* قال ابنُ رجبٍ ﵀:
وَيَدُلُّ عَلَيهِ أَيضًا أَنَّ اللَّه تَعَالى سَمَّى طَاعَةَ الشَّيطَانِ في مَعصِيَتهِ عِبَادَةً لِلشَّيْطَانِ، كَمَا قَالَ تَعَالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ [إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِين (٦٠)]﴾ [يس: ٦٠]، وَقَالَ حَاكِيًا عَنْ خَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ أَنَّهُ قَالَ لأَبِيهِ: ﴿يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤)﴾ [مريم].
فَمَنْ لَمْ يُحَقِّقْ عُبُودِيَّةَ الرَّحْمَنِ وَطَاعَتَهُ فَإِنَّهُ يَعْبُدُ الشَّيْطَانَ بِطَاعَتِهِ [لَهُ]، وَلَمْ يَخْلُصْ مِنْ عِبَادَةِ الشَّيْطَانِ إِلَّا مَنْ أَخْلَصَ عُبُودِيَّةَ الرَّحْمَنِ، وَهُمْ الَّذِينَ قَالَ اللَّه فِيهِمْ: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]، فَهُمْ الَّذِينَ حَقَّقُوا قَوْلَ: «لا إِلَهَ إِلَّا اللَّه» وَأَخْلَصُوا فِي قَوْلِهَا، وَصَدَّقُوا قَولَهُمْ بِفِعْلِهِم، فَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَى غَيْرِ اللَّهِ، مَحَبَّةً وَرَجَاءً وَخَشْيَةً وَطَاعَةً وَتَوَكُّلًا، وَهُمْ الَّذِينَ صَدَقُوا في قَوْلِ: «لا إِلَهَ إِلَّا اللَّه»، وَهُمْ عِبَادُ اللَّهِ حَقًّا.
فَأَمَّا مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّه بِلِسَانِهِ، ثُمَّ أَطَاعَ الشَّيْطَانَ وَهَوَاهُ فِي مَعْصِيَةِ اللَّه وَمُخَالَفَتِهِ فَقَدْ كَذَّبَ فِعْلُهُ قَوْلَهُ، وَنَقَصَ مِنْ كَمَالِ تَوْحِيدِهِ بِقَدْرِ مَعْصِيَةِ اللَّهِ فِي طَاعَةِ الشَّيْطَانِ وَالْهَوَى ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠]، ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦].
[ ٩١ ]
لا ينجو من عذاب الله إلا من حقق عبودية الله وحده
تفاضل العباد في إيمانهم وطاعتهم
فَيَا هَذَا كُنْ عَبْدَ اللَّهِ لا عَبْدَ الهَوَى، فَإِنَّ الهَوَى يَهْوِي بِصَاحِبِهِ فِي النَّارِ، ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّار (٣٩)﴾ [يوسف]، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ.
وَاللَّه مَا يَنْجُو غَدًا مِنْ عَذَابِ اللَّه إِلَّا مَنْ حَقَّقَ عُبُودِيَّةَ اللَّهِ وَحْدَهُ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ مَعَهُ إِلى شَيْءٍ مِنَ الأَغْيَارِ.
مِنْ عَلِمَ أَنَّ إِلَهَهُ وَمَعبُودَهُ فَردٌ، فَلْيُفرِدهُ بِالعُبُودِيَّةِ، ولا يُشرِك بِعِبَادَةِ ربِّهِ أَحَدًا.
تقدم تقرير أن كلمةَ التوحيد «لا إله إلا اللَّه» مدلولها: أنَّ الإلهَ الحق هو اللَّه ﷾، وأنَّه وحدَه المستحقُّ للعبادة، فهو سبحانه الذي يستحق أن يُؤلَه -يعني: يُعْبَد- وحده لا شريك له، فيُعْبَدُ خوفًا ورجاءً وتوكُّلًا ورغبةً ورهبةً واستعانَةً، وكلُّ أنواع العبادة الظاهرة والباطنة هو المستحق لها سبحانه دون من سواه.
وهذه الأعمال يتفاضل فيها الناس؛ فإنَّ الإيمان يزيد وينقص، فأعمال القلوب وأعمال الجوارح تزيدُ وتنقصُ تَبَعًا لذلك، ولذلك كان الناس أصنافًا؛ فمنهم السابقون بالخيرات، ومنهم المقتصدون، ومنهم الظالمون لأنفسهم، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣٢].
[ ٩٢ ]
إذًا؛ فالعِبَادُ متفاضلون في إيمانهم وفي طاعتهم وفي سائر أنواع العبادة تفاضلًا لا يعلم مداه إلا اللَّه الذي يعلم ما في القلوب، ويعلم ما يُسِرُّه العِبَادُ وما يُعلِنُون.
وأيضًا فهناك الذنوبُ التي تُنْقِصُ التوحيدَ والإيمانَ، ولهذا جاء في بعض النصوص -كما تقدَّم- تسميةُ بعض الذنوب «كُفْرًا»، وفي بعضها «شِرْكًا»، فكما أنَّ شُعبَ الإيمانِ إيمانٌ فإنَّ شُعَبَ الكُفْرِ كُفْرٌ، بمعنى أنها من الكفر، كما قال ﷺ: «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ» (^١)، و«سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» (^٢).
ومعنى ذلك: أنَّ الذي يَنْقُصُ تحقيقُه لمدلول هذه الكلمة العظيمة «لا إله إلا اللَّه» يكون قد شَابَهُ من الشِّرْكِ بقدر ما معه من المخالفة، ومن ذلك ما جاء في الحديث الصحيح: «تَعِسَ عبدُ الدينار، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ …» (^٣)، فإذا أفرط الإنسان في المحبَّة الطبيعية خرج إلى نوع من الشرك.
وقد قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ﴾ [التوبة: ٢٤]، فهذه
_________________
(١) تقدَّم تخريجه ص ٨٨.
(٢) متفقٌ عليه من حديثِ عبدِ اللَّه بنِ مَسعُودٍ ﵁، البخاري رقم (٤٨)، ومسلم رقم (٦٤).
(٣) تقدَّم تخريجه ص ٨٥.
[ ٩٣ ]
اتباع الهوى أصل الشرك بنوعيه
طاعة الشيطان في معصية الله نوع عبادة له
أصل المشركين صنفان: قوم نوح، وقوم إبراهيم، وبيان أصل شركهم (ح)
آية المحبوبات الثمانية، وإيثار هذه المحبوبات قد يصل إلى الكفر، وقد يكون دون ذلك، فكثيرٌ من الكفار تركوا الإيمان باللَّه ورسوله إيثارًا للوطن والعشيرة والأهل، وموافقةً لهم، ومنهم من يؤثر هذه المحبوبات في المعصية، فيؤثر طاعتهم في معصية اللَّه، ويقدِّم ما أحَبُّوا على ما أوجب اللَّه ﷾، وهكذا.
وقد تقدَّم أنَّ اتباع الهوى هو أصل الشرك بنوعيه الأصغر والأكبر، كما قال تعالى عن المشركين: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ﴾ [النجم: ٢٣].
بعد هذا كله يقول المؤلِّف ﵀: (وَيَدُلُّ عَلَيهِ أَيضًا أَنَّ اَللَّه تَعَالى سَمَّى طَاعَةَ اَلشَّيطَانِ في مَعصِيَته عِبَادَةً لِلشَّيْطَانِ)، فسمى اللَّه طاعة الشيطان عبادة، وكل معصية للَّه هي طاعة للشيطان، ولكن هناك من الخَلْق مَنْ عَبَدَ الشيطانَ عبادةً صار بها كافرًا مشركًا؛ كعُبَّاد الأوثان، فإنهم -في الحقيقة- عابِدُون للشيطان، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن أصل الشرك كُلِّه من عبادة الملائكة والأنبياء والصالحين والأصنام والأحبار والرُّهبَان وغير ذلك = هو عِبَادةُ الشَّيطَان (^١)، قال تعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُون (٥٩)
_________________
(١) يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في رسالته «قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة» وهي ضمن «مجموع الفتاوى» (١/ ١٥٧): «والمشركون الذين وَصَفَهم اللَّه ورسولُه ب «الشرك» أصلُهم صنفان: قومُ نوحٍ، وقومُ إبراهيمَ. فقومُ نوحٍ كان أصلُ شركِهِم العكوفُ على قبورِ الصَّالِحِينَ، ثم صَوَّرُوا تماثِيلَهم، ثم عَبَدُوهم. وقومُ إبراهيمَ كان أصلُ شركِهِم عبادةُ الكواكِبِ والشَّمْسِ والقَمَر. وكلٌّ مِنْ هؤلاء وهؤلاء يعبدونَ الجِنَّ، فإنَّ الشَّيَاطِين قد تُخَاطِبُهُم وتُعِيْنُهم على أشياء، وقد يَعتَقِدُونَ أنَّهم يعبدونَ الملائكةَ وإن كانوا في الحقيقة إنَّما يعبدونَ الجِنَّ؛ فإنَّ الجِنَّ هم الذين يُعِينُونَهم ويَرضَون بِشِرْكِهم. قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاء إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُون (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِمْ مُّؤْمِنُون (٤١)﴾ [سبأ]». وينظر أيضًا: «مجموع الفتاوى» (١٧/ ٤٦٠).
[ ٩٤ ]
أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِين (٦٠)﴾ [يس]، فهؤلاء المجرمون إنما عبدوا الشيطان بطاعته، فإنَّ أكثرَ الأُمَمِ في الواقع لا تقصد عبادة الشيطان، وإنما عَبَدَت الشيطانَ بطاعته.
وقال إبراهيم ﵇: ﴿يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤)﴾ [مريم].
فعلم بهذا أنَّ طاعةَ الشيطانِ هي نوعُ عبادةٍ له، وهي تختلف كما ذكرتُ.
إذًا؛ فالتألُّه للَّه والتعبُّد له يقتضي طاعتَه ومحبتَه وخوفَه ورجاءَه وإفرادَه بذلك.
وعلى هذا؛ فعبدُ اللَّه على الحقيقة هو الذي يُفرِدُ ربَّه بالطاعة، ولا يطيع إلا مَنْ أمره اللَّه بطاعته من الرُّسُلِ، كما قال تعالى: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، ويقول نوح ﵇ لقومه: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُون (٣)﴾ [نوح]، وكلُّ مَنْ أمر اللَّهُ بطاعتِه، فطاعتُه هي طاعةٌ للَّه، في حدودِ ما أمر اللَّه به من طَاعته.
فالعبوديةُ تقتضي كمالَ الطاعةِ، وكمالَ الحبِّ والذُّلِّ والإجلالِ، وما يتبع ذلك من الخوف والرجاء والتوكل، فيجب إفراد اللَّه ﷾ بكل أنواع العبادة الظاهرة والباطنة، ولا يحقق هذا المقام إلا الذين استثناهم اللَّه بقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]، وقال ﷾ عن إبليس: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِين (٨٢) إِلاَّ عِبَادَكَ
[ ٩٥ ]
مِنْهُمُ الْمُخْلَصِين (٨٣)﴾ [ص]، وفي قراءةٍ سَبعِيَّةٍ (^١): ﴿الْمُخْلِصِين﴾ بكسر اللام، فهم مخلِصون للَّه في أعمالهم، وهم أيضًا عبادُ اللَّه المخلَصون، فليس فيهم عبودية لغيره سبحانه، وهذا يَصْدُقُ على الأنبياء والمرسلين والصديقين والشهداء والصالحين، فهم مخلِصُون للَّه في أعمالهم وأقوالهم الظاهرة، ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّين (٢)﴾ [الزمر]، و﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ١٤، ١٥].
أما من يتبع هواه فيما يخالف هدى اللَّه فليس بمخْلِصٍ ولا مُخْلَصٍ، ولو كان عنده شيءٌ من أصل العبودية للَّه.
فالعبودية للَّه المتضمنة لمحبته وتعظيمِه وطاعتِه الناسُ فيها على مراتب، فأكمل الخلق عبودية للَّه هو الرسول ﷺ، وهو مقامٌ شريفٌ شرَّفه اللَّه به، ونوَّه بوصفه بالعبودية في مواضع، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣]، وقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١]، وقال: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: ١٩]، وقال تعالى عن نوح ﵇: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣)﴾ [الإسراء]، وقال: ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا﴾ [القمر: ٩].
فالعبودية هنا هي عبوديةٌ خاصَّةٌ، فالرُّسُلُ والأنبياءُ والصدِّيقُون على اختلاف مراتِبِهم هم الذين حقَّقُوا العبودية للَّه، فحَقَّقُوا التوحيد، وأخلصوا الدين للَّه، فلم تُزَاحم محبةَ اللَّه في قلوبهم محبةُ غيرِه، وسيأتي مزيد كلام في المحبة فيما يأتي.
_________________
(١) وهي قراءة ابن كثير المكي وأبي عمرو البصري وابن عامر الشامي.
[ ٩٦ ]
اسم «العارف» ليس من الأسماء الشرعية، وبيان معناه عند الصوفية
* قال ابنُ رجبٍ ﵀:
كَانَ بَعْضُ العَارِفِينَ (^١) يَتَكَلَّمُ عَلَى أَصْحَابِه، عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ، فَقَالَ فِي كَلامِهِ: لا يَنَالُ أَحَدٌ مُرَادَهُ حَتَّى يَنْفَرِدَ فَرْدًا بِفَرْدٍ، فَانْزَعَجَ وَاضْطَرَبَ، حَتَّى رَأَى أَصْحَابُهُ أَنَّ الصُّخُورَ قَدْ تَدَكْدَكَتْ، وَبَقِيَ عَلَى ذَلِكَ سَاعَاتٍ، فَلَمَّا أَفَاقَ فَكَأَنَّه (^٢) نُشِرَ مِنْ قَبْرٍ (^٣).
هذا الأثر مما يُنقَل عن بعض الصوفية، فهم الذين يتلَقَّبُون بهذه الألفاظ: «العارف».
واسم «العارف» ليس من الأسماء الشرعية التي مِنْ مثل: «المؤمن»، «التقي»، «الصالح»، «الصدِّيق».
نعم، المعرفة مطلوبة وهي العلم، واللَّه قد أمر بالعلم والتزَوُّدِ منه فقال آمِرًا نبيَّه ﷺ: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾ [طه]، لكنَّ اسمَ «العارف»
_________________
(١) هو: أبو عبد اللَّه محمد بن إسماعيل المغربي، أحد أعيان الصوفية الزهَّاد، (ت ٢٧٦ هـ). انظر ترجمته في: «طبقات الصوفية» (ص ١٩٤)، و«حلية الأولياء» (١٠/ ٣٣٥).
(٢) في نسخة (ب): «فكأَنَّمَا».
(٣) أخرج القصة: ابن الجوزي في «القُصَّاص والمذَكِّرين» (ص ٢٨٢)، وفي تاريخه «المنتَظَم» (٦/ ١١٣).
[ ٩٧ ]
مصطلح «المريد»، و«الفناء»، و«الاصطلام»، و«الجمعية» عند الصوفية، وبيان معانيها
أصبح مصطلحًا عند الصوفية يَعنُونَ به: المحقِّق لمقامات السَّيرِ إلى اللَّه وجَمْعِ القلبِ إليه (^١).
وللصوفية مصطلحات كثيرة، فتلميذ الشيخ الذي يتلقَّى منه التربية في السلوك والعبادة والأعمال يسمونه «المريد»، ولهم أيضًا مصطلحات بدعية فيما يُشْرَع -بزعمهم- للسَّالِكِ؛ كمصطلح «الفَنَاء» (^٢)، و«الاصْطِلَام» (^٣)، و«الجَمْعِيَّة» (^٤) إلى غير ذلك.
_________________
(١) ينظر: «الرسالة القشيرية» [باب المعرفة باللَّه] (ص ٥١٠ - ٥١٦). وعند الصوفية أن المعرفة فوق العلم، ولذا فرَّقوا بين العالِم والعارف، فجعلوا العارف في منزلة فوق العالِم، ومن أقوالهم في ذلك: «العالِم ينظر بنور اللَّه، والعارِف ينظر باللَّه ﷿، وقلب العالِم يطمئن بالذكر، ولا يطمئن العارف بسوى اللَّه ﷿، والعارِف يقول: حدَّثني قلبي عن ربي، والعالِم يقول: حدَّثني فلانٌ عن فلان»، ومن هذا يظهر لك أن تفريقهم بين المعرفة والعلم مبنيٌّ على أصولٍ فاسدةٍ عندهم.
(٢) «الفناء» من المقامات العالية عند الصوفية، من بلغها صار -عندهم- من الأولياء المقرَّبين. وقد اختلفت عباراتهم في تعريفه، كل بحسب مسلَكِه ومعتَقَدِه، وقد بَيَّن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في «مجموع الفتاوى» في مواضع، منها: (٢/ ٣١٣ - ٣١٤) و(١٠/ ٣٣٧ - ٣٤٣)، وانظر أيضًا: «العقيدة التدمرية وشرحها» للشارح حفظه اللهُ (ص ٥٩٠ - ٥٩٤).
(٣) «الاصطلام» -عندهم-: هو وَلَهٌ يَرِدُ على القلب فيَسكُنُ تحتَ سُلطَانِه. ينظر: «لطائف الأعلام في إشارات أهل الإلهام» (ص ١٨٥)، و«اصطلاحات الصوفية» (ص ٥٥) كلاهما للقاشاني، و«معجم مصطلحات الصوفية» للحفني (ص ١٧).
(٤) «الجمعية» -عندهم-: هي اجتماع الهَمِّ في التوَجُّه إلى اللَّه تعالى، والاشتغال به عمَّا سِوَاه. ينظر: «اصطلاحات الصوفية» للقاشاني (ص ٦٧)، و«معجم مصطلحات الصوفية» للحفني (ص ٦٧). وانظر أيضًا كلامًا للعلامة ابن القيم حول هذا المصطلح في: «مدارج السالكين» (١/ ٨٦).
[ ٩٨ ]
قول أحد العارفين: «لا ينال أحد مراده حتى ينفرد فردا بفرد» وتعليق الشارح عليه
تعريف الجنيد ل «التوحيد»، وتعليق ابن القيم عليه
وهذه القصة التي أوردها المؤلِّف ﵀ في هذا المقام إنما أوردها للاستشهاد بها، ولا بأس من الاستشهاد في بعض الأمور التي يُقصَدُ منها تقريرُ أمرٍ صَحِيحٍ.
وقول هذا العارف: (لا ينال أحدٌ مرادَه حتى ينفرد فَرْدًا بِفَرْدٍ) هذا من عباراتهم، وقد نقل ابن القيم في «مدارج السالكين» عن بعض شيوخ الصوفية -وهو الجُنَيْد ﵀ أنه قال في تعريف «التوحيد»: (هو إِفْرَادُ القَدِيمِ عن المحدَث) (^١).
_________________
(١) قال ابن القيم في «مدارج السالكين» (٣/ ٤٤٤ - ٤٤٦) معلِّقًا على كلمة ابن الجنيد هذه: «وهذا الإفراد الذي أشار إليه الجنيد نوعان: أحدهما: إفرادٌ في الاعتقاد والخبر، وذلك نوعان أيضًا: أحدهما: إثباتُ مباينة الرب تعالى للمخلوقات، وعُلوِّه فوق عرشه من فوق سبع سموات. والثاني: إفرادُه سبحانه بصفات كماله، وإثباتُها له على وجه التفصيل كما أثبتها لنفسه وأثبتها له رسلُه منزَّهةً عن التعطيل والتحريف والتكييف والتمثيل. وفي هذا النوع يكون إفراده سبحانه بعموم قضائه وقدره لجميع المخلوقات -أعيانها وصفاتها وأفعالها- وأنها كلها واقعةٌ بمشيئته وقدرته وعلمه وحكمته. فيباين صاحبُ هذا الإفراد سائرَ فرق أهل الباطل من الاتحادية، والحلولية، والجهمية الفرعونية الذين يقولون: ليس فوق السموات ربٌّ يُعبد، ولا على العرش إلهٌ يُصلى له ويُسجد، والقدرية الذين يقولون: إن اللَّه لا يَقْدِر على أفعال العباد من الملائكةِ والإنسِ والجنِّ، ولا على أفعال سائر الحيوانات، بل يقع في ملكه ما لا يريد، ويريد ما لا يكون. والنوع الثاني من الإفراد: إفراد القديم عن المحدَث بالعبادة من التألُّه والحبِّ والخوف والرَّجاء والتعظيم والإنابة والتوكُلِّ والاستعانة وابتغاء الوسيلة إليه. فهذا الإفراد وذلك الإفراد بهما بُعِثَت الرُّسُلُ، وأُنزِلَت الكتبُ، وشُرِعت الشَّرائع، ولأجل ذلك خُلقت السموات والأرض، والجنَّة والنَّار، وقام سوق الثواب والعقاب، فيُفرَد القديمُ سبحانه عن المحدَث في ذاتِه وصفاتِه وأفعالِه، وفي إرادتِه وحدَه ومحبتِه وخوفِه ورجائِه، والتوكُّل عليه، والاستعانة والحلف به، والنذر له، والتوبة إليه، والسجود له، والتعظيم والإجلال وتوابع ذلك، ولذلك كانت عبارةُ الجنيد عن التوحيد عبارةً سادَّةً مُسَدَّدةً». وانظر أيضًا: «الاستقامة» لابن تيمية (١/ ٩٢ - ٩٣).
[ ٩٩ ]
إطلاق «الفرد» على الله ﷿
فقوله: (لا ينالُ أحدٌ)؛ يعني: لا ينال أحدٌ من العُبَّاد والسالكين والسائرين إلى اللَّه ﷿ (مرادَه)؛ أي: مرادَه من اللَّه تعالى من المحبة والمنزلة عنده.
وقوله: (حتى ينفرد فَرْدًا بِفَرْدٍ)؛ أي: حتى ينفرد العبدُ حال كونه فردًا بعزمه وصدق إرادته (بفردٍ) وهو اللَّه ﷿.
وإطلاق «الفَرْدِ» على اللَّه ﷿ معناه صحيحٌ، فاللَّه تعالى فَرْدٌ، لكن الذي ورد في أسمائه «الأحد» و«الواحد»، وأما «الفَرْد» فلا أعرف أنَّه قد ورد في شيءٍ من النُّصوص (^١)، لكن معناه صحيح، وكثيرًا ما يجري على لسان بعض أهل العلم أنه ﷾ أَحَدٌ فَرْدٌ صَمَدٌ؛ يعني: أَحَدٌ وَاحِدٌ؛ لأنَّ «الفَرْدَ» بمعنى الواحد.
فقوله: (حتى ينفرد فَرْدًا بِفَرْدٍ)؛ يعني: حتى ينفرد العبدُ بالواحدِ الأحدِ بحيث لا يكون له تعلُّقٌ إلا به سبحانه.
_________________
(١) نعم لم يرد ذكره في نصٍّ صحيحٍ، وقد ورد في حديثٍ ضعيفٍ جدًّا، أخرجه ابن أبي الدنيا في «الشكر» رقم (١٥٥) -ومن طريقه: البيهقي في «الأسماء والصفات» رقم (١٦٠) -.
[ ١٠٠ ]
تعليق الشارح على مسألة «الغشي والصعق» التي تحدث لبعض العباد
وفي هذا المعنى يقول ابن القيم ﵀ في «النونية» (^١):
فَلِوَاحِدٍ كُنْ وَاحِدًا في وَاحِدٍ … أَعْنِي سَبِيلَ الحَقِّ وَالإِيْمَانِ
فقوله: (فلِوَاحِدٍ كُنْ وَاحِدًا)؛ يعني: كن عبدًا للَّهِ الواحدِ، لا تكن عبدًا لغيره.
وقوله: (في وَاحِدٍ)؛ يعني: في الطريق، فإنَّ طريقَ الحقِّ وَاحِدٌ.
وكأنَّ قوله: (حتى ينفرد فردًا بفردٍ) يشير به إلى مقام «الفناء» عند الصوفية، وهو أن يغيب بمشهودِه عن شهودِه، وبمعروفِه عن معرفَتِه، وبمذكورِه عن ذِكرِه، وليس هذا المقام من مقامات الدِّين التي جاء بها الرسولُ ﷺ، فضلًا عن أن يكون أعلى مقامات الدين أو يكون من لوازم طريق اللَّه، كما حقَّق ذلك وحرَّره شيخُ الإسلام ابن تيمية ﵀ (^٢).
ثم ذكر المؤلِّف في آخر القصة أنَّ هذا العارف لما قال هذه المقالة غُشِيَ عليه وصُعِقَ، وهذا يحدث لبعض الصوفية.
ومسألة «الغَشْي والصَّعْقُ» فيها كلامٌ معروفٌ لشيخ الإسلام ابنِ تيمية وغيرِه (^٣)، وهو أنَّ الغَشْيَ ليس بمشروعٍ، لكن الإنسان إذا غَلَبَه الصَّعْقُ والغَشْي فإنَّه يكونُ حينئذٍ معذورًا، ولم يُعرَف الصَّعْقُ والغَشْي
_________________
(١) (٢/ ٧٥٠، بيت رقم ٣٤٨٢).
(٢) ينظر: «مجموع الفتاوى» (١٠/ ٢٢١ - ٢٢٣)، و«طريق الهجرتين» لتلميذه ابن القيم (ص ٢٦١).
(٣) ينظر: «مجموع الفتاوى» (١١/ ٧ - ١٤) و(١٠/ ٣٤٨ - ٣٥٣) و(٢٢/ ٥٢٢)، و«جامع المسائل» (٥/ ٢٣٣).
[ ١٠١ ]
من حال الرُّسل والأنبياء والكُمَّل من عباد اللَّه، إنما عُرِفَ عن بعض العُبَّاد السُّلَّاك.
فغاية الأمر أن يكونوا معذورين في ذلك، لا أنَّ الصَّعْقَ والغَشْي أمرٌ ممدوحٌ لذاته؛ بحيث يكون مَنْ يحصل له ذلك أفضل ممن لا يحصل له، هذا لا يصح.
وكأن المؤلِّف ﵀ كان عنده نزعةُ تصَوُّفٍ، ولهذا تراه يستشهد ببعض أقوال الصوفية وأشعارهم، كما سيأتي.
* * *
[ ١٠٢ ]
من تمام محبة الله: محبة ما يحبه وكراهة ما يكرهه
* قال ابنُ رجبٍ ﵀:
قَولُهُ: «لا إِلَهَ إِلَّا اللَّه» تَقتَضِي أَلَّا يُحِبَّ سِوَاهُ، فَإِنَّ الإِلَهَ هُوَ الَّذِي يُطَاعُ، مَحَبَّةً وَخَوفًا وَرَجَاءً.
وَمِنْ تَمَامِ مَحَبَّتِهِ مَحَبَّةُ مَا يُحِبُّهُ، وَكَرَاهَةُ مَا يَكرَهُهُ، فَمَنْ أَحَبَّ شَيئًا مِمَّا يَكرَهُ اللَّهُ، أَوْ كَرِهَ شَيئًا مِمَّا يُحِبُّهُ اللَّهُ لَم يَكمُل تَوحِيدُهُ وَلا صِدْقُهُ في قَولِ: «لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»، وَكَانَ فِيهِ مِنْ الشِّركِ الخَفِيِّ بِحَسبِ مَا كَرِهَهُ مِمَّا يُحِبُّهُ اللَّهُ، وَمَا أَحَبَّهُ مِمَّا يَكرَهُهُ، قَالَ تَعَالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُم (٢٨)﴾ [محمد].
قَالَ اللَّيثُ عَنْ مُجَاهِدٍ في قَولِهِ تَعَالى: ﴿لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥]، قَالَ: لا يُحِبُّونَ (^١) غَيرِي (^٢).
وفي «صَحِيحِ الحَاكِمِ» عن عائِشةَ ﵂، عن النَّبِيِّ ﷺ: أنَّه قال: «الشِّركُ (^٣) أَخفَى مِنْ دَبِيبِ الذَّرِّ عَلَى الصَّفَا فِي اللَّيلَةِ الظَّلمَاءِ،
_________________
(١) وقع في نسخة الأصل: «لا يُحِبُّوا» بحذف النون على الجزم، والمثبت من نسخة (ب) وبقية مصادر التخريج، وهو الصواب لغة، فإن «لا» نافية وليست ناهية.
(٢) قول مجاهدٍ هذا لم أقف عليه في شيءٍ من كتب التفاسير المسنَدَة، ووجدتُه عند أبي نعيم في «حلية الأولياء» (٣/ ٢٩٦)، بينما أخرج ابنُ جريرٍ (١٩/ ٢١٠) وغيرُه من طريق الليث عن مجاهدٍ أنَّه قال في تفسيرها: «لا يخافون غيري»، فإن كان هذا الاختلافُ عن مجاهدٍ محفوظًا فيكون له في تفسير الآية قولان، وتفسيرها بنفي الخوف قد ورد عن ابنِ عبَّاس أيضًا، وانظر -في توجيه تفسيرها بذلك- «روحَ المعاني» لأبي الثناء الألوسي (٩/ ٣٩٤).
(٣) وقع في نسخة (ب) هنا زيادة: [في هَذِهِ الأُمَّة]، ولم أجد هذه الزيادة في المطبوع من «مستدرك الحاكم».
[ ١٠٣ ]
وأَدنَاهُ أَنْ تُحِبَّ عَلَى شَيءٍ مِنَ الجَورِ، أَوْ تُبغِضَ عَلَى شَيءٍ مِنْ العَدلِ، وَهَل الدِّينُ إِلا الحُبُّ وَالبُغضُ؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]» (^١).
وَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ مَحَبَّةَ مَا يَكرَهُهُ اللَّهُ وَبُغضَ مَا يُحِبُّهُ مُتَابَعَةً لِلهَوَى، وَالمُوَلاةَ عَلَى ذَلِكَ وَالمُعَادَاةَ عَلَيهِ مِنْ الشِّركِ الخَفِيِّ.
وقَالَ الحَسَنُ: اعلَم أَنَّكَ لَنْ تُحِبَّ اللَّهَ حَتَّى تُحِبَّ طَاعَتَهُ (^٢).
وَسُئِلَ ذُو النُّونِ [المِصْرِيُّ]: مَتَى أُحِبُّ رَبِّي؟ قَالَ: إِذَا كَانَ مَا يُبغِضُهُ عِنْدَكَ أَمَرَّ مِنْ الصَّبِر (^٣).
وَقَالَ بِشرُ بنُ السَّرِيِّ: لَيسَ مِنْ أَعلامِ الحُبِّ أَنْ تُحِبَّ مَا يُبغِضُهُ حَبِيبُكَ (^٤).
وَقَالَ أَبُو يَعقُوبَ النَّهرَجُورِي: كُلُّ مَنْ ادَّعَى مَحَبَّةَ اللَّهِ وَلَم يُوَافِق اللَّهَ في أَمرِهِ فَدَعوَاهُ بَاطِلٌ (^٥).
وَقَالَ يَحيَى بنُ مُعَاذٍ: لَيسَ بِصَادِقٍ مَنْ ادَّعَى مَحَبَّةَ اللَّهِ، وَلَم يَحفَظ حُدُودَهُ (^٦).
_________________
(١) أخرجه البزار في «مسنده» -كما في «كشف الأستار» رقم (٣٥٦٦) -، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (٢/ ٦٣٢)، والعقيلي في «الضعفاء» رقم (٣٥٣٨)، والحاكم في «المستدرك» (٢/ ٢٩١) وغيرُهم، وهو «حديثٌ منكرٌ» كما قاله أبو زرعة والعُقَيلي، وقال الدارقطني: «ليس بثابت».
(٢) لم أجده، وقد ذكره المولِّف في كتابه الآخر «جامع العلوم والحِكَم» (١/ ٢١٢).
(٣) أخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (٩/ ٣٦٣ و٣٩٢). و«الصَّبِرُ» -ك «كَتِف» -: عُصَارَةُ شَجَرٍ مُرٍّ. [«القاموس المحيط» (مادة: صَبَرَ)].
(٤) أخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (٨/ ٣٠٠)، وأخرجه أيضًا في (٨/ ٢٤) من قول إبراهيمَ بنِ أدهم ﵀.
(٥) لم أجده، وقد ذكره المولِّف في «جامع العلوم والحِكَم» (١/ ٢١٣) و(٢/ ٣٩٧).
(٦) ذكره القُشَيري في «الرسالة القُشَيرِيَّة» (ص ٥٢٣).
[ ١٠٤ ]
محبة الله مستلزمة لمحبة رسوله ﷺ وتصديقه ومتابعته
وَقَالَ رُوَيمٌ: المَحَبَّةُ المُوَافَقَةُ في جَمِيعِ الأَحوَالِ، وَأَنشَدَ:
ولو قلتَ لي: مُتْ، مُتُّ سمعًا وَطَاعَةً
وقُلتُ لداعي الموتِ: أهلًا ومَرْحَبًا (^١)
وَيَشهَدُ لِهَذَا المَعنَى أَيضًا قَولُهُ تَعَالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، قَالَ الحَسَنُ: قَالَ أَصحَابُ النَّبِيِّ ﷺ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نُحِبُّ رَبَّنَا حُبًّا شَدِيدًا؛ فَأَحَبَّ اللَّهُ أَنْ يَجعَلَ لِحُبِّهِ عَلَمًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ (^٢).
وَمِنْ هُنَا يُعلَمُ أَنَّهُ لا تَتِمُّ شَهَادَةُ «ألَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» إِلَّا بِشَهَادَةِ «أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّه»، فَإِنَّهُ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ لا تَتِمُّ مَحَبَّةُ اللَّهِ إِلَّا بِمَحَبَّةِ مَا يُحِبُّهُ وَكَرَاهَةِ مَا يَكرَهُهُ، فَلا طَرِيقَ إِلَى مَعرِفَةِ مَا يُحِبُّهُ وَمَا يَكرَهُهُ إِلَّا مِنْ جِهَةِ مُحَمَّدٍ المُبَلِّغِ عَنْ اللَّهِ مَا يُحِبُّهُ وَمَا يَكرَهُهُ (^٣)، فَصَارَت مَحَبَّةُ اللَّهِ مُسْتَلْزِمَةً لِمَحَبَّةِ رَسُولِهِ ﷺ وَتَصدِيقِهِ وَمُتَابَعَتِهِ.
وَلِهَذَا قَرَنَ اللَّهُ بَيْنَ مَحَبَّتِهِ وَمَحَبَّةِ رَسُولِهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُم مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٢٤]، كَمَا قَرَنَ بَينَ طَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ ﷺ في مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ.
_________________
(١) أخرجه أبو عبد الرحمن السُّلَمي في «طبقات الصوفية» (ص ١٥٠)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (١٠/ ٣٠١).
(٢) أخرجه ابن جرير في «تفسيره» (٦/ ٣٢٢)، وابن المنذر في «تفسيره» (١/ ١٦٩).
(٣) قوله: [إلَّا مِنْ جِهَةِ مُحَمَّدٍ المُبَلِّغِ عَنْ اللَّه مَا يُحِبُّهُ وَمَا يَكرَهُهُ] لم ترد في نسخة (ب)، وورد مكانها: [إلَّا بِاتِّبَاعِ مَا أَمَرَ بِهِ وَاجتِنَابِ مَا نَهَى عَنْهُ].
[ ١٠٥ ]
ذكر المؤلِّف ﵀ في هذه الجملة أنَّ قول: «لا إله إلا اللَّه» يتضمن محبة اللَّه، وهذا حقٌّ؛ فإنَّ معنى «لا إله إلا اللَّه»؛ أي: لا معبودَ بحقٍّ إلا اللَّه، فهو وحده سبحانه المستحقُّ للعبادة، وحقيقة «العبادة» كمالُ الحبِّ مع كمالِ الذُّل.
إذًا فقول: «لا إله إلا اللَّه» يقتضي أن يكون قائلُها محِبًّا للَّه، ومحِبًّا لما يُحِبُّه اللَّه، وهذا أمرٌ بَدَهِيٌّ، وهو مما فَطَرَ اللَّه عليه عِبَادَهُ، فإنَّ محبَّةَ الحَبِيبِ تقتضي محبَّةَ ما يُحِبُّه، بل وبُغْضَ ما يُبغِضُهُ.
بل إنَّ قولَ: «لا إله إلا اللَّه» كما أنَّه يقتضي محبَّة اللَّه فإنَّه يقتضي أيضًا خوفَه ورجاءَه، فلا بد إذًا من تصديق هذه الكلمة، وتصديقُها إنما هو بمحبة ما يُحِبُّه اللَّه وبُغْضِ ما يُبغِضُه، فبحسب ما يكون بالقلب من محبَّة اللَّه وصِدْقِ العبودية له تكون حال الإنسان في تعامله مع الأشياء، فيُحِبُّ ما يُحِبُّه اللَّه ويُبغِضُ ما يُبْغِضُهُ اللَّه.
وأما من عَكَسَ؛ فَأَحَبَّ ما يُبغِضُه اللَّه، أو أَبغَضَ ما يُحِبُّه اللَّه، كان ذلك مكذِّبًا لدَعْوَاهُ المحبَّة، أو دَالاًّ على نقصٍ فيما يدَّعِيه من المحبَّة.
ومعنى هذا أنَّ كمال التوحيد يقتضي محبَّة ما يحبُّه اللَّه، وبُغْضَ ما يُبغِضُه اللَّه؛ من الأعمال والأقوال والأشخاص.
فيقتضي محبة ما أمر اللَّه به ورسوله، وبغض ما نهى اللَّه عنه ورسوله، ويقتضي أيضًا محبة أولياء اللَّه، وبغض أعدائه.
[ ١٠٦ ]
قرن الله بين محبته ومحبة رسوله كما قرن بين طاعته وطاعة رسوله ﷺ في مواضع كثيرة
إذًا؛ فمن لم يتحقق بهذا فلا بد وأن يكون عنده نوعٌ من الشرك في المحبة، فمن أحبَّ شيئًا مما يبغضُه اللَّه أو كَرِهَ شيئًا مما يحبُّه لم يكن محقِّقًا لمحبَّة اللَّه؛ فإنَّ محبَّة اللَّه المطلقة التامَّة تقتضي محبَّة كل ما يحبه اللَّه وكل من يحبه اللَّه، وبغض كل ما يبغضه اللَّه وكل من يبغضه اللَّه.
ومن ذلك محبةُ الرسول ﷺ؛ فإنَّ محبةَ الرسول ﷺ هي من محبةِ اللَّه، ومحبةُ المؤمنين هي من محبةِ اللَّه، فهي فرعٌ وتَبَعٌ.
وقد قَرَنَ اللَّه محبةَ الرَّسول ﷺ بمحبتِه في كتابِه الكريم، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُم مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ﴾، وفي الحديث أيضًا: «ثلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الإِيمان: أن يَكُونَ اللَّه ورَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيهِ مِمَّا سِوَاهُمَا» (^١).
وكما قَرَنَ اللَّه بينَه وبينَ الرَّسُول ﷺ في المحبَّة قَرَنَ بينَه وبينَه في الطاعة أيضًا؛ فإن محبَّة الرسول ﷺ تقتضي طاعته طاعةً مطلقةً كطاعة اللَّه؛ لأن طاعة الرسول هي طاعةٌ للَّه؛ فإن الرسول لا يأمر إلا بطاعة اللَّه ولا ينهى إلا عن معصيته، أما غيره من الخلق فإنه قد يأمر بمعصية اللَّه، فلهذا قُيِّدَت طاعةُ المخلوقِ -غير الرسولِ ﷺ ب «المعروف» أو «بغير المعصية» كما في الحديث: «لا طاعة في المعصية، إنما الطاعة في المعروف» (^٢).
_________________
(١) متفقٌ عليه من حديث أنسٍ ﵁؛ البخاري رقم (١٦)، ومسلم رقم (٤٣).
(٢) متفقٌ عليه من حديث عليٍّ ﵁؛ البخاري رقم (٦٨٣٠)، ومسلم رقم (١٨٤٠).
[ ١٠٧ ]
«آية المحنة» وسبب تسميتها بذلك
شيوخ الصوفية المتقدمون الغالب عليهم الخير
وجوب العدل في الحكم على الطوائف والجماعات والأفراد
وتحقيق محبة الرسول ﷺ إنما هي بمتابعته، بل وتحقيق محبة اللَّه إنما هي بمتابعة الرسول ﷺ، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾، فاتِّبَاع الرَّسُول ﷺ هو البرهان، وقد جاء في تفسير هذه الآية -كما ذكر المؤلِّف- أن قومًا ادَّعَوا محبَّة اللَّه فامتحنهم بهذه الآية، ولذا سُمِّيَت هذه الآية ب «آية المِحْنَة».
ثم أورد المؤلِّف جملةً من أقوال بعض شيوخ الصوفية؛ كأبي يعقوب النَّهْرَجُورِي، وذي النُّون المِصْرِي، ورُوَيْم وغيرِهم، وهؤلاء من أعلام الصوفية، ولهم أقوالٌ جَيِّدَةٌ حَسَنَةٌ، وكثيرًا ما يستشهد بها شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم.
وشيوخ الصوفية المتقدِّمون الغالب عليهم الخير، وإن كان لهم أخطاء كغيرهم من الناس، فكل طائفة من أهل الدين من أرباب السلوك أو أرباب الفقه وغيرهم، كل من هؤلاء فيهم المعتدل والمستقيم، وفيهم من يكون عنده بعض الأخطاء في قوله أو في فعله، والواجب العدل في الحكم على الطوائف والجماعات وعلى الأفراد.
والمقصود: أنَّ المؤلِّف ﵀ يستشهد في هذه الرسالة وفي غيرها بأقوال أولئك الصوفية؛ لأنَّ عباراتهم الواردة في هذا صحيحةٌ، وأنَّ العنوانَ على صدقِ المحبة هو الطاعةُ والوقوفُ عند الحدود، ومحبةُ ما يُحِبُّه اللَّه، إلا أنَّ الأمر لا يقف عند حد المحبة، فالعبودية تتضمن المحبة والخوف والرجاء معًا ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧]، فلا بد أن تقوم العبادة على هذه الأصول.
[ ١٠٨ ]
من أغلاط الصوفية: مبالغتهم في تعظيم مقام المحبة، واستنقاصهم لمقام الرجاء والخوف
والصوفية -بعضُهم أو كثيرٌ منهم- يبالغون في تعظيم مقام المحبة، ولا يعظِّمون مقام الرَّجاء والخوف، بل ربما استنقصوا مقام الرَّجاء والخوف، وهذا من أغلاطهم، كما يروى عن بعضهم قوله: «أنا لا أعبد اللَّه حُبًّا ورَغبَةً في جنَّتِه ولا خَوفًا من نَارِه»؛ بمعنى: أنَّه لا يعبده إلا بدافع الحبِّ فقط، وهذا غلطٌ (^١)؛ فاللَّه تعالى أمر بخوفه ورجائه وأثنى على أوليائه بالخوف والرجاء، فقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِين (٩٠)﴾ [الأنبياء].
ولعل هذه المقدمة تنفع في ملاحظة ما سيأتي من استشهادات المؤلِّف ﵀ بعبارات بعض أعلام الصوفية، كما ذكره هنا، لكن جملةُ ما ذَكَرَه هنا أنَّ محبةَ اللَّه الصادقة تقتضي محبَّة ما يُحِبه وبُغضَ ما يُبغِضه، وأنَّ خلاف ذلك قادحٌ في المحبَّة بقدرِ ما يقع من تلك المخالفة، وهذا كلامٌ صحيحٌ، وحقٌ لا نزاع فيه.
* * *
_________________
(١) سيأتي قريبًا في كلام الشارح مزيدُ بسطٍ في نقد هذا المسلَك.
[ ١٠٩ ]
إذا تمكنت المحبة في القلب لم تنبعث الجوارح إلا إلى طاعة الرب سبحانه
* قال ابنُ رجبٍ ﵀:
وَقَالَ ﷺ: «ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكرَهَ أَنْ يَرجِعَ إلى الكُفرِ بَعدَ إِذْ أَنقَذَهُ اللَّهُ مِنهُ، كَمَا يَكرَهُ أَنْ يُلقَى في النَّارِ» (^١).
هَذِهِ حَالُ السَّحَرَةِ لَمَّا سَكَنَت المَحَبَّةُ قُلُوبَهُم، سَمَحُوا بِبَذلِ نُفُوسِهِم، [ف] قَالُوا لِفِرعَونَ: اقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ.
وَمَتَى تَمَكَّنَت المَحَبَّةُ فِي (^٢) القَلبِ لَم تَنبَعِث الجَوَارِحُ إِلَّا إِلى طَاعَةِ الرَّبِّ، وهَذَا هو مَعنَى الحدِيثِ الإِلَهِيِّ الَّذِي خَرَّجَهُ البُخَارِيُّ في «صَحِيحِه»، وَفِيهِ: «وَلا يَزَالُ عَبدِي يَتَقَرَّبُ إِليَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا» (^٣)، وَفِي بَعضِ الرِّوَايَات: «فَبِي يَسْمَعُ، وبِي يُبْصِرُ، وبِي يَبْطِشُ، وبِي يَمْشِي» (^٤)؛ وَالمعنَى: أنَّ مَحَبَّةَ اللَّه إِذَا استَغْرَقَ بِها القَلْبُ واسْتَولَت عَلَيهِ، لَمْ تَنْبَعِث الجَوَارِحُ
_________________
(١) متفقٌ عليه من حديث أنسٍ ﵁؛ البخاري رقم (١٦)، ومسلم رقم (٤٣).
(٢) في نسخة (ب): «من».
(٣) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة رقم (٦١٣٧).
(٤) لم أقف على هذه الرواية مسندةً رغم البحث، وقد ذكرها -من غير عزوٍ- شيخُ الإسلام ابن تيمية في مواضعَ كثيرةٍ من كتبِه، وكذلك تلميذُه ابنُ القيِّم، ولما خَرَّج العلامةُ الألبانيُّ أصلَ الحديث في «الصحيحة» (٤/ ١٩١) قال عن هذه الزيادة: «ولم أَرَ هذه الزيادة عند البخاري ولا عند غيره ممن ذكرنا من المخرِّجين»، وقد سبقه إلى هذا الحافظ الذهبي في «تاريخ الإسلام» (٥١/ ٣٦٣) فإنه لما أورد كلامًا لشيخ الإسلام ابن تيمية وفيه ذِكْرُ هذه الرواية، عقَّبَ عليها بقوله: «قلت: لم أجد هذه اللفظة «فبي يسمع وبي يبصر» … إلخ». ثم وجدتُ الحكيمَ الترمذيَّ قد ذَكَرَ هذه الرِّوَاية في «نوادر الأصول» (١/ ٢٦٥ و٤/ ٣٥)، وفي «الأمثال» (ص ١٣٣) ولكنه لم يَسُق إسنادَها أيضًا، واللَّه أعلم.
[ ١١٠ ]
حال خواص المحبين الصادقين
إِلَّا إِلى مَرَاضِي الرَّبِّ، وَصَارَت النَّفْسُ حِينَئِذٍ مُطْمَئِنَّةً، فَفَنِيَتْ بِإِرَادَةِ مَولَاهَا عَنْ مُرَادِهَا وَهَوَاهَا.
يا هَذَا! اعْبُد اللَّهَ لِمُرَادِهِ مِنْكَ لا لِمُرَادِكَ مِنهُ، فَمَنْ عَبَدَهُ لِمُرَادِهِ مِنهُ فَهو مِمَّنْ يَعبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ، إِنْ أَصَابَهُ خَيرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ، وإِن أَصَابَتهُ فتنةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجهِهِ خَسِرَ الدُّنيَا والآخِرَةَ.
وَمَتَى قَوِيتِ المعرِفَةُ والمحَبَّةُ لَمْ يُرِد صَاحِبُهَا إلَّا مَا يُرِيدُهُ مَولاهُ، وَفي بَعضِ الكُتُبِ السَّالِفَةِ: «مَنْ أَحَبَّ اللَّه لَمْ يَكُنْ شَيءٌ عِندَهُ آثَرُ مِنْ رِضَاهُ، وَمَنْ أَحَبَّ الَّدُنيَا لَمْ يَكُنْ شَيءٌ عِندَهُ آثَرُ مِنْ هَوَى نَفْسِهِ» (^١).
وَرَوَى ابنُ أبي الدُّنيَا بِإِسنَادِهِ عن الحَسَنِ، قَالَ: مَا نَظَرْتُ بِبَصَرِي، وَلَا نَطَقْتُ بِلِسَانِي، وَلَا بَطَشْتُ بِيَدِي، وَلَا نَهَضْتُ عَلَى قَدَمِي، حَتَّى أَنْظُرَ عَلَى طَاعَةٍ أو مَعصِيَةٍ، فَإِنْ كَانَتْ طَاعَةً تَقَدَّمْتُ، وَإِنْ كَانَتْ مَعْصِيَةً تَأَخَّرْتُ (^٢).
هَذَا حَالُ خَوَاصِّ المحِبِّينَ [الصَّادِقِينَ]، فَافْهَمُوا رَحِمَكُمُ اللَّه هَذَا؛ فَإنَّه مِنْ دَقَائِقِ أَسْرَارِ التَّوحِيدِ الغَامِضَة.
_________________
(١) لم أجده، وقد ذكره المؤلِّف في كتابه «جامع العلوم والحِكَم» (١/ ٢١٣) و(٢/ ٣٩٧).
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في «الورع» رقم (١٩٥).
[ ١١١ ]
وَإِلى هَذَا المقَامِ أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ في خُطْبَتِهِ لَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ، حَيثُ قَالَ: «أَحِبُّوا اللَّه مِنْ كُلِّ قُلُوبِكُمْ» وَقَدْ ذَكَرَهَا ابنُ إِسحَاقَ وغَيرُه (^١).
فَإِنَّ مَنْ امْتَلأَ قَلبُه مِنْ مَحَبَّةِ اللَّه لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَرَاغٌ لِشَيءٍ من إِرَادَاتِ النَّفْسِ وَالهَوَى، وَإِلى ذَلِكَ أَشَارَ القَائِلُ بِقَولِهِ (^٢):
أَرُوحُ وَقَدْ خَتَمتَ عَلَى فُؤادِي … بِحُبِّكَ أن يَحُلَّ بِهِ سِوَاكَ
فَلَو أَني استَطَعتُ غَضَضْتُ طَرْفِي … فَلَم أَنْظُرْ بِهِ حَتَّى أَرَاكَا
أُحِبُّكَ لا بِبَعْضِي بَلْ بِكُلِّي … وَإِنْ لَمْ يُبْقِ حُبُّكَ لي حِرَاكَا
وَفي الأَحْبَابِ مَخْصُوصٌ بِوَجْدٍ … وَآخَر يَدَّعِي مَعَهُ اشْتِرَاكَا
إِذَا اشْتَبَكَتْ (^٣) دُمُوعٌ في خُدُودٍ … تَبَيَّنَ مَنْ بَكَا مِمَّنْ تَبَاكَى
_________________
(١) أخرجها هنَّادٌ في «الزهد» رقم (٤٩٢)، والبيهقي في «دلائل النبوة» (٢/ ٥٢٥ - ٥٢٦) كلاهما من طريق محمد بن إسحاق بإسناده مرسلًا.
(٢) هذه الأبيات من قصيدة للمتنبي يمدح بها أبا شجاعِ عَضُد الدَّولة، مطلعها: فِدًى لكَ مَنْ يُقَصِّرُ عَنْ مَدَاكَا … فَلَا مَلِكٌ إِذَنْ إِلَّا فِدَاكَا ولم أر البيتين -الثالث والسادس- من ضمن أبيات القصيدة، فلعلهما في رواية أخرى لها. ينظر: «ديوان المتنبي بشرح أبي البقاء» (٢/ ٣٨٥ وما بعدها)، و«شرح ديوان المتنبي» للبرقوقي (٣/ ١٢٣ وما بعدها).
(٣) وقع في نسخة (ب): «اسْتَكَبَت».
[ ١١٢ ]
قولهم: «القلب بيت الرب»، وبيان معناه
فَأَمَّا مَنْ بَكَى فَيَذُوبُ وَجْدًا … وَيَنْطِقُ بِالهَوَى مَنْ قَدْ تَشَاكَا
مَتَى بَقِيَ لِلمُحِبِّ مِنْ نَفْسِهِ حَظٌّ فَمَا بِيَدِهِ من المَحَبَّةِ إِلَّا الدَّعْوَى، إِنَّمَا المُحِبُّ مَنْ يَفْنَى عَنْ [هوى] نَفْسِهِ كُلِّهِ، وَيَبْقَى بِحَبِيبِهِ، فَبِي يَسْمَعُ، وَبِي يُبْصِرُ.
القَلبُ بَيتُ الرَّبِّ، وفي الإِسرَائِيلِيَّات يَقُولُ اللَّه: «مَا وَسِعَنِي سَمَائِي وَلا أَرْضِي، وَلَكِن وَسِعَنِي قَلْبُ عَبدِي المُؤمِن» (^١).
فَمَتَى كَانَ القَلبُ فِيهِ غَير اللَّه، فَاللَّه أَغنَى الأَغْنِيَاءِ عَنْ الشِّرْكِ، وَهو لَا يَرْضَى بِمُزَاحَمَةِ أَصْنَامِ الهَوَى، الحقُّ تَعَالَى غَيُورٌ، يَغَارُ عَلَى عَبدِهِ المُؤمِن أَنْ يَسْكُنَ في قَلْبِهِ سِوَاهُ، وأَن يَكُونَ فِيهِ شَيءٌ لا يَرْضَاهُ.
أَرَدْنَاكُمُ صِرْفًا فَلَمَّا مَزَجْتُمُ … بَعُدْتُمْ بِمِقْدَارِ التِفَاتِكُمْ عَنَّا
وَقُلْنَا لَكُمْ لا تُسْكِنُوا القَلبَ غَيرَنَا … فَأَسْكَنْتُمُ الأَغْيَارَ مَا أَنْتمُ مِنَّا (^٢)
_________________
(١) سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذا الأثر -كما في «مجموع الفتاوى» (١٨/ ٣٧٠) - فقال: «هذا ما ذَكَرُوهُ في الإسرائيليات ليسَ لَهُ إسنَادٌ مَعرُوفٌ عن النَّبِيِّ ﷺ، ومعنَاهُ: وَسِعَ قَلبُهُ مَحَبَّتِي ومَعرِفَتِي، وما يُروَى: «القَلبُ بَيتُ الرَّبِّ» هذا مِنْ جِنسِ الأَوَّلِ، فإِنَّ القَلبَ بَيتُ الإِيمَانِ بِاللَّهِ تَعَالَى ومَعرِفَتِهِ ومَحَبَّتِهِ ». وقال عنه العراقي في «تخريج أحاديث الإحياء» (٣/ ١٥): «لم أَرَ لَهُ أصلًا».
(٢) هذان البيتان ذكرهما ابن الجوزي في «المدهش» (ص ٣٢٦)، ولم ينسبهما لأحد. وقد ذكر بهاء الدين العاملي في «الكشكول» (١/ ١٢٣): أن أبا بكر الشِّبْلِي -أحدُ أعيانِ الصوفية- سمع رجلًا ينشد: أَرَدْنَاكُمُ صِرْفًا فَإِذْ قَدْ مَزَجْتُمُ فَبُعْدًا وَسُحْقًا لا نُقِيْمُ لَكُمْ وَزْنًا ولم يذكر سوى هذا البيت، وهو مطابقٌ في معناه لما أورده ابنُ رجب.
[ ١١٣ ]
استشهد المؤلِّف ﵀ في هذا المقام بأنَّ كمالَ المحبَّة يقتضي كمال الطاعة، وقد استشهد على ذلك بالحديث القدسي الذي أخرجه البخاري في «صحيحه» من حديث أبي هريرة ﵁، وفيه: «ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أُحِبَّه، فإذا أحببتُه كنتُ سمعَه الذي يسمع به، وبصَرَه الذي يُبصِرُ به، ويَدَه التي يَبطِشُ بها، ورِجْلَه التي يمشي بها».
وفي روايةٍ في غير «الصحيح»: «فبي يَسْمَعُ، وبي يُبْصِرُ، وبي يَبْطِشُ، وبي يَمْشِي»، وهذا اللفظ يُفِيدُه اللفظ الأول: «كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها».
فالمؤمنُ المُحِبُّ الصَّادِقُ تكون جميع تصرُّفاتِه للَّه وفي اللَّه، كما في الحديث: «مَنْ أحبَّ للَّه وأبغضَ للَّه وأعطى للَّه ومَنَعَ للَّه فقد استكمَلَ الإيمان» (^١).
والمعنى: أنه لا يُحِبُّ أحدًا إلا للَّه، ولا يُبغضه إلا للَّه، وإن أعطى أعطى للَّه، وكل بَذْلٍ لا يبذله إلا للَّه، حتى ما يُنفِقُه على زوجتِه، كما
_________________
(١) أخرجه أبو داود في «سننه» رقم (٤٦٨١)، والطبراني في «الكبير» رقم (٧٦١٣ و٧٧٣٧ و٧٧٣٨)، وابن بطة في «الإبانة» رقم (٨٤٦)، جميعهم من طريق يحيى بن يحيى الذِّماري، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي أمامة مرفوعًا. قال الذهبي في «معجم الشيوخ» (٢/ ٣٤٧): «هذا حديثٌ صحيحٌ».
[ ١١٤ ]
الأنبياء والصالحون وسائر المؤمنين متفاضلون فيما بينهم في المرتبة والمحبة
في حديث سعدٍ ﵁: «إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ في فِي امْرَأَتِكَ» (^١).
فأهلُ الإيمانِ الكامِلِ كلُّ تصرفاتهم -حتى الأمور الطبيعية العادية- تكون للَّه ﷿، فإذا أنفق الواحدُ منهم على أولادِه فإنَّه يُنْفِقُ عليهم محتَسِبًا، يراعي ما أوجبَ اللَّه عليه من الإحسان إليهم، وما يترتب على إنفاقه عليهم من إغنائهم كفايتهم، وإعانتهم على ما ينفعهم، وهكذا تكون أعماله كلها للَّه.
وقول اللَّه ﷿ -في الحديث-: «ولا يزال عبدي يتقرب إلَيَّ بالنوافل حتى أُحِبَّهُ، فإذا أحببتُه»؛ يعني: المحبةَ الكاملة، وإلا فإنَّ اللَّه يُحِبُّ كلَّ مؤمن، لكن محبته لأوليائه والصالحين من عباده ليست على مرتبةٍ واحدةٍ أو على حدٍّ سواء؛ بل فيها تفاوت وتفاضل كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، وقال: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٥٥]، فالأنبياء والصالحون والمؤمنون متفاضلون فيما بينهم في المرتبة والمحبة.
ثم قال تعالى: «فإذا أحبَبْتُه كنتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسمَعُ بِهِ، وبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ به، ويَدَهُ الَّتي يَبْطِشُ بها، ورِجْلَهُ الَّتي يَمْشِي بها» فأفكارُه تكون أيضًا دائرة على الحق، فإذا كانت هذه حال الجوارح، فحركة الجوارح تابعة لما في القلب، وإنما تكون الجوارح متَقَيِّدَة بهذه الحال بكمال عبودية القلب للَّه، حبًّا وخوفًا ورجاءً، وهذا يعني: أن المحقِّق لهذه
_________________
(١) متفقٌ عليه، أخرجه البخاري في مواضع من «صحيحه» منها: رقم (٥٦)، ومسلم رقم (١٦٢٨).
[ ١١٥ ]
تعليق الشارح على قول المؤلف: «وصارت النفس حينئذ مطمئنة، ففنيت بإرادة مولاها عن مرادها وهواها» وانتقاده له
العبودية والمحبة والإيمان لا يريد إلا ما يريده اللَّه، وهذه هي الإرادة الشرعية.
وقول المؤلِّف: (وصارت النَّفْسُ حينئذٍ مطمَئِنَّةً، فَفَنِيَت بِإِرَادَةِ مَولَاهَا عَنْ مُرَادِهَا وَهَوَاهَا) بحيث إنه لا تكون لها إرادة إلا ما يكون بتحقيق مراد اللَّه منها، فالمحب الصادق هو الذي يعبد اللَّه -كما قال المؤلِّف- على مراد اللَّه منه، لا على مراده هو من اللَّه.
وهذه العبارة فيها ما فيها؛ لأنَّ العبدَ -كما ذكرتُ- يعبدُ ربَّه على وِفْقِ ما أراد اللَّه منه، وهذا لا يمنع من أن يكون العبدُ يريد من ربِّه أمورًا كثيرة؛ من مغفرة الذنوب، ودخول الجنة، والنجاة من النار، إلى غير ذلك.
واللَّه تعالى قد أثنى على أنبيائه ورسله مع أنهم يريدون منه الرحمة، ويريدون منه الجنة والنجاة من النار، كما قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦]، وقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِين (٩٠)﴾ [الأنبياء].
ولكن المذموم أن يعبد العبدُ ربَّه لما يريده منه من أمر الدنيا، وهذا هو الذي يسقط عليه ما استشهد به المؤلِّف من قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ﴾ [الحج: ١١]، فهو يعبد اللَّه على طَرَفٍ من
[ ١١٦ ]
الدِّين، غير متمَكِّنٍ منه، فهو يعبد اللَّه ما استقامت دنياه، فإن أصابتهُ فتنةٌ أو مصيبةٌ أو فقرٌ أو حاجةٌ انقلب على وجهه.
فمن يعبد اللَّه ليعطيه سعادة الدنيا ولا يريد الآخرة، فهذا هو الذي ذَمَّه اللَّه بقوله: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا﴾ فهو يريد المال والولد والجاه والشرف وأنواع المتاع، ﴿وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلَاق (٢٠٠) وِمِنْهُم مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار (٢٠١)﴾ [البقرة]، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [النساء: ١٣٤].
فلم يَذُمَّ اللَّه الذين يريدون الآخرة إنما ذَمَّ الَّذِين يريدون الدنيا ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [الأنفال: ٦٧].
وقال ﷾: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا (١٩)﴾ [الإسراء]، فإرادة ثواب الآخرة وإرادة الجنة هذه لا إثم فيها، ولا نقص فيها، ولا عيب على من يعبد اللَّه محبةً له وخوفًا منه ورجاءً في ثوابه هذا، وإلا فلماذا ذكر اللَّه تعالى لعباده الجنة والنار، وسائر أمر الآخرة؟ ما ذكر ذلك سبحانه إلا ترغيبًا وترهيبًا، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَاعِبَادِ فَاتَّقُون (١٦) وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ [الزمر: ١٦، ١٧].
* * *
[ ١١٧ ]
لا ينجو من عذاب الله يوم القيامة إلا صاحب القلب السليم
القلب السليم: هو الطاهر من أدناس المخالفات
* قال ابنُ رجبٍ ﵀:
لا يَنجُو غَدًا إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّه بِقَلبٍ سَلِيمٍ، لَيسَ فِيهِ سِوَاهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُون (٨٨) إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيم (٨٩)﴾ [الشعراء].
القَلبُ السَّلِيمُ: هُو الطَّاهِرُ مِنْ أَدنَاسِ المُخَالفَات، فَأَمَّا المُتَلَطِّخُ بِشَيءٍ مِنَ المَكرُوهَاتِ فَلا يَصلُحُ لِمُجَاوَرَةِ حَضرَةِ القُدُسِ (^١) إِلا بَعدَ أَنْ يُطَهَّرَ في كِيرِ العَذَابِ، فَإِذَا زَالَ مِنهُ (^٢) الخَبَثُ صَلَحَ حِينَئِذٍ لِلمُجَاوَرَةِ «إِنَّ اللَّه طِيبٌ لا يَقبَلُ إِلَّا طَيِّبًا» (^٣).
فَأَمَّا القُلُوبُ الطَّيِّبَةُ فَتَصلُحُ لِلمُجَاوَرَةِ مِنْ أَوَّلِ الأَمرِ: [﴿سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّار (٢٤)﴾ [الرعد]]، ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِين (٧٣)﴾ [الزمر]، ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون (٣٢)﴾ [النحل].
مَنْ لَم يُحرِق اليَومَ قَلبَهُ بِنَارِ الأَسَفِ عَلَى مَا سَلَفَ، أَوْ بِنَارِ الشَّوقِ إِلَى لِقَاءِ الحَبِيبِ، فَنَارُ جَهَنَّمَ لَهُ أَشَدُّ حَرًّا.
مَا يَحتَاجُ إِلى التَّطهِيرِ بِنَارِ جَهَنَّمَ إِلَّا مَنْ لَم يُكمِل تَحقِيق التَّوحِيدِ وَالقِيَام بِحُقُوقِهِ.
_________________
(١) كذا في النسختين، ووقع في هامش نسخة (ب): «لعله: القدوس»، والصواب ما في «النسختين»، وهو ما صوَّبه الشارح حفظه اللهُ، فقال: هذه العبارة «حَضْرَة القُدُس» من العبارات الدارجة على لسان مَنْ يتكلَّم بهذا الكلام.
(٢) في نسخة (ب): «عنه».
(٣) أخرجه مسلمٌ رقم (١٠١٥) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١١٨ ]
«القلب السليم» ذكر في القرآن في موضعين
حقيقة «القلب السليم» هو: القلب السالم من المخالفات
ذكر المؤلف ﵀ هنا: أنه لا ينجو من عذاب اللَّه يوم القيامة إلا صاحب القلب السليم، واستدل بقول اللَّه تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُون (٨٨) إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيم (٨٩)﴾، وهذا جاء في ثنايا قصةِ إبراهيمَ ﵇، ودعائِه: ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيم (٨٥) وَاغْفِرْ لأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّين (٨٦) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُون (٨٧) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُون (٨٨) إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيم (٨٩)﴾ [الشعراء].
ومن بديع المناسبات هنا: أنَّ اللَّه وصف إبراهيم ﵇ ب «سلامة القلب» فقال: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيم (٨٣) إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيم (٨٤)﴾ [الصافات].
ف «القلب السليم» جاء في القرآن في هذين الموضعين:
الأول: في كلام إبراهيم ﵇.
والثاني: في وصف اللَّه ﷿ لإبراهيم ﵇.
و«السليم» صيغة تدل على السلامة، فهو ضد العليل والمريض.
وعلى هذا ف «القلب السليم» هو: القلبُ السالم من المخالفات؛ مخالفات الأوامر والنواهي، وذلك بترك المأمور أو فعل المحظور.
فلا ينجو من عذاب اللَّه نجاةً مطلقةً، بحيث لا يناله عذاب، إلا صاحب القلب السليم، وهذا هو الذي ينجو ولا يتعرض لشيءٍ من العذاب؛ لسلامة قلبه، ومَن هذا حاله فإنه يدخل الجنة من أوَّل وَهْلَة.
[ ١١٩ ]
أقسام القلوب
فأشار المؤلِّف إلى نوعٍ من سلامة القلب، وهو السلامة من فتن الشهوات وفتن الشبهات، وقد يقال: إنَّ كلامَه شاملٌ، لكن لعل مما يوضح المقام ما ذكره العلامة ابن القيم ﵀ في مواضع من كتبه، ولا سيما في كتابه «إغاثة اللَّهفان»، فإنه عُنِيَ بالكلام على أقسام القلوب، فينبغي أن يراجع وتراجع تلك الأبواب.
ومما جاء في كلام المؤلف ﵀: أنَّ القلب السليم هو السالم من فتن الشهوات وفتن الشبهات؛ فتن الشهوات التي تعارض أمر اللَّه ونهيه، وفتن الشبهات التي تعارض خبر اللَّه.
ففتن الشهوات تحمل على المعصية والمخالفة؛ بترك المأمور وفعل المحظور.
وفتن الشبهات تُضْعِفُ اليقين، أو تورث الشك فيما أخبر اللَّه به ورسوله.
ف «القلب السليم» لا بد أن يسلم اعتقاده من عوارض الشبهات، وتسلم إرادته من عوارض الشهوات.
فالقلوب أقسام، فمنها:
- القلب السليم، وهو قلب المؤمن كامل الإيمان.
- والقلب الميِّت الذي لا حِسَّ فيه ولا إرادة، وهو قلب الكافر.
- والقلب المريض، وهو قلب المُخَلِّط الذي فيه مادَّتَان؛ مادَّةُ حياةٍ ومادَّة موتٍ، وهو لما غلب عليه منهما.
[ ١٢٠ ]
من أمراض القلوب التي تبعث عليها الشهوات: الرياء
الرياء أخوف ما يخاف منه على الصالحين
وفي الحديث الصحيح: «تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتْ السموات وَالأَرْضُ، وَالآخَرُ أَسوَدُ مُرْبَادًّا، كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا، لا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ» (^١).
ومن أمراض القلوب التي تبعث عليها الشهوات -وهي كثيرة-: الرياء، وهو أن يعمل الإنسان العمل مما يحبه اللَّه ليراه الناس، وليقولوا فيه كذا وكذا؛ يعني: أنه يَعمَلُ العَمَلَ للمَحْمَدَة، نعوذ باللَّه من ذلك، وهذا مرضٌ خطيرٌ، نسأل اللَّه أن يقينا منه، ولهذا جاء في الحديث قوله ﷺ: «أخوف ما أخاف عليكم الشركُ الأصغرُ» فسُئل عنه؟، فقال: «الرِّيَاء» (^٢).
وفي المسائل التي ذكرها الشيخ محمَّدُ بنُ عبدِ الوهاب ﵀ في كتاب «التوحيد»، استنباطًا من نصوص (باب الخوف من الشرك): أنَّ الرِّياءَ أخوفُ ما يُخَاف منه على الصالحين (^٣).
فعلى الإنسان أن يجتنب الرياء وأن يأخذ بالأسباب الواقية منه، وأن يسأل ربه أن يعصِمَه من الشركِ كُلِّهِ، صغيرِه وكبيرِه، ظاهرِه وخَفِيِّه، فالرياءُ هو شركٌ أصغرٌ وخفيٌّ.
_________________
(١) أخرجه مسلم رقم (١٤٤) من حديث حذيفة ﵁.
(٢) أخرجه أحمد في «المسند» رقم (٢٣٦٣٠ و٢٣٦٣١ و٢٣٦٣٦)، وإسناده حسن، كما قال الحافظ ابن حجر في «بلوغ المرام» رقم (١٤٩٨)، وقال المنذري في «الترغيب والترهيب» (١/ ٣٤): «إسناده جيِّد».
(٣) المسألة الرابعة من مسائل الباب المذكور.
[ ١٢١ ]
أحوال القلوب تشبه أحوال الأبدان
ف «القلب السليم» هو الذي سَلِمَ من هذه الآفات؛ من الرِّياءِ وغيرِه من أمراض القلوب؛ كالكِبْر، والحَسَدِ، وسوءِ الظنِّ باللَّه، والظنونِ الكاذبةِ، والغِشِّ وغيرِها، وهذه أمراضٌ قلبيَّةٌ معنويَّةٌ، وكلُّها تنافي سلامة القلب، لكن قد تصل إلى أن يموت بها القلبُ فيصيرُ ميِّتًا، وقد يصيرُ مريضًا ثم يَصِحُّ، وقد يبقى على مرضه.
فأحوال القلوب تشبه أحوال الأبدان؛ فكما أنَّ الأبدانَ منها الميِّتُ، ومنها الصحيحُ، ومنها المريضُ، فكذلك القلوب، وأيضًا فإنَّ أمراض الأبدان تختلف، فمنها مرضٌ معضِلٌ ربما يفضي بصاحبه إلى الموت، وكذلك أمراض القلوب، نسأل اللَّه السلامة والعافية.
* * *
[ ١٢٢ ]
أول من تسعر بهم النار: العباد المراءون بأعمالهم
* قال ابنُ رجبٍ ﵀:
أَوَّلُ مَا (^١) تُسَعَّرُ بِهِ النَّارُ مِنَ المُوَحِّدِينَ العُبَّادُ المُرَاؤونَ بِأَعمَالِهِم؛ وَأَوَّلُهُم العَالِمُ، وَالمُجَاهِدُ، وَالمُتَصَدِّقُ لِلرِّيَاءِ؛ لأَنَّ يَسِيرَ الرِّيَاءِ شِركٌ.
مَا نَظَرَ المُرَائِي إِلَى الخَلقِ فِي عَمَلِهِ إِلَّا لِجَهلِهِ بِعَظَمَةِ الخَالِقِ.
المُرَائِي يُزَوِّرُ التَّوَاقِيعَ عَلَى اسمِ المَلِكِ؛ لِيَأخُذَ البَرَاطِيلَ (^٢) لِنَفسِهِ، وَيُوهِمَ أَنَّهُ مِنْ خَاصَّةِ المَلِكِ، وَهُوَ مَا يَعرِفُ المَلِكَ بِالكُلِّيَّةِ.
نَقَشَ المُرَائِي عَلَى الدِّرهَمِ الزَّائِفِ اِسمَ المَلِكِ لِيَرُوجَ (^٣)، وَالبَهرَجُ (^٤) مَا يَجُوزُ (^٥) إِلَّا عَلَى غَيرِ النَّاقِدِ.
تكلَّم المؤلِّفُ ﵀ في هذه الجملة عن «المُرائي» وذكر عنه:
_________________
(١) كذا في النسختين، وله وجه، ووقع في هامش نسخة (ب): «مَنْ»، وهو أولى.
(٢) البراطيل: جمع بِرْطِيل -بكسر الباء الموحَّدة- وهو الرِّشْوَة، وفي المثل: «البَرَاطِيل تَنْصُرُ الأَبَاطِيل». ينظر: «أساس البلاغة» (مادة: ب ر ط ل)، و«المصباح المنير» (مادة: ب ر ط ل)، و«تاج العروس» (٢٨/ ٧٥).
(٣) رَاجَ الشَّيْءُ يَرُوجُ رَوَاجًا: إذا نَفَقَ، ورَاجَت الدَّرَاهمُ: تَعَامَلَ النَّاسُ بها. ينظر: «تاج العروس» (٥/ ٦٠٠).
(٤) «البَهْرَجُ» -بالفَتْح-: الباطِلُ، والرَّدِيءُ مِنْ كلِّ شيْءٍ، قال ابن الأَعرابيّ: الدِّرْهَمُ البَهْرَجُ: هو الذي لا يُباع به. ينظر: «تاج العروس» (٥/ ٤٣٢).
(٥) وفي بعض النسخ المطبوعة: «لا يروج».
[ ١٢٣ ]
مثالان ضربهما المؤلف لبيان حال المرائي
أولًا: أنَّه إنما أُتي من جهله بربه، فإنَّ من عَرفَ ربَّه وأنَّه المستحقُ لأنْ يُؤلَه ويُعبَد ويُتَقَرَّب إليه بأنواعِ القُرُبَات فإنَّه لا يُبالي بالخلق ولا يعبأ بهم، فعَمَلُه في الغيب والشهادة واحدٌ، لا يبالي بالنَّاس، إنما يعمل لربِّه ويتقرَّبُ إليه، فالمرائي إنِّما أُتي من جهلِه بعظمةِ الخالِق.
وثانيًا: أنَّه يُظهِرُ الصلاحَ وهو بخلاف ذلك، وهذا هو الذي ضَرَبَ له المؤلِّف مَثَلَيْنِ:
الأول: أنَّه يُزَوِّرُ التواقيعَ، ويُظْهِرُ أنَّه من خَوَاصِّ المَلِك، ليأخذ البراطيلَ لنفسِه.
والثاني: أنَّه يَنقشُ اسمَ المَلِك على الدِّرهَمِ الزَّائِفِ ليَرُوجَ.
وهذان المثَلان ضربهما المؤلِّفُ لبيان حال المرائي، وذلك من جهة أنَّه يُظهِرُ الصلاحَ والقُرْبَ من اللَّه وهو بخلاف ذلك، فعمل المرائي في حقيقته تزويرٌ، إذ ليس باطنه كظاهره.
* * *
[ ١٢٤ ]
نار جهنم تنطفئ بنور إيمان الموحدين
* قال ابنُ رجبٍ ﵀:
وَبَعدَ أَهلِ الرِّيَاءِ يَدخُلُ النَّارَ أَصحَابُ الشَّهَوَاتِ، وَعَبِيدُ الهَوَى، الَّذِينَ أَطَاعُوا هَوَاهُم، وَعَصَوا مَولاهُم، فَأَمَّا عَبِيدُ اللَّهِ حَقًّا فَيُقَالُ لَهُمْ: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّة (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّة (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾ [الفجر].
نَارُ جَهَنَّمَ تَنطَفِئُ بِنُورِ إِيمَانِ المُوَحِّدِينَ، في الحَدِيثِ: «تَقُولُ النَّارُ لِلمُؤمِنِ: جُزْ، فَقَد أَطفَأَ نُورُكَ لَهَبِي» (^١).
وَفِي «المُسنَدِ» عَنْ جَابِرٍ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: «لا يَبقَى مُؤمِنٌ وَلا فَاجِرٌ إِلَّا دَخَلَهَا، فَتَكُونُ عَلَى المُؤمِنِينَ بَردًا وَسَلامًا، كَمَا كَانَتْ عَلَى إِبرَاهِيمَ، حَتَّى إِنَّ لِلنَّارِ ضَجِيجًا مِنْ بَردِهِم» (^٢).
_________________
(١) هذا الحديث من الأحاديث المشتهرة على الألسنة، وهو ضعيفٌ جدًّا، فقد أخرجه الطبراني في «الكبير» (٢٢/ ٢٥٨ - ٢٥٩)، وابن عدي في «الكامل» (٦/ ٣٩٤)، والبيهقي في «شعب الإيمان» رقم (٣٦٩). قال ابنُ رجب في «التخويف من النار» (ص ٢٠٢): «هذا حديثٌ غريبٌ، وفيه نكارة»، وقال ابنُ كثير في «النهاية» (٢/ ٩٣): «هذا حديثٌ غريبٌ جدًّا».
(٢) جزءٌ من حديث الوُرود، أخرجه أحمد في «المسند» رقم (١٤٥٢٠)، وعبد بن حميد كما في «المنتخب من مسنده» رقم (١١٠٦)، والحارث بن أسامة في «مسنده» رقم (١١٢٧ بغية الباحث)، والحاكم في «المستدرك» (٤/ ٥٨٧)، والبيهقي في «شعب الإيمان» رقم (٣٦٤)، وهو حديثٌ ضعيفٌ لا يصح مرفوعًا عن النبي ﷺ، وقد أخرج مسلم في «صحيحه» رقم (١٩١) عن جابرٍ موقوفًا عليه أنه سئل عن «الوُرود» فأجاب بكلامٍ طويلٍ، فيه ذكر الرؤية والشفاعة، وفيه: «قال: فينْطَلِقُ بهِم [يعني: الربُّ ﷾] ويَتَّبعونَهُ ويُعطَى كُلُّ إنسَانٍ منهُم -منافقٍ أو مؤمنٍ- نُورًا، ثُمَّ يَتَّبعونهُ وعَلَى جِسرِ جَهَنَّمَ كَلالِيبُ وَحَسَكٌ تأخُذُ من شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يَطْفَأُ نورُ المنافقينَ ثُمَّ ينجُو المؤمنُونَ »، قلتُ: فلو كان عند جابرٍ ﵁ شيءٌ محفوظٌ عن رسول اللَّه ﷺ في شأن «الورود»، لذكره في جوابه، ولم يعدِل عنه إلى قولِ نفسِه، إضافة إلى ما بين السياقين -المرفوع والموقوف- من الفرق الظاهر في المعنى، فتأمَّل.
[ ١٢٥ ]
أصحاب القلوب السليمة يصيرون إلى الجنة من أول وهلة
معنى «الورود» في قوله تعالى: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ وذكر خلاف أهل التفسير فيه
هَذَا مِيرَاثٌ وَرِثَهُ المُحِبُّونَ مِنْ حَالِ الخَلِيلِ ﵇.
في هذه الجملة تنبيهٌ إلى أنَّ أصحابَ القلوب السليمة -وهم عبادُ اللَّه المخلَصون- يصيرون إلى الجنَّة من أول وَهْلَة، ولا ينالهم شيءٌ من العذاب، ولا تمسهم النَّارُ بحرِّها وإن ورَدُوها، واللَّه تعالى يقول: ﴿وَإِنْ مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)﴾ [مريم].
وهذا «الوُرود» قد اختلف العلماء في معناه:
فقيل: إنه العبور على الصراط، فهو -على هذا القول- ورودٌ فقط من غير دخول.
وقال بعض المفسِّرين -ويشهد له حديث جابر الذي ذكره المؤلِّف-: إنه ما من مؤمنٍ ولا فاجرٍ إلا دخل النَّار، لكن المؤمنون لا ينالهم حرُّها، ولا يضرهم عذابُها، بل تكون عليهم بردًا وسلامًا، فيجوزون، كما في الحديث: «تَقُولُ اَلنَّارُ لِلمُؤمِنِ: جُز، فَقَد أَطفَأَ نُورُكَ لَهَبِي».
فالمقصود: أنَّ «الوُرودَ» قيل: إنَّه دخول النار ﴿وَإِنْ مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾، وقد رجَّح هذا المعنى شيخُنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ في
[ ١٢٦ ]
«أضواء البيان» (^١)، واستشهد له بأن «الورود» في سائر مواضعه يراد به: الدخول، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُون (٩٨)﴾ [الأنبياء]؛ يعني: داخلون، فسمَّى الدخولَ وُرُودًا، وقوله تعالى: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ﴾؛ يعني: أدخلهم، ﴿النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُود (٩٨)﴾ [هود].
وعلى أي حال؛ فأهل التوحيد الخالص وعبادُ اللَّه المخلَصون لا يعذَّبون، ولا يمسهم شيء من العذاب، بل هم يَنجُون كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)﴾ [مريم].
ثم ذكر المؤلف ﵀ قوله تعالى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّة (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّة (٢٨)﴾ وكأن سياق كلامه يقتضي أنَّ هذا يقال يوم القيامة، ولا مانع أن يقال للنفس عند الاحتضار: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّة (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّة (٢٨)﴾؛ فهي ترجع إلى ربها بالموت، وترجع إلى ربها كذلك يوم القيامة (^٢)، وتدخل في عباد اللَّه وفي كرامة اللَّه، ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾، ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون (٣٢)﴾ [النحل].
فالنفس المطمئنة ونفوس عباد اللَّه الطيبين تؤول إلى الجنة وتدخلها بعد الموت، ولكن الدخول المستقِرّ على وجه التمام والكمال إنما يكون يوم القيامة، عندما تُرَدُّ الأرواحُ إلى الأبدان، ويُبعَثُ النَّاسُ من قبورهم،
_________________
(١) (٤/ ٤٣٥ وما بعدها).
(٢) وبالقولين قال أهل التفسير. ينظر: «تفسير الطبري» (٢٤/ ٣٩٠ وما بعدها)، و«تفسير ابن كثير» (٨/ ٤٠٠).
[ ١٢٧ ]
فهنالك يصير كلٌّ إلى ما يناسبه من الجزاء، ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُون (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُون (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاء الآخِرَةِ فَأُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُون (١٦)﴾ [الروم]، ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ [الزمر: ٧١]، ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ [الزمر: ٧٣].
* * *
[ ١٢٨ ]
* قال ابنُ رجبٍ ﵀:
نَارُ المَحَبَّةِ فِي قُلُوبِ المُحِبِّينَ تَخَافُ مِنهَا نَارُ جَهَنَّمَ.
قَالَ الجُنَيدُ [﵁]: قَالَتْ النَّارُ: يَا رَبِّ لَو لَم أُطِعكَ هَلْ كُنْتَ تُعَذِّبنِي بِشَيءٍ؟، قَالَ: نَعَم كُنْتُ أُسَلِّطُ عَلَيكِ نَارِي الكُبرَى، قَالَتْ: وَهَل نَارٌ أَعظَمُ مِنِّي وَأَشَدُّ؟ قَالَ: [نعم]، نَارُ مَحَبَّتِي أَسكَنتُهَا قُلُوبَ أَولِيَائِي المُؤمِنِينَ (^١).
قِفَا قَلِيلًا بِهَا عَلَيَّ فَلا … أَقَلَّ مِنْ نَظرَةٍ أُزَوَّدُهَا (^٢)
فَفِي فُؤَادِ المُحِبِّ نَارُ هَوَى (^٣) … أَحَرُّ نَارِ الجَحِيمِ أَبرَدُهَا (^٤)
[ف] لَولا دُمُوعُ المُحِبِّينَ تُطفِئُ بَعضَ حَرَارَةِ الوَجدِ لاحتَرَقُوا كَمَدًا.
_________________
(١) قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ في تعليقه على «جامع الرسائل والمسائل النجدية» (٤/ ٨٦٦): «إنْ صَحَّ هذا عن الجُنَيد فمراده منه أنَّ نارَ الحُبِّ أشدُّ حَرًّا من جهنم بطريقة التمثيل لا الرِّواية، وهو أشبَهُ بكلامِ جَهَلَةِ الصوفِيَّة منه بكلام الإمام الجُنَيد».
(٢) في نسخة (ب): «أُرَدِّدُهَا».
(٣) في نسخة (ب): «نَارُ جَوَى». قال في «القاموس»: «الْجَوَى: هَوَى بَاطِنٌ».
(٤) البيتان من قصيدةٍ للمتنبِّي يمدح بها محمَّد بنَ عبيدِ اللَّه العلوي، مطلعها: أَهلًا بِدَارٍ سَبَاكَ أَغْيَدُهَا أَبْعَدَ مَا بَانَ عَنْكَ خُرَّدُهَا ينظر: «ديوان المتنبي بشرح أبي البقاء العكبري» (١/ ٢٩٦).
[ ١٢٩ ]
لا يليق التعبير عن قوة محبة العبد لربه ب «النار»
دَعُوهُ يُطفِي بِالدُّمُوعِ حَرَارَةً … عَلَى كَبِدٍ حَرَّى دَعُوهُ دَعُوهُ!
سَلُوا عَاذِلِيهِ يَعذُرُوهُ هُنَيهَةً … فَبِالعَذَلِ دُونَ الشَّوقِ قَدْ قَتَلُوهُ (^١)
كَانَ بَعضُ العَارِفِينَ (^٢) يَقُولُ: أَلَيسَ عَجَبًا أَنْ أَكُونَ حَيًّا بَينَ أَظهُرِكُمٍ، وَفي قَلبِي مِنْ الاشتِيَاقِ إِلَى رَبِّي مِثلَ شُعَلِ النَّارِ الَّتِي لا تَنطَفِئُ؟!
وَلَم أَرَ مِثلَ نَارِ الحُبِّ نَارًا … تَزِيدُ بِبُعدِ مُوقِدِهَا اِتِّقَادًا (^٣)
هذه الأقوال أقوالٌ منكرةٌ، واستشهاد المؤلف بها غير لائقٍ، وقد ذكرتُ سابقًا أنَّ بعضَ أهل العلم يكون عنده نزعة تَصَوُّفٍ فيتساهل بالاستشهاد بأقوال بعض شيوخ الصوفية.
وقوله ﵀: (نَارُ المحَبَّةِ …) التعبير عن قوة المحبة وصدقها ب «النَّار» هذا مما لا يليق في محبة اللَّه ولا يصلح أبدًا، وإنما يكون هذا
_________________
(١) هذان البيتان نسبهما ابن الجوزي في «المدهش» (ص ٤٠٧) لابن المعتز، ولم أقف عليهما في المطبوع من ديوانه.
(٢) ذكره ابن الجوزي في «صفة الصفوة» (٢/ ٢٨١ - ٢٨٢) ونسبه إلى إحدى عابدات مكة ولم يُسَمِّها.
(٣) لم أقف على قائله.
[ ١٣٠ ]
في محبة العُشَّاق الذين يُعَانُون من عشقِهم، ومحبتُهم تلك هي -في الحقيقة- عذابٌ لهم يعذبون بها ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [التوبة: ٥٥].
فالمفْتُونُ بأمرٍ من المحبوبات حين لا يناله يبقى معذَّبًا به بسبب تَوَقَانِه وتَعَلُّقِ قلبِه به، أما محبَّة اللَّه فحاشا وكَلَّا أن تكون نارًا أو عَذَابًا؛ فأنبياء اللَّه ورُسُلِه وأتباعهم من المؤمنين في قلوبهم من محبة اللَّه ما ليس في قلوب هؤلاء الصوفية، وهذه المحبة هي حلاوةٌ يجدونها في قلوبهم، فليست نارًا أو عذابًا، «ثلاثٌ مَنْ كُنَّ فيه وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الإيمان: أن يكون اللَّه ورسولُه أَحَبَّ إليه مما سِوَاهُمَا …» الحديث (^١).
فمحبةُ اللَّه ليست نارًا، بل هي حلاوةٌ ونعيمٌ لقلوب المؤمنين، فالمؤمنون يُحبُّون ربهم ويخافونه ويرجونه، فهم يَنعَمُون بمحبَّته، ويَنعَمون بخوفِه ورجائِه؛ لأنهم يخافون منه ويَفِرُّون إليه، وفي الحديث: «لا مَلجَأ ولا مَنجَى منك إلا إليك» (^٢).
ثم ذكر المؤلِّف ﵀ أنَّ محبة اللَّه نارٌ تخافها نار جهنم، ثم أردف هذا القول المنْكَر بهذا الحوار المفتَرَى، وهو أنَّ نارَ جهنَّم تقول لربها ﷿: لو لم أُطِعكَ فبِأيِّ شيءٍ تعذِّبُني؟ قال: أُعَذِّبُكِ بنارِي الكُبرَى؛ نارِ مَحَبَّتِي.
_________________
(١) متفقٌ عليه من حديث أنسِ بنِ مالكٍ ﵁، أخرجه البخاري رقم (١٦)، ومسلم رقم (١٧٤).
(٢) جزءٌ من حديث البراء بن عازب ﵁ المتفق عليه في ما يقال عند النوم وأَخْذِ المضجع، أخرجه البخاري رقم (٢٤٧)، ومسلم رقم (٧٠٥٧).
[ ١٣١ ]
وهذا كلامٌ منكرٌ، لا أظنُّه يَصِحُّ عن الجُنَيدِ ﵀، فالجنيد قد أثنى عليه شيخ الإسلام ابن تيمية (^١)، وابن القيم (^٢)؛ فمستبعدٌ أن يَثْبُتَ عنه ذلك.
فنار اللَّه الكبرى هي التي يعذِّب بها الكفار، كما قال تعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (١٣)﴾ [الأعلى].
فهذه الألفاظ إنما يطلقها العُشَّاق، فإنَّ الواحد منهم يتكلَّم فيقول: في قلبي نارٌ من حُبِّ فلانٍ أو فلانةٍ، نعم يجدون نارًا ويجدون أَلَمًا ويتعذَّبُون ويشقون شقاءً، أما أهل الإيمان وأهل العلم باللَّه والحب للَّه فليسوا كذلك، بل هم في نعيمٍ من تلكم المحبة كما دلت عليها النصوص.
* * *
_________________
(١) قال في كتابه «الاستغاثة» (ص ٦٥٢): «وكان الجنيدُ ﵀ أفقهَ القومِ -يعني: المتَصوِّفَة الأُلَى- وأعلمَهم بالدِّين»، وقال في «مجموع الفتاوى» (١١/ ٣٩٣): « بخلافِ الجُنيد فإنَّ الاستقامةَ والمتابعةَ غالبةٌ عليهِ»، وذكره في (٢/ ٤٧٤) من جملة «مشايخِ الإسلامِ وأئمَّةِ الهُدى الَّذين جعل اللَّه تعالى لهم لسانَ صِدقٍ في الأُمَّةِ»، ووَصَفَه في (٥/ ١٢٦) بأنَّه «من شيوخِ أهلِ المعرِفَةِ المتَّبعينَ للكتَابِ والسُّنَّةِ».
(٢) قال في كتابه «مدارج السالكين» (٣/ ١٢٢): «رحمة اللَّه على أبي القاسم الجنيد ﵁ ما أتبعه لسُنَّة الرسول وما أقفاه لطريقة أصحابه».
[ ١٣٢ ]
* قال ابنُ رجبٍ ﵀:
مَا لِلعَارِفِينَ شُغلٌ بِغَيرِ مَولاهُم، وَلا هَمٌّ في غَيرِهِ.
في الحَدِيثِ: «مَنْ أَصبَحَ وَهَمُّهُ غَيرُ اللَّهِ فَلَيسَ مِنْ اللَّهِ» (^١).
قَالَ بَعضُهُم: مَنْ أَخبَرَكَ أَنَّ وَلِيَّهُ لَهُ هَمٌّ في غَيرِهِ فَلا تُصَدِّقهُ.
وَكَانَ دَاوُدُ الطَّائِيُّ يَقُولُ في اللَّيلِ: هَمُّكَ عَطَّلَ عَلَيَّ الهُمُومَ، وَحَالَ بَينِي وَبَينَ السُّهَادِ، وَشَوقِي إِلَى النَّظَرِ إِلَيكَ أَوبَقَ مِنِّي اللَّذَّاتِ، وَحَالَ بَينِي وَبَينَ الشَّهَوَاتِ، فَأَنَا في سِجنِكَ أَيُّهَا الكَرِيمُ مَطلُوبٌ (^٢).
مَا لِي شُغلٌ سِوَاهُ مَا لي شُغلُ
مَا يَصرِفُ عَنْ هَوَاهُ قَلبِي عَذَلُ
مَا أَصنَعُ إِنْ جَفَا وَخَابَ الأَمَلُ
مِنِّي بَدَلٌ وَمِنهُ مَا لي بَدَلُ
_________________
(١) أخرجه الحاكم في «المستدرك» (٤/ ٣٢٠) وسكت عنه، وابن بشران في «الأمالي» رقم (١٠٣٤)، من حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁ مرفوعًا، وإسناده واهٍ. وللحديث شواهد من حديث أنس بن مالك، وحذيفة بن اليمان، وأبي ذر ﵃، وكلُّها ضعيفة لا تصح. فالمقصود: أن الحديث لا يثبت مرفوعًا إلى النبي ﷺ من وجهٍ صحيحٍ، وقد رواه الإمام أحمد في «الزهد» رقم (١٧٦) بإسنادٍ جيِّدٍ عن أُبي بن كعب موقوفًا عليه، واللَّه أعلم. z
(٢) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٧/ ٣٥٦ - ٣٥٧).
[ ١٣٣ ]
وكذلك هذا الكلام -إن صحَّ- فهو كلام أحدُ الصوفية الجهَّال، الذين عندهم محبةٌ وشوقٌ، ولكن على غير علمٍ وبصيرةٍ.
فحبُّ الأنبياء والمرسلين لربهم ﷿ لم يُعَطِّل عليهم كلَّ شيءٍ، أليسوا يتزوَّجون، ولهم ذرية وأموال؟ ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨]، أليسوا يأكلون ويشربون، ويمشون في الأسواق، ويقضون حوائجهم؟ ﴿وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٢٠].
ومع هذا فحبُّهم للَّه وإقبالُهم عليه لم يُعطِّل عليهم لذَّاتهم الطبيعية، حتى يتركَ الواحدُ منهم أهلَه وولَدَه ولَذَّاتِه، وهي أمورٌ بشريةٌ طبيعيَّةٌ.
فهو سبحانه شرع للإنسان أن يأكل ويشرب، و«كَانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ يُحِبُّ الحَلوَى وَالعَسَلَ» (^١)، وقال ﷺ: «حُبِّبَ إِليَّ مِنْ دُنيَاكُمُ النِّسَاءُ والطِّيبُ، وجُعِلَت قُرَّةُ عَينِي في الصَّلَاةِ» (^٢).
_________________
(١) متفقٌ عليه من حديث عائشة ﵂، أخرجه البخاري رقم (٥١١٥)، ومسلم رقم (١٤٧٤).
(٢) أخرجه النسائي في «المجتبى» رقم (٣٩٣٩)، وأحمد في «المسند» رقم (١٢٢٩٣)، وأبو يعلى في «مسنده» رقم (٣٤٨٢)، والبزَّار في «مسنده» رقم (٦٨٧٩)، وغيرهم من طريق سلام أبي المنذر القارئ، ثنا ثابت البناني عن أنسٍ به مرفوعًا. قال ابن حجر في «الفتح» (١١/ ٣٤٥): «أخرجه النسائي وغيره بسندٍ صحيحٍ»، وصحَّحه أيضًا ابن الملقن في «البدر المنير» (١/ ٥٠١)، وقال العراقي في «تخريج أحاديث الإحياء»: «إسناده جيِّد»، وقال الذهبي في «الميزان» (٢/ ١٧٧): «إسناده قويٌّ». لكن يُعَكِّر على أحكام هؤلاء الحفَّاظ أن الإمامَ الدارقطني قد أعلَّ هذه الرواية المسندة، وذكر أن بعض الثقات من أصحاب ثابت -ومنهم حماد بن زيد- رووه عن ثابتٍ مرسلًا، ثم قال: «والمرسل أشبه بالصواب». [ينظر: «علل الدارقطني» رقم (٢٣٨٥)].
[ ١٣٤ ]
ولا شك أن هذه الأقوال التي ساقها المؤلِّف هي في الحقيقة من اجتهاد العُبَّاد الذي تجاوزوا فيه الحدود، وهو من جهلهم، فيُرجَى أن يغفر اللَّه خطأهم ما دام أنَّه صدر منهم عن حسنِ نِيَّةٍ واجتهادٍ، لكن ما خالف الشرع من هذه الأقوال يجبُ رَدُّه على قائِلِه كائنًا مَنْ كان.
فمثل هذه الأقوال يجب ألَّا تُذكَر وألَّا يُستَشهَد بها؛ لأنها مخالفةٌ لما جاءت به النصوصُ الشرعيَّة.
* * *
[ ١٣٥ ]
من دخل النار من أهل «لا إله إلا الله» فلقلة صدقه في قولها
من صدق في توحيده خلا قلبه من العبودية لغير الله
لا يخلو القلب من غير الله مطلقا، وتوضيح ذلك
* قال ابنُ رجبٍ ﵀:
إِخوَانِي: إِذَا فَهِمتُم هَذَا المَعنَى فَهِمتُم مَعنَى قَولِهِ ﷺ: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ صِدقًا مِنْ قَلبِهِ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ».
فَأَمَّا مَنْ دَخَلَ النَّارَ مِنْ أَهلِ [هذه] الكَلِمَةِ فَلِقِلَّةِ صِدقِهِ فِي قَولِهَا، فَإِنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ إِذَا صَدَقَت طَهَّرَت القَلبَ مِنْ كُلِّ مَا سِوَى اللَّهِ، وَمَتَى بَقِيَ فِي القَلبِ أَثَرٌ لِسِوَى اللَّهِ فَمِنْ قِلَّةِ الصِّدقِ فِي قَولِهَا.
مَنْ صَدَقَ فِي قَولِهِ: «لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» لَم يُحِبَّ سِوَاهُ، لَم يَرْجُ إِلَّا إِيَّاهُ، لَم يَخْشَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهُ، لَم يَتَوَكَّل إِلَّا عَلَى اللَّهِ، لَم يُبقِ لَهُ بَقِيَّةً مِنْ آثَارِ نَفسِهِ وَهَوَاهُ.
هذا كلامٌ فيه حقٌّ؛ وهو أنَّ مَنْ صَدَقَ في توحيدِه خَلا قلبُه من العبودِيَّة لغير اللَّه، لكن لا نقول: إنَّه يخلو قلبُه من غير اللَّه مطلقًا، فالقلبُ فيه تَعَلُّقَاتٌ طبيعِيَّةٌ، ومحبةٌ طبيعِيَّةٌ، وخوفٌ طبيعيٌّ، وهكذا، فالإنسان لا يخرج من طبيعته الإنسانية، لكن من شهد أن «لا إله إلا اللَّه» صِدْقًا من قلبه، أو مُستَيقِنًا بها، فإنَّ قلبَه حينئذٍ يخلو من العبودية لغير اللَّه.
فليس صحيحًا أنَّ القلبَ يخلو من غير اللَّه مطلقًا، بمعنى أنَّه لا يكون فيه تَعَلُّقٌ أو التِفَاتَةٌ أو محَبَّةٌ أو خوفٌ، فهذا أمرٌ لا يمكن أن يَتَجَرَّدَ منه الإنسانُ؛ فالرُّسُلُ وأتباعُهم كانت تَعرِض لهم العوارضُ الطبيعيَّةُ، وهم أكملُ الخلقِ حُبًّا للَّه، وتعظيمًا للَّه، وعبوديةً للَّه.
[ ١٣٦ ]
فهذا إبراهيمُ ﵇ لما دَخَلَ عليه ضَيفُه خَافَ منهم، فقال: ﴿إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُون (٥٢) قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيم (٥٣)﴾ [الحجر]، ﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيم (٢٨)﴾ [الذاريات].
وهذا موسى ﵇ لما ألقى السَّحَرَةُ عِصِيَّهم وحِبَالَهُم وخُيِّلَ إليه -من سِحْرِهم- أنَّها تسعى خَاف، كما قال تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى (٦٨)﴾ [طه]، وشواهد هذا كثيرة.
وهكذا المحبةُ للأشياءِ الطبيعية، فكَانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ «يُحِبُّ الحَلْوَى وَالعَسَلَ» (^١)، وكان «يُحِبُّ الدُّبَّاء» - كما جاء في حديث أنس ﵁ (^٢) -، وكان يقول: «حُبِّبَ إِليَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ النِّسَاءُ والطِّيْبُ» (^٣).
فكلُّ هذا لا ينافي محبَّة اللَّه، وإنما الذي ينافي محبَّة اللَّه هي المحبَّة التي فيها عبوديةٌ، بحيث إنَّه يُؤثِر هذه المحبوبات على أمرِ اللَّه، وعلى شرعِ اللَّه، وعلى ما يُحِبُّه اللَّه، فيُقَدِّم هَوَاهُ وما يُحِبُّه من هذه المحبوبات على ما يُحِبُّه اللَّه ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ الآية [التوبة: ٢٤]، وفي الحديث: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ، وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ» (^٤).
_________________
(١) تقدم تخريجه قريبًا.
(٢) أخرجه بهذا اللفظ: أحمد في «المسند» رقم (١٢٨١١)، والنسائي في «الكبرى» رقم (٦٦٣٠) وغيرهما. والحديث في «الصحيحين» بلفظ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوَالَيْ الصَّحْفَةِ»، قَالَ أنسٌ: فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مُنْذُ يَوْمَئِذٍ. أخرجه البخاري رقم (١٩٨٦)، ومسلم رقم (٢٠٤١). و«الدُّبَّاء»: هو القَرَع.
(٣) تقدم تخريجه قريبًا.
(٤) تقدَّم تخريجه ص ٨٥.
[ ١٣٧ ]
العبادة قائمة على أركان ثلاثة
قول بعض الصوفية: «نحن لا نعبد الله خوفا من عذابه ولا طمعا في ثوابه» وبيان نكارته، وسياق فتوى للشارح في ذلك
فلا بد أن يُلاحَظ هذا المعنى، وأن لا يُغتَرّ بهذه الأقاويل المجمَلة، ثم إنَّ هذه الأقوالَ كلَّها فيها دَندَنَةٌ على ذكر «المحبَّة»، وفيها إهمالٌ لجانب «الخوف» و«الرَّجاء»، وقد تقدَّم أنَّ العبادةَ قائمةٌ على هذه الأركان الثلاثة: المحبَّةُ والخَوفُ والرَّجَاءُ، ولهذا قال بعضُ أهلِ العِلمِ مَقُولَةً مَشهُورَةً، وهي: «مَنْ عَبَدَ اللَّه بِالحُبِّ وَحدَه فَهو زِندِيقٌ، ومَن عَبَدَه بالرَّجَاء وَحدَه فهو مُرجِئٌ، ومَن عَبَدَه بِالخَوفِ وَحدَه فَهو حَرُورِيٌّ، ومَن عَبَدَه بِالحُبِّ وَالخَوفِ والرَّجَاءِ فهو مُؤمِنٌ مُوَحِّدٌ» (^١).
فقوله: (من عَبَدَ اللَّه بِالحُبِّ وَحدَه فَهو زِندِيقٌ) وهذا كحال بعض الصوفية، الذين يقولون: نحن لا نعبد اللَّه خوفًا من عذابه ولا طمعًا في ثوابه (^٢)، وهذا كلامٌ منكرٌ (^٣)، (ومَن عَبَدَه بِالخَوفِ وَحْدَه فَهو حَرُورِيٌّ)؛
_________________
(١) نَسَبَه أبو طالب المكي في «قوت القلوب» (ص ٤٠٢ - ٤٠٣)، والغزالي في «إحياء علوم الدين» (٤/ ٢٥٧) إلى التابعي الجليل مكحول الشامي ﵀. وهذا القول مشهورٌ ومستفيضٌ نَقْلُه بين الأئمة، فقد ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (١٠/ ٨١ و٢٠٧) و(١١/ ٣٩٠) و(١٥/ ٢١)، وذكره أيضًا ابن القيم في «بدائع الفوائد» (٣/ ٨٥١ ط: المجمع)، وابن رجب في «التخويف من النار» (ص ٢٩) وغيرهم.
(٢) أُثِرَ هذا القولُ عن جماعةٍ من أعلام الصوفية المتقدِّمين؛ كأبي سليمان الدَّارَاني، ومعروف الكَرْخي، وذي النُّون المصري، وأبي عبد اللَّه السَّاجِي، ورابعة العَدَوِيَّة، وأبي الحسن علي بن موَّفق وغيرِهم.
(٣) للشارح حفظه اللهُ جوابٌ مفصَّلٌ في بيان نكارة هذا القول، وما يتضمنه من محاذير، فقد سئل حفظه اللهُ السؤال التالي: السؤال: قالت رَابِعَةُ العَدَوِيَّةُ فيما معناه: «يا ربِّ إذا كنتُ أسلمتُ طَمَعًا في جَنَّتِكَ فَاحْرِمني منها، وإذا كنتُ أسلمتُ خوفًا من نارك فأدخلني فيها، وإذا أسلمتُ طَمَعًا في رؤية وجهك الكريم فلا تحرمني منه»، أريد دليلًا من الكتاب على صحة قولها هذا. الجواب: الحمد للَّه، رَابِعَةُ العَدَوِيَّة عَابِدَةٌ مَشهُورةٌ، وهي من أعلام الصوفية المتقَدِّمين الذين لديهم اجتهادٌ في العبادة، مع جهلٍ بحقيقة ما تُوجِبه الشريعة في باب السلوكِ والسَّيْرِ إلى اللَّه من أحوال القلوب وأعمال الجوارح، وقد أفضى بهم الجهلُ إلى الغلو والتَّنَطُّع في العبادة مما انحرفوا به عن الصراط المستقيم. ومن ذلك غُلُوُّهم في «المحبَّة»، حتى زعموا أنهم لا يعبدون اللَّه خوفًا ولا رجاءً، وإنما يعبدونه بالمحبَّة، وهذا مخالفٌ لطريق الأنبياء والرُّسل عليهم الصلاة والسلام الذين يَدْعُونَ ربهم رَغَبًا ورَهَبًا مع حُبِّهم له سبحانه، وابتِغَائِهِم إليه الوَسِيلَة، وتَقَرُّبهم إليه بِمَحَابِّه ومسارعتِهم في ذلك، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِين (٩٠)﴾ [الأنبياء]، وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ [الإسراء]. وهذه المقولةُ المنسوبةُ لرَابِعَة مقالةٌ منكَرَةٌ تتضمن الزُّهدَ في الجنَّة والاستخفافَ بعذابِ النَّار، وأمَّا رؤيةُ اللَّه فإنَّها أعلى نعيم الجنَّة، فمن دَخَلَ الجنَّة فَازَ بالنَّظَر إلى وجه اللَّه الكريم، وسَمَاعِ كَلَامِهِ، قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، ف «الحسنى»: الجنَّة، و«الزيادة»: النَّظَر إلى وجه اللَّه. ويروى معنى هذه المقولة عن رابعة أو غيرِها بلفظ: «إنِّي لا أعبده خوفًا من نَارِه، ولا طَمَعًا في جنَّتِه، بل أعبده حُبًّا له». ولهذا قال بعض أهل العلم: «من عبدَ اللَّه بالخوفِ وحدَه فهو حَرُورِيٌّ، -أي: من الخوارج-، ومَن عَبَدَه بالرَّجَاء فهو مُرجِئٌ، ومن عَبَدَه بالحُبِّ فهو زنديقٌ، ومن عَبَدَه بالحُبِّ والخوفِ والرَّجاءِ فهو مؤمنٌ موَحِّدٌ». وأسماءُ اللَّه وصفاتُه تقتضي محبَّتَه وخوفَه ورجاءَه، فاللَّه -تعالى- ذو الجمال والجلال والإكرام، وغافرُ الذَّنبِ، وقابلُ التَّوبِ، شديدُ العِقَاب، وكلُّ اسمٍ من أسمائِه الحسنى، وصفةٍ من صفاتِه، تقتضي عبوديةً خاصةً، فمَن كان بأسمائِه وصفاته أعلم كان له أعبد، وعلى صراطه أقوم، واللَّه أعلم. تتميم: ذكر شيخ الإسلام في كتاب «النبوات» (١/ ٣٤٣ - ٣٤٤) «أنَّ الواحدَ من هؤلاء لو جاع في الدنيا أيامًا، أو أُلقي في بعض عذابها، طارَ عقْلُه، وخرج من قلبِه كلُّ محبَّةٍ». ثم ذكر ﵀ نماذج من هذا، فذكر عن سمنون القائل: (وليس لي في سواك حظٌّ فكيفما شئتَ فامْتحِنِّي) أنه لما ابتُلِيَ بعسر البول صار يطوف على المكاتب ويقول: ادعوا لعمِّكم الكذَّاب. وذكر عن أبي سليمان الدَّارَاني أنه كان يقول: «قد أُعطيتُ من الرِّضا نصيبًا لو ألقاني في النّار لكنتُ راضيًا»، وأنه ذُكِرَ عنه أنّه لما ابتُليَ بمرضٍ قال: إن لم يُعافني وإلا كفرتُ، أو نحو هذا. وذكر عن الفضيل بن عياض أنه لما ابتُلي بعُسْر البول، قال: بحبّي لك إلا فرّجتَ عنّي. قال شيخ الإسلام معلِّقًا: «فَبَذَلَ حُبَّه في عسر البول» ثم قال: «فلا طاقة لمخلوق بعذاب اللَّه، ولا غنى به عن رحمته» انتهى. وينظر أيضًا في الرد على الصوفية في هذا: «الاستقامة» (٢/ ١٠٤ - ١٢٠)، و«مدارج السالكين» (٢/ ٨٠ - ٨١).z
[ ١٣٨ ]
[ ١٣٩ ]
يعني: صار من جنس الخوارج، (ومَن عَبَدَه بالرَّجَاء وَحدَه فهو مُرْجِئٌ)، (ومَن عَبَدَه بِالحُبِّ وَالخَوفِ والرَّجَاءِ فهو مُؤمِنٌ مُوَحِّدٌ) وهو الذي على الصراط المستقيم.
* * *
[ ١٤٠ ]
قول الشعبي: «إذا أحب الله عبدا لم يضره ذنبه» وبيان المؤلف لمعناه
* قال ابنُ رجبٍ ﵀:
وَمَعَ هَذَا فَلا تَظُنُّوا أَنَّ المَرَادَ أَنَّ المُحِبَّ مُطَالَبٌ بِالعِصمَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ مُطَالَبٌ كُلَّمَا زَلَّ أَنْ يَتَلافَى تِلكَ الوَصمَةَ (^١).
قَالَ زَيدُ بنُ أَسلَمَ: إِنَّ اللَّهَ لَيُحِبُّ العَبدَ حَتَّى يَبلُغَ مِنْ حُبِّهِ لَهُ أَنْ يَقُولَ: اذهَب فَاعمَل مَا شِئتَ فَقَد غَفَرتُ لَكَ (^٢).
وَقَالَ الشَّعبِيُّ: إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبدًا لَم يَضُرَّهُ ذَنبُهُ (^٣).
وَتَفسِيرُ هَذَا الكَلامِ: أَنَّ اللَّهَ ﷿ لَهُ عِنَايَةٌ بِمَنْ يُحِبُّهُ مِنْ عِبَادِهِ، فَكُلَّمَا زَلَقَ ذَلِكَ العَبدُ فِي هُوَّةِ الهَوَى أَخَذَ بِيَدِهِ إلى نَجوَةِ النَّجَاةِ، يُيَسِّرُ له أَسبَابَ التَّوبَةِ، يُنَبِّهُهُ عَلَى قُبحِ الزَّلَّةِ، فَيَفزَعُ إِلَى الاعتِذَارِ، وَيَبتَلِيهُ بِمَصَائِبَ مُكَفِّرَةٍ لِمَا جَنَى (^٤).
في بَعضِ الآثَارِ: يَقُولُ اللَّهُ تعالى: «أَهلُ ذِكرِي أَهلُ مُجَالَسَتِي، وَأَهلُ طَاعَتِي أَهلُ كَرَامَتِي، وَأَهلُ مَعصِيَتِي لا أُيَئِّسُهُم مِنْ رَحمَتِي، إِنْ تَابُوا فَأَنَا حَبِيبُهُم، وَإِنْ لَم يَتُوبُوا فَأَنَا طَبِيبُهُم، أَبتَلِيهِم بِالمَصَائِبِ
_________________
(١) في نسخة (ب): «الزلَّة».
(٢) لم أقف عليه.
(٣) أخرجه موقوفًا على الشعبيِّ: الحكيمُ الترمذيُّ في «نوادر الأصول» (٢/ ٣٥٠)، وأبو نعيم في «الحلية» (٤/ ٣١٨). وروي مرفوعًا من وجهٍ ضعيفٍ جدًّا، أخرجه القشيري في «الرسالة القشيرية» (ص ١٧٨)، وابن النجار في «ذيل تاريخ بغداد» (١٨/ ٧٨).
(٤) قال ابن رجب في «شرح حديث لبيك اللَّهُمَّ لبيك» (ص ١١٣ - ١١٤): «قال بعضُهم: إذا أحبَّ اللَّه عبدًا لم يضره ذنبه، ومراده أنه يمحوه عنه، وربما يجعل الذنب في حَقِّه سَبَبًا لشدة خوفِه من ربه وذُلِّهِ وانكِسَارِه له، فيكون سببًا لرفع درجة ذلك العبد عنده، وإذا خَذَلَ عبدًا وقضى عليه بذنب لم يُوَفِّقْهُ لشيءٍ من ذلك فَلَقِيَ اللَّه بذنبِه من غيرِ سَبَبٍ يمحوه عنه في الدنيا ثم يؤاخذه به في الآخرة فلا يغفر له».
[ ١٤١ ]
لأُطَهِّرَهُم مِنَ المَعَائِبِ» (^١).
في «صَحِيحِ مُسلِمٍ» عَنْ جَابِرٍ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الحُمَّى تُذهِبُ الخَطَايَا كَمَا يُذهِبُ الكِيرُ الخَبَثَ» (^٢).
وَفي «المُسنَدِ» وَ«صَحِيحِ اِبنِ حِبَّانَ» عَنْ عَبدِ اللَّهِ بنِ مُغَفَّلٍ ﵁: أَنَّ رَجُلًا لَقِيَ امرَأَةً كَانَتْ بَغِيًّا في الجَاهِلِيَّةِ، فَجَعَلَ يُلاعِبُهَا حَتَّى بَسَطَ يَدَهُ إِلَيهَا، فَقَالَت: مَه فَإِنَّ اللَّهَ قد أَذْهَبَ بالشِّركِ (^٣) وَجَاءَ بِالإِسلامِ، فَتَرَكَهَا وَوَلَّى، فَجَعَلَ يَلتَفِتُ خَلفَهُ وَيَنظُرُ إِلَيهَا، حَتَّى أَصَابَ وَجهُهُ حَائِطًا، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَالدَّمُ يَسِيلُ عَلَى وَجهِهِ، فَأَخبَرَهُ بِالأَمرِ، فَقَالَ ﷺ: «أَنْتَ عَبدٌ أَرَادَ اللَّهُ بِكَ خَيرًا»، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ بِعَبدٍ خَيرًا عَجَّلَ عُقُوبَتَهُ فِي الدُّنيَا، وَإِذَا أَرَادَ بِعَبدٍ شَرًّا أَمسَكَ ذَنبَهُ (^٤) حَتَّى يُوَافِيَ يَومَ القِيَامَةِ» (^٥).
_________________
(١) لم أقف على هذا الأثر مسندًا، والظاهر أنه من الأخبار الإسرائيلية، فقد نقل ابن عبد الهادي في «العقود الدرية» عن شيخ الإسلام ابن تيمية قوله: «يقول اللَّه تعالى في بعض الكتب » فذكره، فكأنه يريد كتب أهل الكتاب، واللَّه أعلم. وانظر غير مأمور: كلام العلامة الألباني في «السلسلة الضعيفة» رقم (٤٣٩٢).
(٢) أخرجه مسلمٌ رقم (٢٥٧٥)، وفي أوله قصة، وهي أنَّ النبيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَى أُمِّ السَّائِبِ -أو: أُمِّ الْمُسَيَّبِ-، فَقَالَ: «مَا لَكِ يَا أُمَّ السَّائِبِ -أو: يا أُمَّ الْمُسَيَّبِ- تُزَفْزِفِينَ؟ [يعني: تَرْتَعِدِين]» قَالَتْ: الْحُمَّى لا بَارَكَ اللَّه فيها، فقال: «لا تَسُبِّي الْحُمَّى، فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا …».
(٣) في نسخة (ب) بدون الباء: «أذْهَبَ الشِّرْكَ»، ومثلها ما سيأتي قريبًا.
(٤) كذا في نسخة الأصل: «أمسكَ ذَنْبَه»، ووقع في نسخة (ب): «أمسَكَ عَنه بِذنْبِهِ»، وفي «صحيح ابن حبان»: «أمسَكَ عَلَيهِ ذَنبَه»، وفي «المسند»: «أمسكَ عَلَيهِ بِذنبِه».
(٥) أخرجه أحمد في «المسند» رقم (١٦٨٠٦)، وابن حبان في «صحيحه» رقم (٢٩١١)، والحاكم في «المستدرك» رقم (١٢٩١ و٨١٣٣) وقال: هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط مسلم ولم يخرِّجَاه. وصحَّحه أيضًا العراقيُّ في «المغني عن حمل الأسفار» رقم (٣٧٧٣)، وابنُ حجر في «الفتح» (٨/ ١٢٤).
[ ١٤٢ ]
ليس من شرط تحقيق التوحيد العصمة من الذنوب
الذنوب تجوز على الكمل من أولياء الله، لكن لا يجوز عليهم الإصرار عليها
التوبة من أعلى مقامات الدين
هذا الكلام فيه أنه ليس المراد من الكلام في تحقيق التوحيد أو صدق المحبة أن يكون الإنسان معصومًا لا يقترف ذنبًا، بل المقصود ألَّا يُصِرَّ على الذنب، وإلا فليس أحدٌ من أولياء اللَّه -بعد رسول اللَّه ﷺ معصومًا، فتجوز على الكُمَّل من أولياء اللَّه الذنوب، لكنَّ أهلَ الإيمان الصادق لا يُصِرُّون على الذنوب، بل كما قال ﷾: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُّبْصِرُون (٢٠١)﴾ [الأعراف].
فهم يذنبون فيتوبون، والتوبة بابٌ واسعٌ مفتوحٌ للعباد، فكل من أذنب ذنبًا فإنَّه لا يضيق به هذا الباب، فله أن يتوب إلى اللَّه ويبادر ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [التحريم: ٨]، وقال سبحانه: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون (٣١)﴾ [النور].
والتوبة من أعلى مقامات الدين، وقد أثنى اللَّه بها على الرُّسل، فقال سبحانه: ﴿لَقَدْ تَابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيم (١١٧)﴾ [التوبة].
فالمقصود: أن على العبدِ أن يتوَجَّه إلى ربِّه ويصدق في مراقبته، فإذا عصاه بادر إلى التوبة، وأن يستحضر أنَّ اللَّه مطلعٌ عليه، وأنَّه على كلِّ شيءٍ شهيدٌ، فعليه أن يحذر أن يراه حيث نهاه وأن يفقده حيث أمره.
[ ١٤٣ ]
قول زيد بن أسلم: «إن الله ليحب العبد حتى يبلغ من حبه له أن يقول: اذهب فاعمل ما شئت فقد غفرت لك» وتعليق الشارح عليه
وأعلى مقامات الدِّين «الإحسان»، وهو أن تعبد اللَّه كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
فالمقصود: أنَّ هذا الكلام الذي نَبَّه عليه المؤلف كلامٌ طَيِّبٌ؛ فليس من شرط الولاية العصمة، فأولياء اللَّه تَعْرِضُ لهم الذنوب، لكن يتوبون ويُنيبون ويُبادرون بالتوبة إلى اللَّه، خوفًا من اللَّه ومحبة له ورجاء لثوابه.
وأما قول زيد بن أسلم: (إنَّ اللَّه ليُحِبُّ العبدَ حتى يبلُغَ من حُبِّه له أن يقول: اذهبْ فاعمَلْ مَا شئتَ فقد غَفَرتُ لكَ) -إن صحَّ عنه- فمعناه: أن حكمة اللَّه تعالى تقتضي أن يقول لِوَلِيِّه: (اعمل ما شئتَ فقد غفرتُ لكَ)، وهذا نظير ما قاله ﷾ لأهل بدر: «اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم» (^١)، لكن لا يُجزم بنسبة هذا القول إلى اللَّه تعالى في أحدٍ إلا بنقلٍ صحيحٍ عن النبيِّ ﷺ، لكنَّه ممكِنٌ.
ولهذا نجزم أنَّ اللَّه تعالى قال لأهل بدرٍ: «اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم» لثبوت خبره ﷺ بذلك.
ومعلوم أن هذا ليس إذنًا باقتراف الذنوب، ولكنه وعدٌ بالمغفرة إن بُلِيَ العبدُ بشيءٍ من الذنوب.
وهكذا قول الشعبي: (إِذا أحبَّ اللَّه عبدًا لم يَضُرَّه ذنبُه) يجب حمله على أنه لا بد أن يوفق للتوبة أو غيرها من أسباب المغفرة كما بَيَّن ذلك ابنُ رجبٍ في سياق كلامه التالي.
_________________
(١) متفقٌ عليه، أخرجه البخاري في مواضع، منها: رقم (٢٨٤٥)، ومسلمٌ رقم (٢٤٩٤).
[ ١٤٤ ]
أعظم أسباب المغفرة: التوبة والاستغفار والأعمال الصالحة والمصائب
هذا، وللمغفرة أسبابٌ (^١)، أعظمها التوبةُ والاستغفارُ والأعمالُ الصالحة والمصائبُ، فمن كان من أولياء اللَّه وابتلي بشيءٍ من الذنوب فلا بُدَّ أن يُعَرِّضَه اللَّه لهذه المكفرات.
ومن شواهد التكفير بالمصائب قولُه ﷺ: «الحمَّى تُذهِبُ الخطايا كما يُذهِبُ الكِيرُ الخبَثَ»، ومن شواهدها أيضًا قصةُ ذلك الرَّجل الذي راودَ المرأةَ وجَرَى عليه بسببِ ذلك أن أُصِيبَ بِشَجَّةٍ في وجهِه فكان في ذلك إيقاظٌ له حتى يرجعَ إلى ربِّه وينيبَ ويُقلِعَ عن ذنبِه.
* * *
_________________
(١) ينظر: «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٧/ ٤٨٧)، و«جامع العلوم والحكم» (حديث رقم ٤٢).
[ ١٤٥ ]
نصيحة من المؤلف على العزم على فطام النفوس عن رضاع الهوى
الإسلام يقتضي الاستسلام لله والانقياد لطاعته
* قال ابنُ رجبٍ ﵀:
يَا قَومُ قُلُوبُكُمْ عَلَى أَصلِ الطَّهَارَةِ، وَإِنَّمَا أَصَابَهَا رَشَاشٌ مِنْ نَجَاسَةِ الذُّنُوبِ، فَرُشُّوا عَلَيهَا قَلِيلًا مِنْ دَمعِ العُيُونِ وَقَدْ طَهُرَت.
اِعزِمُوا عَلَى فِطَامِ النُّفُوسِ عَنْ رَضَاعِ الهَوَى، فَ «الحِميَةُ رَأسُ الدَّوَاءِ» (^١).
مَتَى طَالَبَتكُم بِمَألُوفَاتِهَا، فَقُولُوا لَهَا كَمَا قَالَتْ تِلكَ المَرأَةُ لِذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي دَمِيَ وَجهُهُ: قَدْ أَذهَبُ اللَّهُ بِالشِّركِ وَجَاءَ بِالإِسلامِ (^٢).
وَالإِسلامُ يَقتَضِي الاستِسلامَ وَالانقِيَادَ لِلطَّاعَةِ.
ذَكِّرُوهَا مِدْحَة ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] لَعَلَّهَا تَحِنُّ إِلى الاستِقَامَةِ، عَرِّفُوهَا اطِّلاعَ مَنْ هُوَ أَقرَبُ مِنْ حَبلِ الوَرِيدِ لَعَلَّهَا تَستَحِي مِنْ قُربِهِ وَنَظَرِهِ، ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤)﴾ [العلق]، ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَاد (١٤)﴾ [الفجر].
رَاوَدَ رَجُلٌ اِمرَأَةً فِي فَلاةٍ لَيلًا فَأَبَت، فَقَالَ لَهَا: مَا يَرَانَا إِلَّا الكَوَاكِبُ، قَالَتْ: فَأَينَ مُكَوكِبُهَا؟ (^٣).
_________________
(١) هذه الجملة يرويها بعضُهم حديثًا عن النبي ﷺ، ولا أصل لها من كلامِه ﵊، قال ابن القيم في «زاد المعاد» (٤/ ٩٤): «وأما الحديثُ الدائرُ على ألسنةِ كثيرٍ من الناس: «الحِميةُ رأسُ الدواءِ، والمَعِدَةُ بيتُ الداءِ، وعوِّدُوا كلَّ جِسْمٍ مَا اعتَادَ» فهذا الحديث إنما هو من كلامِ الحارثِ ابنِ كَلَدَةَ؛ طبيبِ العَرَب، ولا يصحُّ رفعُه إلى النبيِّ ﷺ، قاله غيرُ واحد من أئمة الحديث».
(٢) تَقَدَّم تخريجُه قريبًا.
(٣) أوردها الخرائطي في «اعتلال القلوب» رقم (٨٣)، والبيهقي في «شعب الإيمان» رقم (٨٥٢).
[ ١٤٦ ]
كثيرا ما يذكر الله عباده بهذه الأسماء الثلاثة: «السميع»، و«البصير»، و«العليم» والسر في ذلك
أَكرَهَ رَجُلٌ امرَأَةً عَلَى نَفسِهَا، وَأَمَرَهَا بِغَلقِ الأَبوَابِ، فَفَعَلَت، فَقَالَ لَهَا: هَلْ بَقِيَ بَابٌ لَم تُغلِقِيهِ؟ قَالَتْ: نَعَم، البَابُ الَّذِي بَينَنَا وَبَينَ اللَّهِ، [فتركها] ولَم يَتَعَرَّض لَهَا.
رَأَى بَعضُ العَارِفِينَ (^١) رَجُلًا يُكَلِّمُ امرَأَةً، فَقَالَ: إِنَّ اللَّه يَرَاكُمَا، سَتَرنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمَا!.
هذه العبارات والقَصص التي ذكرها المؤلِّف هنا كلُّها تؤكِّدُ ما سبق من أنَّ العبدَ معرَّضٌ للذنوبِ وإن كان عبدًا صالحًا، فهو معرَّضٌ للغفلة، ومعرَّضٌ للوقوع في الزلَّة والهفوة، لكن عليه أن يراقب ربَّه وأن يستحضر اطلاع اللَّه عليه، فيتذكر أنَّ اللَّه يسمَعُه ويراه ويعلم سِرَّه وعلانيَتَه.
ولهذا كثيرًا ما يُذَكِّرُ اللَّه عباده بهذه الأسماء الثلاثة: «السميع»، و«البصير»، و«العليم»، حتى يستحضر العباد ما تقتضيه هذه الأسماء من المعاني العظيمة، فإنَّ الإيمانَ بها شيءٌ والتأثُّر بها شيءٌ آخَر، فتجد بعض الناس يؤمن باسمه سبحانه «السميع» وأن اللَّه يسمع جميع الأصوات ومع ذلك تجده يطلق لسانَه في اللَّغْو وفي الإثم وفي الحرام وفي قول الزور ولا يتورَّع عن ذلك، وقل مثل ذلك في اسمه «البصير» واسمه «العليم».
_________________
(١) هو: محمَّدُ بنُ المنْكَدِر ﵀، أسنده عنه ابن أبي الدنيا في «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» رقم (٤٣).
[ ١٤٧ ]
الإيمان الصادق يبعث على مراقبة الله
فاسمه «السميع» يقتضي أنه سامع لجميع الأصوات، سامع لأقوالنا وكلماتنا، السر منها والعلانية.
واسمه «البصير» يقتضي أنَّه يرانا ويرى أفعالنا ﴿فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥]، فاللَّه يرى أعمال العباد، كما قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيم (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُوم (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِين (٢١٩)﴾ [الشعراء]، ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨]، ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤]، وقد قيل في معنى هذا: يعني على مرأى منَّا، فهو سبحانه يسمع ويرى ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ [طه].
وكذلك اسمه «العليم»، فهو سبحانه يعلم كل شيء، وعلمه شامل لكل شيء، فيعلم السر وأخفى، ويعلم ما في الصدور، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور (١١٩)﴾ [آل عمران]، وقال: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُور (١٩)﴾ [غافر].
ففي هذه القصص التي ذكرها المؤلِّف مُعتَبَر، فالإنسان قد يغفل كما جاء في قصة ذلك الرَّجل الذي خلا مع تلك المرأة وأمرها أن تغلق الأبواب وقال لها: هل بقي باب؟ قالت: نعم، بقي الباب الذي بيننا وبين اللَّه، فتأثَّر بذلك وخاف من ربِّه فقام وتركها.
وهكذا يكون الإيمانُ الصادقُ، فإنَّ الإيمانَ يبعث على مراقبة اللَّه ولو كان المرءُ غائبًا عن الناس، فتجده لا يراه أحدٌ من الناس ومع ذلك يَكُفُّ عن الحرام وعن الكَسْبِ الحرام، فقد يظفر بمالٍ يقدر على أن
[ ١٤٨ ]
مقام المراقبة والخوف من الله يبعث على الكف عن المحارم، وعلى التوبة من الجرائم
يختلسه من غير أن يَطَّلِع عليه أحدٌ، ويأمن -مع ذلك- على نفسه، ولكن يمنعه من اختلاسه خوفه من اللَّه تعالى.
ومن ذلك ما جاء في حديث السَّبعة الَّذين يُظِلُّهم اللَّه في ظِلِّه يومَ القيامة، ومنهم: «رجلٌ دَعَتْهُ امرأةٌ ذاتُ منْصِبٍ وجمالٍ، فقال: إني أخاف اللَّه» (^١).
وأعظم مَثَلٍ لهذا نبيُّ اللَّه يوسف ﵇، فقد اجتمعت عليه كل أسباب الوقوع في الفاحشة، فهو مملوكٌ رقيقٌ غريبٌ شابٌّ عَزَبٌ، وسيدته هي التي تدعوه لمطلوبها، ومع ذلك يَفِرُّ منها، ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِين (٢٤)﴾ [يوسف]، فلم تكن له حيلةٌ إلا أن يَفِرَّ إلى الباب ليَخرُج ليَسْلَم من الوقوع في الفاحشة وسوءِ العاقبة، كما قال تعالى: ﴿وَاسُتَبَقَا الْبَابَ﴾ [يوسف: ٢٥]؛ يعني: أيهما أسبق، فهو يريد الباب ليهرب ويخرج، وهي تريد الباب لتغلقه ولِتَحُولَ بينه وبين الخروج.
فالشاهد من هذا أن مقام المراقبة ومقام الخوف من اللَّه يبعث على الكَفِّ عن المحارم، وعلى التوبة من الجرائم.
* * *
_________________
(١) متفقٌ عليه من حديث أبي هريرة ﵁؛ البخاري رقم (٦٢٩)، ومسلم رقم (١٠٣١).
[ ١٤٩ ]
بم يستعان على غض البصر؟
كلما قويت المعرفة بالله قوي الحياء منه
* قال ابنُ رجبٍ ﵀:
سُئِلَ الجُنَيدُ ﵀: بِمَ يُستَعَانُ عَلَى غَضِّ البَصَرِ؟، قَالَ: بِعِلمِكَ أَنَّ نَظَرَ اللَّهِ إِلَيكَ أَسبَقُ مِنْ نَظَرِكَ إِلَى مَا تَنظُرُه.
وَقَالَ المُحَاسَبِيُّ: المُرَاقَبَةُ عِلمُ القَلبِ بِقُربِ الرَّبِّ (^١).
كُلَّمَا قَوِيت المَعرِفَةُ بِاللَّهِ قَوِيَ الحَيَاءُ [مِنْ قُربِهِ وَنَظَرِهِ].
وَصَّى النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا أَنْ يَستَحِي مِنْ اللَّهِ كَمَا يَستَحِي مِنْ رَجُلٍ من صَالِحِ عَشِيرَتِهِ لا يُفَارِقُهُ (^٢) (^٣).
قَالَ بَعضُهُم (^٤): اِستَحِ مِنْ اللَّهِ عَلَى قَدرِ قُربِهِ مِنكَ، وَخَفِ اللَّهَ عَلَى قَدرِ قُدرَتِهِ عَلَيكَ.
كَانَ بَعضُهُم (^٥) يَقُولُ: مُنذُ أَربَعِينَ سَنَةً مَا خَطَوتُ خُطوَةً لِغَيرِ اللَّهِ، وَلا نَظَرتُ إِلَى شَيءٍ أَستَحسِنُهُ حَيَاءً مِنْ اللَّهِ ﷿.
_________________
(١) «القصد والرجوع إلى اللَّه» (ص ٣١٣).
(٢) في نسخة (ب): [كَمَا يَستَحِي من رَجُلَين صَالِحَين من عَشِيرَتِهِ لا يُفَارِقَانِه].
(٣) أخرجه الطبراني في «الكبير» رقم (٥٥٣٩) وإسناده جيِّدٌ.
(٤) هو: وُهَيبُ بنُ الوَرْد ﵀، أسنده عنه محمد بن نصر المروزي في «تعظيم قدر الصلاة» رقم (٨٤١ و٨٤٢)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٨/ ١٤٠)، وصَرَّحَ المصنِّفُ باسمه في «جامع العلوم والحكم» (١/ ٤٠٨).
(٥) هو: محمد بن الفضل البَلْخي ﵀، عزاه إليه ابن الجوزي في «صفة الصفوة» (٤/ ١٦٥)، وزاد في آخره: «ومَا أَمْلَيتُ على مَلَكَيَّ ثلاثين سنة شيئًا، ولو فعلتُ ذلك لاستَحْيَيتُ منهما»، وصَرَّح المصنِّفُ باسمه في كتابه الآخر «جامع العلوم والحكم» (١/ ٢١٤) وقال معلِّقًا: «هؤلاء القوم لما صَلحَت قلوبُهم فَلَم يَبْقَ فيها إرادةٌ لغير اللَّه ﷿ صَلحَت جوارحُهم فلم تتحرَّك إلا للَّه ﷿ وبما فيه رضاه».
[ ١٥٠ ]
كَأَنَّ رَقِيبًا مِنْكَ يَرعَى خَوَاطِرِي … وَآخَرُ يَرعَى نَاظِرِي وَلِسَانِي
فَمَا أَبصَرَت عَينَايَ بَعدَكَ مَنظَرًا … لِغَيرِكَ إِلَّا قُلتُ قَدْ رَمَقَانِي
وَلا بَدَرَت مِنْ فِيّ بَعدَكَ لَفظَةٌ … لِغَيرِكَ إِلَّا قُلتُ قَدْ سَمِعَانِي
وَلا خَطَرَت مِنْ ذِكرِ غَيرِكَ خَطرَةٌ … عَلَى القَلبِ إِلَّا عَرَّجَا بِعَنَاني (^١)
هذه الجمل المتقدِّمة فيها تأكيدٌ لما سبق؛ من أنَّ مما يُعِينُ على الكفِّ عن الحُرُمات؛ ويُعِينُ على غضِّ البصر، وحفظِ الفرج، وحفظِ الجوارح عن معاصي اللَّه = هو استحضار اطلاع اللَّه على عبده وسماعه وبصره وعلمه، فاستحضار العبد لمعاني هذه الأسماء هو أعظم سببٍ يَكُفُّه عن المحرَّمات، ويجعله يحجم ويمتنع، ويتذكر أن اللَّه يراه، وأنه يسمعه، وأنه يعلم سره وعلانيته، فيستحيي من ربه.
_________________
(١) عزاه المصنِّف في آخر رسالته «كشف الكربة في وصف أهل الغربة» إلى البُحْتُري، فقال: «ولأبي عُبَادة البُحْتُري في هذا المعنى أبياتٌ حسنةٌ أساء بقولها في مخلوقٍ، وقد أصلحتُ منها أبياتًا حتى استقامت على الطريقة»، ثم ذكر الأبيات المذكورة هنا وزاد عليها. وقد أسندها عن البحتريِّ: القاضي التنوخيُّ في «نشوار المحاضرة» (٦/ ١٤٥).
[ ١٥١ ]
الاستشهاد بالأحاديث الضعيفة في تقرير الأمر الثابت
الأحكام والعقائد لا تثبت إلا بالأدلة الصحيحة
فبقدر عِلْمِ العبدِ بذلك ويقينِه وشعورِه تكون حاله مع أوامر اللَّه ونواهيه، من الوقوف عند حدوده والقيام بطاعته ﷾.
وقد ذكر المصنِّفُ ﵀ جملة من الشواهد على هذا المعنى من أقوال بعض العُبَّاد، وبعض المأثورات.
وبعض هذه الأحاديث التي استشهد بها المؤلِّف وإن كانت ضعيفةً إلا أنَّ أهل العلم لا يرون مانعًا من الاستشهاد بالأحاديث وإن كانت ضعيفة في تقرير وتأكيد الأمر الثابت، مثل ما يكون في أحاديث الترغيب والترهيب مثلًا.
وأما الأحكام والعقائد فلا تُثبَت إلا بالأدلة الصحيحة، لكن هناك من الأدلة ما يُذكَر للاعتضاد والاستشهاد لا للاعتماد، فالقضية العَقَدِيَّة -عِلْمِيَّة كانت أو عَمَلِيَّة- الثابتة بالدليل الصحيح من كتابٍ وسُنَّة = لا بأس أن تُساقَ الشواهد والروايات والآثار والأخبار التي تؤيِّدُها وتؤكِّدُها وتعمِّقُها في النَّفْس؛ لأنَّ معناها حقٌّ، فلا مانع من ذكر ما يؤيِّد أمرًا معلومًا وثابتًا بالدليل، وعلى هذا دَرَجَ كثيرٌ من أهل العلم من الأوَّلين والآخِرين، فلا يُتَّخذ من ذكرِهم لبعضِ الروايات أو الأحاديث والآثار التي يمكن أن يقال: إنها ضعيفة مطعنًا عليهم، وإذا عُرِف مقصودهم اندَفَعَ طَعنُ الطَّاعِنين من الجاهِلين أو المغرِضين.
* * *
[ ١٥٢ ]
فصل في فضائل كلمة التوحيد
* قال ابنُ رجبٍ ﵀:
فَصلٌ
وَكَلِمَةُ التَّوحِيدِ لَهَا فَضَائِلُ عَظِيمَةٌ لَا يُمْكِنُ هَهُنَا استِقصَاؤهَا (^١)، فَلنَذْكُر بَعضَ مَا وَرَدَ فِيهَا:
- فَهِي كَلِمَةُ التَّقْوَى، كَمَا قَالَهُ عُمَرُ وَغَيرُه من الصَّحَابَةِ (^٢).
- وَهِي كَلِمَةُ الإِخلاصِ، وَشَهَادَةُ الحَقِّ، وَدَعوَةُ الحَقِّ (^٣)، وَبَرَاءَةٌ من الشِّرْكِ (^٤)، وَنَجَاةُ هَذَا الأَمْرِ.
_________________
(١) قال ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى» (٢/ ٢٥٦): «فضائلُ هذهِ الكلمةِ وحقائِقُهَا وموقِعُها من الدِّينِ فوقَ مَا يصفُهُ الواصِفُونَ ويعرِفُهُ العارفُونَ؛ وهِيَ حَقِيقَةُ الأَمرِ كُلِّهِ؛ كما قالَ تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُون (٢٥)﴾ [الأنبياء]».
(٢) قول عمر: أخرجه أحمد في «المسند» رقم (٤٤٧) وإسناده قوي. وجاء تفسيرها عن غيره من الصحابة، منهم: علي بن أبي طالب، وابن عباس، وابن عمر. ينظر: «تفسير ابن جرير الطبري» (٢١/ ٣١٠ - ٣١٣)، و«الدر المنثور» (١٣/ ٥٠٧ - ٥١٠) عند قوله تعالى: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ [الفتح: ٢٦].
(٣) تُنظر أقوال السلف في تفسير قوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ [الرعد: ١٤] في: «تفسير الطبري» (١٣/ ٤٨٥ - ٤٨٦)، و«الدر المنثور» (٨/ ٤١٢ - ٤١٣).
(٤) جاء في بعض الأحاديث: أنَّ النبيَّ ﷺ سَمِعَ رَاعِيَ غَنَمٍ يُؤذِّنُ للصلاة، فلمَّا قال: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه، قال ﷺ: «كَلِمَةُ الإِخْلاصِ»، وفي رواية: «شَهِدَ شَهَادَةَ الْحَقِّ»، وفي رواية: «بَرِئَ هَذَا مِنَ الشِّرْكِ»، وفي رواية: «خَرَجَ مِنَ النَّارِ». ينظر مثلًا: «صحيح مسلم» رقم (٨٧٣)، و«الدعاء» للطبراني [باب ثواب مَنْ قال كما يقول المؤذِّن] (ص ١٦٠ - ١٦٤)، و«معرفة الصحابة» لأبي نعيم رقم (٦٠٥٤ - ترجمة مسلم بن رِيَاح).
[ ١٥٣ ]