شرح كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة [٥]
لقد تباينت تفسيرات وتأويلات الفرق والمذاهب للشفاعة والوسيلة، فالفلاسفة سوغوا الشرك بتأويلات وإشارات بل ووقائع تحصل عند القبور والمزارات باسم الشفاعة، وكل هذه التفسيرات من مسوغات الشرك وأدلته الكاشفة وهذا الفعل منهم تقريرًا على الأتباع وتدليسًا على الجهال.
[ ٥ / ١ ]
تفسيرات الفلاسفة للشفاعة والوحي
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [وقد أحدث قوم من ملاحدة الفلاسفة الدهرية للشرك شيئًا آخر ذكروه في زيارة القبور كما ذكر ذلك ابن سينا، ومن أخذ عنه كصاحب الكتب المضنون بها وغيره، ذكروا معنى الشفاعة على أصلهم، فإنهم لا يقرون بأن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام، ولا أنه يعلم الجزئيات ويسمع أصوات عباده ويجيب دعاءهم].
كما أشرت في الدرس السابق يقصد الشيخ بصاحب الكتب المضنون بها الغزالي، فـ الغزالي في طوره الأول حينما كان على مذهب الفلاسفة كان يرى هذا الرأي، وكذلك عموم الفلاسفة الذين يسمون بالإسلاميين والإسلام منهم براء كـ ابن سينا والفارابي والسهروردي المقتول وابن سبعين وابن الفارض وابن عربي والقونوي ومن سلك سبيلهم هذه العصابة التالفة كلهم رأيهم في هذه الأمور على هذا النهج، فهم يستسيغون الشرك ويرون أنه من الصلة العقلية والروحية بقوى أخرى غيبية، ويستسيغون القول عن الله ﷿ بقول الفلاسفة بأنه الوجود المطلق، وما يترتب على ذلك من إنكار أن يكون الله ﷿ فعّالًا لما يريد، وأن يكون سبحانه عالمًا بكل شيء، فهم يثبتون لله مجملات الصفات ومجملات الأسماء ومجملات الأحوال، فكل تصورهم عن الله ﷿ يدور حول أنه تصور ذهني أو أنه الوجود المطلق أو نحو ذلك.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فشفاعة الأنبياء والصالحين على أصلهم ليست كما يعرفه أهل الإيمان من أنها دعاء يدعو به الرجل الصالح فيستجيب الله دعاءه.
كما أن ما يكون من إنزال المطر باستسقائهم ليس سببه عندهم إجابة دعائهم، بل هم يزعمون أن المؤثر في حوادث العالم هو قوى النفس أو الحركات الفلكية أو القوى الطبيعية.
فيقولون: إن الإنسان إذا أحب رجلًا صالحًا قد مات لا سيما إن زار قبره فإنه يحصل لروحه اتصال بروح ذلك الميت فيما يفيض على تلك الروح المفارقة من العقل الفعال عندهم أو النفس الفلكية، يفيض على هذه الروح الزائرة المستشفعة من غير أن يعلم الله بشيء من ذلك، بل وقد لا تعلم الروح المستشفع بها بذلك، ومثلوا ذلك بالشمس إذا قابلها مرآة فإنه يفيض على المرآة من شعاع الشمس، ثم إذا قابل المرآة مرآة أخرى فاض عليها من تلك المرآة، وإن قابل تلك المرآة حائط أو ماء فاض عليه من شعاع تلك المرآة، فهكذا الشفاعة عندهم، وعلى هذا الوجه ينتفع الزائر عندهم.
وفي هذا القول من أنواع الكفر ما لا يخفى على من تدبره].
هذه نزعة الاعتقاد عندهم، وهي أن كل ما جاء عن الله ﷿ وما جاء عن رسوله ﷺ إنما هو تأثير من قوى غيبية، وهذه نزعة فلسفية توجد عند كثير من أصحاب المذاهب والاتجاهات، بل أرى أنها سادت الآن عند كثير من مثقفي المسلمين ومفكريهم في العصر الحاضر، ويتمثل هذا بعدة صور: أولًا: نجد أن كثيرًا ممن قلد الغربيين في الدراسات الإنسانية يفسّرون كثيرًا من المعاني الشرعية المؤثرة في الناس، سواء بالتأثير النفسي أو التأثير العقلي أو في أفعال الناس؛ يرون أنها مجرد عوامل نفسية أو وهمية، أو تأثيرات من قوى غيبية، فتجد مثلًا بعض علماء النفس يفسّر تأثير القرآن أنه مجرد شعور نفسي بين القارئ والمقروء عليه، ونجد هذه التفسيرات حتى عند بعض أطباء الأمراض النفسية من المسلمين.
وبدأت تشيع هذه القضية بين بعض مثقفينا، وهذا امتداد لمذاهب الفلاسفة وأوهامهم يعتقدون أن تأثير القرآن في شفاء الأمراض إنما هو مجرد شعور نفسي، ويفسّرونه بأن الإنسان إذا قرئ عليه القرآن وهو يعتقد أن للقرآن تأثيرًا، وإذا قويت قاومت الأمراض، فوجد شيئًا من النشاط والاستعداد لمقاومة الأمراض، وهذا تفسير مادي وهو تفسير الفلاسفة للوحي ولما جاء به الأنبياء، بل بعضهم ربما ينزع إلى المؤثرات الشرعية على قلوب الناس، التي هي تؤدي إلى الهداية واليقين والتوكل على الله ﷿، كثيرًا من الناس يفسرها بأنها أوهام، وبعضهم يفسرها بأنها تأثير قوى غيبية أقول: إن هذه الأقوال التي قال بها الفلاسفة ناتجة على أنهم ليس عندهم منهج في تقرير قضايا الدين، إنما يقررون قضايا الدين بعقولهم، والعقول في قضايا الدين ليس عندها إلا التوهمات، ولذلك حكّموا عقولهم فغاصوا في الأوهام، فلما وجدوا تأثير الوحي في ضبط سلوك الناس بشرائع الله ﷿ ودينه، ذهبوا يفكّرون عن أسباب هذا التأثير، ونظرًا لأنهم لا يؤمنون حق الإيمان بكلام الله ﷿ وبحقيقة النبوة والرسالة، ذهبوا يبحثون عن أسباب هذه المؤثرات بأوهامهم، فمن هنا فسّروا ما جاء به الأنبياء من الوحي والشرائع إنما هي امتداد أو انعكاس لمؤثرات خارجية توهموها هم، فبعضهم قال: قوى غيبية، وبعضهم قال: أرواح غيبية، وبعضهم قال: عقول غيبية، وبعضهم قال: أوهام، فصارت تفسيراتهم شتى، وكلها إنما هي أوهام وتخرصات بعيدة عن الحق كل البعد، وهذا أمر بيّن، لكن الخطير أن تفسير القضايا الشر
[ ٥ / ٢ ]
اغترار المبتدعين بتخييلات الشياطين
قال رحمه الله تعالى: [ولا ريب أن الأوثان يحصل عندها من الشياطين وخطابهم وتصرفهم ما هو من أسباب ضلال بني آدم، وجعل القبور أوثانًا هو أول الشرك.
ولهذا يحصل عند القبور لبعض الناس من خطاب يسمعه وشخص يراه وتصرف عجيب ما يظن أنه من الميت، وقد يكون من الجن والشياطين، مثل أن يرى القبر قد انشق وخرج منه الميت وكلمه وعانقه، وهذا يُرى عند قبور الأنبياء وغيرهم، وإنما هو شيطان؛ فإن الشيطان يتصور بصور الإنس ويدّعي أحدهم أنه النبي فلان أو الشيخ فلان ويكون كاذبًا في ذلك].
[ ٥ / ٣ ]
ما يحصل من تصور الجن بصور الأنبياء والصالحين
هذه أيضًا قضية جديدة بدأها الشيخ، وهي من أخطر القضايا التي ينبغي التنبه لها في هذا العصر، وهي أيضًا من المسائل التي لا تزال قائمة عند المقابريين وعند أصحاب بدع المشاهد والآثار، والذين يرتادون المزارات ويتعلقون بالأشخاص أحياءً كانوا أو أمواتًا، وكذلك الذين يعوّلون على الخوارق ويسمونها الكرامات، ينظمهم هذا الكلام الذي يذكره الشيخ، وهو كلام جيد مؤصّل يوضح أن أغلب ما يعوّل عليه أهل الأهواء والبدع من دعاواهم أنهم يكلّمون الموتى ويكلمونهم، وأنهم يرون الخضر وغيره من الأنبياء، وأنهم يحدث لهم أن يخرج لهم أصحاب القبور، أو يحضر لهم البعيدون من ذويهم أو ممن يحبونهم من الأولياء، أو أنهم يرون ويشاهدون من الأمور الغيبية ما يدعونه كل هذه من فعل الشياطين.
ومن هنا نجد أن هذه المسألة تختلط فيها الكرامة بالمخرقة، وبهذا نفسّر اغترار كثير من الناس بأحوال أهل البدع من المعاصرين؛ لأنهم يقولون: نرى منهم كرامات، وفلان حدث على يده أن جاء الولي فلان وأسدى له الخدمة، وفلان كلّم فلانًا في قبره، وفلان حدث له أن جاءه قريبه أو والده فأنقذه من ذلك الموقف الحرج، وفلان نزلت له مثلًا مسألة فرجّت عنه كربة إلى آخره! كل هذه قضايا ينظمها أمر واحد وهي: أن أغلبها من باب الفتن وعبث الشياطين، حتى وإن حدثت على يد رجل صالح؛ لأن الشياطين يتشبهون بالصالحين ويتصورون بالصالحين.
فعلى أي حال كما قال الشيخ: لا ريب أن هذه المشاهد والأوثان والقبور والمزارات يتصور عندها من الشياطين ما يكون في جميع صور أفعال البشر، بما في ذلك تصور الشياطين بصور الأنبياء، أو تصور الشياطين بصور الصالحين، بل يحدث أن شياطين يتصورون لبعض أوليائهم على أنهم ربهم، كما حدث في عهد النبي ﷺ في قصة ابن صياد قال للنبي ﷺ: (ماذا ترى؟ قال: أرى عرشًا على الماء) يتوهم أنه ربه أو يزعم أنه ربه، تبدى له الشيطان على عرش فوق الماء، فقال النبي ﷺ: (ذاك عرش الشيطان).
فإذًا: هذه القضية تنسحب على كل أصحاب البدع، حتى وإن كان ظاهرهم الصلاح، بل بعض الصالحين الأولياء المتقين قد يحدث لهم ابتلاء بأن يعرض لهم الشيطان في مثل هذه الأحوال ابتلاء وفتنة، بل تعرّض الشيطان للنبي ﷺ، لكن الله أمكنه منه، وتعرّض الشيطان للنبي ﷺ فقبض عليه كما سيأتي، وتعرّض الشيطان للنبي ﷺ في بعض الأحوال، وأتاه بالشهب ليحرقه فاستعاذ منه وأتاه جبريل فعلمه كيف يستعيذ بالله منهم فاستعاذ النبي ﷺ.
فالنبي ﷺ حدث له مثل ذلك؛ لكن النبي ﷺ عصمه الله من أن تضره الشياطين، ولا يمكن أيضًا أن يحدث للنبي ﷺ أن يوهموه أنهم أهل حق، لكن أقول بناء على ذلك، فإن هذه الأحوال قد تحدث حتى للصالحين من باب الابتلاء والفتنة، وسيأتي ذكر المقاييس التي تعرف بها المخارق الباطلة وتميّز عن كرامات الأولياء أو الكرامات الصالحة بمقاييس دقيقة سيأتي الكلام عنها فيما بعد إن شاء الله.
[ ٥ / ٤ ]
كيفية تمييز أن المتصور بصورة نبي أو ولي شيطان
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي هذا الباب من الوقائع ما يضيق هذا الموضع عن ذكره، وهي كثيرة جدًا، والجاهل يظن أن ذلك الذي رآه قد خرج من القبر وعانقه أو كلمه هو المقبور أو النبي أو الصالح وغيرهما، والمؤمن العظيم يعلم أنه شيطان ويتبين ذلك بأمور: أحدها: أن يقرأ آية الكرسي بصدق، فإذا قرأها تغيب ذلك الشخص أو ساخ في الأرض أو احتجب، ولو كان رجلًا صالحًا أو ملكًا أو جنيًا مؤمنًا لم تضره آية الكرسي، وإنما تضر الشياطين، كما ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁ لما قال له الجني: (اقرأ آية الكرسي إذا أويت إلى فراشك فإنه لا يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح)، فقال النبي ﷺ: (صدقك وهو كذوب).
ومنها: أن يستعيذ بالله من الشياطين.
ومنها: أن يستعيذ بالمعوذة الشرعية، فإن الشياطين كانت تعرض للأنبياء في حياتهم وتريد أن تؤذيهم وتفسد عبادتهم.
كما جاءت الجن إلى النبي ﷺ بشعلة من النار تريد أن تحرقه، فأتاه جبريل بالمعوذة المعروفة التي تضمنها الحديث المروي عن أبي التياح أنه قال: (سأل رجل عبد الرحمن بن حبيش وكان شيخًا كبيرًا قد أدرك النبي ﷺ: كيف صنع رسول الله ﷺ حين كادته الشياطين؟ قال: تحدرت عليه من الشعاب والأودية، وفيهم شيطان معه شعلة من نار يريد أن يحرق بها رسول الله ﷺ، قال: فرُعب رسول الله ﷺ فأتاه جبريل ﵇ فقال: يا محمد! قل، قال: ما أقول؟ قال: قل: أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر ما ينزل من السماء ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما يخرج من الأرض ومن شر ما ينزل فيها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر كل طارق يطرق إلا طارقًا يطرق بخير يا رحمن، قال: فطفئت نارهم وهزمهم الله ﷿).
وثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ: (إن عفريتًا من الجن جاء يفتك بي البارحة ليقطع علي صلاتي، فأمكنني الله ﷿ منه فذَعَتُّه أردت أن آخذه فأربطه إلى سارية من المسجد حتى تصبحوا فتنظروا إليه، ثم ذكرت قول سليمان ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص:٣٥] فرده الله تعالى خاسئًا)].
الحديث هنا وردت فيه عبارة قوله: (فذعته) وقد فسّر أهل العلم الكلمة بمعنى قبضته أو خنقته، أو قبضته وخنقته.
وذكر النووي أنها وردت بالدال المهملة فدعته بمعنى: دفعته بقوة، والمعنى واحد.
ونسأل الله للجميع التوفيق والسداد والرشاد، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين.
[ ٥ / ٥ ]