* قال الشيخ ﵀:
﷽
اعلم - رحمك الله - أن التوحيد هو: إفراد الله سبحانه بالعبادة، وهو دين الرسل الذي أرسلهم الله به إلى عباده فأولهم نوح ﵇؛ أرسله الله إلى قومه لما غلوا في الصالحين: ودًا، وسواعًا، ويغوث، ونسرًا.
وآخر الرسل محمد ﷺ وهو [الذي] كسَّر صور هؤلاء الصالحين؛ أرسله إلى أناس يتعبدون، ويحجون، ويتصدقون، ويذكرون الله كثيرًا، ولكنهم يجعلون بعض المخلوقين وسائط بينهم وبين الله، ويقولون: نريد منهم التقرب إلى الله، ونريد شفاعتهم عنده، مثل: الملائكة، وعيسى، ومريم، وأناس غيرهم من الصالحين.
فبعث الله محمدًا ﷺ يجدد لهم دين أبيهم إبراهيم ﵇، ويخبرهم أن هذا التقرب والاعتقاد محض حق الله لا يصلح منه شيء لغيره؛ لا لملك مقرَّب ولا لنبي مرسل، فضلًا عن غيرهما.
وإلا، فهؤلاء المشركون يشهدون أن الله هو الخالق وحده لا شريك له، وأنه لا يرزق إلا هو، ولا يحيي ولا يميت إلا هو، ولا يدبر الأمر إلا هو، وأن جميع السماوات ومن فيهن، والأرضين السبع ومن فيهن؛ كلهم عبيده، وتحت تصرفه وقهره.
[ ٩ ]
التوحيد نوعان: اعتقادي، وعملي
يستهل الشيخ ﵀ هذه الرسالة بعد البسملة بقوله: «اعلم رحمك الله»، كما يستهل بعض المؤلفات وبعض الدروس بهذا التوجيه والتنبيه، فيقول: اعلم أيها المسلم، أيها الطالب، اعلم رحمك الله، وفي هذا تلطف في التعليم، ودعاء لطالب العلم بالرحمة التي يسألها العبد، فإن من ﵀ أفلح وأنجح، وسعد في الدنيا والآخرة.
ثم استهل المؤلف ﵀ هذا الكتاب ببيان حقيقة التوحيد، حيث قال: «اعلم - رحمك الله - أن التوحيد هو إفراد الله سبحانه بالعبادة»؛ أي: تخصيصه بالعبادة، أو صرف العبادة له وحده لا شريك له، وهذا تعريف توحيد العبادة؛ الذي ضل عنه المشركون وانحرفوا، وجاءت به الرسل، وهو المقصود من «لا إله إلا الله».
والتوحيد نوعان: اعتقادي وعملي، فالتوحيد الاعتقادي هو: الإقرار بأن الله تعالى رب كل شيء ومليكه، وأنه خالق كل شيء، وأنه مالك كل شيء، وأنه الإله الحق الذي لا يستحق العبادة سواه، وأنه الموصوف بالأسماء الحسنى والصفات العلى، فهذا توحيد الاعتقاد.
وأما التوحيد العملي، فهو ثمرة هذا الاعتقاد، وهو تخصيص الرب وإفراده بالعبادة؛ أي: عبادته وحده لا شريك له، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١]، وقال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦].
[ ١٠ ]
المشهور أن التوحيد ثلاثة أنواع: الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات
التوحيد الذي جاءت به الرسل كلهم هو توحيد الإلهية
وبعض العلماء يجمعون التوحيد قسمين: التوحيد العلمي الخبري، والتوحيد الإرادي الطلبي (^١)، والمشهور أن التوحيد ثلاثة أنواع:
- توحيد الربوبية.
- وتوحيد الألوهية، وهو: توحيد العبادة.
- وتوحيد الأسماء والصفات.
ولا بد من توحيد الله في ذلك كله، فلابد من الإيمان بأنه تعالى رب كل شيء ومليكه، لا رب غيره، ولا خالق ولا رازق سواه، ولابد من الإيمان بأسمائه وصفاته، وأنه ﷾ لا شبيه له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، ثم لا بد من الإيمان بأنه الإله الحق الذي لا يستحق العبادة سواه، ثم تخصيصه بالعبادة، فهذه ثلاثة أنواع، والشيخ ﵀ ذكر تعريف واحد منها، وهو توحيد العبادة فقال: «اعلم - رحمك الله - أن التوحيد هو إفراد الله سبحانه بالعبادة».
ثم قال بعد ذلك: «وهو دين الرسل الذي أرسلهم الله به إلى عباده»؛ يعني: أن توحيد الله بإخلاص الدين له هو دين الرسل من أولهم إلى آخرهم، وخص الشيخ هذا التوحيد بالذكر؛ لأنه التوحيد الذي وقعت فيه الخصومة بين الرسل وأممهم، فإن سائر الأمم تقر بالربوبية لله، ولكن التوحيد الذي أنكروه وانحرفوا عنه هو توحيد العبادة، وحقيقته: عبادة الله وحده لا شريك له، وترك عبادة ما سواه، والكفر بما يعبد من دون الله، وهذا هو دين الرسل من أولهم - وهو نوح ﵇ الذي
_________________
(١) التدمرية ص ٤٦، ومدارج السالكين (٣/ ٤٥٠).
[ ١١ ]
عمرو بن لحي الخزاعي أول من غير دين إبراهيم وسيب السوائب
أرسله الله بعدما حدث الشرك في قومه؛ وذلك أنهم غلو في الصالحين، وصوروا صور أولئك الصالحين لما ماتوا، وهم: «ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر» كما جاء في الأثر عن ابن عباس؛ أنها «أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا؛ (أي: ضعوا فيها تماثيل تذكركم سيرتهم)، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك، وتنسخ العلم؛ عبدت» (^١)، إذ أوحى الشيطان إليهم بأن هذه الصور لها شأن، وأن من قبلكم كانوا يستنزلون بها المطر، ويستنصرون بها على الأعداء، فعبدوها؛ فهذه بداية حدوث الشرك في العالم، وسببه هو الغلو في الصالحين.
فأرسل الله نوحًا إلى قومه لما غلو في الصالحين وعبدوهم من دون الله.
وقوله: «وآخر الرسل محمد ﷺ وهو الذي كسر صور هؤلاء الصالحين».
وقد ورد في الأخبار أن عمرو بن لحي الخزاعي هو أول من غير دين إبراهيم (^٢) وسيب السوائب (^٣)، وأن هذه الأصنام كانت دفينة في
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٩٢٠).
(٢) أخرجه الطبراني في «الكبير» (١٠٨٠٨) من حديث ابن عباس ﵄، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٢٥٨٠).
(٣) رواه البخاري (١٢١٢)، ومسلم (٩٠١) عن عائشة ﵂.
[ ١٢ ]
بعض البلاد، وقد دله الشيطان على تلك الأصنام، فاستخرجها (^١)، ودعاهم إلى عبادتها فأجابوه، ودفع لكل قبيلة منها واحدًا - والعياذ بالله -، فلما بعث الله نبيه محمدًا ﷺ كسر الأصنام كلها: التي حول الكعبة والتي في الحجاز، والتي في شمال الجزيرة، وفي اليمن، وبعث إليها من يهدمها مثل ما أرسل إلى الأصنام الكبيرة التي ذكرها الله في كتابه، وهي: اللات، والعزى، ومناة.
وقوله: «أرسله الله إلى أناس »؛ أي محمدًا ﷺ، وهو خاتم النبيين، فلا نبي بعده، ودينه هو دين إخوانه الأنبياء من قبله، وهو: التوحيد والإسلام، ف «الأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد» (^٢)، وقد أرسله الله إلى الثقلين: الجن والإنس، ولكن أول من أرسل إليهم هم عشيرته، ثم مَنْ حولَ أمِ القرى، فبدأ بقومه، وكانوا يؤمنون بأنه تعالى خالق كل شيء، لكنهم يجعلون بينهم وبين الله وسائط في العبادة، فيعبدون هذه الوسائط؛ زاعمين أنها تقربهم إلى الله زلفى، وأنها تشفع لهم، فيعبدونهم مع الله، كما قال الله تعالى عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، وقال سبحانه: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللّهِ﴾ [يونس: ١٨]، فهم يقولون: نريد منهم أن يقربونا إلى الله، ونريد شفاعتهم.
فبين لهم ﵊ أن العبادة محض حق الله؛ وأن الشفاعة كلها لله، وإنما تطلب منه سبحانه؛ قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ
_________________
(١) ذكره ابن الكلبي في «الأصنام» ص ٥٦، ونقله عنه جماعة.
(٢) رواه البخاري (٣٤٤٣) - واللفظ له -، ومسلم (٢٣٦٥) عن أبي هريرة ﵁.
[ ١٣ ]
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُون (٤٤)﴾ [الزمر]؛ فدل ذلك على أن هذا التقرب لا يصلح إلا لله.
وهؤلاء الوسائط كانوا يتخذونهم من الصالحين، مثل: الملائكة؛ كما قال تعالى عنهم: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاء إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُون (٤٠)﴾ [سبأ]، وقال سبحانه: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُون (٨٠)﴾ [آل عمران].
ومثل عيسى وأمه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ [المائدة: ١١٦].
فالعبادة محض حق لله، والرسل يطاعون ويُتَّبعون ولا يُعبدون، والصالحون يقتدى بهم ويحبون في الله، ولا يجوز الغلو فيهم ولا إعطاؤهم شيئًا من خصائص الإلهية.
والشيخ ﵀ قد بيَّن أن هذا التقرب وهذا الاعتقاد لا يصلح إلا لله تعالى، فلا يصرف لملك مقرب، ولا لنبي مرسل، وهؤلاء هم أفضل الخلق؛ ومع ذلك يقول ﷾: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللّهِ وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُون (٧٩)﴾ [آل عمران]، وقال في الملائكة: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِين (٢٩)﴾ [الأنبياء]، والملائكة معصومون من هذا، لكن لو فُرِض أنه ادعى واحد منهم الإلهية لعذبه الله.
[ ١٤ ]
الأدلة على أن كفار قريش كانوا يقرون بتوحيد الربوبية ولم يدخلهم ذلك في الإسلام
* قال الشيخ ﵀:
فإذا أردت الدليل على أن هؤلاء المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ يشهدون بهذا، فاقرأ قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُم مِنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُون (٣١)﴾ الآية [يونس]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُون (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُون (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُون (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُون (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُون (٨٩)﴾ [المؤمنون]، وغير ذلك من الآيات.
فإذا تحققت أنهم مقرون بهذا، وأنه لم يدخلهم في التوحيد الذي دعاهم إليه رسول الله ﷺ، وعرفت: أن التوحيد الذي جحدوه هو توحيد العبادة الذي يسميه المشركون في زماننا: «الاعتقاد»، كما كانوا يدعون الله ﷾ ليلًا ونهارًا، ثم منهم من يدعو الملائكة؛ لأجل صلاحهم وقربهم من الله ﷿؛ ليشفعوا له، أو يدعو رجلًا صالحًا، مثل اللات، أو نبيًا مثل: عيسى.
وعرفت أن رسول الله ﷺ قاتلهم على هذا الشرك ودعاهم إلى إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له؛ كما قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ [الجن]، وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٤].
[ ١٥ ]
وتحققت أن رسول الله ﷺ قاتلهم؛ ليكون الدعاء كله لله، والنذر كله لله، والذبح كله لله، والاستغاثة كلها بالله، وجميع أنواع العبادات كلها لله.
وعرفت: أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يدخلهم في الإسلام، وأن قصدهم الملائكة، أو الأنبياء، أو الأولياء؛ يريدون شفاعتهم والتقرب إلى الله بذلك هو الذي أحل دماءهم وأموالهم.
عرفت حينئذ التوحيد الذي دعت إليه الرسل، وأبى عن الإقرار به المشركون.
يقول الشيخ ﵀: «فإذا أردت الدليل على أن هؤلاء المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ …» إلخ، لأنهم يتخذون بينهم وبين الله وسائط يعبدونهم من دون الله؛ زاعمين أنهم يقربونهم إلى الله، وأنهم يشفعون لهم.
وهؤلاء المشركون كانوا يقرون بأنه ﷾ رب كل شيء، وأنه لا خالق غيره ولا رازق غيره، ولا يحيي ولا يميت إلا هو، وهذا هو تحقيق توحيد الربوبية، فكان عندهم توحيد، وعندهم شرك، وكان توحيدهم في الربوبية، وشركهم في العبادة؛ لأنهم اتخذوا مع الله آلهة أخرى يعبدونها، لكنهم لم يتخذوا شيئًا من المخلوقات ربًّا خالقًا مدبرًا، وربما كان عند بعضهم شيء من الشرك بالربوبية. أما اعتقاد خالق مدبر، فهذا لله وحده.
[ ١٦ ]
وقد بين الله ﷿ هذا في القرآن، بقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُون (٨٧)﴾ [الزخرف]، وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُون (٦١)﴾ [العنكبوت]، ومن ذلك: الآيات التي ذكرها الشيخ في سورة يونس: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُم مِنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿أَفَلَا تَتَّقُون (٣١)﴾ [يونس]؛ أي: أفلا تخافون الله، فتتركون عبادة من سواه، وتخصونه بالعبادة؛ لأن الذي هذا شأنه هو المستحق لأن يُعبد. أما المعبودات الأخرى فهي لا تملك من هذا شيئًا ولا تستطيعه.
ومن ذلك الآيات التي في سورة المؤمنون: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا﴾ إلى قوله: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُون (٨٩)﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩]، فأخبر أنهم يقرون بذلك كله لله، الأرض والسماوات والملك كله، فوبخهم سبحانه على الإشراك به وعبادة غيره معه وهو رب هذه العوالم، فقال سبحانه: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُون (٨٥)﴾، ﴿أَفَلَا تَتَّقُون (٨٧)﴾، ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُون (٨٩)﴾.
فاحتج الله تعالى عليهم بما أقروا به من ربوبيته على ما أنكروه من إخلاص الدين له، وإخلاص العبادة، فإن توحيد الربوبية يستلزم توحيد العبادة عقلًا، سبحان الله! خالق هذا الوجود، ومدبره، وخالق السماوات والأرض ومن فيهن، وخالق الناس ومالكهم؛ أما يستحق العبادة، والخوف والرجاء، والتوكل والتفرد؟!
والآيات المبينة والمظهرة لهذا التوحيد كثيرة، أفلا تذكرون، وتتقون؟! أفمن يخلق كمن لا يخلق؟! ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ لَا
[ ١٧ ]
المشركون عموما أهون كفرا من الملاحدة
يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُون (٢٠)﴾ [النحل]، هذا إنكار للعقول، وعجيب أمر العباد؛ يقرون هذا الإقرار، ثم يتوجهون بخالص الخوف والرجاء، والتوكل والتقرب، والدعاء والمناجاة، ويجعلونها لمن يعظمونه، ويألهونه، ويعتقدون به من ملك أو نبي أو صالح ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِين (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُون (١٩٥)﴾ [الأعراف].
وكذلك الذين يتوجهون إلى قبور الصالحين من الأموات ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُون (٥)﴾ [الأحقاف]، فهؤلاء القبوريون في العالم الإسلامي من الذين بنوا الأضرحة والمساجد على القبور؛ يأتي أحدهم إلى الولي، ويدعوه ويرجوه، ويطلبه الحوائج، والولد، والوظيفة، والمال، وكذلك هم يطلبون منهم مباشرة الشفاعة عند الله، ويطلبون الحوائج منهم، فيجمعون بين الشرك في العبادة والشرك في الربوبية.
والمشركون عمومًا هم أهون كفرًا - والعياذ بالله - من الملاحدة الذين ينكرون وجود الخالق ﷿، ومن كان أكفر كان حظه من عذاب الله وسخطه أوفر.
ولعل الشيخ يريد مما تقدم أن يقرر أمرًا، وهو أنه إذا تحققت مما ذُكِر لك أن المشركين كانوا مقرين بأن الله هو خالق كل شيء، وأنه رب كل شيء ومليكه، وأن أهل السماوات والأرض وما بينهما؛ كلهم
[ ١٨ ]
عبيده، تحت تصرفه وقهره، ومع ذلك لم يكونوا بهذا الإقرار مسلمين، ولا موحدين، ولا مؤمنين، بل كانوا مشركين.
وإذا تحققت أن التوحيد الذي أنكروه هو توحيد العبادة؛ لأنهم كانوا يعبدون مع الله غيره، فمنهم من يعبد الملائكة لصلاحهم وقربهم من الله تعالى؛ يريد شفاعتهم، ومنهم من يعبد الأنبياء كالنصارى في عبادتهم للمسيح، ومنهم من يعبد بعض الصالحين، مثل الذين كانوا يعبدون اللاتَ، وهو الرجل الصالح الذي كان يلت السويق للحجيج في الطائف (^١).
والشيخ ﵀، يقول: إن توحيد العبادة هو الذي يسميه أهل زماننا أو مشركو زماننا: «الاعتقاد»، ويقولون: يعتقد بالرسول، ويعتقد بالولي الفلاني، فيدعونه ويرجونه ويخافونه.
وتوحيد العبادة حقيقته، هو: إفراد الله بالحب والخوف، والرجاء والتوكل، وكل أنواع العبادة، فالمشركون الأولون والمشركون المتأخرون كلهم يشركون في العبادة، فيعبدون مع الله الملائكة والأولياء والصالحين، فالنصارى عبدوا المسيح وأمه؛ كما قال تعالى له: ﴿أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللّهِ﴾ [المائدة: ١١٦]، وهؤلاء المشركون عندهم إيمان وشرك، ولكن إيمانهم مع هذا الشرك لا ينفعهم؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُون (١٠٦)﴾ [يوسف]، وهذا تناقض؛ إذ كيف يقرون بأن الله خالق السماوات والأرض، وخالقهم ورازقهم، ومدبر الأمر، وهو
_________________
(١) رواه البخاري (٤٨٥٩) عن ابن عباس ﵄، في قوله: ﴿اللاَّتَ وَالْعُزَّى (١٩)﴾ [النجم]: «كان اللات رجلًا صالحًا يلت سويق الحاج».
[ ١٩ ]
الذي يحيي ويميت، ويخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، ومع ذلك يعدلون به سواه؛ ولهذا يقول الله بعد كل آية: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُون (٨٥)﴾ [المؤمنون]، وهذا توبيخ لهم؛ والمعنى: إذا كنتم تقرون بأن الله هو الذي يرزقكم من السماء والأرض، ويملك السمع والأبصار، ويخرج الحي من الميت، وهو الذي يدبر الأمر إذًا، فاعبدوه؛ لأن من هذا شأنه هو المستحق للعبادة؛ شرعًا وعقلًا.
وكان المشركون الأولون يدعون الله ﷾ ليلًا ونهارًا - لاسيما في الشدائد -، ويدعون معه غيره، فمنهم من يدعو الملائكة، ومنهم من يدعو الأنبياء، ومنهم من يدعو الصالحين؛ فقاتلهم النبي ﷺ كلهم، ولم يفرق بينهم على هذا الشرك، ودعاهم إلى إخلاص العبادة لله، والإقرار بأنه المستحق للعبادة وحده دون ما سواه قال تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ [الجن]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِين (١٠٦)﴾ [يونس]، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِير (٦٢)﴾ [الحج]، وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ [الرعد: ١٤]، أي: له وحده؛ لأن الجار والمجرور يفيد الحصر، فهو وحده المستحق بأن يُدعى ويُرجى ويُخاف؛ لأنه ﷾ هو الذي يجيب الدعاء. أما هؤلاء فلا، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُون (٥)﴾ [الأحقاف].
قوله: «إذا تحققت أنهم مقرون …» إذا أداة شرط؛ والمعنى: إذا عرفت وتحققت من كل ما سبق وهذا شرط، ثم جاء جواب الشرط بعد
[ ٢٠ ]
ذلك كله، وهو قوله: «عرفت حينئذٍ التوحيد الذي دعت إليه الرسل وأبى عن الإقرار به المشركون»، وهو توحيد العبادة، واقرأ قصص الأنبياء، فقصص الأنبياء فيها بيان ما كانت عليه هذه الأمم من الشرك في العبادة، والضلال عن هذا التوحيد، يقول الله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيب (٦١) قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيب (٦٢)﴾ [هود]، وكلهم كانوا على هذا المنوال؛ كما قال تعالى أنهم قالوا لرسلهم: ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِين (١٠)﴾ [إبراهيم]، فالرسل كل واحد منهم كان يخاطب قومه قائلًا لهم: ﴿اعْبُدُوا اللّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُون (٦٥)﴾ [الأعراف].
وقد أجمل الله هذا كله - أعني: ما فصله من قصص الأنبياء - في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُون (٢٥)﴾ [الأنبياء]، فتبين من ذلك أن التوحيد الذي دعت إليه الرسل هو توحيد العبادة، ومع ذلك يزعم كثير من المتأخرين أن التوحيد الذي دعت إليه الرسل، هو الإقرار بأن الله هو النافع الضار، وأنه الخالق؛ بل يزعمون أن هذا هو معنى «لا إله إلا الله»، وهذا من أفحش الغلط والجهل بأصل الدين الذي بعث الله به رسله.
[ ٢١ ]
قال الشيخ ﵀:
وهذا التوحيد هو معنى قولك «لا إله إلا الله» فإن الإله عندهم هو الذي يُقصد لأجل هذه الأمور: سواء كان ملكًا أو نبيًا أو وليًا أو شجرة أو قبرًا أو جنيًا، لم يريدوا أن الإله هو الخالق الرازق المدبر، فإنهم يعلمون أن ذلك لله وحده كما قدمت لك، وإنما يعنون بالإله: ما يعني المشركون في زماننا بلفظ: «السيد»، فأتاهم النبي ﷺ يدعوهم إلى كلمة التوحيد وهي: «لا إله إلا الله»، والمراد من هذه الكلمة معناها، لا مجرد لفظها.
والكفار الجهال يعلمون أن مراد النبي ﷺ بهذه الكلمة هو: إفراد الله تعالى بالتعلق به، والكفر بما يعبد من دون الله والبراءة منه؛ فإنه لما قال لهم قولوا: «لا إله إلا الله» قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَاب (٥)﴾ [ص] (^١).
_________________
(١) يشير الشيخ إلى ما أخرجه الترمذي (٣٢٣٢) عن ابن عباس ﵄، قال: مرض أبو طالب فجاءته قريش وجاءه النبي ﷺ، وعند أبي طالب مجلس رجل، فقام أبو جهل كي يمنعه، وشكوه إلى أبي طالب، فقال: يا ابن أخي! ما تريد من قومك؟ قال: «إني أريد منهم كلمة واحدة تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم العجم الجزية»، قال: كلمة واحدة؟ قال: «كلمة واحدة»، قال: «يا عم، قولوا: لا إله إلا الله»، فقالوا: إلهًا واحدًا ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة، إن هذا إلا اختلاق، قال: فنزل فيهم القرآن: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْر (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاق (٢)﴾ [ص]، إلى قوله: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلَاق (٧)﴾ [ص]، قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح».
[ ٢٢ ]
الإله هو المعبود المقصود بأنواع العبادة
فإذا عرفت: أن جهَّال الكفار يعرفون ذلك؛ فالعجب ممن يدعي الإسلام وهو لا يعرف من تفسير هذه الكلمة ما عرفه جهَّال الكفار! بل يظن أن ذلك هو التلفظ بحروفها من غير اعتقاد القلب لشيء من المعاني!
والحاذق منهم يظن أن معناها: لا يخلق ولا يرزق إلا الله ولا يدبر الأمر إلا الله، فلا خير في رجل جُهَّال الكفَّار أعلم منه بمعنى «لا إله إلا الله».
قوله: «وهذا التوحيد …»؛ يريد توحيد العبادة الذي سبق ذكره، وأنه دين الرسل كلهم، وهذا التوحيد هو معنى: «لا إله إلا الله»، ولهذا تسمى كلمة التوحيد؛ لأن مضمونها توحيد الإله، وتخصيص الإلهية به ﷾، كما قال: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيم (١٦٣)﴾ [البقرة]، وقال: ﴿شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨]، ويتضح هذا بمعرفة معنى الإله.
فما معنى الإله؟
الإله: هو المعبود الذي يُقصد بأنواع العبادة من الذبح والنذر والصلاة الخوف والرجاء والتوكل والرغبة والرهبة، فهذا هو الإله الذي يُؤله ويقصد بهذه الأمور.
[ ٢٣ ]
والإله عندهم - يعني: - عند المشركين معناه: المعبود الذي يقصد لهذه الأمور، فيقصد بالخوف والرجاء، والتوكل والرغبة والرهبة ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]، وهذا هو معنى الإله عند العرب المشركين، وهو عين ما يريده المشركون في الأعصار المتأخرة بلفظ: «السيد»، فإذا قالوا السيد فيعنون الذي يُخاف ويرجى، وهؤلاء المشركون متفرقون في شركهم وفيما يعبدون من دون الله، فلكل أهل طريقة سيد يدعونه ويستغيثون به ويحجون إلى ضريحه؛ كالبدوي ويوسف وشمسان والعيدروس وابن علوان.
والرافضة هم الأصل في هذا الشرك، فحدوث الشرك في هذه الأمة أصله من الرافضة، فهم الذين أسسوا وبنوا الأضرحة على قبور من يعظمونهم، وهذا كله بسبب الجهل بمعنى الإله.
وقد كان المشركون الكفار الجهَّال يعرفون معنى الإله؛ فإنهم لما قال لهم ﷺ: «قولوا: لا إله إلا الله» كبر عليهم ذلك، ونفروا، وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَاب (٥) وَانطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ [ص]، فكان الكفار المشركون الأولون يعلمون معنى لا إله إلا الله، ويعلمون مقصود النبي ﷺ منها؛ فلذلك أبوا أن يقولوها، حتى إن أبا طالب وهو في سياق الموت يقول له النبي ﷺ وقد كان أبو طالب ينصره ويحتفي به ويحبه -: «قل: لا إله إلا الله» فيأبى ويقول: «هو على ملة عبد المطلب» (^١)؛ لأنه يعلم أنه إذا قال «لا إله إلا الله»، فإن معناها أن ملة عبد المطلب باطلة، ومعناها الكفر بما يعبد من دون الله.
_________________
(١) رواه البخاري (١٣٦٠)، ومسلم (٢٤) من حديث المسيب بن حزن ﵄.
[ ٢٤ ]
كفار قريش يعرفون معنى «لا إله إلا الله» أحسن من معرفة بعض من يدعي الإسلام
إذًا؛ فالصواب أن الإله يعني المألوه، ككتاب بمعنى مكتوب، فإذا قلنا: «لا إله إلا الله» فيكون معناها: لا معبود بحق إلا الله، وكل معبود سواه باطل، فالله تعالى هو الإله المستحق للعبادة، وكل ما يعبد من دون الله فليس هو إله على الحقيقة، لكن هم يسمونه بألسنتهم، قال تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَا أَنْزَلَ اللّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُون (٤٠)﴾ [يوسف]، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِير (٦٢)﴾ [الحج].
يقول الشيخ ﵀: «فإذا عرفت أن جهَّال الكفار يعرفون ذلك …»؛ أي: معنى «لا إله إلا الله» فالعجب أن كثيرًا ممن يقول «لا إله إلا الله» لا يعرف معناها، ولا يعرف ما يعرفه جهال المشركين من معناها؛ بل يظن أنه يكفيه أن يقولها بلسانه دون أن يعتقد شيئًا من معناها في قلبه.
وقوله: «والحاذق منهم …»؛ أي: المتعلم المتمكن يظن معناها: لا يخلق ولا يرزق إلا الله، وهذا ما يظنه كثير من طوائف المتكلمين، حيث يظنون أن معنى: «لا إله إلا الله»؛ أي: لا خالق إلا الله، أو لا قادر على الاختراع إلا الله، ولو كان هذا هو معناها لم يمتنع المشركون من أن يقروا بها؛ لأن هذا لا يتناقض مع ملة آبائهم.
والشيخ يُحَقِّرُ من هذه حالته، بقوله: «فلا خير في رجل جهَّال الكفار أعلم منه بمعنى «لا إله إلا الله»».
[ ٢٥ ]
من عرف التوحيد والشرك ورأى حال كثير من الضلال اليوم استفاد فائدتين: الفرح بنعمة الله عليه، والخوف من الوقوع بمثل ما وقعوا فيه
* قال الشيخ ﵀:
إذا عرفت ما ذكرت لك معرفة قلب، وعرفت الشرك بالله الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ الآية [النساء: ٤٨]، وعرفت دين الله الذي أرسل به الرسل من أولهم إلى آخرهم، الذي لا يقبل الله من أحد دينًا سواه، وعرفت ما أصبح غالب الناس فيه من الجهل بهذا؛ أفادك فائدتين:
الأولى: الفرح بفضل الله ورحمته، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُون (٥٨)﴾ [يونس].
وأفادك أيضًا الخوف العظيم، فإنك إذا عرفت أن الإنسان يكفر بكلمة يخرجها من لسانه، وقد يقولها وهو جاهل فلا يعذر بالجهل، وقد يقولها وهو يظن أنها تقربه إلى الله كما ظن المشركون؛ خصوصًا إن ألهمك الله ما قص عن قوم موسى مع صلاحهم وعلمهم؛ أنهم أتوه قائلين: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] (^١)، فحينئذ يعظم خوفك وحرصك على ما يخلصك من هذا وأمثاله.
قوله: «إذا عرفت ما ذكرت لك معرفة قلب …»؛ يعني: ليست معرفة سطحية على اللسان، وإنما معرفة متمكنة في القلب، ويبين الشيخ أن
_________________
(١) رواه أحمد (٥/ ٢١٨)، وصححه الترمذي (٢١٨٠)، وابن حبان (٦٧٠٢) من حديث أبي واقد الليثي ﵁.
[ ٢٦ ]
كثيرًا من المسلمين يتلفظ بهذه الكلمة من غير فقه بمعناها، وقد تأتي هذه الكلمة التي هي أعلى وأفضل شعب الدين، حيث ورد في الحديث: «الإيمان بضع وستون شعبة، فأفضلها قول: لا إله إلا الله» (^١) على اللسان هكذا من غير بصيرة، ولا وعي بما يقول، فليس المقصود مجرد التلفظ بها، بل المقصود معناها، والمشركون الضلال الجهال يدركون معناها ويفهمونها، فلذا امتنعوا أن يقولوها، ونفروا من ذلك، وقالوا ما قال الله تعالى عنهم ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص: ٥].
فإذا عرف المسلم جهل كثير من المسلمين بهذا، وعرف أن الشرك هو أعظم الذنوب؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم (١٣)﴾ [لقمان]، وكما قال تعالى فيه أيضًا: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ [النساء: ٤٨]، وقال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين (٦٥)﴾ [الزمر]، وعرف الدين الحق الذي بعث الله به الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم، وعرف ما أصبح عليه واقع الناس من الجهل بدين الإسلام والانغماس في الشرك؛ استفاد فائدتين:
الأولى: الفرح بفضل الله ورحمته؛ لأن الضلال بلاء، ومن الأدعية التي يقولها المؤمن إذا رأى مبتلى «الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به» (^٢)، بحيث أنعم الله عليك بمعرفة التوحيد الذي ضل أكثر الناس
_________________
(١) أخرجه البخاري (٩)، ومسلم (٣٥) - واللفظ له - من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) رواه الترمذي (٣٤٣١) من حديث عمر بن الخطاب ﵁، وقال أبو عيسى: «هذا حديث غريب»، وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٦٠٢).
[ ٢٧ ]
عنه، فهذه نعمة ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُون (٥٨)﴾ [يونس].
وإذا تأمل الإنسان واقع البشر اليوم وجد أكثر الأمم على الضلال من يهود ونصارى ووثنيين، أو من لا دين لهم ينتسبون إليه، وكثير من المسلمين قد شابهوا أولئك المشركين بعبادتهم لغير الله، وتعلقهم بالصالحين، فإذا أجال الإنسان فِكره في هذا الوجود، ورجع إلى نفسه وقد عافاه الله، ومنَّ عليه بالإسلام ومعرفة التوحيد وما يناقضه؛ أوجب له فِكره هذا الفرح بفضل الله ورحمته، كما قال الله ﷿: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُون (٥٨)﴾ [يونس].
الفائدة الثانية: الخوف العظيم من الوقوع في شَرَك الشرك، فإن الخليل ﵇ قد خاف على نفسه وبنيه، ودعا ربه ﷻ؛ أن يعصمه منه قائلًا: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَّعْبُدَ الأَصْنَام (٣٥)﴾ [إبراهيم]، ومن الدعاء المأثور عن النبي ﷺ: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» (^١)، وكان السلف يخافون على أنفسهم من الشرك والنفاق؛ ولهذا عقد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في كتاب التوحيد بابًا بعنوان: (باب الخوف من الشرك) (^٢).
_________________
(١) رواه أحمد (٣/ ١٢)، والبخاري في الأدب المفرد (٦٨٤)؛ والترمذي (٢١٤٠) - وقال: «حسن» -؛ وصححه الحاكم (١/ ٥٢٦)، والضياء في «المختارة» (٦/ ٢١١) من حديث أنس ﵁، وروي من حديث غيره من الصحابة ﵃.
(٢) باب رقم (٣) ص ١٢.
[ ٢٨ ]
من فعل ما يعلم تحريمه لا يعذر في درجة التحريم
فينبغي للمسلم أن يسأل ربه الثبات على هذا الدين، وأن يزيده توفيقًا وهداية؛ كما يقول في الصلاة: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيم (٦)﴾، يعني علمنا ما لم نعلم وزدنا علمًا ووفقنا وثبتنا.
كما ينبغي له أن يسأل ربه أن يعصمه من زيغ القلب، كما جاء في دعاء الراسخين في العلم: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّاب (٨)﴾ [آل عمران]، فإذا عرف الإنسان أنه قد يكفر بكلمة يقولها بلسانه، وقد يقولها وهو جاهل، ولا يعذر بالجهل؛ بل قد يظن أنها تقربه إلى الله. إذا علم ذلك فإنه يعظم خوفه وحرصه على ما يخلصه من الكفر والشرك، فيأخذ بأسباب السلامة «من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل» (^١).
وهؤلاء بنو إسرائيل مع علمهم، وإيمانهم بموسى، وقد خلصهم الله من فرعون وقومه؛ لما مروا على القوم الذين يعكفون على أصنام لهم؛ جاءوا لموسى وقالوا: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، فأنكر عليهم موسى وأغلظ لهم في الإنكار قائلًا: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُون (١٣٨) إِنَّ هَؤُلاء مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُون (١٣٩) قَالَ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِين (١٤٠)﴾ [الأعراف].
وفي قول الشيخ: «إن الإنسان يكفر بكلمة يخرجها من لسانه، وقد يقولها وهو جاهل، فلا يعذر بالجهل»؛ لعل المراد أنه يقولها جاهلًا بدرجة الحكم عليها؛ لأن بعض الناس يقول الكلمة وهو يعرف أنها
_________________
(١) رواه الترمذي (٢٤٥٠) من حديث أبي هريرة ﵁، وقال: غريب؛ وصححه الألباني في «صحيح الجامع» حديث رقم (٦٢٢٢).
[ ٢٩ ]
لم يكفر الصحابة بقولهم: «اجعل لنا ذات أنواط» لأنهم قالوا ذلك عن جهل وحسن نية ولم يفعلوا ولما بين لهم النبي ﷺ انتهوا
كلمة رديئة خبيثة، لكن يقول: أنا لا أدري أنها كفر فلا يعذر! وفي الحديث: «إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالًا؛ يهوي بها في جهنم» (^١)، وفي لفظ: «إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها النار أبعد ما بين المشرق والمغرب» (^٢)، وقد يفعل بعض الناس الذنوب، ولا يعلم أنها كبيرة لكن يعلم أنها محرمة؛ فلا يعذر بقوله: لم أعلم أنها كبيرة.
أما بنو إسرائيل فقالوا: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، جاهلين، ولم يفعلوا ما أرادوا، وإنما جاءوا يسألون موسى سؤالًا فأنكر عليهم؛ وكذلك قال الصحابة الذين قالوا: «اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط»، فأنكر عليهم الرسول ﷺ وأغلظ عليهم بالإنكار، وتعجب من مقولتهم، وقال: «الله أكبر! إنها السنن» (^٣) وشبههم ببني إسرائيل، لكن بحكم أنهم قالوا ذلك عن جهل وحسن نية، وجاءوا مسترشدين وطالبين، يستأذنون الرسول ﷺ، ثم هم أولًا: لم يفعلوا ولم يتصرفوا، وثانيًا: لما بيّن لهم انتهوا؛ لم يكفروا.
* * * * * * *
_________________
(١) رواه البخاري (٦٤٧٨)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) رواه البخاري (٦٤٧٧)، ومسلم (٢٩٨٨).
(٣) تقدم تخريجه في ص ٢٦.
[ ٣٠ ]
كل نبي جاء بالتوحيد كان له أعداء من الإنس والجن وكذلك أتباع الأنبياء
* قال الشيخ ﵀:
واعلم أن الله سبحانه - من حكمته - لم يبعث نبيًا بهذا التوحيد إلا جعل له أعداء؛ كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢]، وقد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة، وكتب وحجج؛ كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر: ٨٣].
ذكر الشيخ ﵀ في هذا الفصل أمرًا مهمًا هو ما أخبر الله به من أنه ما بعث نبيًا إلا كان له أعداء يكذبون ويحاربون ويصدون عن سبيل الله؛ كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢]، فأعداء الرسل هم شياطين الإنس والجن ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ١١٢]، حيث شياطين الجن يوحون إلى شياطين الإنس، وشياطين الإنس كذلك، فهم متعاونون ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢]، يُلقون كلامًا مزخرفًا مزينًا يغرُّ الأغرار والجهَّال؛ فديدن هؤلاء أنهم يزينون الباطل ويزخرفونه بالقول الخادع، ويشوهون الحق بالكلمات المنفرة، وهؤلاء الأعداء لم يزالوا في وقت الأنبياء، ولا يزالون بعد وقت الأنبياء.
وأعداء الأنبياء هم أيضًا أعداء للمؤمنين، وللدعاة إلى الله وللجميع؛ فالذين يحاربون الإسلام، ويحاربون الجهاد في سبيل الله، ويحاربون
[ ٣١ ]
الدعوة إلى الله؛ هؤلاء على طريق أعداء الرسول، وهم قد يكونون كفارًا ظاهرين أو قد يكونون منافقين، وقد يقع من بعض أهل الإسلام ما يشبهون به هؤلاء.
وبسبب هذه العداوة قامت سوق الجهاد بين الأنبياء وأعدائهم؛ والحرب فيها سجال؛ كما قال ابن القيم:
ولأجلِ ذَاكَ الحَربُ بَينَ الرُّسلِ وال
-كُفَّارِ مُذ قَامَ الوَرَى سَجلَانِ (^١)
فالخصومة قائمة بين الحق والباطل من لدن نوح ﵇ إلى أن تقوم الساعة.
* * * * * * *
_________________
(١) الكافية الشافية ص ٢٩ رقم البيت ٢١٩.
[ ٣٢ ]
يجب على المؤمن تعلم العلم ليكون سلاحا له في قتال أعداء التوحيد
* قال الشيخ ﵀:
إذا عرفت ذلك وعرفت: أن الطريق إلى الله لا بد له من أعداء قاعدين عليه أهل فصاحة وعلم وحجج؛ فالواجب عليك أن تتعلم من دين الله ما يصير سلاحًا تقاتل به هؤلاء الشياطين الذين قال إمامهم ومقدمهم لربك ﷿: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيم (١٦) ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِين (١٧)﴾ [الأعراف].
ولكن إذا أقبلت على الله، وأصغيت إلى حجج الله وبيناته؛ فلا تخف ولا تحزن ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)﴾ [النساء].
والعامي من الموحدين يغلب الألف من علماء هؤلاء المشركين؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُون (١٧٣)﴾ [الصافات]، فجند الله تعالى هم الغالبون بالحجة واللسان، كما أنهم هم الغالبون بالسيف والسنان، وإنما الخوف على الموحد الذي يسلك الطريق وليس معه سلاح، وقد من الله علينا بكتابه الذي جعله ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِين (٨٩)﴾ [النحل]، فلا يأتي صاحب باطل بحجة إلا وفي القرآن ما ينقضها ويبين بطلانها؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣)﴾ [الفرقان]. قال بعض المفسرين: هذه الآية عامة في كل حجة يأتي بها أهل الباطل إلى يوم القيامة.
[ ٣٣ ]
لما ذكر الشيخ: أن من حكمته تعالى أنه لم يبعث نبيًا من نوح إلى محمد ﷺ إلا وجعل له أعداء يكذبونه ويؤذونه ويحاربونه وأتباعه، فابتلى الله الرسل وأتباعهم بأعدائهم، وأعداء الرسل هم في الحقيقة أعداء لأتباعهم المؤمنين ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١)﴾ [الفرقان]، ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢]؛ أي: أعداء من الجن وأعداء من الإنس، فشياطين الجن يوحون إلى شياطين الإنس بالوسوسة والشبهات والمخاصمات ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُون (١١٢)﴾ [الأنعام].
ذكر الشيخ هنا في هذا الفصل أنه يجب على المسلم أن يعلم أن هؤلاء الأعداء أصحاب علوم وفصاحة، ولهم مؤلفات وحجج هم مغرورون وفرحون بها، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر: ٨٣]؛ لا سيما في هذا العصر الذي فيه كم هائل من العلوم والفصاحة والكتب والمؤلفات عند أعداء الرسل من اليهود والنصارى والمشركين.
ومن تلك الشبه أن المشركين قالوا للمسلمين: أنتم تأكلون ما تقتلونه بأيديكم وهو عندكم حلال، وأما ما يقتله الله فأنتم تحرمونه، وجوابها ذكر في سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ
[ ٣٤ ]
كفرة اليهود والنصارى اليوم مغرورون بعلومهم وحضارتهم، وهي لا تزيدهم عند الله إلا هوانا وشقاء
اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُون (١٢١)﴾ [الأنعام] (^١).
ونشاهد الآن أن النصارى عندهم شبهات يحرفون بها الإسلام، والمشركون المنتسبون للإسلام لهم شبهات؛ بل سائر المشركين لهم شبهات ومعارضات.
والكفرة في هذا العصر قد فتحت عليهم أبواب الدنيا، وجرى على أيديهم ما جرى من الحضارة، فهم ينطبق عليهم هذا المعنى أعظم انطباق؛ لأنهم يفتخرون الآن بعلومهم ويتعاظمون بها على البشرية، ويحتقرون المسلمين والإسلام، ويرون أنهم فوقهم؛ فهم يأنفون أن يدعوا إلى الإسلام، والكفرة الأوربيون والأمريكان ومن على شاكلتهم كلهم مغرورون وفرحون، فتراهم يفتخرون ويتعاظمون ويتسلطون على العالم بسبب ما لديهم من علوم، ويظنون أنهم بهذا يَفضلون على غيرهم. وفي الحقيقة، فإن هذه الحضارة لا تزيدهم عند الله إلا هوانًا وشقاءً؛ وهم بهذه الحضارة يزدادون كفرًا وغرورًا وكبرًا وطغيانًا.
فإذا علم المسلم الموحد أن الطريق إلى الله لا بد فيه من أعداء قاعدين على الطريق، وأنهم أهل فصاحة وعلوم، وقد قال مقدمهم الشيطان إبليس: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيم (١٦) ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِين (١٧)﴾ [الأعراف]. إذا علم المسلم ذلك فإن هذا يوجب عليه الإقبال على الله
_________________
(١) رواه أبو داود (٢٨١٨)، وانظر: تفسير ابن كثير (٣/ ٣٢٨).
[ ٣٥ ]
بالتوكل عليه والاستعانة به ودعائه والاستعاذة به من شرور الإنس والجن، والإقبال على كتاب الله تلقيًا لحجج الله وتدبرًا لآياته، ولا بد أن يتعلم المسلم من دين الله ما يكون له سلاحًا يقاتل به هؤلاء الأعداء، فيتعلم من الأدلة العقلية والشرعية ما يرد به شبهات هؤلاء الأعداء وحججهم، بحيث يكون لديه القدرة على مجادلتهم ودحض شبهاتهم التي هي داحضة عند الله؛ كما قال سبحانه: ﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيد (١٦)﴾ [الشورى]، وهذا كلام عظيم، فالعلم سلاح يميز الإنسان به الحق من الباطل، والخير من الشر، وويميز به أولياء الله من أعداء الله، فهو فرقان، ولا بد للإنسان من فرقان يميز به بين ما يحب الله ويرضاه، وبين ما يسخطه ويبغضه ويأباه من الأعمال والأقوال والناس؛ إذ من الناس مَنْ هو محبوب مرضي عند الله، ومنهم من هو مبغوض مسخوط ممقوت.
فإذا أقبلت على الله بقلبك، وتدبرت بيناته وحججه، فلا تخف ولا تحزن؛ فإن جند الله هم الغالبون؛ كما أخبر بذلك الله ﷿ بقوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِين (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُون (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُون (١٧٣)﴾ [الصافات]، وقال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيز (٢١)﴾ [المجادلة]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُمْ مُّحْسِنُون (١٢٨)﴾ [النحل]. وعلى هذا فإن الله مع أوليائه المجاهدين في سبيله، المتقين له، وجند الله هم الغالبون بالحجة والبيان؛ كما أنهم الغالبون بالسيف والسِنان؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ
[ ٣٦ ]
العامي الذي عنده بصيرة وفقه في دينه يغلب ألفا من علماء المشركين
الموحد الذي يسلك الطريق إلى الله على غير هدى ولا بصيرة يخشى عليه من مخالطة المشركين
الْغَالِبُون (١٧٣)﴾ [الصافات] عام بالحجة والبيان، والسيف والسنان، وهاتان الحجتان هما المعنوية والحسية.
ولهذا، فإن العامي من الموحدين يغلب الكثير من علماء أهل الباطل، وليس المراد العامي الجاهل الساذج، وإنما المراد العامي الذي عنده بصيرة وفقه في دينه، فإن بعض العوام عنده من البصيرة ما يفحم به أهل الباطل؛ لأن التوحيد - ولله الحمد - هو دين الفطرة، والعامي الفطِن يقول لهؤلاء القبوريين والمشركين: هذه جمادات لا تغني عنكم شيئًا، أتنادون ما لا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم ولا ينفعكم شيئًا؟
وهذه هي الحجج نفسها التي نبه الله عليها، وأنها كانت حجة إبراهيم على أبيه المشرك، حيث جاء في الكتاب العزيز: ﴿مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢)﴾ [مريم].
فالعامي من الموحدين يغلب ألفًا من هؤلاء المشركين المبتدعين إذا كان الأمر بالمحاجة والمخاصمة بالدليل العقلي والشرعي، ولكن أكثر هؤلاء المبطلين إنما يخاصمون بشبهات يموهون بها، كما سيذكر الشيخ جملة من شبهات أهل الباطل.
لكن الخوف على الموحد الذي يسلك الطريق إلى الله على غير هدى ولا بصيرة، فهذا عليه خطر إذا خالط هؤلاء المشركين؛ حيث من السهل عليهم أن يشبهوا ويموهوا عليه، ولهذا فإن الإنسان المحارب لا يدخل المعركة، ولا يعرض نفسه للهزيمة، أو يكون فتنة لأعداء الرسل،
[ ٣٧ ]
إلا إن كان عنده مقدرة علمية وبيانية، وهذه توطئة لما سيذكره من الشبهات، وما يذكره من نقض لها.
ومما ينبغي أن نعرفه أن هؤلاء الأعداء أنواع، وشبهاتهم أنواع، فهناك شبهات ضعيفة، وهناك شبهات تحتاج عند الرد عليها إلى بصيرة وعلم واسع، ولهذا قيض الله لهذا الدين عبر الأزمان من يدافع عنه عند ظهور البدع والمنكرات، ويبين حقيقة التوحيد المحض الخالص، ويكشف حقيقة الباطل منذ عهد الأئمة في القرون المفضلة إلى عصرنا هذا، ومن أعظمهم في هذا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ولا يزال الجهاد والبلاء والصراع بين الحق والباطل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
والله ﷾ قد جعل كتابه: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِين (٨٩)﴾ [النحل]، فالقرآن هدى وشفاء، وتبيانًا لكل شيء، يهدي للتي هي أقوم، فهو مصدر الهدى والخير، وفيه بيان الأحكام والعقائد الصحيحة، وفيه الدليل والمدلول، وقد ذكر الله فيه أصول الإيمان التي أهمها وأعظمها التوحيد والرسل والبعث.
فعلى المسلم أن يقبل على كتاب الله فيتدبر ما فيه من الحجج والبينات فإنه لن يأتي صاحب باطل بشبهة أو حجة إلا وفي القرآن ما ينقضها ويبين بطلانها؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣)﴾ [الفرقان]، ولكن هذا بحسب ما يفتح الله به على العبد من فهم كتابه؛ وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والناس في فقه الدين وفهم كتاب الله على درجات ومراتب، فليس القصور في كتاب
[ ٣٨ ]
قوله تعالى: ﴿ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا﴾ عامة في كل حجة يأتي بها أهل الباطل إلى يوم القيامة
الله أو في شرع الله، وإنما القصور والنقص هو في أفهامنا، فإذا لم نهتدِ إلى حجة أو دليل؛ فذلك من قصور علمنا وفهمنا، وقد قال بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣)﴾ [الفرقان]، هذه الآية عامة في كل حجة يأتي بها أهل الباطل إلى يوم القيامة؛ لأن الله يقول: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾، أي: بقياس أو شبهة عقلية، و«مثل» نكرة في سياق النفي، والنكرة في سياق النفي تفيد العموم التام ﴿إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣)﴾ [الفرقان]، جئناك بالحق البين، والبيان الشافي؛ لأن كتاب الله باق إلى يوم القيامة، وهو النور المبين الذي يهتدى به في كل ميادين الحياة.
* * * * * * *
[ ٣٩ ]
جواب أهل الباطل من طريقين: مجمل ومفصل
* قال الشيخ ﵀:
وأنا أذكر لك أشياء مما ذكر الله في كتابه جوابًا لكلام احتج به المشركون في زماننا علينا، فنقول: جواب أهل الباطل من طريقين: مجمل ومفصل:
أما المجمل: فهو الأمر العظيم والفائدة الكبيرة لمن عقلها؛ وذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧]، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله في كتابه، فاحذروهم» (^١)، مثال ذلك:
إذا قال بعض المشركين: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون (٦٢)﴾ [يونس]، وإن الشفاعة حق، وإن الأنبياء لهم جاه عند الله، أو ذكر كلامًا للنبي ﷺ يستدل به على شيء من باطله؛ وأنت لا تفهم معنى الكلام الذي ذكره فجاوبه بقولك:
إن الله ذكر في كتابه أن الذين في قلوبهم زيغ يتركون المحكم ويتبعون المتشابه، وما ذكرت لك من أن الله ذكر أن المشركين يقرون بالربوبية، وأن كفرهم بتعلقهم على الملائكة والأنبياء والأولياء مع قولهم: ﴿هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللّهِ﴾ [يونس: ١٨]، وهذا أمر محكم بيِّن، لا يقدر أحد أن يغير معناه.
_________________
(١) رواه البخاري (٤٥٤٧)، ومسلم (٢٦٦٥) من حديث عائشة ﵂.
[ ٤٠ ]
شرح الجواب المجمل
وما ذكرت لي - أيها المشرك - من القرآن أو كلام رسول الله ﷺ؛ لا أعرف معناه، ولكن أقطع أن كلام الله لا يتناقض، وأن كلام النبي ﷺ لا يخالف كلام الله ﷿، وهذا جواب جيد سديد ولكن لا يفهمه إلا من وفقه الله تعالى، فلا تستهن به؛ فإنه كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيم (٣٥)﴾ [فصلت].
يريد الشيخ أن يوضح هنا ما قرره من أن كتاب الله مشتمل على الحجج التي ترد على شبهات أهل الباطل، وذلك بما سيأتي مما ذكره من الشبه والجواب عنها، فذكر الشيخ ﵀ أن جوابَ أهلِ الباطل من طريقين:
- مجمل عام لا يختص بشبهة بعينها.
- ومفصل يوضح كل شبهة، ويكشف زيفها وفسادها.
ثم نوه ﵀ بشأن الجواب المجمل، وبين أنه أمر عظيم، وجواب سديد، وأنه مستمد من قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧].
فدلت هذه الآية على أن القرآن منه ما هو محكم ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧]؛ أي: أصله الذي يرد إليه غيره، وهو الواضح البين الذي لا يحتمل إلا معنى واحدًا، ومنه ما هو متشابه
[ ٤١ ]
﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾، وهو الذي فيه خفاء، ويحتمل أكثر من معنى، فيشكل على بعض الناس، وهذا هو الذي يمكن أن يتعلق به أهل الأهواء؛ ولهذا قال ﷾: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِه﴾ يتبعونه، ويطلبونه، ويتعلقون به، ويتخذون منه حججًا لباطلهم، ويؤيد ذلك قوله ﷺ: «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمى الله في كتابه، فاحذروهم».
فإذا عرفت ما تضمنته الآية، وما تضمنه الحديث؛ فعندئذ إذا قال لك أحد المشركين يحتج على شركه وتعلقه بالصالحين: قال الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون (٦٢)﴾ [يونس]، والشفاعة حق والأنبياء والصالحون لهم جاه عند الله، فيحتج بمثل هذا على أن الصالحين يستشفع بهم، ويدعون في النوائب والشدائد، فقل: هذه الآية فيها ثناء الله على أوليائه، ووعدهم بالبشرى في الدنيا والآخرة، وليس فيها أنهم يرجون أو يدعون أو يخافون.
فإذا كنت لا تستطيع أن تجيبه عن هذه الشبهة تفصيلًا، فقل له: إن الله تعالى أخبر بأن الذين في قلوبهم زيغ عن الحق يتركون الواضح البين، ويبحثون عن الشيء الذي فيه إشكال وخفاء؛ لأن الواضح البين لا يجدون فيه مدخلًا، وقد أخبر الله بأن المشركين مقرون بأن الله هو خالقهم وخالق السماوات والأرض، وهو الذي يدبر الأمر، ويخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي. ومع هذا الإقرار فقد كفرهم الله لتعلقهم بالملائكة والأنبياء والصالحين خوفًا ورجاءً، وتوكلًا ودعاءً
[ ٤٢ ]
لهم؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللّهِ﴾ [يونس: ١٨]، وما ذكرتَه لا أفهم معناه؛ لأنك تستدل على أن التعلق بالصالحين رجاء ودعاء، وخوفًا ليس حرامًا، ولا كفرًا ولا شركًا، والله تعالى قد كفَّر المشركين مع إقرارهم له بالربوبية، وكلام الله لا يتناقض وكلام الرسول ﷺ لا يناقض ولا يخالف كلام الله تعالى؛ فلا يمكن أن يأتي ما يناقض ما دل عليه القرآن من أن المشركين كفار مع إقرارهم بالربوبية؛ لأن كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ حق ومحكم، والحق لا يناقض بعضه بعضًا، كما أن المحكم يصدق بعضه بعضًا.
ومضمون هذا الجواب أن القرآن قد دل على أن التعلق بالصالحين بالعبادة لهم وبطلب شفاعتهم؛ شرك وكفر، وهذا أصل ثابت، ولن يأتي ما يناقض ذلك، فكل ما يحتج به على خلاف هذا الأصل فهو مدفوع وباطل، وهذا جواب جيد سديد يمكن أن يحتج به مع كل مبطل، فاعتن بهذا الجواب وافهمه، ولا تستهن به فإنه لا يفهم أهمية هذا الجواب المجمل وعِظَم فائدته إلا محظوظ؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيم (٣٥)﴾ [فصلت].
* * * * * * *
[ ٤٣ ]
بداية الجواب المفصل على شبه المشركين
* قال الشيخ ﵀:
[وأما الجواب المفصل]: فإن أعداء الله لهم اعتراضات كثيرة على دين الرسل، يصدون بها الناس عنه؛ منها:
قولهم: نحن لا نشرك بالله شيئًا، بل نشهد أنه لا يخلق ولا يرزق، ولا ينفع ولا يضر؛ إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا ﷺ لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا؛ فضلًا عن عبد القادر أو غيره، ولكن أنا مذنب، والصالحون لهم جاه عند الله، وأطلب من الله بهم.
فجاوبه بما تقدم، وهو: أن الذين قاتلهم رسول الله ﷺ مقرون بما ذكرت لي، ومقرون أن أوثانهم لا تدبر شيئًا، وإنما أرادوا الجاه والشفاعة، واقرأ عليه ما ذكره الله في كتابه ووضحه.
فإن قال: هؤلاء الآيات نزلت فيمن يعبد الأصنام، كيف تجعلون الصالحين مثل الأصنام؟! أم كيف تجعلون الأنبياء أصنامًا؟! فجاوبه بما تقدم، فإنه إذا أقر أن الكفار يشهدون بالربوبية كلها [لله]، وأنهم ما أرادوا ممن قصدوا إلا الشفاعة، ولكن إذا أراد أن يفرق بين فعلهم وفعله بما ذكر؛ فاذكر له: أن الكفار منهم من يدعو الأصنام، ومنهم من يدعو الأولياء الذين قال الله فيهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء: ٥٧]، ويدعون عيسى بن مريم وأمه، وقد قال الله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُون (٧٥) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللّهُ
[ ٤٤ ]
هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم (٧٦)﴾ [المائدة]، واذكر له قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاء إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُون (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِمْ مُّؤْمِنُون (٤١)﴾ [سبأ]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوب (١١٦)﴾ [المائدة]، فقل له: أعرفتَ أن الله كفَّر من قصد الأصنام؟ وكفَّر أيضًا من قصد الصالحين، وقاتلهم رسول الله ﷺ؟
فإن قال: الكفار يريدون منهم، وأنا أشهد أن الله هو النافع الضار المدبر، لا أريد إلا منه، والصالحون ليس لهم من الأمر شيء، ولكن أقصدهم أرجو من الله شفاعتهم.
فالجواب: أن هذا قول الكفار سواءً بسواء، واقرأ عليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللّهِ﴾ [يونس: ١٨].
واعلم أن هذه الشبه الثلاث هي أكبر ما عندهم، فإذا عرفت أن الله وضّحها لنا في كتابه، وفهمتها فهمًا جيدًا، فما بعدها أيسر منها.
ثم بعدما ذكر الشيخ الجواب المجمل الذي ينفع في كل شبهات المشركين؛ أتبعه بذكر الجواب الثاني وهو المفصل، وهو أن يجيب
[ ٤٥ ]
عن كل شبهة بجواب مفصل يخصها؛ فالمشركون لهم شبه يتعلقون بها، ويستدلون بها على صحة ما هم عليه، وهذه الشبه ما هي إلا حجج داحضة باطلة.
* * * * * * *
[ ٤٦ ]