بن عبد الوهاب ﵀ في كتابه «التوحيد» بابًا بهذا المعنى فقال: (باب مَنْ حَقَّقَ التوحيدَ دَخَلَ الجنَّة بغيرِ حِسَابٍ) ولا عَذَاب.
فمن كَمُلَت له هذه المعاني في قلبه لا بد وأن يظهر أثرُها على جوارحه فِعْلًا وأداءً للفرائض واجتنابًا للمحرمات، فالتوحيد الكامل يمنع صاحبه من الإصرار على شيء من الذنوب، فالموحِّد قد يقع في الذنب لكونه غير معصوم، لكنه لا يُصِرُّ عليه؛ لأنَّ كمال إيمانه وتوحيده يمنعه من الإصرار عليه؛ لأن في قلبه من خوف اللَّه ورجاء ثوابه ما يوجب له الفزع إليه، والرجوع إليه ﷾.
فهذه جملةُ أجوبةِ أهلِ العلم عن هذه الأحاديث، وهي متفقةٌ في المآل، فأهل السُّنَّة والجماعة متَّفقون على أن هذه الأحاديث ليست على ظاهرها الذي يدَّعيه ويتعلَّق به المرجئة، أو يفهمه المغرورون من جهلة أهل السُّنَّة مثلًا، كما سبقت الإشارة إليه.
وهناك جوابٌ خامسٌ، ذَهَبَ إليه الإمامُ البخاريُّ (^١)، وهو حمل هذه الأحاديث على مَنْ قال كلمة التوحيد نادِمًا تائِبًا (^٢).
_________________
(١) قال البخاري في «صحيحه» (٥/ ٢١٩٣) [كتاب اللباس - باب الثياب البيض]، عقب سياقه لحديث أبي ذرٍ ﵁ رقم (٥٤٨٩): «مَا من عبدٍ قالَ: لا إله إِلَّا اللَّه ثُمَّ مَاتَ على ذلكَ إلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ …» الحديث: «هذا عندَ الموتِ أو قبلَهُ إذا تَابَ ونَدِمَ وقالَ: «لا إِلَهَ إِلا اللَّه» غُفِرَ لَهُ».
(٢) قال ابن رجب في «جامع العلوم والحكم» (١/ ٥٢٧): «ويشهدُ لهذا المعنى حديثُ معاذٍ، عن النَّبيِّ ﷺ: «مَنْ كان آخِرَ كلامِهِ لا إله إلا اللَّه، دَخَلَ الجنَّة»، فإنَّ المحتضرَ لا يكادُ يقولُها إلَّا بإخلاصٍ، وتوبةٍ، وندمٍ على ما مضى، وعَزْمٍ على أن لا يعودَ إلى مثله، ورَجَّحَ هذا القولَ الخطابيُّ في مصنَّفٍ له مفردٍ في التوحيد، وهو حَسَن».
[ ٨١ ]
وهذا المعنى قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في بعض المواضع من كتبه (^١) في توجيه بعض هذه الأحاديث، ومنها حديث صاحب البطاقة؛ بأن المراد مَنْ قالها على غايةٍ من الصدق والإخلاص على وجه الكمال والتحقيق للتوحيد، ثم لم يرتكب بعد ذلك ذنبًا.
فما جاء عن البخاري فيه تقييد هذا بالتوبة، ومعلومٌ أنَّ مَنْ قال ذلك تائبًا نادمًا على ما سَلَفَ من ذنوبه، ثم بقي على هذه الحال حتى مات، فالأمر فيه واضحٌ، هذا محرَّمٌ على النار، والنار محرَّمةٌ عليه.
ومضمون ومنحى كلام شيخ الإسلام ﵀ -ونَقَلَه بعضُ شُرَّاح كتاب «التوحيد» (^٢) - أنَّ المعنى: من قال هذه الكلمة مخلِصًا كلَّ الإخلاص، وصادِقًا كلَّ الصِّدق، ثم ماتَ على ذلك؛ لأن هذه الحال توجب ألَّا يُصِرَّ على ذنبٍ من الذنوب، فمن مات على هذه الحال من كمال تحقيق التوحيد، كان هذا التوحيد عاصِمًا له من دخول النار، واللَّه أعلم.
* * *
_________________
(١) ينظر: «مجموع الفتاوى» (٨/ ٢٧٠ - ٢٧١) و(١٠/ ٧٣٤ - ٧٣٥) و(١١/ ٦٦٠) و(٣٥/ ٢٠١ - ٢٠٣)، و«منهاج السُّنَّة» (٦/ ١٣٥)، و«مختصر الفتاوى المصرية» (ص ٢٥١ - ٢٥٤) و(ص ٢٥٨ - ٢٦٢).
(٢) ينظر: «تيسير العزيز الحميد» (ص ٦٦ - ٦٩)، و«فتح المجيد» (١/ ١٣٧ - ١٤٣).
[ ٨٢ ]
ما ورد من إطلاق اسم «الكفر» أو «الشرك» على كثير من المعاصي، وأمثلة ذلك
اتباع هوى النفس فيما نهى الله عنه قادح في تمام التوحيد وكماله، وأمثلة ذلك
* قال ابنُ رجبٍ ﵀:
وتحقيقُ هذا المعنى وإيضَاحُه أنَّ قولَ العبدِ: «لا إله إلا اللَّه»، يقتضي أن لا إله له غير اللَّه، و«الإله» هو الذي يُطَاعُ فلا يُعصَى؛ هيبةً له وإِجلالًا، ومحبةً، وخوفًا، ورجاءً، وتوكلًا عليه، وسؤالًا منه، ودعاءً له، ولا يَصْلُحُ ذلك كلُّه إلا للَّه ﷿.
فمن أشرَكَ مخلوقًا في شيءٍ من هذه الأمور التي هي من خَصَائِصِ الإِلَهِيَّة، كَانَ ذَلكَ قَدْحًا في إِخلَاصِه في قَولِ: لا إله إلا اللَّه، ونَقصًا في توحِيدِهِ، وكانَ فيه من عُبُودِيَّةِ ذلك المخلُوقِ بحسْبِ ما فِيهِ مِنْ ذَلكَ، وهذا كُلُّه من فُرُوعِ الشِّرْكِ.
ولهذا وَرَدَ إطلاقُ الكفرِ والشِّركِ على كثيرٍ من المعاصي التي مَنشَؤهَا من طَاعةِ غيرِ اللَّه، أو خَوفِهِ أو رَجَائِهِ، أو التوَكُّلِ عليه أو العَمَلِ لأجْلِهِ، كَمَا وَرَدَ إطلاق «الشِّركِ» على الرِّيَاء، وعلى الحَلِفِ بغيرِ اللَّه، وعلى التوَكُّلِ على غيرِ اللَّه والاعتِمَادِ عَلَيهِ، وعلى من سوَّى بين اللَّه وبين المخلُوقِ في المشِيئَةِ، مثل أن يقول: ما شَاءَ اللَّه وشَاءَ فُلانٌ، وكذا قولُه: ما لي إلا اللَّه وأنْتَ.
وكذلك ما يَقْدَحُ في التوَكُّلِ، وتَفَرُّدِ اللَّه بالنَّفْعِ والضُّرِّ؛ كالطِّيَرَة، والرُّقَى المكرُوهَةِ، وإتيانِ الكُهَّانِ وتَصْدِيقِهم بما يَقُولُون.
وَكَذَلكَ اتِّبَاعُ هَوَى النَّفْسِ فِيمَا نَهَى اللَّه عَنْهُ قادحٌ في تَمَامِ التَّوحِيدِ وَكَمَالِهِ، ولهذا أطلقَ الشَّرْعُ على كثيرٍ من الذُّنُوبِ التي
[ ٨٣ ]
ما ورد من إطلاق اسم «الإله» على الهوى المتبع، ودليل ذلك
مَنشَؤهَا مِنْ اتِّبَاعِ هَوَى النَّفْسِ، أنَّها كُفْرٌ وشِرْكٌ؛ كقِتَالِ المسْلِمِ، ومَن أَتَى حَائِضًا أو امرَأَةً في دُبُرِهَا، ومَن شَرِبَ الخَمْرَ في المرَّةِ الرَّابِعَةِ، وإنْ كَانَ ذَلك لا يُخرِجُ عن المِلَّةِ بالكُلِّيَّةِ، ولهذا قَالَ السَّلَفُ: كُفرٌ دُونَ كُفرٍ، وشِركٌ دُونَ شِركٍ.
وقد وَرَدَ إطلاقُ «الإِلَه» على الهوَى المُتَّبَع؛ قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان: ٤٣]، قَالَ الحسنُ: هو الَّذِي لا يَهْوَى شيئًا إلا رَكِبَهُ (^١).
وقَالَ قَتَادَةُ: هو الَّّذِي كُلَّمَا هَوَى شَيئًا رَكِبَهُ، وكُلَّمَا اشْتَهَى شَيئًا أَتَاهُ، لا يَحْجِزُهُ عن ذلك وَرَعٌ ولا تَقوَى (^٢).
ورُوِيَ من حديثِ أبي أُمَامَةَ مرفوعًا بإسنادٍ ضَعِيفٍ: «مَا تَحْتَ ظِلِّ السَّمَاءِ إِلَهٌ يُعبَدُ أَعظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ هَوًى مُتَّبَع» (^٣).
وفي حَدِيثٍ آخَرَ: «لا تَزَالُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تَدفَعُ عَنْ أَصحَابِهَا، حَتَّى يُؤثِرُوا دُنيَاهُم علَى دِينِهِم، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ رُدَّت عَلَيهِم، وَقِيلَ لهم: كَذَبْتُم» (^٤).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (٨/ ٢٧٠٠)، والفريابي في «صفة النفاق» (ص ٥٢).
(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٢١/ ٩٣).
(٣) أخرجه ابن أبي عاصم في «السُّنَّة» رقم (٣)، وأبو يعلى في «مسنده» -كما في «المطالب العالية» رقم (٢٩٩٠) -، والطبراني في «الكبير» رقم (٧٥٠٢)، وإسناده ضعيفٌ جدًّا، بل حَكَمَ بوضعِه ابنُ الجوزي في «الموضوعات» (٣/ ١٣٩)، والألبانيُّ في «الضعيفة» رقم (٦٥٣٨).
(٤) هذا الحديث قد روي مرفوعًا من طُرُقٍ عديدةٍ، عن جماعةٍ من الصحابة، منهم: أنس بن مالك، وأبو هريرة، وعبد اللَّه بن عمر، وأم المؤمنين عائشة ﵃، وغيرُهم، ولا يصح من هذه الطرق شيء، بل كلُّها شديدةُ الضَّعْف، وضَعْفُها بَيِّنٌ ظاهرٌ.
[ ٨٤ ]
بيان معنى «الإله»
ويَشهَدُ لذَلِكَ الحَدِيثُ الصَّحِيحُ عن النبِيِّ ﷺ: «تَعِسَ عَبدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبدُ الدِّرْهَمِ، تَعِسَ عَبدُ القَطِيفَةِ، تَعِسَ عَبدُ الخَمِيصَةِ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلا انتَقَشَ» (^١).
فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ أَحَبَّ شَيئًا وَأَطَاعَهُ، وَكَانَ غَايَةَ قَصدِهِ وَمَطلُوبِهِ، وَوَالَى لأَجلِهِ، وَعَادَى لأَجلِهِ، فَهُوَ عَبدُهُ، وَذَلِكَ الشَّيءُ مَعبُودُهُ وَإِلَهُهُ.
مما يوضح ما تقدَّم من أنَّ مطلق التوحيد، أو مطلق التكَلُّمِ ب «لا إله إلا اللَّه» لا يكفي في النجاة من النار، وأن قائلي هذه الكلمة العظيمة متفاوتون؛ هو أنَّ هذه الكلمة - «لا إله إلا اللَّه» - مركبةٌ من نفيٍ وإثباتٍ، كما هو معروف، نَفْيُ إلهيَّةِ ما سوى اللَّه، وإثباتُ الإلهيَّةِ له سبحانه، فمضمونها الإيمان بأنَّ اللَّه تعالى هو الإله الحقُّ الذي لا يستحق العبادة سواه.
و«الإله» بمعنى المَألُوه؛ يعني: المعبود، فاللَّه تعالى هو المعبودُ بحقٍّ (^٢)، وهو المستحق للعبادة وحده دون مَنْ سواه، فمعنى هذه الكلمة - «لا إله إلا اللَّه» - أنَّ قَائِلَها لا يَأْلَهُ إلا اللَّه؛ يعني: لا يَعْبُدُ إلا اللَّه.
_________________
(١) أخرجه البخاريُّ من حديث أبي هريرة ﵁ رقم (٢٧٣٠).
(٢) قال العلامة المعلمي في كتابه «رفع الاشتباه عن معنى العبادة والإله» (ص ١٨٧): «اعلم أنني تتبعتُ عبارات أهل العلم في تفسير لفظ «إله» فوجدتُهم كالمجمِعِين على أنَّ معناه: معبودٌ بحقٍّ، وقال بعضُهم: معبودٌ». وانظر أيضًا: «تيسير العزيز الحميد» (ص ٥٥ - ٥٦).
[ ٨٥ ]
«العبادة» تتضمن شيئين
و«العبادةُ» تتَضَمَّنُ شيئين: المحبة، والذُّل والإجلال، وفي هذا يقول ابن القيم ﵀ في «نونيته» (^١):
وَعِبَادَةُ الرَّحمنِ غَايَةُ حُبِّهِ … مَع ذُلِّ عَابِدِهِ هُما قُطْبَانِ
وَعَلَيهِمَا فَلَكُ العِبَادَةِ دَائِرٌ … مَا دَارَ حَتَّى قَامَت القُطْبَانِ
فلا بد إذًا من اجتماع الأمرين: المحبَّة والذُّل مع الإجلال.
إذًا، فحقيقة التوحيد الذي دَلَّت عليه هذه الكلمة العظيمة: أنَّ العبدَ لا يَأْلَهُ إلا اللَّه؛ حُبًّا، وخوفًا، ورَجَاءً، وتَوَكُّلًا، ورَغْبَةً، ورَهْبَةً، فلا بد من التحَقُّق بهذه المعاني.
وهذه المعاني -كما تَقَدَّم- تُوجِبُ أفعالًا وتُرُوكًا، فتقتضي المبادرة إلى فعل المأمورات، واجتناب المحرمات، ولا يكون الإنسان محَقِّقًا لهذه الكلمة إلا إذا تحَقَّقَ بهذه المعاني، فحَقَّقَ تَأَلُّهَهُ وعُبُودِيَّتَهُ للَّه.
إذًا، هذا التَّأَلُّه والتَّعَبُّدُ ليسَ على مرتبةٍ واحدةٍ، فلا بد لتحقيق التوحيد من اجتناب المعاصي، بل لا بد من اجتناب الشركِ كُلِّه، الأكبرِ والأصغرِ.
أما «الشرك الأكبر» وهو عبادةُ غيرِ اللَّه مع اللَّه، ودعاءِ غيرِه واتخاذِّ النِّدِّ له، فهذا مناقضٌ لأصل التوحيد ولهذه الكلمة العظيمة.
_________________
(١) (١/ ١٧٩ - ١٨٠).
[ ٨٦ ]
الذنوب منها ما يناقض أصل التوحيد ومنها ما يناقض كماله الواجب
وأما ما دونه من أنواع «الشرك الأصغر» فإنه يناقض كمال التوحيد الواجب، كما في الأمثلة التي ذكرها المؤلِّف.
فهناك أنواعٌ من الذنوب جاء النصُّ بأنها من «الشرك»؛ كالرياء، والحلف بغير اللَّه، وتسوية المخلوق باللَّه في المشيئة؛ كقول القائل: ما شاء اللَّه وما شئتَ، أو: هذا من اللَّه ومنكَ، أو: لولا اللَّه وأنتَ، وكالإفراط في حُبِّ المحبوبات الطبيعية، مثل: المال، والولد، وسائر أعراض الدنيا، فهذه المحبوبات الطبيعية إذا أفرط الإنسان في حبها، فصار يرضى لوجودها ويسخط لعدمها، إذا أُعْطِيَ منها رَضِيَ وإذا لم يُعْطَ منها سَخِطَ = صار قلبُه مُعَبَّدًا لها.
ثم ذكر المؤلِّف ﵀ أنَّه قد دلَّت الأدلَّة على أن كُلَّ الذنوبِ التي مصدرها من اتباع الهوى قد ورد فيها إطلاق اسم «الكفر» واسم «الشرك»، وإن كانت هذه الذنوب لا تُخرِج من الملَّة، ولا تُوجِب الردَّة، لكنها -ولا شك- تدل على نقص التوحيد وضعف الإيمان.
فلا بد إذًا لتحقيق مقتضى هذه الكلمة «لا إله إلا اللَّه» لتكون عاصمةً من دخول النار وموجبةً لدخول الجنة = من اجتناب كل ما ينافي تحقيق التوحيد، وينافي كماله، من أنواع الشرك والكفر.
والمقصود ب «الشرك» هنا: الشرك الأصغر، أما الشرك الأكبر فإنه مناقضٌ لأصل التوحيد، ومَن قال هذه الكلمة «لا إله إلا اللَّه» ثم أتى بما يناقضها فهو كافرٌ مُرتَدٌّ خارجٌ عن مِلَّةِ الإسلام، لا ينفعه قوله لها بلسانه؛ لأنه قد انتقض في حقه شرطٌ من الشروط، فإن الشهادتين تقتضيان:
[ ٨٧ ]
تحقيق التوحيد، وتحقيق المتابعة للرسول ﷺ؛ فشهادة «أن محمدًا رسول اللَّه» تقتضي تصديق الرسول بكل ما أخبر به، وطاعته بكل ما أمر به أو نهى عنه، وألا يُعْبَدَ اللَّه إلا بما شَرَعَ.
فلا بدَّ لتحقيق هاتين الشهادتين من القيام بما تقتضيه من أداء الفرائض، واجتناب المحرَّمات.
إذًا؛ فالذنوب منها ما يناقض أصل التوحيد، ومنها ما يناقض كماله، كما تقدم.
ثم ذكر المؤلِّف ﵀ جملةً من الذنوب مما ورد إطلاق اسم «الكفر» عليه؛ كقتال المسلم، أو إتيان الكاهن، أو إتيان المرأة في دبرها، أو إتيان الحائض.
ومن هذا الجنس إطلاق اسم «الكفر» على: الطعن في النسب، والنياحة على الميت، كما في قوله ﷺ: «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ» (^١).
وكلُّ هذه ذنوبٌ تنافي تحقيق التوحيد والإيمان، وهذه الذنوب منها ما أُطلق عليه اسم «الشرك»، ومنها ما أُطلق عليه اسم «الكفر».
فعُلِمَ بهذا أنَّ «لا إله إلا اللَّه» لها مدلولٌ عظيمٌ، وأهلُها في تحقيقه متفاوتون، فأكملُ النَّاسِ توحيدًا هم الرُّسُلُ، وأكمَلُهم أولو العَزْمِ، ثم النَّاسُ بعد ذلك على مراتب؛ فمنهم الصدِّيقُون والشهداءُ والصالحون،
_________________
(١) أخرجه مسلم في «صحيحه» رقم (٦٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٨٨ ]
اتباع الهوى مصدر للذنوب كلها
ومنهم مَنْ هم دون ذلك، وهم الظالمون لأنفسهم، ومنهم مَنْ يُخرَجُون من النار بشفاعة الشافعين وبرحمة أرحم الراحمين.
وهؤلاء كُّلهم يَصدُقُ عليهم أنَّهم موَحِّدُون، وكلُّهم يقولون: «لا إله إلا اللَّه»، لكن مع التباين العظيم في العلمِ بمعناها والصدقِ والإخلاصِ في أدائها والعملِ بمقتضاها، وهو تباينٌ وتفاوتٌ لا يعلم مداه إلا اللَّه ﷾.
ف «اتباع الهوى» مصدرٌ لكثيرٍ من الذنوب، حتى الشرك إنما يصدر عن اتباع الهوى، كما قال اللَّه تعالى في المشركين: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣)﴾ [النجم: ١٩ - ٢٣].
ف «اتباع الهوى» مصدرٌ للذنوب؛ كبيرِها وصغيرِها، ولهذا جاء في القرآن إطلاق اسم «الإله» على الهوى، وأنَّ من الناس مَنْ اتخذ إِلهه هَوَاهُ، فجَعَلَ معبودَه هو الهوى، فمن بلغ به الأمر إلى أن يستَحِلَّ ما يهواه، ويترك ما لا يهواه بإطلاق، فإنَّه يخرج عن الإسلام بهذا، وأما المخَلِّط من المسلمين فتَجِدُه يَتَّبِع هواه في أشياء ويخالف هواه في أشياء، أما من هو متبع لهواه بإطلاق فهذا معناه أنه لا يُحِلُّ حَلالًا، ولا يُحَرِّمُ حَرَامًا، ولا يؤدِّي فريضة، بل ولا يؤمن باللَّه، قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ٢٣]، هذه صفة الكافرين الذين قال اللَّه فيهم:
[ ٨٩ ]
﴿طَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُون (١٠٨)﴾ [النحل]، وقال ﷾: ﴿خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيم (٧)﴾ [البقرة].
فكيف -مع هذه النصوص المستفيضة- يُقال بأنَّه يكفي العبد في دخول الجنة والنجاة من النار أن يقول: «لا إله إلا اللَّه»، ولا يفعل شيئًا من أداءِ واجبٍ أو اجتنابِ محرَّمٍ، ولا يقوم بقلبِه شيءٌ من محبَّة اللَّه ﷿ ومحبَّةِ رسوله ﷺ، هذا من أبطل الباطل، ومن اتباع الهوى، ومن الجهل العظيم، إذ كيف يؤخذ بظاهر هذه النصوص وتُهْدَر دلالة سائر النصوص! نصوص الوعيد، ونصوص النهي عن كثير من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، فإنَّ الذنوبَ منها ذنوبٌ قلبِيَّةٌ، وذنوبٌ عَمَلِيَّةٌ، وذنوبٌ قَولِيَّةٌ.
فأعمالُ القلوب وأعمالُ الجوارح وأقوالُ اللِّسان كلُّها تجري فيها الأحكام من حلالٍ وحرامٍ.
* * *
[ ٩٠ ]