أنهم سألوه ذلك عند قبره؛ بل أنكر السلف الصالح على من قصد دعاء الله عند قبره، فكيف بدعائه نفسه؟!
ولهم شبهة أخرى، وهي: قصة إبراهيم ﵇ لما ألقي في النار؛ اعترض له جبريل في الهواء، فقال له: ألك حاجة؟ فقال إبراهيم ﵇: أما إليك فلا، قالوا: فلو كانت الاستغاثة بجبريل شركًا لم يعرضها على إبراهيم.
فالجواب: أن هذا من جنس الشبهة الأولى، فإن جبريل ﵇ عرض عليه أن ينفعه بأمر يقدر عليه، فإنه كما قال الله تعالى فيه: ﴿شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾ [النجم]، فلو أذن الله له أن يأخذ نار إبراهيم وما حولها من الأرض والجبال ويلقيها في المشرق أو المغرب لفعل، ولو أمره الله أن يضع إبراهيم في مكان بعيد عنهم لفعل، ولو أمره أن يرفعه إلى السماء لفعل.
وهذا كرجل غني له مال كثير، يرى رجلًا محتاجًا، فيعرض عليه أن يقرضه أو يهبه شيئًا يقضي به حاجته، فيأبى ذلك الرجل المحتاج أن يأخذ ويصبر إلى أن يأتيه الله برزق لا منة فيه لأحد، فأين هذا من استغاثة العبادة والشرك لو كانوا يفقهون؟
يريد القبوريون الذين يستغيثون بالصالحين ويلجأون إليهم أن يستدلوا بهذه الشبهة على جواز الاستغاثة بالمخلوق، وهذه شبهة واهية ضعيفة؛ لأن الاستغاثة بالمخلوق الحي الحاضر بما يقدر عليه جائزة لا
[ ١٠٣ ]
ننكرها، وذلك مثل أن يستغيث الرجل بإخوانه عند الشدة في الحرب وغيرها، ومن ذلك ما تواترت به سنة النبي ﵊؛ من أن الناس يوم القيامة يشتد عليهم الموقف والكرب، فيقول بعضهم لبعض: اذهبوا إلى أبيكم آدم يشفع لنا عند ربنا أن يخرجنا من هذا الكرب، فيأتون آدم فيقولون له: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، ويذكرون له من الفضائل؛ ألا ترى ما نحن فيه، اشفع لنا عند ربك، ادع الله أن يريحنا، أو كما جاء في الحديث، فيذكر أكله من الشجرة، ويذكر أن الله نهاه عن الأكل من الشجرة فأكل منها، ويقول: نفسي نفسي، وفي بعض الروايات يقول: إن ربي غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحًا، فيذكرون له ذلك، فيعتذر ويذكر أنه دعا على قومه؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦)﴾ [نوح]، فيعتذر قائلًا: اذهبوا إلى إبراهيم، فيأتون إبراهيم فيعتذر أيضًا، ويقول نحو ما قاله من قبله، ويذكر كذباته الثلاث - وكلها في ذات الله -، ويقول: اذهبوا إلى موسى، فيأتون موسى فيعتذر ويقول: إني قتلت نفسًا لم أؤمر بقتلها، فيعتذر فيقول: اذهبوا إلى عيسى، فيأتون عيسى فيعتذر كذلك ولا يذكر ذنبًا، فيقول: إن ربي غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، اذهبوا إلى محمد عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال ﵊: «فيأتوني، فأنطلق فآتي ربي، فإذا
[ ١٠٤ ]
رأيته خررت له ساجدًا، فيتفتح علي بمحامد لا أتقنها الآن، فيقال: ارفع رأسك، وسل تُعط، واشفع تُشفَّع …» الحديث (^١).
فالأنبياء يوم القيامة أحياء قادرون على الدعاء، واستغاثة الناس بهم هي استغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه، ومن جملة هذا النوع من الاستغاثة أيضًا استغاثة الإسرائيلي بموسى كما قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥]، فإذا أتى الإنسان إلى من يتوسم فيه الخير، وسأله أن يدعو له؛ فلا بأس، وإن كان لا ينبغي التوسع كثيرًا في مثل هذا؛ لأن فيه سؤال الناس، وقد جاء النهي عن كثرة السؤال، والترغيب في عدم سؤال الناس. ولكن على كل حال، إذا طلب الدعاء من غيره، فهذا جائز وليس بشرك، وقد كان الصحابة يأتون إلى الرسول ﷺ ويسألونه الدعاء في الاستسقاء وفي غيره، كما قال الأعرابي فادع الله أن يغيثنا (^٢)، فهذا سؤال إلى الرسول ﷺ أن يدعو لهم، وكما قال عكاشة: «ادع الله أن يجعلني منهم» (^٣)، وقالت المرأة التي كانت تُصرع وتتكشف: «إني أصرع فادع الله أن يعافيني»، فقال: «إن شئتِ صبرتِ ولك الجنة»، فقالت: «أصبر، ولكن ادع الله أن لا أتكشف»، فطلبت الدعاء، وكذلك حديث الأعمى الذي طلب من الرسول ﷺ أن يدعو له أن يرد الله عليه بصره (^٤).
_________________
(١) تقدم في ص ٥٩.
(٢) تقدم في ص ٦٢.
(٣) تقدم في ص ٦٢.
(٤) تقدم في ص ٦٢.
[ ١٠٥ ]
والمنكر والممنوع هو الاستغاثة بالأموات والغائبين، فالاستغاثة بهم لا تجوز مطلقًا؛ لا فيما يقدر عليه المخلوق، ولا فيما لا يقدر عليه؛ لأن الميت لا يقدر على شيء.
ولما مات الرسول ﷺ لم يكن الصحابة ﵃ يأتون إلى قبره - وهو أفضل الخلق -، والصحابة أعلم الخلق بما يليق به ﷺ، وبما لا يليق، وقد حصل لهم قحط شديد في السنة السابعة عشرة من الهجرة، فلم يأتوا إلى قبره ليستغيثوا به، بل استغاثوا بالله، وطلب عمر الفاروق ﵁ من العباس ﵁؛ أن يدعو الله (^١)، فتبين بهذا الفرق بين الاستغاثة بالحي والميت.
فإذا ثبت أن الاستغاثة بالحي فيما يقدر عليه جائزة؛ تبين أن الاستغاثة بالأنبياء يوم القيامة من هذا النوع، فالناس إذ ذاك يريدون منهم أن يدعوا الله أن يحاسب الناس حتى يستريح أهل الجنة من كرب الموقف، وهذا جائز في الدنيا والآخرة، كما كان أصحاب رسول الله ﷺ يسألونه ذلك في حياته. أما بعد موته، فلم يحصل من ذلك شيء، بل ثبت عن السلف أنهم كانوا ينكرون على من يدعو الله عند قبره ﵊.
يقول الشيخ: «ولهم شبهة أخرى، وهي: قصة إبراهيم ﵇ لما ألقي في النار اعترض له جبريل في الهواء، فقال له: ألك حاجة؟ فقال إبراهيم ﵇: أما إليك فلا، قالوا: فلو كانت الاستغاثة بجبريل شركًا لم يعرضها على إبراهيم …» إلى آخره.
_________________
(١) تقدم في ص ٦٣.
[ ١٠٦ ]
قصة اعتراض جبريل لإبراهيم لما ألقي في النار من الإسرائيليات
فهذه القصة من الإسرائيليات، وتذكر في كتب التفسير عند قوله تعالى: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِين (٦٨)﴾ [الأنبياء]، وقوله تعالى: ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيم (٩٧)﴾ [الصافات]، فقوم إبراهيم المشركون كانوا قد أضرموا له نارًا عظيمة، ولم يستطيعوا أن يضعوه فيها من قرب؛ فجاءوا بالمنجنيق فوضعوه فيه، وقذفوا به إلى النار، فعرض جبريل ﵇ لإبراهيم في أثناء القذف، وهو في الهواء، فقال له: ألك حاجة؟ قال أما إليك فلا، وأما إلى الله فبلى، فيستدل المبطل: بأن هذا جبريل عرض على إبراهيم أن يغيثه، فلو كانت الاستغاثة شركًا لما عرض ذلك عليه.
والجواب على هذه الشبهة كالجواب على الشبهة السابقة، وهو أن استغاثة الناس بالأنبياء يوم القيامة استغاثة بحي قادر، وهكذا لو استغاث إبراهيم بجبريل، فإنها استغاثة بحي قادر، كيف وقد وصفه الله بأنه: ﴿شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾ [النجم]، فلو أذن الله له أن يلقي نار إبراهيم وما حولها من الأرض والجبال في مكان بعيد؛ شرقًا أو غربًا، أو أذن له أن يأخذ إبراهيم إلى مكان بعيد، أو أن يرفعه إلى السماء؛ لفعل.
ويمثل الشيخ هذه القصة برجل غني له مال يعرض على فقير محتاج أن يسلفه، أو يعطيه هبة، فيأبى ذلك الفقير، ويصبر حتى يأذن الله له برزق لا منَّة فيه لأحد، فهكذا فعل إبراهيم ﵇، حيث أبى أن يفعل له جبريل شيئًا توكلًا منه على الله؛ ولهذا جاء في الصحيح عن ابن عباس ﵄؛ أنه قال في قول الله تعالى ﴿حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل (١٧٣)﴾ [آل عمران]، قالها إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار، وقالها
[ ١٠٧ ]
محمد ﷺ حين قالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل (١٧٣)﴾ [آل عمران] (^١)، وهذا يتضمن التوكل على الله، والرضا بكفايته، وعدم الالتفات لسواه.
فقول إبراهيم لجبريل: أما إليك فلا، من باب التوكل على الله، وكمال الثقة بأن الله سينصر نبيه وخليله، قال الله تعالى: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيم (٦٩)﴾ [الأنبياء]، فإنها أمام أعينهم نار ملتهبة من اتصل بها أحرقته، وهي على إبراهيم الذي كان بداخلها بردًا وسلامًا، ولم يأت الأمر ﴿كُونِي بَرْدًا﴾ فقط، ولو أمرها الله ﷿ أن تكون بردًا لحالت إلى برد بالنسبة لكل أحد، ولكنه قيد الأمر، فقال: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيم (٦٩)﴾.
يقول الشيخ في ختام هذا الكلام: «فأين هذا من استغاثة العبادة والشرك؟!» أي: أين الاستغاثة بالحي القادر من الاستغاثة بالأموات والغائبين؟ وهي الاستغاثة البدعية الشركية، والله أعلم.
* * * * * * *
_________________
(١) رواه البخاري (٤٥٦٣).
[ ١٠٨ ]
ختم الرسالة بمسألة عظيمة وهي: أن التوحيد لا بد أن يكون بالقلب واللسان والعمل
من عمل بالتوحيد ظاهرا وهو لا يفهمه ولا يعتقده بقلبه فهو منافق
* قال الشيخ ﵀:
ولنختم الكلام إن شاء الله تعالى بمسألة عظيمة مهمة تُفهم مما تقدم، ولكن نفرد لها الكلام؛ لعظم شأنها، ولكثرة الغلط فيها، فنقول:
لا خلاف أن التوحيد لا بد أن يكون بالقلب واللسان والعمل، فإن اختل شيء من هذا لم يكن الرجل مسلمًا.
فإن عرف التوحيد ولم يعمل به فهو كافر معاند؛ كفرعون وإبليس وأمثالهما.
وهذا يغلط فيه كثير من الناس، يقول: هذا حق، ونحن نفهم هذا، ونشهد أنه الحق؛ ولكنا لا نقدر أن نفعله ولا يجوز عند أهل بلدنا إلا من وافقهم، أو غير ذلك من الأعذار، ولم يدر المسكين أن غالب أئمة الكفر يعرفون الحق، ولم يتركوه إلا لشيء من الأعذار؛ كما قال تعالى: ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا﴾ [التوبة: ٩] وغير ذلك من الآيات كقوله: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦].
فإن عمل بالتوحيد عملًا ظاهرًا، وهو لا يفهمه أو لا يعتقده بقلبه، فهو منافق، وهو شر من الكافر الخالص؛ [كما قال تعالى]: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥].
وهذه المسألة مسألة كبيرة طويلة، تتبين لك إذا تأملتها في ألسنة الناس ترى من يعرف الحق ويترك العمل به لخوف نقص دنيا، أو جاه، أو مداراة لأحد.
[ ١٠٩ ]
وترى من يعمل به ظاهرًا لا باطنًا، فإذا سألته عما يعتقد بقلبه؛ إذا هو لا يعرفه، ولكن عليك بفهم آيتين من كتاب الله تعالى:
أولاهما: قوله تعالى: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إ﴾ [التوبة: ٦٦]، فإذا تحققت أن بعض الصحابة الذين غزوا الروم مع الرسول ﷺ كفروا بسبب كلمة قالوها على وجه المزح واللعب؛ تبين لك أن الذي يتكلم بالكفر أو يعمل به خوفًا من نقص مال أو جاه أو مداراة لأحد؛ أعظم ممن يتكلم بكلمة يمزح بها.
والآية الثانية: قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللّهِ مِنْ بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيم (١٠٦)﴾ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ﴾ [النحل].
فلم يعذر الله من هؤلاء إلا من أكره مع كون قلبه مطمئنًا بالإيمان. وأما غير هذا، فقد كفر بعد إيمانه؛ سواء فعله خوفًا، أو مداراة لأحد، أو مشحة بوطنه أو أهله، أو عشيرته، أو ماله، أو فعله على وجه المزح، أو لغير ذلك من الأغراض إلا المكره، فالآية تدل على هذا من جهتين:
الأولى قوله: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ﴾ [النحل: ١٠٦]، فلم يستثن الله تعالى إلا المكره، ومعلوم أن الإنسان لا يكره إلا على الكلام أو الفعل.
وأما عقيدة القلب، فلا يكره عليها أحد.
[ ١١٠ ]
والثانية: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ﴾ [النحل: ١٠٧]، فصرح أن هذا الكفر والعذاب لم يكن بسبب الاعتقاد أو الجهل أو البغض للدين أو محبة الكفر، وإنما سببه: أن له في ذلك حظًا من حظوظ الدنيا، فآثره على الدين، والله ﷾ أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
ختم الشيخ هذه الرسالة بهذه المسألة التي هي بحق عظيمة، وكما ذكر الشيخ أنه أفردها لعظم شأنها، وكثرة الغلط فيها.
وقد قدم الشيخ لهذه المسألة بالقول: إن التوحيد لا بد أن يكون ظاهرًا وباطنًا بالقلب واللسان والجوارح، فمن عرفه بقلبه ولم يقر به ظاهرًا؛ فإنه كافر معاند كفرعون، وكثير من أمم الكفر يعرفون الحق ولكنهم يعاندون ويجحدون، فمثلًا فرعون قال: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِين (٢٣)﴾ [الشعراء]، وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]، فقال الله عن هذا التكبر والجحود: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]. وقال تعالى عن موسى لما قال لفرعون: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢]، وقال تعالى عن أهل الكتاب اليهود: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦].
وقال تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُون (٣٣)﴾ [الأنعام]، يقولون: هو مجنون، هو
[ ١١١ ]
الناس ثلاثة أقسام مؤمنون وكفار ومنافقون
كاهن، وهم في قرارة أنفسهم يعلمون ويقرون أو يعتقدون أنك صادق تمامًا، وهذا واقع كثير من الكفار، فهم يقرون بالحق في قلوبهم، ويقرون به بألسنتهم؛ لكنهم يقولون إننا لا نقدر أن نعمل به من أجل قومنا وأهلينا وعشيرتنا، وهذا ينطبق على حال أبي طالب عم النبي ﷺ، فإن أبا طالب كان مصدقًا بالرسول ﷺ؛ ظاهرًا وباطنًا، إلا أنه لم يستجب ولم ينقد ولم يقر بما جاء به، فامتنع أن يقول: لا إله إلا الله إلى آخر رمق؛ تعصبًا لملة أبيه عبد المطلب، فلم ينفعه ذلك التصديق.
وهذه حال كثير من أهل الكفر، يعرفون الحق ولكنهم لا يعملون به ولا ينقادون له لعذر من الأعذار؛ إما تعصبًا للآباء، أو خوف المذمة عند قومهم وعشيرتهم، أو لأمر مادي؛ كما قال الله ﷿: ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ف﴾ [التوبة: ٩].
فالناس بهذا الاعتبار ثلاثة أقسام:
الأول: مؤمنون ظاهرًا وباطنًا، ويدخل فيه جميع المؤمنين: الظالم لنفسه والمقتصد والسابق للخيرات.
والثاني: كافرٌ ظاهرًا وباطنًا، وهو المعلن للكفر، والمعلن للكفر كافر؛ لا ينفعه تصديقه الباطن أو معرفته الباطنة.
والثالث: مؤمن ظاهرًا لا باطنًا، وهم المنافقون.
وهذه الأقسام الثلاثة ذكرها الله في مواضع كما فصلها في أول سورة البقرة؛ ذكر صفات المؤمنين وصفات الكافرين، وصفات المنافقين.
[ ١١٢ ]
فإن عمل بالإيمان بجوارحه وهو لا يعتقده بقلبه فهو منافق؛ لأن المنافقين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر؛ كما قال الله تعالى عنهم: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُون (١٤)﴾ [البقرة].
والمنافقون مصيرهم معروف، وأنهم شر من الكفار المظهرين المعلنين لكفرهم؛ ولهذا كان المنافقون ﴿فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥].
وغلاة المرجئة يقولون: الإيمان هو المعرفة، فمن عرف بأن الله ربه وخالقه فهو مؤمن، ويقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الكفر طاعة.
والكرامية يقولون: إن من أقر بلسانه فهو مؤمن.
وكل هذه أقوال باطلة، فإن التوحيد والإسلام والإيمان لا بد أن يتطابق فيه الظاهر والباطن.
والمسألة العظيمة التي يريد أن يتكلم الشيخ عنها هي مسألة «ما تقع به الردة عن الإسلام»، وقد تقدم أن الردة تقع بالشرك بالله، وبالتكذيب بما أخبر الله ورسوله، وإن كان الشخص يقول: «لا إله إلا الله».
وإذا تأمل الإنسان أحوال الناس وأقوالهم، فإنه يدرك أن منهم من يعمل بالحق ظاهرًا لا باطنًا؛ أي يوافق على الحق مداهنة، وهو بالباطن خلاف ذلك، ومنهم من يترك الحق، فيكون كفره ظاهرًا، فالأمر يتردد إما بين الكفر الظاهر، أو النفاق.
[ ١١٣ ]
والنجاة تكون بمعرفة الحق واتباعه؛ ظاهرًا وباطنًا.
أما من ترك الحق إيثارًا لدنيا، أو لأغراض مختلفة؛ فإنه لا يعذر، ومما يوضح هذا الأمر النظر في آيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى في المستهزئين: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٦]، فهذه الآية نزلت في الذين أطلقوا كلامًا على وجه المزح استهزاءً بالرسول ﷺ وأصحابه حيث قالوا: «ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، أرغب بطونًا، وأكذب ألسنة، وأجبن عند اللقاء»، وفي الرواية أنهم يعنون رسول الله ﷺ؛ فأنزل الله هذه الآية، وذهب عوف بن مالك يبلغ الرسول ﵊، فوجد الوحي قد سبقه، وجاء ذلك الرجل الذي أطلق الكلمة يعتذر إلى الرسول ﷺ، وقد ركب الرسول ﷺ راحلته، فتعلق بنسعة الراحلة، فجعل يردد: «إنما كنا نخوض ونلعب، ونتحدث حديث الركب، نقطع به عناء الطريق»؛ فأنزل الله: ﴿أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُون (٦٥)﴾ ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة] (^١).
فإذا كان هؤلاء قد كفروا بعد إيمانهم؛ لأنهم تكلموا بكلام على وجه المزح فكيف بمن أظهر الكفر من أجل غرض من أغراض الدنيا، وخوفًا على فوت مصلحة من المصالح، أو مشحة بالوطن أو بالأهل والعشيرة؟! كمن يعز عليه فراق أهله وعشيرته، ويعز عليه مخالفتهم أيضًا كأبي طالب الذي ما منعه من قول «لا إله إلا الله» إلا المشحة بالآباء والخوف من مخالفتهم.
_________________
(١) تقدم في ص ٨٩.
[ ١١٤ ]
والآية الثانية قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللّهِ مِنْ بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيم (١٠٦)﴾ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ﴾ [النحل]، فهذه الآية تدل على أن كل من أظهر الكفر لأي غرض من الأغراض، فإنه كافر؛ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، فلم يستثن إلا المكره، فمن أظهر الكفر خوفًا من فوات حظ من الحظوظ مشحةً بالوطن والأهل والعشيرة، فهو كافر؛ لأنه غير مكره، والله تعالى لم يستثن إلا المكره، كمن قيل له سب الرسول ﷺ، أو سب هذا القرآن والمصحف، وإلا فهذا السيف على رأسك، وهو يتكلم بهذا، وقلبه يحترق، ويجد ألمًا في باطنه، بل وفي ظاهره؛ فهذا هو المكره، ولا يكفر.
والآية تدل على هذا من وجهين:
أولًا: أن قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾؛ تدل على أن المراد الإكراه على فعل الكفر، أو التكلم بالكفر. أما اعتقاد القلب فلا تعلق للإكراه به؛ لأنه لا يستطيع أحد أن يكره أحدًا على اعتقاد قلبه؛ لأنه أمر باطن، يقول تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾؛ أي فقد كفر، ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ فمن أظهر الكفر من غير إكراه، فقد شرح بالكفر صدرًا.
ثانيًا: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ﴾ [النحل: ١٠٧]، فهذا تصريح على أن الذي حملهم على الكفر هو إيثار الدنيا؛ فعلم بذلك أن الكفر لا يتوقف على اعتقاد القلب، ولا
[ ١١٥ ]
كل من أظهر الكفر لأي غرض من الأغراض فإنه كافر إلا المكره
يتوقف على بغض الحق، فكم من الكفار من يعتقد صدق الرسول ﷺ، ويعرف أن ما جاء به هو الحق، ولكن يمنعه من ذلك التعصب للآباء، أو الأغراض الدنيوية، فهل كفر بسبب اعتقاد القلب؟
لا، إنما كفر بما أظهر من الكفر، وبما تكلم به من الكفر، فمن تكلم بالكفر هازلًا مازحًا، أو تكلم بالكفر مداراةً ومداهنةً ليتوصل بذلك إلى مصلحة دنيوية، فإنه كافر؛ لأنه غير مكره، والله لم يستثن إلا المكره.
وبهذا ينتهي التعليق على هذا الكتاب المبارك المفيد، ورحم الله الشيخ على كشفه لتلك الشبهات الباطلة التي يتذرع بها المشركون لتصحيح باطلهم، ولا ريب أن كشف الشبهات وبيان الحق بدليله من الجهاد الذي أمر الله به في قوله: ﴿وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢)﴾ [الفرقان]؛ أي: بالقرآن، وقد أبلى الشيخ في ذلك بلاء حسنًا، فرفع بدعوته أعلام التوحيد، وأذل به الشرك وأهله، فجزاه الله على دعوته وجهاده خيرًا.
والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
* * * * * * *
[ ١١٦ ]