شرح كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة [٢٩]
التوسل المشروع هو التوسل إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة رجاء ثوابه والابتعاد عن عقابه، أو بدعاء النبي ﷺ، كما حصل من الصحابة الكرام في حياته ﵊ من التوسل بدعائه، فإنه كان يدعو لمن طلب منه ذلك.
[ ٢٩ / ١ ]
الإيمان بالله والرسول وإفراد العبادة لله وحده
سيبين الشيخ ﵀ فيما يأتي الحقيقة الشرعية للتوسل على جهة التفصيل والاستدلال لذلك، ويبين أنواع التوسل الشرعي إجمالًا، ثم سيلخصها في نهاية هذا المقطع كما سيتبين إن شاء الله.
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: [وفي الصحيحين عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه ممن سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار).
وقد قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح:٨ - ٩]].
بين الشيخ فيما سبق أن حقيقة التوسل تكون أولًا بحب الله تعالى وحب رسوله ﷺ، ثم بطاعة الله وطاعة رسوله ﷺ، ثم بالسعي إلى ما يرضي الله وما يرضي الرسول ﷺ.
أي أن من أنواع التوسل المشروعة: الحب ثم الرضا ثم الطاعة، ثم ذكر هنا أيضًا توقير الرسول ﷺ وتعزيره ونحو ذلك، وأن هذه هي حقيقة التوسل الذي ينبغي أن يسعى إليه المسلم، وأن هذه الأنواع من التوسل الشرعي تغني الإنسان عن أن يتطلع إلى توسلات أخرى مبتدعة وليست مما يحبه الله ولا يرضاه، وأن ما شرعه الله ﷿ من التوسل الشرعي الصحيح الذي أنواعه كثيرة هو القدر الكافي الذي لا يحتاج البشر بعده إلى أن يلجئوا إلى خلق الله من دونه سبحانه، ليميز لنا في هذه المقامات بين التوسل الشرعي والتوسلات البدعية.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فالإيمان بالله والرسول، والتعزير والتوقير للرسول، وتعزيره نصره ومنعه، والتسبيح بكرة وأصيلًا لله وحده، فإن ذلك من العبادة لله.
والعبادة هي لله وحده: فلا يصلى إلا لله، ولا يصام إلا لله، ولا يحج إلا إلى بيت الله، ولا تشد الرحال إلا إلى المساجد الثلاثة؛ لكون هذه المساجد بناها أنبياء الله بإذن الله، ولا ينذر إلا لله، ولا يحلف إلا بالله، ولا يدعى إلا الله، ولا يستغاث إلا بالله.
وأما ما خلقه الله سبحانه من الحيوان والنبات والمطر والسحاب وسائر المخلوقات، فلم يجعل غيره من العباد واسطة في ذلك الخلق، كما جعل الرسل واسطة في التبليغ، بل يخلق ما يشاء بما يشاء من الأسباب، وليس في المخلوقات شيء يستقل بإبداع شيء، بل لا بد للسبب من أسباب أخر تعاونه، ولا بد من دفع المعارض عنه، وذلك لا يقدر عليه إلا الله وحده، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، بخلاف الرسالة، فإن الرسول وحده كان واسطة في تبليغ رسالته إلى عباده].
يقصد الشيخ الفرق بين كون الرسل وسائط في تبليغ الرسالة، وبين كونهم وسائط في العبادة، فكونهم واسطة في تبليغ الرسالة هذا عين الحق؛ لأن الله أرسلهم وبعثهم ليبينوا التوحيد ويشرعوا الشرائع، وجعلهم هم الوسيلة للتبليغ، يعني: الواسطة؛ فهذه وسيلة، لكن ليس للإنسان أن يتعبد بها، يعني: أن يجعلهم وسيلة في العبادة.
نعم، الأنبياء هم الذين بعثهم الله بالحق، وطاعتهم من عبادة الله ﷿، فهم واسطة في التبليغ، لكنهم ليسوا وسائط في العبادة، فإنه لا يجوز أن يعبد إلا الله وحده، ولم يجعل الله ﷿ بينه وبين خلقه وسيطًا في العبادة، لا الأنبياء ولا الملائكة ولا من دونهم.
وهذا التفريق تفريق شرعي وعقلي، فكون الأنبياء وسائط في التبليغ لا يعني ذلك اتخاذهم وسائط في العبادة؛ لأن مما بلغوه عن الله تحريم أن تتخذ المخلوقات وسائط، وأمر ألا ندعو غيره، وألا نعبد غيره، ولا نتوكل إلا عليه، ولا نصرف أي نوع من العبادة إلا له ﷿، والرسل ليس عليهم إلا البلاغ، نحبهم ونوقرهم ونتبع ما جاءوا به، ونعلم أن ما جاءوا به هو الحق، ونصدقهم بما شرعه الله ﷿ على ألسنتهم، وما عدا ذلك فليس بمشروع.
[ ٢٩ / ٢ ]
الرسل وسائط في الأمر والنهي والوعد والوعيد وليسوا أربابًا أو شركاء
قال رحمه الله تعالى: [وأما جعل الهدى في قلوب العباد فهو إلى الله تعالى لا إلى الرسول، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦]، وقال تعالى: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ [النحل:٣٧].
وكذلك دعاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، واستغفارهم وشفاعتهم هو سبب ينفع إذا جعل الله تعالى المحل قابلًا له، وإلا فلو استغفر النبي للكفار والمنافقين لم يغفر لهم، قال الله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون:٦].
وأما الرسل فقد تبين أنهم هم الوسائط بيننا وبين الله ﷿ في أمره ونهيه، ووعده ووعيده، وخبره؛ فعلينا أن نصدقهم في كل ما أخبروا به، ونطيعهم فيما أوجبوا وأمروا، وعلينا أن نصدق بجميع أنبياء الله ﷿، لا نفرق بين أحد منهم، ومن سب واحدًا منهم كان كافرًا مرتدًا مباح الدم.
وإذا تكلمنا فيما يستحقه الله ﵎ من التوحيد؛ بيَّنَّا أن الأنبياء وغيرهم من المخلوقين لا يستحقون ما يستحقه الله ﵎ من خصائص، فلا يشرك بهم ولا يتوكل عليهم، ولا يستغاث بهم كما يستغاث بالله، ولا يقسم على الله بهم، ولا يتوسل بذواتهم، وإنما يتوسل بالإيمان بهم وبمحبتهم وطاعتهم، وموالاتهم وتعزيرهم وتوقيرهم، ومعاداة من عاداهم، وطاعتهم فيما أمروا، وتصديقهم فيما أخبروا، وتحليل ما حللوه، وتحريم ما حرموه].
في هذه السطور الثلاثة لخَّص الشيخ ما سبق تلخيصًا رائعًا جدًا، وأعطى خلاصة ما سبق بعبارات جامعة وهي وصف حقيقة التوسل الشرعي، وقال: إنما يتوسل بالإيمان بهم أولًا، ومحبتهم وطاعتهم وموالاتهم وتعزيرهم وتوقيرهم ومعاداة من عاداهم، وطاعتهم فيما أمروا به، وتصديقهم إلى آخر ما قال.
هذه خلاصة وصف التوسل الشرعي بأنواعه التي سيذكرها فيما بعد من وجه آخر.
والشيخ فصَّل ليحكم المسألة ويسدُّ باب الشبهات والاعتراضات التي قال بها أهل الأهواء الذين يعملون أو يقولون بالتفسيرات البدعية.
[ ٢٩ / ٣ ]
أنواع التوسل المشروع
قال رحمه الله تعالى: [والتوسل بذلك على وجهين].
المقصود بـ (ذلك) هذه الأعمال: الإيمان والمحبة والطاعة والموالاة وتصديق الرسول ﷺ واتباعه وتوقيره إلى آخر هذه الأمور الإيمانية، فالتوسل بها على وجهين قال رحمه الله تعالى: [أحدهما: أن يتوسل بذلك إلى إجابة الدعاء وإعطاء
السؤال
كحديث الثلاثة الذين أووا إلى الغار، فإنهم توسلوا بأعمالهم الصالحة ليجيب دعاءهم ويفرج كربتهم، وقد تقدم بيان ذلك.
والثاني: التوسل بذلك إلى حصول ثواب الله وجنته ورضوانه].
الوجهان متقاربان، لكن الأول غالبًا تطلب به المنافع العاجلة.
والنوع الثاني: هو التوسل بالأعمال الصالحة بطلب الثواب لها من الله ﷿، أي: حصول الثواب وحصول المصلحة الآجلة من تحصيل السعادة والجنة في الآخرة، ورضوان الله ﷿ قبل ذلك كله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والثاني: التوسل بذلك إلى حصول ثواب الله وجنته ورضوانه، فإن الأعمال الصالحة التي أمر بها الرسول ﷺ هي الوسيلة التامة إلى سعادة الدنيا والآخرة.
ومثل هذا كقول المؤمنين: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ﴾ [آل عمران:١٩٣]، فإنهم قدموا ذكر الإيمان قبل الدعاء.
ومثل ذلك ما حكاه الله سبحانه عن المؤمنين في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون:١٠٩]، وأمثال ذلك كثير.
وكذلك التوسل بدعاء النبي ﷺ وشفاعته، فإنه يكون على وجهين].
الوجهان اللذان سيذكر فيهما الشيخ أنواع التوسل بدعاء النبي ﷺ هما مثل الوجهين السابقين: توسل لتحقيق مصلحة عاجلة، أو توسل لطلب مصلحة آجلة، كذلك التوسل بدعاء النبي ﷺ قد يطلب به مصلحة عاجلة، أو مصلحة آجلة، المصلحة العاجلة تحصيل المنافع في الدنيا، ودفع المضار، والمصلحة الآجلة تكون بالشفاعة ونحو ذلك.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أحدهما: أن يطلب منه الدعاء والشفاعة فيدعو ويشفع، كما كان يطلب منه في حياته، وكما يطلب منه يوم القيامة، حين يأتون آدم ونوحًا ثم الخليل ثم موسى الكليم ثم عيسى، ثم يأتون محمدًا ﷺ وعليهم فيطلبون منه الشفاعة.
والوجه الثاني: أن يكون التوسل مع ذلك بأن يسأل الله تعالى بشفاعته ودعائه، كما في حديث الأعمى المتقدم بيانه وذكره، فإنه طلب منه الدعاء والشفاعة، فدعا له الرسول وشفع فيه، وأمره أن يدعو الله فيقول: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك به، اللهم فشفعه في، فأمره أن يسأل الله تعالى قبول شفاعته، بخلاف من يتوسل بدعاء الرسول وشفاعة الرسول، والرسول لم يدع له ولم يشفع فيه، فهذا توسل بما لم يوجد، وإنما يتوسل بدعائه وشفاعته من دعا له وشفع فيه].
يظهر أن الوجهين فيهما اختلاف عن الوجهين السابقين، الوجهين هنا فيما يتعلق بشفاعة النبي ﷺ، ذكر الشيخ أن الوجه الأول هو طلب الدعاء من النبي ﷺ مباشرة بأن يدعو بمنفعة عاجلة أو آجلة، بمعنى أن من الشفاعة المشروعة في حق النبي ﷺ أن يطلب منه الدعاء وهو حي، سواء حياته في الدنيا أو في الآخرة كما سيأتي.
فهذا طلب منه أن يشفع على طريقة شرعية يأذن الله له بها.
أما النوع الثاني فهو: أن يطلب المستشفع من الله ﷿ أن يقبل شفاعة النبي ﷺ فيه حينما يدعو له، وهذه الصورة فيها نوع غموض وتعقيد، والغموض فيها هو الذي جعل كثيرًا من أهل الأهواء يلتبس عليهم الأمر، ويستدلون بحديث الأعمى على الشفاعة الممنوعة.
هذه الصورة قد تحدث مفصلة وقد تحدث مختصرة، فهذه هي الصورة التي أشكلت على كثير من أهل الأهواء ولم يفقهوها، ولا تعرف جيدًا إلا من خلاصة الجمع بين روايات الحديث؛ هذا من ناحية.
ومن خلال تطبيق أو عمل الصحابة بهذه الشفاعة فيما بعد؛ لأن الصحابة ﵃ لما مات النبي ﷺ انقطع عملهم بهذه الوسيلة؛ لأنهم يعرفون أنه لا يمكن عملها إلا في حياة النبي ﷺ، وأن الوجه الذي تمت به لا يمكن الخروج عن حدوده الشرعية؛ لأن الخروج عن حدوده الشرعية ربما يؤدي إلى التوسل البدعي.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن هذا الباب قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وقت الاستسقاء كما تقدم، فإن عمر والمسلمين توسلوا بدعاء العباس، وسألوا الله تعالى مع دعاء العباس، فإنهم استشفعوا جميعًا، ولم يكن العباس وحده هو الذي دعا لهم؛ فصار التوسل بطاعته والتوسل بشفاعته كل منهما يكون مع دعاء المتوسل وسؤاله، ولا يكون بدون ذلك؛ فهذه أربعة أنواع كلها مشروع
[ ٢٩ / ٤ ]
فتوى ابن تيمية ﵀ في التوسل وهو بمصر
قال رحمه الله تعالى: [وكنت وأنا بالديار المصرية في سنة إحدى عشرة وسبعمائة قد استُفتيت عن التوسل بالنبي ﷺ، فكتبت في ذلك جوابًا مبسوطًا، وقد أحببت إيراده هنا؛ لما في ذلك من مزيد الفائدة، فإن هذه القواعد -المتعلقة بتقرير التوحيد، وحسم مادة الشرك والغلو- كلما تنوع بيانها، ووضحت عبارتها؛ كان ذلك نورًا على نور، والله المستعان.
وصورة
السؤال
المسئول من السادة العلماء أئمة الدين، أن يبينوا ما يجوز وما لا يجوز من الاستشفاع والتوسل بالأنبياء والصالحين].
[ ٢٩ / ٥ ]
شفاعة النبي ﷺ وعظم قدره
قال رحمه الله تعالى: [وصورة
الجواب
الحمد لله رب العالمين.
أجمع المسلمون أن النبي ﷺ يشفع للخلق يوم القيامة بعد أن يسأله الناس ذلك، وبعد أن يأذن الله له في الشفاعة.
ثم إن أهل السنة والجماعة متفقون على ما اتفق عليه الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، واستفاضت به السنن، من أنه ﷺ يشفع لأهل الكبائر من أمته، ويشفع أيضًا لعموم الخلق.
فله ﷺ شفاعات يختص بها لا يشركه فيها أحد، وشفاعات يشركه فيها غيره من الأنبياء والصالحين، لكن ما له فيها أفضل مما لغيره، فإنه ﷺ أفضل الخلق وأكرمهم على ربه ﷿، وله من الفضائل التي ميزه الله بها على سائر النبيين ما يضيق هذا الموضع عن بسطه: من ذلك: المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون.
وأحاديث الشفاعة كثيرة متواترة، منها في الصحيحين أحاديث متعددة، وفي السنن والمسانيد مما يكثر عدده.
وأما الوعيدية من الخوارج والمعتزلة، فزعموا أن الشفاعة إنما هي للمؤمنين خاصة في رفع الدرجات، وبعضهم أنكر الشفاعة مطلقًا].
العبارة كأن فيها بعض اللبس، أعني قوله: (فزعموا أن الشفاعة إنما هي للمؤمنين خاصة)، وهي فعلًا إنما هي للمؤمنين، أما الكفار فلا تنفعهم شفاعة الشافعين، لكن الشيخ قصد أنهم حصروا الشفاعة للمؤمنين في رفع الدرجات، وفي غير مسألة الشفاعة لأهل الكبائر، أو الشفاعة لخروج عصاة المؤمنين من النار، فهو هنا يقصد أنهم لم يعترفوا بجميع شفاعات المؤمنين، أما حصر الشفاعة في المؤمنين فلا شك أن هذا حق، لكن كونهم ضيقوا نطاق الشفاعة حتى لم يقروا إلا بالشفاعات التي هي أقل في دلالاتها في النصوص، وأنكروا الشفاعات المتواترة، مثل شفاعة النبي ﷺ لأهل الكبائر من أمته، فإنهم بذلك خالفوا السنة، وأنكروا الشفاعة التي هي المقصودة عند الإطلاق، بعد المقام المحمود، وهي الشفاعة لأهل الكبائر، وقد تواترت بذلك النصوص.
[ ٢٩ / ٦ ]
توسل الصحابة برسول الله ﷺ في حياته
قال رحمه الله تعالى: [وأجمع أهل العلم على أن الصحابة كانوا يستشفعون به ويتوسلون به في حياته بحضرته، كما ثبت في صحيح البخاري عن أنس بن مالك أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بـ العباس بن عبد المطلب فقال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا؛ فيسقون.
وفي البخاري أيضًا عن ابن عمر أنه قال: ربما ذكرت قول الشاعر -وأنا أنظر إلى وجه النبي ﷺ يستسقي، فما ينزل حتى يجيش كل ميزاب: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل] طبعًا يقصد بقوله: (ثمال اليتامى): أي مغيث اليتامى، وعصمة، أي: كافل.
قال رحمه الله تعالى: [والتوسل بالنبي ﷺ الذي ذكره عمر بن الخطاب قد جاء مفسرًا في سائر أحاديث الاستسقاء، وهو من جنس الاستشفاع به، وهو أن يطلب منه الدعاء والشفاعة، ويطلب من الله أن يقبل دعاءه وشفاعته، ونحن نقدمه بين أيدينا شافعًا وسائلًا لنا بأبي هو وأمي ﷺ.
وكذلك معاوية بن أبي سفيان -لما أجدب الناس بالشام- استسقى بـ يزيد بن الأسود الجرشي فقال: اللهم إنا نستشفع ونتوسل بخيارنا، يا يزيد! ارفع يديك، فرفع يديه ودعا، ودعا الناس حتى سقوا.
ولهذا قال العلماء: يستحب أن يستسقى بأهل الدين والصلاح، وإذا كانوا من أهل بيت رسول الله ﷺ فهو أحسن.
وهذا الاستشفاع والتوسل حقيقته التوسل بدعائه، فإنه كان يدعو للمتوسل به المستشفع به والناس يدعون معه، كما أن المسلمين لما أجدبوا على عهد النبي ﷺ دخل عليه أعرابي، فقال: (يا رسول الله! هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا، فرفع النبي ﷺ يديه وقال: اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، وما في السماء قزعة؛ فنشأت سحابة من جهة البحر، فمطروا أسبوعًا لا يرون فيه الشمس، حتى دخل عليهم الأعرابي -أو غيره- فقال: يا رسول الله! انقطعت السبل، وتهدم البنيان؛ فادع الله يكشفها عنا، فرفع يديه وقال: اللهم حوالينا ولا علينا اللهم على الآكام والظراب ومنابت الشجر وبطون الأودية، فانجابت عن المدينة كما ينجاب الثوب)، والحديث مشهور في الصحيحين وغيرهما].
[ ٢٩ / ٧ ]
معنى حديث: (نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك)
قال رحمه الله تعالى: [وفي حديث آخر في سنن أبي داود وغيره: (أن رجلًا قال له: إنا نستشفع بك على الله، ونستشفع بالله عليك؛ فسبح رسول الله ﷺ حتى رئي ذلك في وجوه أصحابه، وقال: ويحك! أتدري ما الله؟ إن الله لا يستشفع به على أحد من خلقه، شأن الله أعظم من ذلك).
وهذا يبين أن معنى الاستشفاع بالشخص في كلام النبي ﷺ وأصحابه هو استشفاع بدعائه وشفاعته، ليس هو السؤال بذاته، فإنه لو كان هذا السؤال بذاته لكان سؤال الخلق بالله تعالى أولى من سؤال الله بالخلق، ولكن لما كان معناه هو الأول، أنكر النبي ﷺ قوله: نستشفع بالله عليك، ولم ينكر قوله: نستشفع بك على الله؛ لأن الشفيع يسأل المشفوع إليه أن يقضي حاجة الطالب، والله تعالى لا يسأل أحدًا من عباده أن يقضي حوائج خلقه.
وإن كان بعض الشعراء ذكر استشفاعه بالله تعالى في مثل قوله: شفيعي إليك الله لا رب غيره وليس إلى رد الشفيع سبيل فهذا كلام منكر لم يتكلم به عالم.
وكذلك بعض الاتحادية ذكر أنه استشفع بالله سبحانه إلى النبي ﷺ وكلاهما خطأ وضلال، بل هو سبحانه المسئول المدعو الذي يسأله كل من في السماوات والأرض، ولكن هو ﵎ يأمر عباده فيطيعونه، وكل من وجبت طاعته من المخلوقين؛ فإنما وجبت لأن ذلك طاعة لله تعالى، فالرسل يبلغون عن الله أمره، فمن أطاعهم فقد أطاع الله، ومن بايعهم فقد بايع الله، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء:٦٤]، وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠].
وأولو الأمر من أهل العلم وأهل الإمارة إنما تجب طاعتهم إذا أمروا بطاعة الله ورسوله، قال ﷺ في الحديث الصحيح: (على المرء المسلم السمع والطاعة في عسره ويسره ومنشطه ومكرهه، ما لم يؤمر بمعصية الله، فإذا أمر بمعصية الله فلا سمع ولا طاعة)، وقال ﷺ: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق).
وأما الشافع فسائل لا تجب طاعته في الشفاعة وإن كان عظيمًا، وفي الحديث الصحيح أن النبي ﷺ: (سأل بريرة أن تمسك زوجها ولا تفارقه لما أعتقت، وخيرها النبي ﷺ فاختارت فراقه، وكان زوجها يحبها فجعل يبكي، فسألها النبي ﷺ أن تمسكه، فقالت: أتأمرني؟ فقال: لا، إنما أنا شافع).
وإنما قالت: (أتأمرني؟) وقال: (إنما أنا شافع)؛ لما استقر عند المسلمين أن طاعة أمره واجبة بخلاف شفاعته، فإنه لا يجب قبول شفاعته، ولهذا لم يلمها النبي ﷺ على ترك قبول شفاعته، فشفاعة غيره من الخلق أولى ألا يجب قبولها.
والخالق ﷻ أمره أعلى وأجل من أن يكون شافعًا إلى مخلوق، بل هو سبحانه أعلى شأنًا من أن يشفع أحد عنده إلا بإذنه، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٢٦ - ٢٩]].
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ٢٩ / ٨ ]
الأسئلة
[ ٢٩ / ٩ ]
حكم التوسل بجاه رسول الله ﷺ
السؤال
هل يكفر من يتوسل إلى الله بجاه الرسول ﷺ؟
الجواب
نظرًا لأن التوسل بالجاه من الأمور المحتملة لعدة مقاصد، فالظاهر أنه يدخل في البدع المغلظة وكبائر الذنوب، وقد يكون فيه بعض الصور الكفرية، لكن هذا راجع إلى اعتقاد المتوسل، وإلى أسلوب التوسل بالجاه، إن كان التوسل بالجاه يؤدي إلى دعاء الرسول ﷺ من دون الله؛ فهذا شرك وكفر، وإن كان لمجرد التبرك بجاه النبي ﷺ فهو بدعة قد لا تصل إلى الكفر.
والله أعلم.
[ ٢٩ / ١٠ ]
حكم سؤال الرجل لغيره بحرمة الإسلام
السؤال
ما حكم قول الرجل لآخر: أسألك بحرمة الإسلام أن تعمل كذا وكذا؟
الجواب
هذه كلمة مجملة، فيقال: ما المقصود بالسؤال بحرمة الإسلام؟ فإن كان المقصود مجرد اليمين فهذا لا يجوز؛ لأنه من الحلف بغير الله ﷿، وإن كان المقصود به أن يجعل حرمة الإسلام وسيلة لتنفيذ شيء من الأشياء، فهذا مما ليس له أصل، لكن يرجع أيضًا إلى المقصد.
ومع ذلك فإن الأصل في سؤال الآخرين بمثل هذه الصيغة عدم المشروعية، فإذا سألت أحدًا فلا تسأله بشيء غير بين، ولا يجوز الحلف إلا بالله.
وإن قصد به مجرد العزم على الشخص بحرمة الإسلام، وكأنه يقول: بحق هذا الإسلام أن تعمل كذا وكذا، فهذه العبارة قد يكون لها وجه من الصحة، لكنه بعيد، واحتمالات الوجوه الممنوعة أقرب إلى أذان الناس؛ لأن الغالب أن الناس يتعلقون في مثل هذه الأمور بالجانب الممنوع أكثر مما يتعلقون بالجانب المشروع لكثرة البدع المشابهة، وتعلق أهل البدع بمثل هذه الألفاظ.
أقول: لولا أن هذه اللفظة محتملة ويشكل ظاهرها لوجدنا لها من المعاني ما هو صحيح، لكن مادام هناك احتمال وفي ظاهرها إشكال، وأنها قد يقصد بها الإقسام، وقد يقصد بها طلب حق ليس للإنسان، فإن الأولى اجتنابها فيما يظهر لي.
والله أعلم.
[ ٢٩ / ١١ ]
حكم الحقوق الملكية للأشرطة
السؤال
ما حكم نسخ الأشرطة سواء المسموعة أو المرئية، وسواء كان النسخ لغرض تجاري أو شخصي أو دعوي، كان شريط قديم؟
الجواب
كأن السائل يقصد الأشرطة التي يحجر مالكوها النسخ منها كبعض أصحاب التسجيلات حيث يقولون: لا يسمح لأحد أن ينسخ هذا الشريط.
أقول: إن النسخ لأجل نشر العلم، ومن أجل الاستفادة والإفادة، ومن أجل الدعوة لا حرج فيه شرعًا، لكن إذا كان من أجل البيع فهذه مسألة تحتاج إلى نقاش، وأنا ليس لي فيها رأي، لكن ينبغي عرضها على المشايخ.
فالذين يحجرون على الأشرطة يحجرون حجرًا تجاريًا، لكن التوزيع الخيري لا يستطيعون الحجر عليه ولا يجوز لهم ذلك، وكذلك الإفادة الشخصية.
والحجر التجاري سببه أن يتعب صاحب تسجيلات على شريط معين، ويتكلف في تسجيله وإخراجه، ولذلك يكون له حق نشر هذا الشريط، فهذه مسألة أظن فيها بعض الحق، لكن ليس عندي فيها تفصيل، لا في إباحتها ولا في تحريمها، فيحسن أن تعرض على المشايخ، وأظنها عرضت والفتاوى فيها متفاوتة، لكن في الآونة الأخيرة صار هناك ضوابط نظامية في وزارة الإعلام لحفظ الحقوق، يمكن أن تكون هذه الضوابط مبنية على أصول شرعية، فينظر فيها، وأيضًا تعرض على العلماء؛ لأن هذا الموضوع كثر فيه الحرج، وكثر فيها دعوى التضرر أيضًا من أصحاب التسجيلات.
ونسأل الله للجميع التوفيق والسداد.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ٢٩ / ١٢ ]