه عن النبي ﷺ حجة عليه لا له، والله أعلم].
[ ٢٦ / ١٤ ]
الأسئلة
[ ٢٦ / ١٥ ]
حكم قول: أنا معتمد على الله ثم معتمد عليك
السؤال
ما حكم قول: أنا معتمد على الله ثم معتمد عليك في هذا الشيء؟
الجواب
هذا من الأمور التي يتسامح فيها، الاعتماد هو رديف للتوكل، لكن كلمة معتمد أخف من التوكل.
[ ٢٦ / ١٦ ]