رؤية الله في الآخرة لأهل الجنة حق كما جاءت بذلك الآثار، وموقف السلف ممن أنكر الرؤية والحكم عليه متواتر في كتب الاعتقاد.
وصفة النزول ثابتة لله تعالى كما يليق بجلاله ولا نسأل عن الكيف، ولا نؤول أو نعطل كما ذهب إلى ذلك أهل البدع، وما ورد من شبه في إنكار النزول أو تأويله فهي شبه باطلة ومردودة لإجماع السلف على إثبات ذلك، ومناظرات علماء السلف لمن أنكر صفة النزول مبثوثة ومشهورة.
[ ١٣ / ١ ]
موقف السلف ممن أنكر رؤية الله في الآخرة
الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
نختم مبحث الرؤية ببعض الآثار التي نقلت عن بعض سلف الأمة رحمهم الله تعالى في حكم من أنكر رؤية الله تعالى، والناظم يقول:
والمؤمنون يرون حقًا ربهم وإلى السماء بغير كيف ينزل
أخرج اللالكائي ﵀ في أصول اعتقاد أهل السنة من طريق مفضل بن غسان، قال: سمعت يحيى بن معين يقول: "عندي سبعة عشر حديثًا في الرؤية كلها صحاح" مما يدل على أن رؤية الرب ﷾ مما تواترت النصوص في إثباتها والدلالة عليها.
وقال علي بن المديني رحمه الله تعالى: سألت ابن المبارك عن رؤية الله تعالى؟ فقال: ما حجب الله عنه أحدًا إلا عذبه، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] فقلت له -أي: مفسرًا الآية على أنها لإثبات الرؤية-: إن عندنا أقوامًا من المعتزلة ينكرون هذه الأحاديث، وذكروا منها: أن الله ينزل إلى السماء الدنيا، ومنها: أن أهل الجنة يرون ربهم، قال: فحدثني -أي: ابن المبارك - بنحو عشرة أحاديث في هذا، وبين منهج أهل السنة، قال: أما نحن فإننا نأخذ ديننا هذا عن التابعين، والتابعون أخذوا دينهم عن أصحاب رسول الله ﷺ، فهم عمن أخذوه؟ فما سندهم فيما أخذوه في نفي الرؤية وفي نفي النزول للرب ﷾؟! وهذا ما يتميز به المنهج السلفي أنه يأخذ عقيدته من رسول الله ﷺ، وأخذهم لها عن طريق السند، أي: لا يأتون بها من عند أنفسهم، بخلاف المبتدعة فما لهم سند يأخذون عنه إلا أئمة من أهل الضلال والانحراف عن صراط الله المستقيم.
وقال عبد العزيز بن الماجشون: ولم يزل -أي: المبتدعة من الجهمية وغيرهم- يملي لهم الشيطان حتى جحدوا قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣] فقالوا: لا يراه أحد من خلقه يوم القيامة، ولهذا جحدوا أفضل كرامة يكرم الله بها أولياءه ﷾.
ومما نقل عن الإمام أحمد في الذين نفوا الرؤية، قال: من لم يقل بالرؤية فهو جهمي.
وقال أيضًا وقد بلغه عن رجل قال: إن الله لا يرى يوم القيامة، فغضب لذلك غضبًا شديدًا رحمه الله تعالى وقال: إن من قال: إن الله لا يرى يوم القيامة فقد كفر، وعليه لعنة الله وغضبه كائنًا من كان من الناس، أليس الله تعالى يقول: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣] .
قال مالك: من كذب بالرؤية فهو زنديق.
وقال أيضًا: إن الرؤية وأحاديثها نعلم أنها حق من عند الله جاءتنا، وكذلك في سنة النبي ﷺ، فهذه نصوص تثبت قضية الرؤية للرب ﷾.
ومن اللطائف: ما ذكر بعض أهل العلم رحمهم الله تعالى أن النساء لا يرين الله يوم القيامة، واستدلالهم بهذا أن يوم الجمعة هو يوم المزيد، وقد ورد حديث: (أنهم يرون ربهم فيزدادون حسنًا، قالوا: فيرجعون إلى أهليهم -أي: إلى أزواجهم- فيقولون: قد بلغ منكم الحسن) وما ذلك إلا لرؤيتهم للرب، ولكن الذي يظهر أن الرؤية عامة للرجال والنساء، وللصغير والكبير، وتكون لأهل الإيمان ولأهل التوحيد بالله ﷾.
ثم قال الناظم:
والمؤمنون يرون حقًا ربهم وإلى السماء بغير كيف ينزل
قول المؤلف: (والمؤمنون) هذا وصف ينطبق على المتبعين لما جاء به الرسول ﷺ من الكتاب والسنة.
وقوله: (يرون ربهم) هذه نسميها الرؤية الحقيقية الحسية، وهي الرؤية بالأبصار، وليست رؤية القلب، فإن رؤية القلب كل يعرف ربه كما ذكر الله ﷾ عن الكفار بأنهم يعرفون الله تعالى.
وليست رؤية بصرية: البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، هذه نسميها رؤية قلبية، فهم يعرفون بها ربهم ﷾، لكن الرؤية هنا للمؤمنين هي الرؤية البصرية الحسية، ولذلك نثبتها لله تعالى.
قوله: (حقًا) أي: صدقًا وحسًا لا خيالًا، فليست رؤية خيالية، وليست رؤية مجازية كما يؤولها المبتدعة، فالمبتدعة يؤولون رؤية الله تعالى، ولذلك قال: (يرون ربهم) أي: خالقهم ورازقهم وموجدهم من العدم.
ومن اللطائف هنا: أن الأشاعرة ينفون علو الله ﷾، ويقولون: إن الله ليس في العلو، وقولهم هذا ليس صحيحًا بل باطل، ولكنهم يثبتون الرؤية لله تعالى، ولهذا نجد الجهمية نفوا الرؤية ونفوا العلو جميعًا، ويقال: هناك ثمة صفات مرتبطة بعضها ببعض، الاستواء على العرش، والعلو، والنزول، والرؤية، فمن أثبت واحدة منها لزمه أن يثبت الجميع، لأنه يترتب بعضها على بعض، ولهذا قال أئمة أهل السنة: إن الأشاعرة مضطربون، فقد قالوا: الله ليس في العلو، ولكنهم يقولون: الله يمكن أن يرى، أو الله يرى، فلما جاءهم هذا الاضطراب قيل لهم: كيف يرونه؟ بالنسبة لأهل الإيمان فقد ثبت في صحيح مسلم كما في حديث صهيب في صحيح مسلم: (إذ سطع عليهم نور من وفقهم فإذا الجبار ﷾) أما هؤلاء فماذا سيعملون؟ قالوا: إن الله يرى في غير جهة، لا ندري من أي جهة يرى! المهم أننا نثبت الرؤية لكن من غير جهة، وبهذا أصبحوا مضطربين في قولهم، ليسوا على منهج صحيح، أما أهل السنة فإنهم قالوا: إنه يُرى من جهة العلو، ولذلك رفعوا أبصارهم فإذا الجبار ﷾، وأصبحوا يرونه رؤية حقيقية ليس كما يقوله المبتدعة.
[ ١٣ / ٢ ]
مسائل متعلقة بصفة النزول
وقوله: (وإلى السماء) السماء في اللغة: هي العلو والارتفاع، وإذا ارتفع الشيء وعلا سمي: سماء هذا الشيء، وقيل: إن سقف كل شيء يسمى سماء، ويقال لسقف البيت: سماء، ونجد السماوات السبع هي الأطباق المحيطة بالأرض، ولذلك السماء الدنيا الثانية الثالثة الرابعة إلى أن نقول: السماء السابعة، وهي نثبتها لله تعالى، ولها أجرام حقيقية، والدليل على ذلك: ثبت في حديث الإسراء والمعراج: (أن جبريل ﵊ يقرع باب السماء فيقال له: من؟ فيقول: جبريل، يقولون: ومن معك؟ يقول: معي محمد، قالوا: أو قد أرسل إليه) ثم يفتحون له، فجبريل يقرع ويستأذن، مما يدل على أن لها أجرامًا محسوسة، وقد وردت أحاديث أن كثف كل السماء مسيرة خمسمائة عام، وما بين السماء والسماء مسيرة خمسمائة عام، مما يدل على أن هذه المخلوقات عظيمة جدًا، وقد نثبتها إثباتًا لا تدركه عقولنا نحن، لكننا نؤمن بها على ضوء النصوص الثابتة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
بالنسبة لصفة النزول، وقبل أن أنتقل إلى صفة النزول أومأ المؤلف رحمه الله تعالى الله في رسالته هذه إلى ثلاث صفات: الصفة الأولى: الكلام.
الصفة الثانية: صفة الرؤية.
الصفة الثالثة: صفة النزول.
والمؤلف ﵀ لم يقصد الحصر هنا، ولهذا قال:
وجميع آيات الصفات أمرها
أي: أنه جاء بمنهج.
ولماذا ركز المؤلف على هذه الصفات الثلاث؟ بالنسبة لصفة الكلام فهي من الصفات العظيمة التي اضطربت فيها عقول الناس، ووصلت أقوالهم إلى أكثر من تسعة أقوال في كلام الله تعالى، وأومأ إليها لوجود الخلاف القوي فيها.
وصفة الرؤية لأنها من الصفات التي تواترت وثبتت في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، ومع ذلك أنكرتها الخوارج والمعتزلة وبعض الرافضة، وبعض الزيدية، فـ الزيدية معتزلة، وكذلك الخوارج في الصفات هم معتزلة، والمعتزلة لهم أصل في هذا فأنكروها.
وجاءت صفة النزول، وتعتبر صفة النزول من الصفات السمعية التي قد دل عليها الكتاب والسنة، ويقصد بالصفات السمعية أو الصفات الخبرية التي لو لم ترد في نص لم نستطع إثباتها، قالوا: ومثلها صفة الاستواء على العرش، فإنه قد ورد النص عن الرسول ﷺ في إثبات هذه الصفة وفي القرآن في سبعة مواضع، ولذلك نثبت لله تعالى صفة الاستواء على العرش.
وقوله: (بغير كيف ينزل) بين لنا المؤلف ﵀ أن الله ينزل، وتعتبر صفة النزول من الصفات الفعلية وليست من الصفات الذاتية، والحكم بأنها صفة فعلية لأنها متعلقة بالإرادة والمشيئة، فإن الله ينزل حين يبقى ثلث الليل الآخر، فدل على أنه ينزل كل ليلة متى شاء ﷾، ففي ثلث الليل الآخر ينزل ربنا ﷾.
[ ١٣ / ٣ ]
اختلاف الناس في صفة نزول الرب
نقول: إن الله ينزل نزولًا حقيقيًا، وذهب بعض أهل العلم ونقل عن بعض السلف: إنه ينزل بذاته، وروي فيه حديث، لكن الحديث فيه ضعف، ولكن نقول: ينزل ربنا نزولًا حقيقيًا كما يليق بجلاله وعظمته، وإذا قلنا: كما يليق بجلاله وعظمته، لم نجعل للعقل أن يشبه قضية النزول أو يكيفها، ونقطع أطماع العقل فيها، بل نقول: ينزل نزولًا حقيقيًا كما يليق بجلاله وعظمته نثبته لله تعالى، ولا نتأول هذا النزول بشي أبدًا.
اختلف العلماء في مسألة النزول، فـ أهل السنة والجماعة يثبتون للرب ﷾ نزولًا حقيقيًا، وقالوا: ينزل بذاته، ومنهم من قال: ينزل نزولًا حقيقيًا.
من الطوائف من قالت: النزول هنا هو نزول المَلك، أي: أن النازل هو المَلك وليس الرب ﷾، ومن الطوائف من قالت: النزول هنا أي: ينزل أمر ربنا، وليس نزول الرب ﷾، وهذا يعتبر تأويل وتحريف للنص، ومن الطوائف من قالت: تنزل رحمة الله تعالى، فأصبحت طوائف المؤولة أثبتت ثلاثة تأويلات: التأويل الأول: هو نزول الملك.
التأويل الثاني: نزول الأمر.
الثالث: نزول الرحمة.
ولكن هذه التأويلات باطلة لا شك في بطلانها.
أما القول بأنه ينزل الملك فلا شك أنه ليس صحيحًا، والدليل عليه أن الملائكة تنزل في كل ساعة من ليل أو نهار، ثم لماذا التخصيص لها بأن تنزل في ثلث الليل الآخر دون غيره؟ ثم يبطل هذه المقالة أنه في نفس لفظ الحديث: (فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من داعٍ فأستجيب له؟ هل من مستغفرٍ فأغفر له؟) فهل الملك هو الذي يقول: هل من سائل؟ هل من مستغفر؟ هل من داع؟ حاشا وكلا أن يكون هذا هو قول الملك، وإنما هو قول ملك الملوك وهو الرب ﷾.
وأما الذين قالوا: إنه ينزل أمره، فنقول: هذا الكلام باطل لا شك في بطلانه، فنزول أمر الله تعالى ينزل في كل لحظة ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩] ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] ولا يخصص أمر الله تعالى بهذا الجزء من الليل دون غيره، مما يدل على بطلان أصحاب هذا القول.
ثم القول: بأنه نزول رحمته، هذا أيضًا باطل، والدليل على بطلانه: أن رحمة الله تعالى قريبة من المحسنين، ولذلك يقول تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم:٥٠] وكيف تخصص بالثلث الأخير دون غيره، مما يدل على أن قول هؤلاء أن الرحمة لا تنزل على عباده إلا في ثلث الليل الآخر، وما عداه فلا رحمة للعباد، وهذا تأويل باطل لم يدل عليه كتاب ولا سنة.
ثم نقول: إن النصوص التي وردت في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ والقاعدة عندنا: أن نحملها على ظاهرها، ولا نجري فيها المجاز أبدًا، وقد وردت أحاديث وآثار تبين نزول الرب ﷾ وكلها تدل على الحقيقة، ولا يمكن أبدًا لنص واحد أن نقول: يمكن أن نحمل هذا النص على النص الآخر، مما يدل على غلط هؤلاء وانحرافهم عما دل عليه الكتاب وسنة النبي ﷺ.
نحن نعلم أنه قد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني؟ من يسألني؟ من يستغفرني؟) والحديث متفق عليه.
وهذا الحديث من الأحاديث العظيمة التي تلقتها الأمة بالقبول، وشأنه عظيم، وقد أفرد العلماء رحمهم الله تعالى كتبًا مستقلة في النزول، وممن أفرد في ذلك الإمام الدارقطني رحمه الله تعالى، وأبو بكر الصابوني، وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتاب عظيم نفيس اسمه: شرح حديث النزول، بين فيه أدلة هؤلاء وأدلة أهل السنة، وشبه المبتدعة والرد عليهم، ثم أورد ما خطر في أذهانهم، ثم أبطل تلك الموارد التي وردت، وسيأتي إن شاء الله إيماء إليها، والإمام الذهبي رحمه الله تعالى أفرد كتابًا في النزول.
يقول عثمان بن سعيد الدارمي ﵀ في رده على بشر العنيد: إن هذا الحديث أغيض حديث على الجهمية، أي: ما أضره على قلوبهم، والجهمي إذا سمع الحديث وجد الغيض في قلبه، وإذا أردت أن تغيض جهميًا فأورد له حديث: (ينزل ربنا حين يبقى ثلث الليل الآخر) فتضيق عليه الأرض بما رحبت، ولا شك أن هؤلاء الذين لا يقبلون ما دلت عليه النصوص ولا يرتضون بها من المبتدعة.
بينا أن صفة النزول نثبتها كما يليق بجلال الله وعظمته، وأثبتنا أنها صفة فعل لله تعالى، وأنها متعلقة بالإرادة والمشيئة، وقلنا: أحاديث النزول من الأحاديث المتواترة، وقد رواها عن النبي ﷺ ثمانية وعشرون صحابيًا ﵃ وأرضاهم، ومن هؤلاء الصحابة: أبو بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب، وأبو هريرة، وجبير بن مطعم، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن مسعود، وأبو سعيد الخدري، وعبد الحميد بن سلمة عن أبيه عن جده، وأبو الدرداء وغيرهم، وأورد أسماء هؤلاء الصحابة الإمام ابن القيم في صواعقه المرسلة، وأورد كل حديث ولفظه ومن خرجه من باب تبيين أن أحاديث النزول من الأحاديث المتواترة الثابتة في سنة النبي ﷺ.
يقول أبو عمر بن عبد البر رحمه الله تعالى بعد أن أورد هذا الحديث: هذا حديث ثابت من جهة النقل، صحيح الإسناد، لا يختلف أهل الحديث في صحته، وهو حديث منقول من طرق شتى، هذه من أخبار العدول عن النبي ﷺ، وفيه دليل على أن الله ﷾ ينزل إلى السماء الدنيا نزولًا يليق بجلاله وعظمته، وهو يبطل مقالة الجهمية أن الله في كل مكان، ولا شك أن هذا القول باطل منحرف عما كان عليه سلف الأمة.
ومن المسائل التي اختلف العلماء فيها أن أهل السنة قالوا: إنه ينزل نزولًا يليق بجلاله وعظمته، وهل نقول: ينزل بذاته، أم نقول: ينزل نزولًا حقيقيًا؟ قولان لـ أهل السنة: القول الأول: ينزل بذاته، وذكروا أن فيه حديثًا لكنه لا يصح رفعه عن النبي ﷺ.
القول الثاني: ينزل نزولًا حقيقيًا يليق بجلاله وعظمته.
وبعضهم يقول: نمسك فلا نقول: ينزل بذاته، ولا لا ينزل بذاته، بل نقول: ينزل نزولًا يليق بجلاله وعظمته.
[ ١٣ / ٤ ]
مسألة خلو العرش أثناء نزول الرب
مسألة: هل إذا نزل الرب ﷾ يخلو منه العرش أم لا يخلو منه العرش؟ في هذه المسألة ثلاثة أقوال لأهل العلم: القول الأول: من العلماء من يقول: إنه إذا نزل يخلو منه العرش، وذكر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وبين أن هذا قول بعض أئمة أهل الحديث، وقول لبعض أهل السنة، ولكنه قول ضعيف.
القول الثاني: أنهم يتوقفون في هذه المسألة، ويقولون: لا نقول: يخلو منه العرش ولا نقول: لا يخلو منه العرش؛ نظرًا لأنه لم يثبت فيه حديث عن النبي ﷺ، وقالوا: إن التوسع في هذا المجال هو خوض في أمرٍ لا نص فيه.
القول الثالث: وهو قول أكثر أهل الحديث، وقال شيخ الإسلام: وهو الصواب، وهو المأثور عن سلف الأمة وأئمتها، أنه ﷾ لا يزال فوق العرش، ولا يخلو منه العرش ﷾، مع دنوه ونزوله إلى السماء الدنيا، ولا يكون العرش فوقه، وكذلك يوم القيامة، إذ ينزل للفصل بين الخلائق لا يكون العرش فوقه، ولهذا ذكر أن هذا هو القول الصحيح في هذه المسألة، وهو الراجح.
وسنذكر شيئًا من المناظرات التي وقعت بين أهل السنة وغيرهم من الطوائف المنحرفة في مسألة نزول الرب ﷾.
[ ١٣ / ٥ ]
شبه حول مسألة نزول الرب والرد عليها
من الشبه التي وردت وهي شبه نفاة العلو، ما الذي جعل بعض الطوائف تنفي النزول وتقول: لا نقبل أن الرب ﷾ ينزل، ورد عندهم بعض الشبه، قالوا: إذا أثبتنا نزوله أين يكون في صفة العلو إذًا؟ الشبهة الثانية: قالوا: إذا نزل أين الآيات التي وردت في الاستواء على العرش؟ كيف ينزل ثم بعد ذلك فأين الاستواء على العرش؟ الشبهة الثالثة: قالوا: إننا إذا أثبتنا نزول الرب ﷾ يلزم منه الحركة والانتقال، قالوا: والحركة والانتقال هي من طبيعة الأجسام والله ليس بجسم، إذًا: الله لا يتحرك ولا ينتقل.
والشبة الرابعة: قالوا: إننا إذا أثبتنا النزول يلزم منها حلول الحوادث بالله ﷾، بمعنى: أنه يحدث له شيء لم يكن حادثًا له من قبل، وبناءً عليه قالوا: ننفي صفة النزول عن الله تعالى كما ينفون صفة الاستواء على العرش، بل إن هذا القول وهذه الشبه كلها تلزم على صفات الأفعال كلها، فإن نفاة صفات الأفعال المتعلقة بالإرادة والمشيئة شبهتهم أنه يلزم منها حلول الحوادث بالرب ﷾، وقالوا: إن صفة الفعل تؤدي إلى أن يكون الله جسمًا، والله ليس بجسم، إذًا: ننفي عنه صفات الأفعال كلها.
ولكن هذه الشبة باطلة لا شك فيها.
ولعل مما يتميز به أصحاب رسول الله ﷺ أنهم لا يجادلون في آيات الله تعالى، ولا يمرونها على العقل أبدًا، ولهذا قال المؤلف في النزول: (بلا كيف) بمعنى: أنه لا يكيف الرب ﷾، وقاعدة الصحابة ﵃ في أي صفة وردت في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ هي التسليم لله ولرسوله، ولا يجرون فيها الاحتمالات، والذين جاءوا بالاحتمالات الأربعة أمروها على العقل ثم أوردوا الاحتمالات، أما أصحاب رسول الله ﷺ فلا يأتون بمجرد احتمال عقلي، كيف ينزل وعنده صفة العلو؟ كيف ينزل وهو مستوٍ على عرشه؟ كيف كذا؟ لا يوردون هذه أبدًا، بل عندهم يقولون: سمعنا وأطعنا وآمنا وصدقنا وقبلنا، وسلمنا لما جاء عن الله وعن رسوله ﷺ، ولهذا وجب علينا أن نؤمن بصفة النزول؛ نظرًا للنصوص الواردة الصحيحة الثابتة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
عندنا شبهة ترد في الذهن، وهي أننا نعلم أن الأرض كروية، وقد أثبت هذه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، ومسألة كروية الأرض إذا نظرنا الآن الشمس تشرق عندنا، ولو اتصلت على رجل مثلًا في أمريكا ستجد الوقت عنده الآن ليلًا، قالوا: فإذا أصبحت الآن الكرة الأرضية تمشي، فإذا قلنا: ينزل في ثلث الليل الآخر، ثلث الليل عندنا في المملكة معروف، إذا جاء ثلث الليل الآخر في أمريكا أو أوروبا تجد أن جل الوقت يصبح ثلث الليل الآخر، إذًا: يلزم منه مباشرة أن يصبح الرب دائمًا نازلًا، هذه شبهة ترد في الذهن، ولكن هذه الشبهة في أصلها باطلة، ما هو سبب بطلانها؟ الجواب: إذا بطلت الشبهة لم نحتج إلى كثير من الرد، والسبب: ما وجد عند الإنسان إشكال في هذا الأمر إلا لأنه شبه الخالق بالمخلوق، ثم نقل هذا التشبيه إلى الخالق، أي: عرف ما للمخلوق ثم نقله إلى الخالق وعند ذلك استبعد هذا الأمر، وإذا قلنا: الله ﷾: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] والرسول ﷺ أخبرنا بأنه ينزل، ولهذا سيأتينا بعض القصص عن بعض السلف يقولون في مسألة النزول وغيره أول ما يقولون: أثبت أولًا أنه ينزل، مثلًا في المملكة ثلث الليل الآخر أثبت أنه ينزل، وإذا كان ثلث الليل الآخر في أمريكا أثبت أنه ينزل، فإذا أثبت ذلك قلنا: إذًا: ليس هناك إشكال، لا حاجة لأن تقول: كيف ينزل هنا وكيف ينزل هناك؟ أنت أثبت ما دل عليه النص، وإذا دل النص على شيء وجب علينا إثباته والتسليم له، وعدم طروق الذهن له بشيء من التأويل أو التحريف أو التغيير لما دل عليه إطلاقًا، ولذلك وجب علينا الإيمان بكل نص وارد في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
ولذلك قال أهل السنة لمن أورد هذه الشبهة: أنت آمن أولًا بأن الله ينزل في هذا الوقت المعين، وإذا آمنت ليس عليك شيء من وراء ذلك، أي: لست مطالبًا كيف ينزل في كذا أو كيف ينزل في كذا؟ أنت مطالب أن تؤمن بأنه ينزل في ثلث الليل الآخر في أمريكا وينزل في ثلث الليل الآخر في المملكة وفي غيرها من البقاع التي ﷾ يقول فيها: (هل من داع؟ هل من سائل؟ هل من مستغفر؟) ووجب علينا إثبات هذه لله كما يليق بجلاله وعظمته.
[ ١٣ / ٦ ]
تعدد روايات صفة النزول
ورد النزول بصفات متعددة: منها ما هو صريح: (ينزل ربنا حين يبقى ثلث الليل الآخر) ومنها: ورد في مسألة الدنو، وورد في مسالة: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢] وكذلك جاء في صفة الإتيان: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام:١٥٨] ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة:٢١٠] هذا يثبت لنا النزول، وقد ورد في بعض الآثار قضية الهبوط.
ونحن نقول: إن النزول والمجيء والإتيان والصعود والاستواء إلى غيرها من الألفاظ الواردة كلها واجب علينا أن نقول: إنها أفعال للرب ﷾ على ما يليق بجلاله وعظمته.
ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى تنبيهًا لطيفًا هنا: يجب علينا أن نؤمن أن الرب ﷾ فعال لما يريد، فإذا كان فعالًا لما يريد فهو الذي إذا أراد أن ينزل نزل، وإذا أراد أن يأتي أتى، وإذا أراد أن يستوي استوى إلى غيره، كل هذه أفعاله، فهو الفعال لما يريد، وأفعاله ﷾ قائمة به، ولولا ذلك -إثبات هذه الأفعال- لم يكن موصوفًا بصفات الكمال، وصفات الكمال عند الإنسان -ولله المثل الأعلى- إنما كانت بفعله الاختياري في الفعل والقيام والحركة وغيرها، والرب ﷾ موصوف بالكمال، فله ﷾ الفعل الاختياري، ولذلك قال العلماء: وإذا حملت أفعاله الاختيارية على المجاز ولم يكن فاعلًا حقيقة لم يكن إلا بمنزلة الجماد، والله ﷾ منزه عن أن يكون كالجماد، بل هذا تعطيل للرب ﷾ ووصف له بالنقائص، وإن من أنكر قيام الأفعال بالرب ﷾ كـ الجهمية فإنهم معطلة، ولذلك قال الإمام ابن القيم وقال شيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهم: إن المعطلة يعبدون عدمًا لا يعبدون إلهًا، والمشبهة يعبدون وثنًا، وكلا الطائفتين على ضلال.
ولذلك عندما نفوا هذه الصفات عن الله -الأفعال الاختيارية- مخافة التشبيه، نقول لهم: إذا نفيتم الأفعال الاختيارية عن الله مخافة التشبيه فوجب عليكم كذلك أن تنفوا السمع والبصر والحياة والقدرة، فإنها للمخلوق كما أنها لغيره.
[ ١٣ / ٧ ]
مواضع نزول الرب ﷾
بالنسبة لنزول الرب ﷾ ورد أنه ينزل بمواضع متعددة، منها: نزوله في ثلث الليل الآخر إلى السماء الدنيا، وهذا قد ثبت في سنة النبي ﷺ.
وكذلك ينزل ربنا ﷾ في يوم القيامة ليقضي بين العباد، وكل أمة جاثية، فأول من يدعى رجل جمع القرآن، وهذا الحديث أصله في صحيح مسلم، وكذلك في صحيح البخاري من حديث أنس، وفيه: (ثم دنا الجبار رب العزة فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى) .
ومنها: نزوله إلى الجنة يوم المزيد.
وكذلك ذكروا نزوله يوم عرفة أنه تعالى يدنو من العباد فيباهي بهم ملائكته ﷾.
فأصبحت النصوص الدالة على النزول متعددة، وإن الواجب علينا تجاه هذه النصوص أن نثبتها لله ﷾، وأن نحملها على الحقيقة، ولا نتطرق إلى قضية المجاز فيها، قال أبو العباس بن سريج: وقد صح عند أهل الديانة والسنة إلى زماننا أن جميع هذه الآثار والأخبار صادقة عن رسول الله ﷺ في الصفات يجب على المسلم أن يؤمن بها، وأن السؤال عن كيفيتها بدعة، والجواب كفر وزندقة، كما في قول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢] ونظائر هذه من النصوص الواردة في القرآن في الفوقية والنفس واليدين والسمع والبصر إلى غير ذلك.
[ ١٣ / ٨ ]
مناظرات في مسألة النزول
قال إسحاق بن منصور: قلت للإمام أحمد رحمه الله تعالى: (ينزل ربنا كل ليلة) الحديث، فقال له الإمام أحمد وكان معه إسحاق بن راهوية: الحديث صحيح، وزاد إسحاق رحمه الله تعالى: لا يدع هذا الحديث إلا مبتدع، أي: لا ينكره ولا ينفيه إلا رجل مبتدع ليس منقادًا لكتاب الله ولا سنة رسوله ﷺ.
وقيل للإمام أحمد رحمه الله تعالى: ينزل ربنا إلى السماء الدنيا، قال: نعم، قلت: ينزل بعلمه، فسكت الإمام أحمد عن هذا الكلام وغضب غضبًا شديدًا وقال: ما لك ولهذا؟ ثم قال له: أمض الحديث، أي: أثبت الحديث كما ورد بلا كيف ولا تحديد إلا بما جاءت به الآثار وبما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، ثم قرأ عليه قول الله تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل:٧٤] وأنه ينزل كيف شاء ﷾ نزولًا يليق بجلاله وعظمته.
قال بشر بن السري لـ حماد بن زيد: ينزل ربنا إلى السماء الدنيا، يتحول من مكان إلى مكان؟ أي: كأن هذه وردت شبهة في ذهنه، فقال: ينزل يتحول من مكان إلى مكان؟ فسكت حماد منكرًا عليه غاضبًا، ثم قال حماد: هو في مكانه يقرب من خلقه ﷾ كيف يشاء.
قال أبو عمر بن عبد البر رحمه الله تعالى: أجمع الصحابة ﵃، وكذلك التابعون الذين حُمل عنهم التأويل أي: تفسير القرآن بالسنة في قول الله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [المجادلة:٧] قال: هو على عرشه، وعلمه في كل مكان، وما خالفهم في ذلك من يحتج بقوله إطلاقًا وإنما خالفهم المبتدعة، ثم قال تقعيدًا لمنهج أهل السنة والجماعة: وأهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة في كتاب الله وسنة رسوله والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز؛ لأنهم لا يكيفون شيئًا من ذلك.
وهنا من اللطائف التي وقعت لأحد التابعين ﵁، روى أبو عبد الله الحاكم مما قال: سمعت أحمد بن سعيد الرباطي يقول: حضرت مجلس الأمير عبد الله بن طاهر ذات يوم وحضر إسحاق بن راهوية، فسئل عن حديث النزول: أصحيح هو؟ قال إسحاق: نعم صحيح، قال بعض القواد ولعله من الجهمية والمعتزلة للأمير كأنه يستعديه عليه ويريد أن يفتك بـ إسحاق بن راهوية: يا أبا يعقوب! أتزعم أن الله ينزل كل ليلة؟ قال: نعم، قال: كيف ينزل؟ فقال له إسحاق: أثبته فوق حتى أصف لك النزول؛ لأن المعتزلة لا يثبتون فوقية الله تعالى، قال: أقول: إنه فوق، فقال: ما دمت أثبت فوق فإن الله يقول: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢] أورد عليه صفة المجيء، فقال الأمير عبد الله بن طاهر: إن هذا يوم القيامة -أي: مجيء الله يوم القيامة- قال: إن من يجيء يوم القيامة من يمنعه أن يجيء في الحياة الدنيا؟ فسكت عبد الله بن طاهر، وهذا المعتزلي لم يستطع أن يتكلم بكلمة، فبهت، وعند ذلك لم يستطع أن يرد بعد أن بين له أن الله ﷾ ينزل نزولًا يليق بجلاله وعظمته، ولذلك وجب على أهل السنة أن يثبتوا لله تعالى صفة النزول.
ومن المناظرات التي وردت، قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في الصواعق المرسلة: قيل لبعض أصحابنا، أي: ممن يثبتون صفة النزول لله: أتقول: إن الله ينزل إلى السماء الدنيا؟ فقال هذا السلفي: ومن أنا حتى أقول ذلك، لست أنا الذي قلت ذلك، فقد قاله رسول الله ﷺ وبلغه أمته، ولست أنا الذي قلته، فقال له الجهمي: هذا القول يلزم منه الحركة والانتقال -شبهة المعتزلة التي ذكرناها سابقًا- فقال له السني: أنا لم أقل ذلك وإنما قاله رسول الله ﷺ، والشبهة التي عندك قلها لرسول الله ﷺ لا تقلها لي أنا، فاعتراضك الذي قلته قله لرسول الله ﷺ ولا تقله لي، أما أنا فإني أصدق بما جاء به الرسول ﷺ، فبهت الجهمي، وما استطاع أن يرد عليه إطلاقًا، ولهذا قال العلماء رحمهم الله تعالى: إن الأفعال الاختيارية للرب ﷾ هي من لوازم الحياة، فالإرادة والمشيئة من لوازم الفعل، وللفعل لوازم لا يجوز نفيها إطلاقًا بل الواجب إثباتها لله ﷾ على ما يليق بجلال الله وعظمته.
ولهذا إذا سألك رجل فقال لك: كيف ينزل ربنا؟ فتقول له: الله ينزل نزولًا يليق بجلاله وعظمته، لا نكيفه، ولا نشبهه بأحد كما قال الإمام مالك: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، وما نرى السائل إلا رجلًا مبتدعًا جاء بقول باطل مخالف لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
نذكر هنا بعض القصص التي وقعت، ولعل أكثرها وقعت مع عبد الله بن طاهر ﵀، من هذه ما نقله ابن بطة، قال إسحاق بن راهوية: دخلت على عبد الله بن طاهر، فقال: ما هذه الأحاديث التي تروونها؟ أي: أنتم تروون أحاديث المجيء والرؤية وأحاديث النزول، وأحاديث الاستواء على العرش وغيرها، فقلت: أي شيء أصلح الله الأمير؟ قال: إنكم تروون أن الله ينزل إلى السماء الدنيا، فقال إسحاق بن راهوية: فقلت: نعم.
رواها الثقات الذين يروون لنا الأحكام، فالأحاديث التي وردت في الأحكام أتعملون بها في الصلاة وفي الزكاة؟ قال: نعم، قال: فالذين رووا هذه الأحاديث هم الذين رووا لنا أحاديث النزول، فنحن نثبتها لله سبحانه تعالى، فنقول: الله ينزل ونثبته لله تعالى على ما يليق به، فقيل له: أينزل ويدع العرش؟ فقال: يقدر أن ينزل من غير أن يخلو منه العرش، فقال له: أتثبت ذلك؟ أي: أن الله يقدر أن ينزل دون أن يخلو منه العرش؟ قال: نعم، قال: إذًا ولماذا تتكلم في هذا الأمر، إذًا: أثبته، أي: كأنه يقول: أثبت الاستواء على العرش، وأثبت النزول، فلا تضرب النصين بعضهما ببعض، فلا تقل: إذا أثبتنا النزول أدى إلى خلو العرش، بل كما ورد الاستواء على العرش وورد النزول فأثبت الاثنين جميعًا، وهذا هو الواجب علينا أن نثبتهما.
روى الأثرم في السنة عن الفضيل بن عياض، أنه كان يقول: إذا قال لك الجهمي: أنا أكفر برب ينزل عن مكانه، أو يتحول عن مكانه، أو يزول عن مكانه! فقل له: أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء ﷾، وكأنهم يفاصلونا بقضية الرؤية، ونفهم من هذا أن هؤلاء الجهمية يكفرون من يثبتون النزول للرب، ويثبت الاستواء، بل يثبت الأفعال التي تتعلق بالإرادة والمشيئة، ولهذا قال: أنا أكفر برب -نعوذ بالله- إذا كان لا يقبل هذا الرب الذي ينزل ويستوي على عرشه وغيره! نعوذ بالله من حال هؤلاء الجهمية، وهذا يدل على تكبرهم وعدم قبولهم، هذا القول نقل عن الإمام الأوزاعي رحمه الله تعالى، ونقل عن يحيى بن معين رحمه الله تعالى كما رواه اللالكائي، يقول يحيى بن معين ﵀ ورضي عنه: إذا سمعت الجهمي يقول: أنا أكفر برب ينزل، فقل: أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء ﷾، ولا ننفي هذه إطلاقًا أبدًا.
ومما ورد ما ذكره الإمام أحمد في كتاب السنة بسنده قال: قدم علينا شريك، فسألته عن الحديث: (إن الله ينزل ليلة النصف من شعبان) فقلنا له: إن قومًا ينكرون هذه الأحاديث عن الرب، قال: فما يقولون؟ قال: يطعنون فيها، قال: إن الذين جاءونا بهذه الأحاديث هم الذين جاءونا بالقرآن وجاءونا بالسنة، وجاءونا بالصلاة، وجاءونا بالحج، وجاءونا بالصيام وغيره، فما يعرف الله إلا بهذه الأحاديث.
ومما ذكر كذلك قصة وهي بسند طويل، ولعلها كلها تدور على إسحاق بن راهوية ﵀، يقول: اجتمعت الجهمية إلى عبد الله بن طاهر في مجلس، فقالوا: أيها الأمير! إنك تقدم إسحاق بن راهوية وتكرمه وتعظمه وهو كافر، يزعم أن الله ﷿ ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة، ويخلو منه العرش، فغضب عبد الله بن طاهر على إسحاق بن راهوية أشد الغضب يقول: وبعث إليَّ، ثم دخلت عليه في مجلسه وسلمت قال: فلم يرد علي عبد الله بن طاهر متأثرًا بقول الجهمية، وكان من عادته إذا دخلت عليه أن يرد علي السلام، وأن يجلسني.
يقول: فما قال لي شيئًا أبدًا، ثم رفع إلي رأسه مغضبًا، وقال لي: ويلك يا إسحاق! ما يقول هؤلاء عنك؟ قلت: لا أدري ماذا قالوا عني، قال: تزعم أن الله ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة، وأنه يخلو من عرشه، قلت: أيها الأمير! لست أنا الذي قلته، قاله النبي ﷺ، وروى بسنده إلى النبي ﷺ من حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري أنهما شهدا على رسول الله ﷺ أنه قال: (ينزل ربنا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: هل من داع؟) الحديث، ثم قال عنهم: مرهم أيها الأمير أن يناظروني، فأنا على استعداد لهم.
فلما سمع الأمير الحديث وسمع بأني أريد أن أنازلهم هدأ ما في نفسه، ثم قال لي: اجلس، فجلست، ثم قلت له: أيها الأمير! مرهم أن يناظروني فأنا على استعداد لمناظرتهم، فإما أن يبدءوا وإما أن أبدأ، فقال لهم: ناظروه، فقال لهم إسحاق
[ ١٣ / ٩ ]