كان سلف الأمة الأخيار إذا أتاهم نص في مسائل الاعتقاد تلقوه بالتسليم والانقياد، ولم يفعلوا كما فعل أهل الأهواء والبدع من عرض النصوص على عقولهم، فما قبلته أخذوه وما لم تقبله ردوه.
والتوحيد تعريفه وأقسامه وأهميته في منهج أهل السنة واضح للعيان، وما ورد من شبه حول تقسيمه مردود ممن كان.
[ ٣ / ١ ]
من آداب طلب العلم
الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: لعلي أتكلم عن أدبين من آداب طلب العلم، وقد تكلمت فيما سبق عن أدب وهو إخلاص النية في الطلب، وأن طالب العلم يجب أن يعلم أنه في عبادة، والعبادة لا بد فيها من إخلاص النية حتى يستفيد الإنسان منها، وتكون في ميزان حسناته.
[ ٣ / ٢ ]
من آداب الطلب: طهارة الباطن والظاهر
أن يشتغل طالب العلم بطهارة باطنه وظاهره من شوائب المعاصي والمخالفات لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وخاصة أن النفس قد جبلت على أخلاق رديئة، وفيها من الصفات ما تحتاج إلى نزعها منها حتى يكمل الإنسان ويشرف، ويعلو ويتطهر بما جاء من شرع الله ومن سنة رسوله ﷺ.
وكم في النفس من الأخلاق الذميمة مثل الغضب، والشهوة المحرمة، والحقد، والحسد، والعجب، والكبر وغيرها من الأمراض التي تحتاج إلى علاج.
وسبحان الله! تلك الأمراض هي ظلمة في القلب، والعلم الذي يأخذه الإنسان هو نور، ولا يمكن أن تجتمع الظلمة مع النور اجتماعًا كاملًا، ولذلك قيل: القلب المظلم المشحون بالذنوب لا يستطيع استقبال النور، ولا تحدث بركة العلم فيه كاملة.
وقد ذكروا أن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى حفظ الموطأ عند الإمام مالك في أيام، ولعله في أسبوع أو أكثر من ذلك، فقال:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأخبرني بأن العلم نور ونور الله لا يؤتى لعاصي
ولذلك ربما يكون الإنسان حافظًا، وذا اطلاع وفهم وإدراك ومعه معصية لكن العلم الذي معه لا تحدث بركته فيه، فلا يستفيد الناس منه، ولا يستفيد منه بذاته شيئًا يثمر به، ولهذا وجب على الإنسان أن يطهر نفسه من أدران المعاصي صغيرها وكبيرها.
ونبه العلماء رحمهم الله تعالى على أن من الواجب على المسلم أن يطهر نفسه من أدران البدع التي ربما توجد عند بعض الناس، سواء كانت تلك البدع صغيرة أو كبيرة، وهذا هو الواجب، وكما قال النبي ﷺ: (ألا إن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح سائر الجسد) ثم قال النبي ﷺ: (ألا وهي القلب) والقلب هو موطن العلم، وبركته إنما تصدر من القلب إذا نفع الله به، وكان طلب العلم فيه إخلاص، وابتعاد عن المعاصي.
[ ٣ / ٣ ]
من آداب الطلب: تفريغ القلب للعلم
يجب أن يبتعد الإنسان عن العلائق التي تكون سببًا لصرفه عن العلم، ولذلك كم من الناس من يبحثون عن أمور تملأ فراغهم، وربما يملئونها بأمور تشغلهم عن الأفضل، وعن الاستفادة والعلو والارتفاع إلى الأكمل، ولذلك تجد كثيرًا من الناس ربما يشتغل بالمفضول عن الفاضل، وربما يشتغل بالمباح عن الواجب، وبالمستحب عن الأمور الواجبة، وكم من الناس من يضيعون أوقاتًا في أمورٍ لا يستفيدون منها، وإنما تحدث لهم ملء فراغٍ لا ينتقلون منها إلى الأكمل والأفضل.
ولهذا لم يكن السلف رحمهم الله تعالى يؤثرون على العلم شيئًا أبدًا؛ لأن ثمرة العلم لا يوازيها جلوس مع الناس، ولا حديث، ولا زيارة، ولا اتصال ولا غيره، والعلم علو كامل وثمرة واضحة على صاحبها يستفيد منها في الدنيا والآخرة، ولهذا قالوا: ينبغي للإنسان في قضية الطلب أن يذل نفسه، وقالوا: لن يصل الإنسان إلى العلم ويستفيد منه مع عزة النفس وارتفاعها، بل لا بد من الذل، وأن يصبح الإنسان يقضي وقته كله في العلم.
قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: لا يطلب أحد هذا العلم بالملك، ولا عز النفس فيفلح، ولكن إذا طلبه بذل النفس، وضيق العيش، وخدمة العلماء، فإنه يفلح في الدنيا والآخرة.
لذلك كان أبو هريرة ﵁ وأرضاه يلازم النبي ﷺ على ملء بطنه، ما كان يشتغل بالضرب في الأسواق، ولا بجمع المال ولم يكن يشتغل فيه، ولا يتحدث بحديث الناس، ولا بحديث الركب، جل وقته للعلم، حتى كان ﵁ وأرضاه ربما أغمي عليه من قلة أكله وزاده ﵁، كله لزومًا للنبي ﷺ، وحرصًا على ذلك، ولذلك روى الخطيب البغدادي عن أبي هريرة ﵁: إن الناس يقولون: [أكثر أبو هريرة، ثم قال: إني كنت لا ألزم رسول الله ﷺ لشبع بطني حين لا آكل الخمير، ولا ألبس الحبير، ولا يخدمني فلان ولا فلانة، وكنت ألصق ببطني الحصى من شدة الجوع] ﵁.
وأعظم من ذلك أحد كبار الصحابة ابن عباس ﵁ وأرضاه، كان يأتي إلى الصحابي يريد أن يسأله عن مسألة فلا يقرع عليه الباب تأدبًا معه، وربما كان في الظهيرة ويدركه النوم وينام على عتبة باب هذا الصحابي، ويخرج ويجد ابن عم رسول الله هنا، ويقول: لِمَ لم تقرع ولِمَ لم تستأذن؟ قال: هكذا أمرنا أن نتأدب مع علمائنا.
صبرًا وتحملًا في الطلب، وعدم إزعاجه لأصحاب رسول الله ﷺ.
يقول ابن جماعة رحمه الله تعالى: على طالب العلم أن يبادر شبابه وأوقات عمره إلى التحصيل، ولا يغتر بخداع التسويف والتأميل، فإن كل ساعة تمضي من حياة الإنسان ومن عمره لا يمكن أن يبدلها، ولا يمكن أن يعوض عنها، وعليه أن يقطع ما يقدر من العلائق الشاغلة.
كثير من الناس قسموا أوقاتهم ليلة في الأسبوع هذه لجلسة كذا، وليلة أخرى لزيارة وغيرها، وثالثة لجلوس مجالس ربما يضيع وقتها ولا يستفيد منها.
كان السلف يقطعون علائقهم كليًا، والسبب: لانشغالهم بذات العلم، وقالوا: إن ذلك من تمام الطلب أن يقطع الإنسان العلائق، وأن يبذل الجهد، وأن يقوي نفسه بالجد والتحصيل ليستفيد، ولذلك كان السلف رحمهم الله تعالى يغتربون في طلب العلم، ويبتعدون عن الأهل والأوطان؛ تفريغًا لأنفسهم في تحصيل العلم، ولذلك قال أبو يوسف رحمه الله تعالى: العلم شيء لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك.
وعجبًا من كثير من الأحبة! يجعلون للعلم فضالات أوقاتهم، فإذا لم يجدوا شغلًا في أمورهم الذاتية وفي حاجاتهم النفسية وفي علائقهم، قالوا بعد ذلك: هذا الوقت سنجعله للعلم.
وربما يجعل أحدهم درسًا في الأسبوع، وينظر لنفسه أنه قد فاق تلامذة شيخ الإسلام ابن تيمية وعلماء زمانه، ويقول: جعلنا للعلم وطلبناه وسرنا له واستفدنا منه، وما علم أنه ما حصّل إلا جزءًا يسيرًا، ولا نقول: إنه لم يستفد علمًا، لكن علمه الذي حصله لم يكن له ثمرة كما يحدث لمن سافر في طلب العلم واغترب.
أذكر قصة لطيفة من اللطائف: كنت أقرأ في أحد الكتب، فذكر أن هذه هي عقيدة الإمام أحمد ﵀ وبقي بن مخلد وغيره، بقي بن مخلد رحمه الله تعالى هو ممن سافر إلى الإمام أحمد وهاجر إليه، وذكروا أنه جاء من الأندلس، ولد في رمضان سنة (٢٠١هـ) ورحل إلى الإمام أحمد من الأندلس إلى أن وصل، ولما قرب من ديار الإمام أحمد علم بأن الفتنة قد قامت بخلق القرآن، وأن الإمام أحمد لا يستطيع أن يحدث بحديث رسول الله في المسجد، ولا يستطيع أن يبين عقيدةً؛ نظرًا لأن المعتزلة كان لهم الحكم والصولة والجولة، وكانت الخلافة قد أخذت برأي المعتزلة، فحوصر ﵀ عن التحديث.
يقول: لما قربت من بغداد اغتممت غمًا شديدًا، والسبب: أني قدمت من الأندلس؛ لأطلب العلم على يد الإمام أحمد، ولما علمت بأني سأمنع حزنت لذلك أشد الحزن، قال: فلما دخلت بغداد استأجرت لي حانوتًا وأنزلت متاعي ثم ذهبت إلى المسجد، فأتيت الجامع الكبير، وأنا أريد أن أجلس إلى الخلق، وأتعلم من كبار أئمة السلف، وأتذاكر معهم، قال: فجئت إلى حلقة نبيلة، وإذا برجل جالس في الحلقة يكشف أحوال الرجال، ويضعف هذا ويقوي هذا، فسألت: من هذا الرجل؟ قالوا: إنه يحيى بن معين ﵀، فرأيت فرجة قريبة من عنده فاندسست حتى وصلت إليه، فقلت له: يا أبا زكريا! رحمك الله رجل غريب نائي الدار، أردت أن أسأل فلا تستخفني في شيء، ثم سأله عن بعض أهل الحديث، فبين له ضعفهم وغيره، قال: فسألته عن هشام بن عمار رحمه الله تعالى، وكنت قد أكثرت من الأخذ عنه؟ فقال يحيى بن معين: أبو الوليد هشام بن عمار صاحب صلاة، دمشقي ثقة وفوق الثقة، قال: ففرحت؛ لأنه قد حكم عليه بصلاحه وبتوثيقه، ثم سألته عدة أسئلة، قال: صاح من حوله يكفيك، كمن يسأل ويلح على الشيخ، يكفيك فغيرك كثير يريدون أن يسألوا.
ثم سألته عن الإمام أحمد، وعجب يحيى بن معين رحمه الله تعالى ونظر إلي كالمتعجب وقال لي: ومثلنا نحن نكشف عن الإمام أحمد، أي: هل نحن نتكلم في الإمام أحمد أو نقول فيه شيئًا؟ إن ذاك إمام المسلمين، وخيرهم وفاضلهم ﵀.
ثم قلت: دلوني على منزل الإمام أحمد، قال: فسرت إليه، وقرعت الباب، وكان بيته مراقب لا يستطيع أحد الدخول عليه، ثم أخبرته بخبري، وقلت له: يا أبا عبد الله، رجل غريب نائي الدار، جاء من بعيد، وإني أريد أن أدخل إليك، وإني طالب حديث ومفيد سنة، أي: أنني أرغب أن أستفيد، ولم تكن رحلتي إلا إليك، أي: ما قدمت من الأندلس إلا لأجلك، فأدخله الإمام أحمد رحمه الله تعالى.
ثم سألني: من أين أنت؟ قال: جئت من المغرب الأقصى.
قال: من أفريقيا؟ قال: من أبعد من ذلك، بيني وبين أفريقيا بحر، جئتك من الأندلس.
قال: إن موضعك لبعيد، أي: إن مكانك لبعيد، كيف بهذه الهمة العجيبة.
ذكروا أنه مكث سنة كاملة حتى وصل إلى الإمام أحمد، ومع ذلك قدم ووجده لا يستطيع أن يستفيد علمًا، ومع ذلك طلب منه أن يعمل حيلة، والقصة بطولها ذكرت في طبقات الحنابلة، وترجم لـ بقي بن مخلد ﵀ ترجمة في مقدمة مسنده، وهو يعتبر من كبار أئمة أهل السنة رحمه الله تعالى.
ثم قال له ﵀ بحيلة: إني أريد أن أطلب الحديث عليك، قال: إنك كما ترى، ثم احتال حيلة صنع له ثوبًا وكمًا طويلًا، ثم كان يضع الدواة والقلم في كمه ويقرع على الإمام أحمد ويقول: الأجر رحمكم الله، وأحيانًا يقول: سائل يسأل من فضل الله الذي عندكم، ويدخل إلى الإمام أحمد يروي له حديثين أو ثلاثة أو يزيد على ذلك ثم يخرج، قال: فالتزمته حتى ماتت الفتنة، ومات الخليفة الذي كان يمتحن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، ثم بعد ذلك طلبت العلم على يديه، وجلست عنده، وكان إذا رآني الإمام أحمد أجلسني عنده وقص لتلامذته خبري، وما قدمت من أجله، وكان يرى أنني على تميز على التلاميذ، ويذكر لهم ما كنت قدمت من أجله.
أصبت بمرض، قال: فجلست في الحانوت أيامًا، وفقدني الإمام أحمد، ثم سأل عني فإذا بي مريض، قال: فكنت من شدة المرض مغطى ومسجى بما عليه من اللباس وغيره ﵀، قال: فما شعرت إلا وبلغط في السوق، وبصوت عظيم، والناس يقولون: هذا إمام المسلمين، أي: قدم إليه لزيارته ﵀ ومعه التلاميذ، وكل تلميذ معه دواته وقلمه يكتب ما يقول الإمام أحمد، يستفيدون من علمه في أثناء الطريق بفتوىً أو سؤال أو غيره والناس يقيدون، قال: فدخل علي الإمام أحمد، وعجب أهل الحانوت كلهم لماذا جاء إمام المسلمين هنا؟ قال: وزارني ثم دعا لي بالشفاء وخرج، ثم قال ﵀: فما وجدت أعظم من أهل الفندق الذي كنت أسكنه برًا بي وإحسانًا، لدخول عالم الأمة لزيارة هذا الرجل الصالح.
يقول: فكانوا يمرضونني، هذا يغطيني، وهذا يلبسني، وهذا كذا حتى شفيت، كله ببركة هذا الرجل الصالح، وذلك يدل على منازل علماء السلف رحمهم الله تعالى وكبارهم.
وقد قلت عندما تكلمت عن أهمية الطلب والناس في حاجة إلى أمرين: دراسة آداب الطلب، ودراسة سير علماء الأمة وكبارها حتى يعلموا ثمرة العلم وفائدته، وأن هؤلاء العلماء ر
[ ٣ / ٤ ]
منهج التلقي والاستدلال عند أهل السنة وأهل البدع
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
يا سائلي عن مذهبي وعقيدتي رزق الهدى من للهداية يسأل
سبق أن تكلمنا أن أصحاب رسول الله ﷺ لم يحدث بينهم اختلاف في مسائل العقيدة، كباب الأسماء والصفات، أو مسائل الألوهية ﵏ ورضي عنهم، وأسسنا هذه القاعدة لنعلم أن كل اختلاف حدث بعدهم ليس إلا البدع والانحراف عن صراط الله المستقيم.
لقد كان سلف الأمة رحمهم الله تعالى إذا أتاهم نص في مسائل الاعتقاد يتلقونه بالتسليم والقبول، ويقابلونه بالإيمان العظيم والتسليم لله ولرسوله.
لم يفعلوا كما فعل أهل الأهواء والبدع من عرض هذه النصوص على عقولهم فما قبلته أخذوه وما لم تقبله عقولهم ردوه، ولم يجعلوا القرآن عضين، بل أقروا بآيات الأسماء والصفات، وعملوا بآيات الأحكام، وساروا على صراط الله المستقيم، حالهم ومنهجهم ﵃ في حال التنازع والاختلاف الرد إلى الله ورسوله ﷺ ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩] .
ولم يكن رده إلى العقول، ولا لأقوال أهل البدع، ولا لمناهج المبتدعة، وإنما كان لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥] فما حدث بينهم من نزاع أو اختلاف عندهم الكتاب والسنة، ثم ما أسرع ما يرجعون إليه، ويتمسكون به، ولم يكونوا يحكمون الرأي في مسائل الدين والاعتقاد؛ لأن الكتاب والسنة أصل عظيم في مسألة التنازع.
لقد نهى السلف رحمهم الله تعالى عن قضية الرأي في الدين.
يقول عمر بن الخطاب ﵁: [اتهموا الرأي في الدين] ثم ذكر قصته في صلح الحديبية ﵁: [لقد رأيتني وإني لأرد على رسول الله ﷺ برأيي، وأجتهد ولا آلو، وذلك يوم أبي جندل] ﵁ وأرضاه ثم يقول ﵁ محذرًا: [إن أصحاب الرأي أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يعوها] .
فكان بعد ذلك أن تفلتت عليهم السنة، فلم يحفظوا منها شيئًا، فعند ذلك أجالوا عقولهم في دين الله تعالى، وأفسدوا الرأي، وأخطره ما كان متعلقًا بباب الأسماء والصفات، وبمسائل القضاء والقدر، وهو الذي حدث فيه الانحراف من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والقدرية وغيرهم؛ لأنهم حكموا عقولهم في باب الأسماء والصفات، وفي مسائل القضاء والقدر.
[ ٣ / ٥ ]
طرق أهل البدع في رد نصوص الكتاب والسنة
إن المبتدعة على وجه العموم لما لم يقبلوا الكتاب والسنة وقفوا منهما موقفًا عجيبًا! الأول: رد تكذيب رواة الحديث والطعن فيهم، وعدم قبول ما رووه، ولا شك بأنه إذا قُدِحَ في الراوي قدح فيما رواه، وتلك طريقة الروافض، فإنهم قدحوا في أصحاب رسول الله ﷺ، وبعدها لم تقبل روايتهم ولن يقبل حديثهم.
الثاني: تحريف ما دل عليه النص، يقبلون الحديث ولكنهم يقولون: إن هذا الحديث لا يدل على ما تذهبون إليه، وإنما يدل على معانٍ أخرى، مثلًا: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] يقولون: اليد هنا النعمة ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] يقولون: إنها القدرة أو النعمة، وكذلك تجد الرضا والغضب والمحبة يؤولونها تأويلًا لا يدل النص عليه، ولا شك بأن هذا تغيير للنص ولما دل عليه الكتاب والسنة.
[ ٣ / ٦ ]
تقديم أهل البدع العقل على النقل
سبب فساد العالم لا شك أنه تقديم الرأي على الوحي، وكذلك الهوى على النقل، وما استحكم هذان الأصلان الفاسدان في قلب أحد إلا لم يستفد من نور الكتاب والسنة أبدًا، ولهذا روى لنا ابن عبد البر بسنده عن عبد الله بن الإمام أحمد عن أبيه ﵁، أنه كان يقول وهو الإمام أحمد:
دين النبي محمد آثار نعم المطية للفتى الأخبار
ولربما جهل الفتى طرق الهدى والشمس طالعة لها أنوار
وكذلك ما أحسن ما قال بعضهم:
العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس خلف فيه
ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين رأي فقيه
إن كثيرًا ممن كان عندهم انحراف في مسائل العقيدة دائمًا ينسبون معتقدهم إلى الإمام أحمد، وهنيئًا لهذا الرجل الصالح ورضي الله عنه لموقفه في سنة النبي ﷺ، ولبيان معتقد أهل السنة، ولموقفه في مسألة القول بخلق القرآن وصموده، وما حصل له ﵁ من الجلد والسجن وغير ذلك، ولكن الله أبقى ذكره وجعله خالدًا، وعند أهل السنة والجماعة لا ينسى الإمام أحمد، بل كل إنسان يتشرف بأن كان على عقيدة الإمام أحمد رحمه الله تعالى ورضي عنه، ولعل السبب في ذلك: أن الإمام أحمد لم يكن رأيه من عند نفسه، وإنما سار على الآثار التي أتته عن رسول الله ﷺ، وكذلك عن الصحابة الأخيار ﵃ وأرضاهم.
ولهذا قال ﵀: هذا مذهب أئمة أهل العلم، وأصحاب الأثر المعروفين بالسنة المقتدى بهم، فيها أدركت من أدركت من علماء العراق والحجاز والشام، فمن خالف شيئًا من هذه المذاهب أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مبتدع خارج عن الجماعة، زائغ عما كان عليه سلف الأمة، وهذا هو مذهب الإمام أحمد ﵀، ومذهب بقي بن مخلد، والحميدي، وسعيد بن منصور وغيرهم من كبار سلف الأمة رحمهم الله تعالى ورضي عنهم.
عندنا مسألة وهي: كيف يمكن أن نجمع بين العقل والنقل، وهل يمكن أن يتعارض النقل والعقل؟ نقول قاعدة: لا يمكن التعارض أبدًا بين العقل والنقل، والسبب في ذلك: أن الذي جاء بالنقل والشرع هو الذي خلق العقل، فما جاء إلا بشيء يصدق ما كان عليه العقل، ولا يمكن أن يُوجد شيء لا تقبله العقول، ولهذا قلنا: إن الشريعة تأتي بما تحار به العقول، لا بما تستحيله العقول، ولئن وجد شيء من التعارض فإننا نقول: لا يخلو من أحد أمرين: الأمر الأول: أن يكون العقل غير صريح، بمعنى: أن العقل فيه شبه وشكوك، وفيه انحرافات وضلال، فعند ذلك لا مانع أن يعارض النقل، فالعقل هو الذي فيه الخلل، والشرع لم يكن فيه شيء.
الأمر الثاني: أن يكون النقل غير صحيح، ولا شك أن الأحاديث الضعيفة والموضوعة والمكذوبة يمكن أن تعارض العقل، وأما إذا كان العقل صريحًا والنقل صحيحًا فلا تعارض بينهما ولله الحمد، ولئن ضلت المعتزلة في هذا الباب، وانحرفت عنه انحرافًا قويًا، حيث قالت: إن العقل هو الحاكم على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فلا شك أن هذا القول باطل، وقد رد عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى برد مطول في كتابه: درء تعارض العقل والنقل، وبين انحرافهم، وأنهم لم يصلوا إلى الحق، ولن يصلوا إليه بقولهم حيث حكموا العقل، فلا ندري أنأخذ بعقل المعتزلة، أم بعقل الجهمية، أم بعقل الأشاعرة، أم بعقل الماتريدية أو غيرهم؟ وإنما نقول: نأخذ بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وهي الحاكمة على ذلك والموضحة له.
[ ٣ / ٧ ]
سند أهل البدع
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في مفهوم كلامه: إن للمبتدعة سندًا، ويسلسله فيقول: عندهم الجهم بن صفوان، عن الجعد بن درهم، عن بيان بن سمعان، عن طالوت، عن لبيد بن الأعصم، وربما بعضهم يقول: واصل بن عطاء، عن جهم، ثم بعد ذلك واصل، عن جهم، عن الجعد، عن بيان بن سمعان، عن طالوت، عن لبيد بن الأعصم، كأنه سند سداسي للمبتدعة، وهؤلاء نعتبرهم أئمة ضلال وانحراف، لم يهتدوا إلى صراط، وإنما كان كل واحد منهم قائدًا لفرقة ضالة عن صراط الله المستقيم.
ولعلنا نذكر بعضًا من تراجمهم على عجل، فمثلًا: بيان بن سمعان: كان يرأس فرقة تسمى البيانية، وهي من غلاة الرافضة، يقال: بيان بن سمعان التميمي مولاهم، أصله من سواد الكوفة، قالوا: كان تبانًا، ويبدو أن التبن خير من عقله وما عنده، قالوا: وهو يعتبر من الغلاة، وهو من الباطنية، قبض عليه خالد بن عبد الله القسري ﵀، وسبحان الله! خالد بن عبد الله القسري لما ترجم له الإمام الذهبي في سير أعلامه ذكر أنه عنده حدة وظلم، ولكن لعلنا نقول ظلمه كما قال الله: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا﴾ [الأنعام:١٢٩] فسلط الله الرجل على قيادات وعلى أئمة من أئمة الضلال، قتل بيان بن سمعان، وقتل الجعد بن درهم، وقتل المغيرة بن سعيد العجلي وهو من الباطنية، فسلطه الله عليهم، قبض عليه خالد بن عبد الله القسري هو والمغيرة بن سعيد مع خمسة عشر من رجالهم، جيئ بهم إلى مسجد الكوفة، وعلقهم بأوتاد من قصب، ثم صب عليهم النفط وأحرقهم.
ذكروا أن بيان بن سمعان لما وصلته النار فر، ثم لما نظر إلى أصحابه يحترقون وهو لم يحترق دخل معهم، فموته معهم يرى أنه خير، فجمع الله له هذه النار ونار جهنم نعوذ بالله منها.
له آراء عجيبة غريبة، كان يفسر القرآن تفسيرًا باطنيًا، ويقول: أنا الوارد في قوله تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٨] ويقول: إنه هدى وموعظة للمتقين، من أراد الهداية والتقوى فليتبعنِ، ولا شك أن هذا كلام باطل لا شك فيه، كان يقول: إن عليًا إله.
ويفسر قول الله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة:٢١٠] قال: إن هذا هو علي بن أبي طالب، قبحه الله أنى يؤفك.
ومنها كذلك: أنه كان يعتقد أن في السماء إله وفي الأرض إله غير إله السماء، وقيل: إنه أول من قال بخلق القرآن، وهو شيخ الجعد بن درهم.
الجعد بن درهم هو مولى بني مروان، قال ابن كثير ﵀: أصله من خراسان، والإمام الذهبي يقول: من حران، وقيل: كانت حران موطن للصابئة، وذكر الموطن يدل على أن الإنسان يتأثر بالموطن الذي يعيش فيه، وبالفكر الذي يقول به.
قالوا: إن الجعد بن درهم هو أول من نشر نفي الصفات، وتعلم على يديه الجهم بن صفوان، قتله كذلك خالد بن عبد الله القسري سنة (١٢٠هـ)، وقيل: إن سبب قتله أنه كان يقول: إن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا.
ولما قبض عليه جاء به خالد بن عبد الله القسري، ثم ربطه في أصل المنبر، وقام خطيبًا -وكان الأمراء هم الذين يخطبون- فبدأ خالد بن عبد الله القسري خطبته بحمد الله، قال: الحمد لله الذي اتخذ إبراهيم خليلًا، وكلم موسى تكليمًا، وكان الجعد بن درهم في أصل المنبر قال: إن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا ولم يكلم موسى تكليمًا، ولما انتهى من خطبته ووعظ الناس وذكرهم، قال: ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضحٍ بـ الجعد بن درهم، فنزل فذبحه كما تذبح الشاه، وأثنى عليه الإمام ابن القيم، قال:
شكر الضحية كل صاحب سنة لله درك من أخي قربان
أثنى عليه، فدل على أن هذه من القرابين التي يتقرب إلى الله تعالى بها، له أراء عجيبة في مسائل القدر وغيرها.
ومن الأعلام: الجهم بن صفوان، وهذا الرجل أسس مذهب الجهمية، وكان للجعد طائفة اسمها الجعدية، لكن من رحمة الله تعالى أن هذه الطائفة لم تستمر، بل انقرضت، ومن أفراخاها: الجهمية، ومن أصول رجالها: الجهم بن صفوان وهو أبو محرز أصله من بلخ، ذهب إلى الكوفة واتصل بـ الجعد، وأخذ عنه القول بخلق القرآن ونفي الصفات عن الله تعالى، حصلت بينه وبين أبي حنيفة رحمه الله تعالى مناظرات في مسمى الإيمان، فهو يرى أن الإيمان ليس المعرفة، ولذلك قالوا: إن الجهم بن صفوان من أجهل الناس بالله تعالى، يرى أنه يكفي مجرد المعرفة بالله تعالى، قالوا: الجهم لا يعرف ربه، والسبب: لأنه يقول: إن الله ليس له أسماء ولا صفات، ويرى الجبر كذلك.
قالوا: هو سمى الإيمان: المعرفة، وسمى الكفر: الجهل، قالوا: فهو أجهل الناس، فكفر نفسه بمعتقده وبمذهبه، قتله سلم بن أحوز حين خرج على الخلافة في عهد بني أمية، وكان خرج مع رجل اسمه: الحارث بن سريج وعلى خلافة بني أمية، وقبض عليه، وكان ذا منزلة عند الحارث، وكان يفاوض الخلافة في مسألة الرجوع، ولم يقبل منه، وغزته الخلافة الإسلامية وقبض عليه، وقيل: إنه قتل لمعتقده، وبعضهم يقول: إنه قتل لأجل خروجه على الخلافة، ولا شك أنه قتل للسببين جميعًا: لخروجه على الخلافة ولمعتقده الضال المنحرف.
هؤلاء بعض رجالات أهل البدع، ولعلنا نكمل بعضًا من هؤلاء في تراجم بعض حياتهم، خاصة وأن بعضهم دائمًا يمرون علينا، الجهم والجعد وبشر وواصل وغيرهم من أعلام المبتدعة، نجدهم دائمًا أثناء قراءتنا لكتب سلف الأمة رحمهم الله تعالى ورضي عنهم.
[ ٣ / ٨ ]
مفهوم التوحيد
قد يقول الأحبة: لِمَ تركزون على مسائل التوحيد والاعتقاد؟ نقول: لأهمية التوحيد ولمنزلته، وقبل أن أتكلم عن أهمية التوحيد ومنزلته سنعرِّف ذلك المصطلح وهو لفظة (توحيد) .
[ ٣ / ٩ ]
تعريف التوحيد في اللغة
كلمة التوحيد: مصدر من كلمة (وحد) وأصلها (وحد يوحد توحيدًا) فالتوحيد في اللغة: هو جعل الشيء واحدًا كأنه شيء متفرق ثم بعد ذلك اجتمع، ولذلك قيل: هذه القبيلة كلمتها واحدة، وقولها واحد، كأن آراءهم متعددة ولكنها اجتمعت إلى رأي واحد، ويدل على أنه جعل الشيء واحدًا يأخذ مفهوم القوة والتماسك، ويدلنا على ذلك أن هذا اللفظ من النسبة لا من الجمع، فإنه ليس مقصودًا بهذا الكلام، وليس الإنسان هو الذي يجعل الله واحدًا، فالله واحد قبل أن يخلق السماوات والأرض ﷾ بل إننا من قوم ينسبون الوحدانية لله تعالى.
فأنا أقول: الله واحد، بخلاف النصراني فليس بموحد؛ لأنه يقول: ثلاثة آلهة، وبخلاف مشركي العرب فليسوا يقولون: الله واحد، بل يقولون بآلهة متعددة، ولما نادى النبي ﷺ بكلمة التوحيد (لا إله إلا الله) قالت قريش: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥] ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ﴾ [ص:٧] متعجبون من هذا الأمر! حسنًا بالنسبة لكلمة التوحيد قلنا: إن أصله جعل الشيء واحدًا، والإنسان لا يجعل الله واحدًا، فالله واحد قبل أن يخلق السماوات والأرض.
[ ٣ / ١٠ ]
تعريف التوحيد في الاصطلاح
- من العلماء من عرفه فقال: هو إفراد الله بالعبادة.
- ومنهم من قال: هو إفراد الله بأفعال العباد.
- ومنهم من عرفه فقال: هو إفراد الله تعالى في ألوهيته وربوبيته وفي أسمائه وصفاته.
والتعريف الثالث هو الأولى؛ لأنه يجمع أقسام التوحيد الثلاثة، بخلاف التعريفين الأولين، فإنهما لا يتعلقان إلا بتعريف توحيد الألوهية، وبالنسبة للتعريف الأول فقد ذكره شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ بأنه: إفراد الله بالعبادة، ولِمَ ذكر هذا القسم؟ الجواب: نظرًا لأن توحيد الألوهية هو أهم أقسام التوحيد كلها، وهو الذي من أجله أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، وخلقت الجنة والنار، وأمر الناس به، ولأن الشرك والانحراف يقع في ألوهية الله أكثر مما يقع في ربوبيته وأسمائه وصفاته.
[ ٣ / ١١ ]
شبهه حول تقسيم التوحيد والرد عليها
هناك سؤال قد يثير بعض الناس، فيقول: إنكم تقولون: إن هناك توحيد ألوهية وربوبية وأسماء وصفات، ولعلنا في الدرس الماضي تكلمنا عن الكوثري وأنه نقد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ والشيخ محمد بن عبد الوهاب وغيرهم، بأنهم هم المبتدعة، وهم الذين جاءوا بتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات، وربما يتبادر إلى الذهن سؤالًا فيقول الإنسان: لم يكن النبي ﷺ يقول للصحابة: ينبغي لك أن توحد الله في ألوهيته وربوبيته، وأسمائه وصفاته، فمن أين جئتم بهذه؟ نقول: إن تقسيمات التوحيد وتسمياته اجتهادية، ولكن أصلها توقيفي، والمسميات والتقسيمات اجتهادية، والعلماء رحمهم الله تعالى عندهم قاعدة يقولون: (لا مشاحة في الاصطلاح بعد فهم المعنى) قسِّم التوحيد كيف شئت، ولكن لا تخرج على ما دل عليه الكتاب والسنة، ومن هنا أصبحنا نعلم أن تسمياته وتقسيماته اجتهادية وأصله توقيفي، ولذلك وجدنا من السلف كما ذكره الإمام ابن القيم وذكره شيخ الإسلام ابن تيمية أن التوحيد ينقسم إلى قسمين، وقد أومأ إليه الإمام الطحاوي ﵀: ١- توحيد الإثبات والمعرفة.
٢- توحيد القصد والطلب.
ومن العلماء من قسمه القسمة الثلاثية: ١- توحيد ألوهية.
٢- توحيد ربوبية.
٣- توحيد أسماء وصفات.
ومن العلماء من جعله قسمًا واحدًا.
ومن العلماء من جعله ثلاثة أقسام بمسميات أخرى، ونقول: سمه ما شئت ولكن لا تخرج عما دل عليه الكتاب والسنة.
ومنهم من يقول: توحيد الرسول وتوحيد المرسِل، دل على أن كل واحد متعلق بألوهية وربوبية وأسماء وصفات، ولا مشاحة في قضية التقسيم ما دام أنه لم يخرج عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
بعد أن عرفنا أقسام التوحيد: الإثبات والمعرفة يدخل فيه الربوبية والأسماء والصفات، أما توحيد القصد والطلب فإنما يقصدون به توحيد الألوهية.
[ ٣ / ١٢ ]
منزلة علم التوحيد
إن منزلة علم التوحيد عظيمة، ولذلك يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: "إن شرف العلم يدل على شرف المعلوم" ونحن بتوحيد الله تعالى ماذا نتعلم منه؟ نتعرف على الرب ﷾، وعلى أسمائه، وعلى ما يجب علينا، وشرف العلم بشرف المعلوم مادام معلقًا بالرب، فالله له المنازل العليا ﷾ في قلوب أهل الإيمان والصلاح والتقوى، وكان تعلم علم التوحيد أفضل العلوم على الإطلاق، كيف لا وقد دلت عليه النصوص الكثيرة.
فنقول: مما يدل على شرف هذا العلم: أولًا: أنه أول دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام، وما من نبي إلا قال لقومه: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون:٢٣] ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف:٨٥] ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٧٣] .
ثم إنه أول واجب على المكلف، فأول ما يجب على المكلف هو توحيد الله تعالى، بل هو أول ما يدخل به الإنسان إلى الإسلام، فلا يدخل الإنسان إلى الإسلام إلا بتوحيد الله تعالى، ولذلك نقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ﷺ، ويقول النبي ﷺ: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله) بدأ بقضية التوحيد، مما يدل على عظم منزلته، وأنه أول ما يدخل به الإنسان إلى الإسلام.
قالوا: إنه أول منازل الطريق والسير إلى الله تعالى، ومن سار إلى الله بغير توحيد فلن يعرف الطريق ولم يسر إلى الله حق السير.
ثانيًا: ومن منزلة التوحيد كذلك: أنه الحياة لكل إنسان، ولا حياة للمسلم أبدًا إلا بتوحيد الله تعالى، والله قد ذكره في كتابه: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام:١٢٢] أي حياة تلك إلا بوقور لا إله إلا الله في قلبه، والعمل بمقتضاه، مما يدل على أن للتوحيد منازل عليا.
ثالثًا: ومن منزلة التوحيد: أنه جعل نورًا يضيء القلوب ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ﴾ [الشورى:٥٢] وأعظم ما يُهدى إليه الإنسان وينور قلبه به هو توحيد الله تعالى، ولذلك تعتبر قلوب أهل الكفر والشرك مظلمة، أما قلوب أهل الإيمان والتوحيد مضاءة أشد من ضوء الشمس؛ لأنهم يبصرون بتوحيد الله تعالى، ويحصل لهم السعادة في الدنيا والآخرة.
رابعًا: ومن منزلة التوحيد: أن الإنسان لا يستغني عنه طرفة عين، وسبحان ربي! إن الإنسان ليتأمل الصلوات، يصلي الفجر وليس علينا صلاة بعدها إلا وقت الظهر وهكذا، والصيام يمر في العام مرة، والحج وهكذا العبادات، لكن توحيد الله لا نستغني عنه طرفة عين، فما نقول: هذا الوقت ليس عندنا توحيد فيه ولا نحتاج إليه أبدًا، بل يصبح التوحيد مع الإنسان منذ أن يدخل في دين الله تعالى إلى أن يودع هذه الدنيا وتوحيد الله معه كاملًا.
خامسًا: ومن منزلة التوحيد: أنه آخر ما يودع به الإنسان الدنيا، ولقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: (من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة) دل على أن بدايتك توحيد ونهايتك توحيد، بل كل أجزاء حياتك هي توحيدٌ لله تعالى، وأعظم دليل على ذلك قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام:١٦٢-١٦٣] حياتك كلها لله، وهكذا وفاتك يجب أن تكون لله؛ ليصبح الإنسان جل وقته وحياته هو لله تعالى.
سادسًا: قيل: إن التوحيد من منزلته أنه شفاء، كم نجد ممن دخل في دين الله تعالى كان التوحيد شفاء لقلوبهم، نسمع من كثير ممن أسلم سبب توحيده أنه لم يجد في عقائده التي كان عليها شفاء لما في قلبه، ولا إجابة لأسئلة ملحة عليه إلا في توحيد الله تعالى، فالحمد لله على هذا التوحيد، ونسأل الله أن يتوفانا على هذا التوحيد الذي لا نتجاوزه طرفة عين، بل يختم لنا بكلمة لا إله إلا الله.
يقول السلف، وذكرها ابن القيم، وتكلم عليها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: إن القرآن كله توحيد، وما من جزئية منه تخرج عن توحيد الله تعالى.
قالوا: فإن القرآن إما خبر عن الله تعالى وأسمائه، وإما دعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وإما أمر ونهي وإلزام بطاعة الله تعالى، وتعتبر تلك من حقوق التوحيد ومكملاته، وإما خبر عن إكرام الله تعالى لأوليائه ولأهل توحيده، وما يفعل الله بهم في الدنيا والآخرة، وإما خبر عن أهل الشرك، وما يكون لهم في الدنيا وفي الآخرة من المعيشة الضنك، ومن العذاب في الدنيا والآخرة، وهذا يعتبر جزاءً لإعراضهم عن توحيد الله تعالى، ولذلك قال سلف الأمة رحمهم الله تعالى: ليس في القرآن شيء ليس مرتبطًا بتوحيد الله، مما يدل على أهمية التوحيد والتركيز عليه.
ثم إني أقول: كم نجد من بعض الكتاب المعاصرين يقولون: أشغلتم الناس بهذه القضايا، وفرقتهم الأمة بسبب قضية التوحيد.
نقول: لسنا نحن الذين جئنا بهذا المنهج، هو منهج الله ومنهج رسوله ﷺ، ولقد فرق الأنبياء بين أبنائهم وبين أنفسهم، وبين أزواجهم وأنفسهم، وجُعل منهجًا التفريق على قضية التوحيد، والوزن بتوحيد الله تعالى، وكلما قرب الإنسان من توحيد الله كانت له المنازل العليا عند الله، وفي دين الإسلام وعند أوليائه، وكلما ابتعد عن توحيد الله؛ ابتعد عن المنهج، ولم يكن على ضوء ما كان عليه سلف الأمة.
وإني أقول للأحبة: إننا لفي حاجة إلى نشر عقيدة السلف الصالح، وبيانها للناس، وتوضيحها وتبصير الناس بها، وغرسها في نفوسهم؛ لأنها أصبحت غريبة في المجتمعات الإسلامية.
انطلق إلى كثير من المجتمعات تجد القبور قد ضربت أطنابها، عليها القبب، والناس يطوفون جولها، وتجعل لها مزارات، وتعتبر من المتاحف السياحية، يتوجه الناس إليها، ويرجون بركتها ويدعونها من دون الله، وأصبح كثير من المسلمين يحلفون بغير الله ويدعون غير الله، ويعلقون التمائم، ويحصل عندهم من المعالم التي ترى بعضها موصلة إلى الشرك بعينه، ومع ذلك يقول بعض الدعاة: لا تفرقوا الناس على توحيد الله، بل اجمعوهم وإن كانوا على ما كانوا عليه من المعتقد.
نقول: لا، نحن ننصح ونوجه، وندل الناس على عقيدة سلف الأمة، وعلى عقيدة أهل السنة والجماعة، نشلًا لهم من هذه الأمراض، والانحرافات، التي نسأل الله أن يرد المسلمين إلى عقيدة أهل السنة ردًا جميلًا، وأن يبصرهم بمعتقد سلف الأمة، وأن ينفع بهم.
ونصلي ونسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
[ ٣ / ١٣ ]