العَارِفُونَ يَخَافُونَ مِنَ الحِجَابِ أَكثَرَ مِمَّا يَخَافُونَ مِنَ العَذَابِ (^١)، قَالَ ذُو النُّونِ: خَوفُ النَّارِ عِنْدَ خَوفِ الفِرَاقِ كَقَطرَةٍ فِي بَحرٍ لُجِّيٍّ (^٢).
كَانَ بَعضُهُم يَقُولُ: إِلَهِي وَسَيِّدِي وَمَولاي، لَو عَذَّبتَنِي بِعَذَابِكَ كُلِّهِ، كَانَ مَا فَاتَنِي مِنْ قُربِكَ أَعظَمَ عِنْدِي مِنَ العَذَابِ.
قِيلَ لِبَعضِهِم: لَو طَرَدَكَ مَا كُنْتَ تَفعَلُ؟، فَقَالَ:
أَنَا إِنْ لَم أَجِد مِنْ الحُبِّ وَصلًا … رُمتُ فِي النَّارِ مَنزِلًا وَمَقِيلا
ثُمَّ أَزعَجتُ أَهلَهَا بِنِدَائِي … بُكرَةً فِي عَرَصَاتِهَا (^٣) وَأَصِيلا
مَعشَرَ المُشرِكِينَ نُوحُوا عَلَى مَنْ … يَدِّعِي أَنَّهُ يُحِبُّ الجَلِيلَا
لَم يَكُنْ فِي الَّذِي اِدَّعَاهُ مُحِقًّا … فَجَزَاهُ بِهِ العَذَابَ الطَّوِيلا!
إِخوَاني اِجتَهَدُوا اليَومَ فِي تَحقِيقِ التَّوحِيدِ، فَإِنَّهُ لا يُوصِلُ إِلَى اللَّهِ سِوَاهُ، وَاحرِصُوا عَلَى القِيَامِ بِحُقُوقِهِ، فَإِنَّهُ لا يُنْجِي مِنْ عَذَابِ اللَّهِ إِلا إِيَّاهُ.
_________________
(١) قال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (١/ ٢٧): «عذابُ الحِجَابِ أعظمُ أنواعِ العذابِ، ولَذَّةُ النَّظَرِ إلى وجهِهِ أعلَى اللَّذَّاتِ».
(٢) عزاه إليه أبو طالب المكي في «قوت القلوب» (١/ ٣٧٧)، والغزالي في «إحياء علوم الدين» (٤/ ١٦٨).
(٣) في نسخة (ب): «عِرَاصِهَا». قال في «القاموس»: «العَرْصَةُ: كلُّ بُقْعَةٍ بينَ الدُّورِ واسِعَةٍ ليس فيها بِناءٌ، جمعها: عِراصٌ وعَرَصاتٌ وأعْراصٌ».
[ ١٨٥ ]
مَا نَطَقَ النَّاطِقُونَ إِذْ نَطَقُوا … أَحسَنَ مِنْ لا إِلَهَ إِلَّا هو
تَبَارَكَ اللَّه ذُو الجَلَالِ وَمَنْ … أَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُو
مَنْ لِذُنُوبِي وَمَنْ يُمَحِّصُهُا … غيرك يا من لَا إِلَهَ إِلَّا هُو
جِنَانُ خُلدٍ (^١) لِمَنْ يُوَحِّدُهُ … أَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُو
نِيرَانُهُ لَا تُحرِقُ مَنْ … حَقَّقَ (^٢) أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُو
أَقُولُهَا مُخلِصًا بِلَا بُخلٍ … أَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُو
آخِرُهُ وَالحَمدُ للَّه وَحدَهُ
وصلى اللَّه على سيدنا محمد وآله [وصحبه] وسلم تسليمًا كثيرًا
مما ورد هنا أنَّ «لا إله إلا اللَّه» أمانٌ لقائلها من وحشة القبر ويوم البعث، وهذا حقٌّ، ويمكن أن نستدل لهذا بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُون (٨٢)﴾ [الأنعام]، وقد أورد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في (باب فضل التوحيد) هذه الآية مستدلاًّ بها على فضل التوحيد.
_________________
(١) في نسخة (ب): «جِنَانُ خُلْدِهِ».
(٢) في نسخة (ب): «يَشْهَدُ»، مكان: «حَقَّق».
[ ١٨٦ ]
وهذا حقٌّ؛ فإنَّ التوحيد هو سبب الأمن والهدى، ومن ثبت له أصل التوحيد فإنه يأمن من الخلود في النار، ولا بد له من دخول الجنة، فمن حقَّقَ التوحيدَ وقال هذه الكلمة العظيمة: «لا إله إلا اللَّه» محقِّقًا لمعناها، عاملًا بمقتضاها = فاز بالأمن التام والهدى التام.
فجزاء اللَّه للعباد قائمٌ على العدل، فلا يُسوِّي بين المشركين وبين الموحِّدين، ولا بين العصاة المسرفين على أنفسهم وبين المتقين، تعالى اللَّه عن ذلك، قال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّار (٢٨)﴾ [ص]، ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِين (٣٥)﴾ [القلم]، ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُون (٢١)﴾ [الجاثية].
فاللَّه ﷿ يَتَعَالى ويتقدَّس أن يُسوِّي بين أوليائه وأعدائه، أو بين القائمين بحقه والمفرِّطين فيه، ولهذا بحكمته وعدله سبحانه جعل الجنة درجات، حتى إن من أهل الجنة من يَتَرَاءَون الغُرَف كما يَتَرَاءَى الناسُ الكوكَبَ الغَارِبَ في الأُفُق (^١) -يعني: في علوٍّ بعيدٍ-، فالجنة منازلُ ودرجاتٌ متفاضلةٌ، و«الوسيلةُ» هي أعلى درجةٍ في الجنَّة، وهي لنبينا ﷺ (^٢).
فدرجات أهل الجنة ونعيمهم يتفاضل، كما في حديث عبادة ﵁: «أدخله اللَّه الجنة على ما كان من العمل» (^٣)، قد قيل في معناه: يعني من حيث الدرجات، فيُسكِنُه اللَّه الدَّرجةَ التي يستحِقُّها بعمَلِه.
_________________
(١) متفقٌ عليه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، البخاري رقم (٦١٨٨)، ومسلم رقم (٢٨٣٠).
(٢) أخرجه مسلم رقم (٣٨٤)، والترمذي رقم (٣٦١٢).
(٣) تقدم تخريجه ص ٣٩.
[ ١٨٧ ]
أنواع الظلم
فمن فضل التوحيد أنَّه يحصل به الأمان، فمَن قال كلمة التوحيد وكان محقِّقًا لها فله الأمنُ من عذاب القبر ووحشته، ومن الفزع يوم الفزع الأكبر، كما قال تعالى: ﴿مَنْ جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُون (٨٩)﴾ [النمل]، ف «الحسنة» هنا هي: لا إله إلا اللَّه (^١).
لكن ليس المقصود هو مجرَّد التلفُّظ بها، فالعصاة المسرفون على أنفسهم يحصل لهم من الفزع والخوف يوم القيامة بحسب حالهم وذنوبهم، وينالهم من العذاب ما شاء اللَّه بحسب ذلك، لكن الذي يفوز بالأمن ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُون (٨٩)﴾ هو من جاء بالتوحيد وجاء بالإيمان ولم يَخْلِطْه بظلمٍ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُون (٨٢)﴾ [الأنعام]، وقد فَصَّل شيخ الإسلام ابن تيمية في كلامه على هذه الآية ما يُفهم به المراد (^٢).
فإنَّ الظلمَ أنواع:
النوع الأول: الظلم في حق اللَّه، ولا يقال: ظلم اللَّه، فإنَّ العباد لا يظلمون اللَّه ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُون (٥٧)﴾ [البقرة: ٥٧، الأعراف: ١٦٠]، لكن الظلم يكون في حق اللَّه، ويكون ذلك بالشرك الأكبر، وهذا النوع من الظلم ينافي الأمن والهدى مطلقًا، فلا أمن ولا هدى لمن لَبَسَ إيمانَه بالشرك، كما قال النبي ﷺ لأصحابه ﵃ لما نزلت هذه الآية وشق ذلك عليهم وقالوا: أيما لم يظلم نفسه؟، قال لهم النبي ﷺ: «ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم (١٣)﴾ [لقمان]» (^٣).
_________________
(١) ينظر: «تفسير الطبري» (١٨/ ١٣٩ - ١٤٢)، و«الدر المنثور» (١١/ ٤١٦ - ٤١٩).
(٢) ينظر: «تفسير آيات أشكلت على كثير من العلماء» (١/ ٣٣٥ وما بعدها).
(٣) متفقٌ عليه من حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁، البخاري في مواضع منها: رقم (٣١٨١)، ومسلم رقم (١٢٤).
[ ١٨٨ ]
والنوع الثاني: ظلمُ الإنسانِ نفسَه بالمعاصي، وهذا يفوتُ به من الأمن والهدى بحسب ما اقتَرَفَه العبدُ من معاصي.
والنوع الثالث: ظلمُ العبادِ في دمائِهم وفي أنفسِهم وأموالِهم وأعراضِهم، وهذا أيضًا يفوت به من الأمن والهدى بحسب ما اقتَرَفَ من ذلك.
فالنوعان الثاني والثالث لا يمنعان -مع التوحيد- من الأمن والهدى مطلقًا، وإنما الذي ينافي الأمن والهدى مطلقًا هو الشرك والكفر بأنواعه.
فلا بد من معرفة هذه الحقيقة؛ لأننا علمنا من النصوص أن الذي يقترف الذنوب على اختلاف أنواعها هو معرَّضٌ للعذاب، فليس من أهل الأمن التام، فلا يَرِدُ القيامةَ آمِنًا كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [فصلت: ٤٠]، فالذي يأتي آمِنًا يوم القيامة هو المؤمنُ الموحِّدُ الصَّادِقُ الذي قَدِمَ على ربِّهِ غير مُصِرٍّ على شيءٍ من الذنوب، ومن كان هذا حاله كان جزاؤه الأمن في ذلك اليوم ﴿مَنْ جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُون (٨٩)﴾ [النمل] آمِنٌ من الفزع، آمِنٌ من العذاب، آمِنٌ من النَّار.
وهذا المعنى ذكره اللَّه تعالى في مواضع من كتابه الكريم، ومن ذلك قوله في حقِّ أوليائه: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون (٣٨)﴾ (^١)، فهم يخافون في الدنيا لكن يوم القيامة يزول عنهم الخوف، وإن حصل في بعض المواقف خوفٌ عامٌّ، كما في حديث الشفاعة، وأنَّ الرُّسُلَ في ذلك اليوم يَتَرَادُّون الشفاعة ويمتنعون ويعتذرون، كلُّ واحدٍ منهم يقول: «إن ربي غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب
_________________
(١) كما في سورة البقرة (٣٨ و٦٩)، والأنعام (٤٨)، والأعراف (٣٥)، والأحقاف (١٣)، وغيرها من الآيات.
[ ١٨٩ ]