من أعظم شبه عباد القبور أنهم يتخذونهم شفعاء إلى الله، وهذه الشبهة هي عين شبهة المشركين الأوائل، وقد بين الله أن الشفاعة له جميعًا، وأنه لا أحد يشفع إلا من بعد إذنه لمن يشاء ويرضى، وأهل السنة والجماعة يثبتون الشفاعة للأنبياء والصالحين، ويعلمون يقينًا أن أعظم شافع ومشفع وأقربهم منزلة عند الله ﷿ هو نبينا محمد ﷺ.
[ ٧ / ١ ]
شبهة المشركين في التوسل بغير الله باعتمادهم على إثبات الشفاعة للنبي ﷺ
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: قال المؤلف ﵀: [فإن قال: أتنكر شفاعة رسول الله ﷺ وتبرأ منها؟ فقل: لا أنكرها، ولا أتبرأ منها، بل هو ﷺ الشافع والمشفع وأرجو شفاعته، ولكن الشفاعة كلها لله كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٤٤] ولا تكون إلا من بعد إذن الله كما قال ﷿: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] ولا يشفع في أحد إلا من بعد أن يأذن الله فيه كما قال ﷿: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨] وهو لا يرضى إلا التوحيد كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥] فإذا كانت الشفاعة كلها لله، ولا تكون إلا بعد إذنه، ولا يشفع النبي ﷺ ولا غيره في أحدٍ حتى يأذن الله فيه، ولا يأذن إلا لأهل التوحيد؛ تبين لك أن الشفاعة كلها لله، فأطلبها منه، فأقول: اللهم لا تحرمني شفاعته، اللهم شفعه في، وأمثال ذلك] .
هذه هي الشبهة الخامسة، وهي رجوع إلى موضوع الشفاعة، وقد ذكرنا لكم أن الشفاعة هي أعظم ما يعتمد عليه المشركون في تسويغ الشرك والوقوع فيه.
[ ٧ / ٢ ]
معنى الشفاعة
الشفاعة في اللغة: من الشفع وهو الزوج.
وفي الاصطلاح: هي التوسط لجلب نفع أو دفع ضر عن الغير لأجله.
أي: لأجل ذلك الغير.
والشفاعة يثبتها أهل السُنّة والجماعة للنبي ﷺ وللملائكة وللأنبياء وللصالحين وأعلى الخلق نصيبًا في الشفاعة هو نبينا محمد ﷺ، فإن أهل السُنّة والجماعة يثبتون له ﷺ شفاعات لا يشرك فيها غيره، وشفاعات يشرك فيها غيره.
والشفاعات التي يشارك فيها النبي ﷺ له فيها النصيب الأعلى الأوفى، وهذا من أكبر الرد على هذا المبطل؛ إذ أنه شغّب على الموحدين بقوله: أتنكر شفاعة رسول الله ﷺ وتبرأ منها؟ فالجواب: أن الموحدين لا ينكرون شفاعة النبي ﷺ، بل يثبتون له أكمل الشفاعات، ويثبتون له ﷺ شفاعات يشرك فيها غيره، وشفاعات لا يشرك فيها غيره.
والشفاعات التي يشارك فيها النبي ﷺ له فيها النصيب الأعلى الأوفى.
[ ٧ / ٣ ]
الشفاعة لله جميعًا وإثبات شفاعة النبي لا تسوغ التوسل به وصرف العبادة له
وأجاب الشيخ فقال ﵀: (فقل: لا أنكرها ولا أتبرأ منها، بل هو ﷺ الشافع المشفع وأرجو شفاعته) هذا فيه إبطال لشبهته، والآن نأتي للرد على ما اعتمد عليه في وقوع الشرك، بعد أن قررنا أن الشفاعة ثابتة للنبي ﷺ نرد عليه من جهة تعلقه بهذه الشفاعة، وأن إثبات الشفاعة للنبي ﷺ لا يسوغ التوسل به، ولا صرف أنواع العبادة له ﷺ.
قال ﵀: (لكن الشفاعة كلها لله كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٤٤]) هذا فيه إثبات الشفاعة لله ﷾، وأنها ملكه، وأنها له دون غيره، وهذا يُبيّن لك أن الشفاعة محض فضل من الله ﷾ على الشافع والمشفع فيه، لا كما يفهمها المشركون من أنها حق للشافع؛ ولذلك قال تعالى: (قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا) فإذا كانت الشفاعة له ﷾، وهو الذي يشفع بنفسه إلى نفسه، فيأذن للشفيع ويأمره أن يشفع في المشفوع فيه؛ علمنا بذلك أنه لا وجه لسؤالها من الشفيع، بل الواجب أن تطلب وتسأل من الله ﷾؛ ولذلك قال ﵀ في بيان معنى أنها له ﷾: (ولا تكون إلا من بعد إذن الله) فهي لا تكون إلا من بعد إذنه وأمره كما قال الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] فنفى الله ﷾ أن يشفع عنده أحد إلا بإذنه، وهذا أحد شرطي الشفاعة، وهو: إذن الله ﷾، والثاني: لا يشفع في أحد إلا من بعد أن يأذن الله فيه كما قال الله تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨] وهذا فيه الشرط الثاني من شروط الشفاعة، وهو: رضا الله ﷾ عن الشافع والمشفع فيه.
ثم قال ﵀: (وهو لا يرضى إلا التوحيد كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥]) وأظهر من هذه الآية في الدليل على أن الشفاعة لا تكون إلا لأهل التوحيد ما روي في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أنه سأل النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! من أسعد الناس بشفاعتك؟ فقال ﷺ: أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله، خالصًا من قلبه)، فيكون أسعد الناس وأحظهم بشفاعة النبي ﷺ هم أهل التوحيد.
ثم قال ﵀: (فإذا كانت الشفاعة كلها لله، ولا تكون إلا بعد إذنه، ولا يشفع النبي ﷺ ولا غيره في أحد حتى يأذن الله فيه، ولا يأذن إلا لأهل التوحيد تبين لك أن الشفاعة كلها لله) فبالتالي إذا كانت الشفاعة كلها لله تعالى فهل يسوغ طلبها من غيره؟ لا.
ثم قال ﵀: (فأطلبها منه، فأقول: اللهم لا تحرمني شفاعته، اللهم شفِّعه فيَّ، وأمثال هذا) وفي هذا غاية التوحيد والإقبال على الله تعالى والإخلاص، فإن بيده الخير ولا يُسأل إلا منه.
[ ٧ / ٤ ]
إثبات شفاعة النبي ﵊ من الله يصاحبها نهيه ﷿ عن صرف الدعاء لغيره تعالى
قال ﵀: [فإن قال: النبي ﷺ أعطي الشفاعة، وأنا أطلبه مما أعطاه الله، فالجواب: أن الله أعطاه الشفاعة، ونهاك عن هذا فقال: ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨]) فإذا كنت تدعو الله أن يشفع نبيه فيك، فأطعه في قوله: (فلا تدعو مع الله أحدًا) وأيضًا فإن الشفاعة أعطيها غير النبي ﷺ، فصح أن الملائكة يشفعون، والأفراد يشفعون، والأولياء يشفعون، أتقول: إن الله أعطاهم الشفاعة فأطلبها منهم؟ فإن قلت هذا، رجعت إلى عبادة الصالحين التي ذكر الله في كتابه، وإن قلت: لا، بطل قولك: أعطاه الله الشفاعة وأنا أطلبه مما أعطاه الله] .
قوله ﵀: (فإن قال: النبي ﷺ أعطي الشفاعة، وأنا أطلبه مما أعطاه الله) الشبهة هي أنه زعم أن إعطاء الله ﷾ لنبيه ﷺ الشفاعة يُسوغ طلب الشفاعة منه ﷺ كطلب أي شيء، فالنبي ﷺ لما كان حيًا كان يطلبه الصحابة المال، والمال قد أعطاه الله إياه، وكذلك الشفاعة أعطاه الله إياها وأنا أطلبها منه.
والجواب على هذه الشبهة ما قاله الشيخ ﵀: (فالجواب أن الله أعطاه الشفاعة، ونهاك عن هذا) أعطاه الشفاعة ولا شك كما ثبت ذلك في الأحاديث الكثيرة، ونهاك عن هذا أي: نهاك عن سؤال الشفاعة من غيره فقال تعالى: (فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) وهذا يشمل النبي ﷺ ويشمل غيره، فدعاء غير الله تعالى وطلب الشفاعة منه نهى الله ﷾ عنه في هذه الآية (فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) و(أحدًا) نكرة في سياق النهي، فتعم كل أحد، والدعاء الذي نهى عنه الله في هذه الآية هو دعاء العبادة المتضمن لدعاء المسألة، قال ابن تيمية ﵀: (كل دعاء ذكره الله ﷾ عن المشركين لأوثانهم فإن المراد به دعاء العبادة المتضمن لدعاء المسألة) .
فقد نهى الله ﷾ هنا عن الدعاء الذي كان يفعله الجاهليون وهو دعاء العبادة المتضمن لدعاء المسألة، فلا يجوز طلب الحوائج من غير الله ﷾، ولا يجوز صرف العبادة لغيره ﷾، وأيضًا فإن الشفاعة أعطيها غير النبي ﷺ.
هذا الوجه الثاني في الجواب على هذه الشبهة.
ثم قال ﵀: (فصح أن الملائكة يشفعون، والأولياء يشفعون، أتقول: إن الله أعطاهم الشفاعة فأطلبها منهم؟ فإن قلت هذا رجعت إلى عبادة الصالحين التي ذكر الله في كتابه) فسؤال الشفاعة من النبي ﷺ لأنه أعطيها سبيل لسؤال الملائكة وسبيل لسؤال الصالحين الذين أعطوا الشفاعة، وبالتالي يقع العبد فيما وقع فيه المشركون الأوائل الذين عبدوا الملائكة والجن والصالحين بدعوى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، وبدعوى قولهم: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس:١٨] وقد تقدم بطلان هذا، فدل عدم جواز سؤال الشفاعة من الملائكة مع أنهم أعطوها ومن الصالحين مع أنهم أعطوها أنه لا يجوز سؤال الشفاعة من النبي ﷺ مع إثباتنا أنه ﷺ قد أعطيها.
ثم قال: (وإن قلت: لا.
بطل قولك: أعطاه الله الشفاعة وأنا أطلبه مما أعطاه الله) .
فيقر لنا بأنه لا تطلب الشفاعة من النبي ﷺ مع إثباتها له وأنه قد أعطيها، وهناك وجه أشار إليه شيخ الإسلام ﵀ في الجواب على هذه الشبهة في القاعدة الجليلة في التوسل والوسيلة، فذكر ﵀ أن الله ﷾ أخبر أن الملائكة يشفعون ويدعون للمؤمنين ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر:٧] إلى الآيات التي تليها، ففي جميعها دعاء للذين تابوا، والدعاء للمؤمنين والاستغفار لهم، فإثبات دعاء الملائكة في هذه الآية لم يجعل سؤال الدعاء منهم مشروعًا، فلم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة ولا عن القرون المفضلة أنهم سألوا الملائكة الدعاء، فدل ذلك على عدم جواز سؤال الدعاء أو الشفاعة ممن أعطيها، بل لا يُسأل إلا الله ﷾.
وبهذا تسقط هذه الشبهة.
وننتقل إلى الشبهة التي بعدها.
[ ٧ / ٥ ]
الرد على من يزعم أن الالتجاء إلى الصالحين ليس شركًا
قال ﵀: [فإن قال: أنا لا أشرك بالله شيئًا، حاشا وكلا، ولكن الالتجاء إلى الصالحين ليس بشرك، فقل له: إذا كنت تقر أن الله حرم الشرك أعظم من تحريم الزنا، وتقر أن الله لا يغفره، فما الذي حرمه الله وذكر أنه لا يغفره؟ فإن كان لا يدري، فقل له: كيف تبرئ نفسك من الشرك وأنت لا تعرفه؟ أم كيف يحرم الله عليك هذا ويذكر أنه لا يغفره ولا تسأل عنه ولا تعرفه؟ أتظن أن الله يحرمه ولا يبينه لنا؟] .
الشبهة السابعة تبتدئ بقوله: (فإن قال: أنا لا أشرك بالله شيئًا، حاشا وكلا، ولكن الالتجاء إلى الصالحين ليس بشرك) فهو قبل قليل كان يقول: الالتجاء إلى الصالحين ليس عبادة، وأثبتنا له أنها عبادة، والقاعدة أن صرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله فهو شرك، ثم عاد الآن وقال: ليس بشرك، فقل له: إذا كنت تُقر أن الله حرم الشرك أعظم من تحريم الزنا، وتُقر أن الله لا يغفره، فما هذا الأمر الذي عظمه الله، وذكر أنه لا يغفر؟ فإنه لا يدري، وحقيقةً إذا كان يقول: إن الالتجاء إلى الصالحين ليس بشرك فإنه لا يدري ما الشرك الذي حرمه الله ﷾، وذكر أنه لا يغفره، فقل له: كيف تبرئ نفسك من الشرك وأنت لا تعرفه؟ أم كيف يُحرِّم الله عليك هذا ويذكر أنه لا يغفره ولا تسأل عنه ولا تعرفه؟ أتظن أن الله يُحرِّمه ولا يبينه لنا؟! لا والله! لا يُحرِّم الله شيئًا علينا إلا بعد أن يُبينه ويوضحه إما في كتابه أو في سُنّة نبيه ﷺ، وأعظم ما حرمه الله ﷾ على الناس هو الشرك به؛ ولذلك جاء الكتاب كله في تقرير التوحيد كما قال ابن القيم ﵀: فآيات الكتاب إما أن تكون بيانًا للتوحيد أو نهيًا عن ضده أو بيانًا لحقوقه أو بيانًا لجزاء من حققه أو لبيان عقوبة من خالفه، فالقرآن كله في بيان التوحيد الذي ضده الشرك، والضد يظهر حسنه الضد، وبضدها تتميز الأشياء.
فالله ﷾ بين التوحيد والشرك في كتابه أعظم بيان، والشرك الذي حرمه الله ﷾ هو تسوية غيره به في الربوبية أو في الألوهية أو في الأسماء والصفات، والشرك الذي نتكلم عليه هنا هو شرك الإلهية الذي هو صرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله، وقد تقدم معنا قبل قليل أن الدعاء عبادة، وحسب القاعدة التي أثبتت سابقًا فإن صرف العبادة إلى غير الله يؤدي إلى الشرك، وهذا صرف الدعاء لغير الله فهو واقع في الشرك؛ ولذلك لم يفصّل الشيخ ﵀ في الجواب على هذه الشبهة؛ لأنه قد تكلم عليها فيما مضى، أي: في الشبهة التي ذكر فيها المشبه أن الدعاء ليس عبادة.
ثم انتقل إلى شبهة أخرى.
[ ٧ / ٦ ]
الرد على شبهة من قال: إن الشرك منحصر في عبادة الأصنام
قال ﵀: [فإن قال: الشرك عبادة الأصنام، ونحن لا نعبد الأصنام، فقل له: ما معنى عبادة الأصنام؟ أتظن أنهم يعتقدون أن تلك الأخشاب والأحجار تخلق وترزق وتدبر أمر من دعاها؟ فهذا يكذبه القرآن] كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس:٣١] .
[وإن قال: هو من قصد خشبة أو حجرًا أو بنية على قبر أو غيره يدعون ذلك ويذبحون له، ويقولون: إنه يقربنا إلى الله زلفى، ويدفع الله عنا ببركته، ويعطينا ببركته.
فقل: صدقت، وهذا فعلكم عند الأحجار والبنايات التي على القبور وغيرها، فإن أقر أن فعلهم هذا هو عبادة الأصنام، فهو المطلوب.
ويقال له أيضًا: قولك: (الشرك عبادة الأصنام)، هل مرادك أن الشرك مخصوص بهذا، وأن الاعتماد على الصالحين ودعاءهم لا يدخل في هذا؟ فهذا يرده ما ذكر الله في كتابه من كفر من تعلق على الملائكة أو عيسى أو الصالحين، فلابد أن يقر لك أن من أشرك في عبادة الله أحدًا من الصالحين فهو الشرك المذكور في القرآن وهذا هو المطلوب] .
هذه الشبهة هي قريبة من الشبهة التي تقدمت في الشبه الكبار، وهي التفريق بين عبادة الأصنام وعبادة غيرها، فإن قال: الشرك عبادة الأصنام ونحن لا نعبد الأصنام، فقل: وما معنى عبادة الأصنام؟ أتظن أنهم يعتقدون أن تلك الأخشاب والأحجار تخلق وترزق وتدبر أمر من دعاها؟ فهذا يكذبه القرآن.
إذًا: مفهوم العبادة -التي ذكرها الشيخ ﵀ هنا- أن تلك الأخشاب تخلق وترزق وتدبر؛ ليس سليمًا وليس مستقيمًا؛ إذ أنهم لا يعتقدون ذلك، فالله ﷾ أخبر عنهم أنهم كانوا يقولون عندما يُسألون: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [يونس:٣١] الآيات ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس:٣١]، فكانوا يقرون لله ﷾ بتوحيد الربوبية.
(وإن قال: هو من قصد خشبة أو حجرًا أو بنية على قبر أو غيره يدعون ذلك ويذبحون له ويقولون: إنه يقربنا إلى الله زلفى، ويدفع عنا ببركته، ويعطينا ببركته.
فقل: صدقت، وهذا فعلكم عند الأحجار والبنايات التي على القبور وغيرها، فهذا أقر أن فعلهم هذا هو عبادة الأصنام، وهو المطلوب، ويقال له أيضًا: قولك: (الشرك عبادة الأصنام)، هل مرادك أن الشرك مخصوص بهذا، وأن الاعتماد على الصالحين ودعاءهم لا يدخل في هذا؟ فهذا يرده ما ذكر الله في كتابه من كفر من تعلق على الملائكة أو عيسى أو الصالحين، فلابد أن يقر لك أن من أشرك في عبادة الله أحدًا من الصالحين فهو الشرك المذكور في القرآن وهذا هو المطلوب.
[ ٧ / ٧ ]
معنى الشرك وعبادة الله
ثم قال ﵀: [وسر المسألة أنه إذا قال: أنا لا أشرك بالله، فقل له: وما الشرك بالله؟ فسره لي، فإن قال: هو عبادة الأصنام، فقل: وما معنى عبادة الأصنام فسرها لي؟ فإن قال: أنا لا أعبد إلا الله وحده.
فقل: ما معنى عبادة الله وحده فسرها لي؟ فإن فسرها بما بينه القرآن فهو المطلوب، وإن لم يعرفه فكيف يدعي شيئًا وهو لا يعرفه؟ وإن فسر ذلك بغير معناه بينت له الآيات الواضحات في معنى الشرك بالله وعبادة الأوثان، أنه الذي يفعلونه في هذا الزمان بعينه، وأن عبادة الله وحده لا شريك له هي التي ينكرونها علينا ويصيحون كما صاح إخوانهم حيث قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥] .
فهذه هي ثامن الشبة التي ذكرها الشيخ ﵀، وهي قول المشبه: الشرك عبادة الأصنام.
قال ﵀: (وسر المسألة أنه إذا قال: أنا لا أشرك بالله.
فقل: وما الشرك بالله؟ فسره لي، فإن قال: هو عبادة الأصنام، فقل وما معنى عبادة الأصنام؟ فسرها لي، فإن قال: أنا لا أعبد إلا الله وحده.
فقل: ما معنى عبادة الله وحده فسرها لي؟ فإن فسرها بما بيَّنه القرآن فهو المطلوب) والذي بيَّنه القرآن في تفسير العبادة هو أنها: كل ما أمر الله ﷾ به وأمر به رسوله ﷺ، وألا تُصرف إلا لله ﷾ وحده دون غيره.
فهذا الذي يدل عليه القرآن في معنى العبادة.
وإن لم يعرف فكيف يدّعي شيئًا وهو لا يعرفه؟ وإن فسر ذلك بغير معناه، بيّنت له الآيات الواضحات في معنى الشرك بالله وعبادة الأوثان أن الذي يفعلونه في هذا الزمان بعينه، وأن عبادة الله وحده لا شريك له هي التي ينكرونها علينا، ويصيحون كما صاح إخوانهم حيث قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [صّ:٥]) والمشركون الأوائل وورثتهم من مشركي الأزمان المتأخرة يستهزئون بكل من دعا إلى التوحيد، ويسخرون منه، بل ويصيحون بأعلى أصواتهم قائلين: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ وما ذلك إلا أنه كبر عليهم أن يتوجهوا بالعبادة لله وحده ﷾، وإلا فلازم إقرارهم بأن الله هو الرزاق وأنه لا يرزق غيره وأنه لا يملك غيره ولا يدبر غيره ألا تصرف العبادة إلا له ﷾ دون غيره.
[ ٧ / ٨ ]
الرد على شبهة من قال: إن المشركين قديمًا إنما أشركوا بنسبة الولد لله
قال ﵀: [فإن قال: إنهم لا يكفرون بدعاء الملائكة والأنبياء، وإنما يكفرون لما قالوا: الملائكة بنات الله؛ فإنا لم نقل: عبد القادر ابن الله ولا غيره.
فالجواب: أن نسبة الولد إلى الله كفر مستقل؛ قال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:١-٢]، والأحد الذي لا نظير له، والصمد المقصود في الحوائج، فمن جحد هذا؛ فقد كفر، ولو لم يجحد السورة.
وقال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ [المؤمنون:٩١]، ففرق بين النوعين، وجعل كلا منهما كفرًا مستقلًا.
وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١٠٠]، ففرق بين كفرين.
والدليل على هذا أيضًا أن الذين كفروا بدعاء اللات، مع كونه رجلًا صالحًا؛ لم يجعلوه ابن الله، والذين كفروا بعبادة الجن لم يجعلوهم كذلك، وكذلك أيضًا العلماء في جميع المذاهب الأربعة؛ يذكرون في باب حكم المرتد أن المسلم إذا زعم أن لله ولدًا؛ فهو مرتد، ويفرقون بين النوعين، وهذا في غاية الوضوح) .
وإن قال: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٤] .
فقل: هذا هو الحق، ولكن لا يُعبدُون، ونحن لم نذكر إلا عبادتهم مع الله، وشركهم معه، وإلا؛ فالواجب عليك حبهم واتباعهم والإقرار بكرامتهم، ولا يجحد كرامات الأولياء إلا أهل البدع والضلال، ودين الله وسط بين طرفين، وهدى بين ضلالتين، وحق بين باطلين] .
قال ﵀: (فإن قال: إنهم لا يكفرون بدعاء الملائكة والأنبياء، وإنما يكفرون لمّا قالوا: الملائكة بنات الله، فإنا لم نقل: عبد القادر ابن الله ولا غيره) .
وهذه الشبهة هي التاسعة، وهي شبهة زائدة، وهي قولهم: إن المشركين إنما كفروا بنسبة الولد إلى الله ﷾، ولم يكفروا بالتوجه إلى الصالحين وإلى الملائكة وإلى غيرهم ممن زعموهم يقربونهم عند الله.
فالجواب عن هذه الشبهة ما ذكره الشيخ ﵀: (أن نسبة الولد إلى الله كفر مستقل قال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:٢] والأحد: الذي لا نظير له.
والصمد: المقصود في الحوائج، فمن جحد هذا فقد كفر) .
ووجه الدلالة في نفي الولد عن الله ﷾ في هذه السورة في قوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص:٣]، وكذلك في قوله: (أَحَدٌ) فهو لا يحتاج إلى ولد، وفي قوله: (الصَّمَدُ) الذي تصمد إليه الخلائق، والنص في نفي الولد عنه ﷾ في قوله تعالى: (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ)، ثم قال ر حمه الله: (فمن جحد هذا فقد كفر ولو لم يجحد السورة.
وقال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ [المؤمنون:٩١] ففرّق بين النوعين وجعل كلاَّ منهما كفرًا مستقلًا.
وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١٠٠]) جعل ﷾ الكفر الذي وقع فيه المشركون أنهم جعلوا لله شركاء الجن، واخترعوا له واختلقوا له بنين وبنات بغير علم.
ثم قال ﵀: (ففرّق بين الكفرين) أي: بين الكفر بنسبة الولد إلى الله ﷾، وبين الكفر بإشراك غيره معه في العبادة.
قال: (والدليل على هذا أيضًا: أن الذين كفروا بدعاء اللات مع كونه رجلًا صالحًا لم يجعلوه ابن الله، والذين كفروا بعبادة الجن لم يجعلوهم كذلك) .
إذًا: استدل الشيخ ﵀ على إبطال هذه الشبهة بأن هذا القول كفر مستقل ولو لم يضف إليه الشرك بالله ﷾، واستدل لهذا بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ فذكر نوعي الكفر في هذه الآية، واستدل بواقع المشركين، فإن من المشركين من كان يعبد غير الله ولا يدّعيه ولدًا لله ﷾، كما كانوا يعبدون اللات ولم يقولوا: إنه ابن الله، وكما كانوا يعبدون الجن ولم يقولوا: إنهم أبناء الله أو أولاد الله.
يقول: (وكذلك أيضًا -يعني: في الاستدلال على أن نسبة الولد لله تعالى كفر مستقل- العلماء في جميع المذاهب الأربعة يذكرون في باب حكم المرتد أن المسلم إذا زعم أن لله ولدًا فهو مرتد) ولو لم يشرك معه ذلك الولد، ولو لم يشرك معه غيره في العبادة، قال: (ويفرِّقون بين النوعين، وهذا في غاية الوضوح) .
قال ﵀: (وإن قال -أي: في الاستدلال على شبهته- ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢]) فهو بهذه الآية يستدل به على جواز دعائهم وسؤالهم وطلب الشفاعة منهم، وهذه هي الشبهة العاشرة (فقل: هذا هو الحق ولكن لا يُعبدون) أي: ما ذكرته من أن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون حق نثبته لوروده في كتاب الله ﷾، ولكن هذا لا يسوغ عبادتهم، ولا صرف العبادة لهم من دون الله ﷾، ونحن لم نذكر إلا عبادتهم مع الله يعني: لما أنكرنا عبادة الأولياء لم ننكر فضلهم ولا منزلتهم ولا مكانتهم، ولا ما أعده الله ﷾ لهم، إنما أنكرنا صرف العبادة لهم دون الله (ولكن لا يُعبدُون، ونحن لم نذكر إلا عبادتهم مع الله، وشركهم معه، وإلا فالواجب عليك حبهم واتباعهم والإقرار بكراماتهم، ولا يجحد كرامات الأولياء إلا أهل البدع والضلال، ودين الله وسط بين طرفين، وهدى بين ضلالتين، وحق بين باطلين) .
[ ٧ / ٩ ]