في هذا الدرس بيان منهج أهل السنة والجماعة في كيفية التعامل مع النصوص، وكذا بيان منهج أهل السنة في كلام الله تعالى، وأن القول بأن كلام الله معنى نفسي أو أن القرآن حكاية أو عبارة أو مجاز أو فيض وما أشبهها ضلال وزيغ، وأن رؤية المؤمنين لربهم في المحشر والجنة حق، وقد دل على ذلك نصوص القرآن والسنة ومن أوّلها أو أنكرها فهو زائغ ضال.
[ ١٢ / ١ ]
منهج أهل السنة والجماعة في نصوص الأسماء والصفات
الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
لا زلنا في صفة الكلام للرب ﷾، ولعلنا نتكلم عن دليل من أدلة الأشاعرة، ودليل من أدلة المعتزلة مع الرد عليها، ولعلنا نتكلم عن رؤية الرب ﷾ في الآخرة: يقول المؤلف ﵀:
وجميع آيات الصفات أمرها حقًا كما نقل الطراز الأول
بين شيخ الإسلام رحمه الله تعالى منهجه في آيات الصفات، ويقصد بالآيات هنا ما ورد في الكتاب والسنة، أي: أنه يمر النصوص الواردة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ويجريها على ظاهرها.
والإمرار: قال في القاموس: مرّ مرورًا، بمعنى: جاز وذهب، أي: أنه يجيز آيات الصفات كلها، لا يجد في قلبه أدنى حرج من إثبات ما دلت عليه هذه الآيات، ويكون المقصود أنه لا يقف معها باحثًا في كيفياتها، ولا منقبًا فيها، ولا معترضًا عليها، وإنما قابلًا لكل ما دلت عليه هذه النصوص.
قوله: (حقًا) أي: أنه سيأخذ بظاهرها وما دلت عليه من إثبات الصفات اللائقة بالله تعالى.
قوله: (كما نقل) أي: روي، سواء كان ذلك النقل في كتاب، أو دلت عليه نصوص السنة، أو فهمها الصحابة ﵃ وأرضاهم.
قوله (الطراز) يقال: هو البز والهيئة، وقالوا: الطراز هو الجيد من كل شيء.
وذكر بعض أهل اللغة أن هذه الكلمة معربة، وعلى كل حال فإن المقصود بها: الرعيل الأول من الصحابة ﵃ والتابعين لهم بإحسان كـ سفيان الثوري وسفيان بن عيينة وابن المبارك وغيرهم، وقالوا: إن حسانًا ﵁ مدح قومًا وقال فيهم:
بيض الوجوه كريمة أنسابهم شم الأنوف من الطراز الأول
أي: يثني عليهم بما يتميزون به من الصفات.
هذا البيت يبين لنا منهج شيخ الإسلام ابن تيمية في جميع النصوص الدالة على الأسماء والصفات، وأنه يمرها على ظاهرها ولا يتعرض لها بشيء، ويبين ما دلت عليه من إثبات الصفات اللائقة بالله ﷾.
ثم انتقل شيخ الإسلام بعد ذلك مبينًا أنه يرد عهدتها إلى نقالها فقال:
وأرد عهدتها إلى نقّالها وأصونها من كل ما يُتخيل
قوله: (وأرد عهدتها) الضمير عائد على آيات الصفات وأحاديثها، وأنه يرد آيات الصفات الواردة في نصوص الكتاب والسنة إلى نقالها، (والعهدة) أي: الخروج من تبعتها، أي: أنني لست أنا الذي جئت بها، وإنما أعيد ما دلت عليه إلى من نقلوها، ومفهومه أني أصون اعتقادي عن الخوض فيها بعزوها إلى نقالها، ولذلك دائمًا يقال: (والعهدة على الناقل) أنا أروي لكم والعهدة على الناقل، أي: لست أنا الذي جئت بها، وكأن شيخ الإسلام ابن تيمية يبين أن عقيدته ليس هو الذي جاء بها، وإنما أخذها من نقالها، وأيضًا لم يأتِ بعقيدة جديدة من عند نفسه رحمه الله تعالى، وإنما جاء بها نقلًا عن السلف من الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين.
ويقال: عهدة الخبر يقصد به: صدقه أو كذبه، وكأن الآن عهدة الخبر في الصدق والكذب ليست لي، وإنما لرواتها وما نقل عنهم من أئمة السلف، ولذلك ردها إلى نقلتها وهم الأئمة الأثبات رحمهم الله تعالى، والذين أخرجوها من مهرة أئمة الحديث وغيرهم.
يفهم من (العهدة) أنها بمعنى الاستئمان، فإذا قلت: عهدت إليك هذه العهدة، أي: استأمنتك، ونحن نستأمن سلفنا فيما ينقلونه لنا، فالصحابة مستأمنون على الوحي، والرسول ﷺ مستأمن على الوحي، ولهذا يقول كل نبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: ﴿وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ [الأعراف:٦٨] أي: وما أنقله أنا أمين عليه، فهكذا الرواة الذين نقلوا لنا الأحاديث عن النبي ﷺ، ونقل لنا كذلك الصحابة العقيدة مما أخذوه عن النبي ﷺ فهم مستأمنون عليه، ونقلوه لنا كما جاءهم عن الله أو جاءهم عن رسول الله ﷺ.
وقوله: (وأصونها) الصون في اللسان: أن تقي شيئًا، أي أحميها، فالصيانة معناها: الحماية، ولهذا قال: (وأصونها) أي: أصون آيات الصفات وأحاديثها عن الخوض في معناها، ثم ذكر الصيانة لها مبينًا أن الصيانة عن كل ما تخيل، فإن المبتدعة من المعطلة والمشبهة لم يصونوا نصوص الصفات عن التخيل، ولهذا قالوا قاعدة: (كل مشبه معطل، وكل معطل مشبه) فإذًا: كل من المشبهة والمعطلة جاءوا بقضية التخييل، فلم يسيروا على ما سار عليه سلف الأمة، ولهذا قال:
وأصونها عن كل ما يتخيل
فأجعل لها حماية، لا أتخيل بعقلي أي صفة وردت لله تعالى، فإن المعطل شبه الله أولًا ثم عطل، فالمعطل الذي نفى الصفات قال: لا أفهم من مدلول الصفات إلا أنها تشبه صفات المخلوقين والله ليس كالمخلوقين، إذًا أنا أنفيها، والمشبه كذلك معطل، ووجه التعطيل عنده أنه قال: الله له يد مثل يدي، ولو سألناه: هل النص الذي ورد يراد منه أن يثبت لله مثل يد المخلوق؟ الجواب: لا، فمن قال: يد الله مثل يد المخلوق فقد عطل النص عما دل عليه من إثبات الصفة اللائقة بالله تعالى، ولهذا كل من المشبه والمعطل كان عنده شيء من التخييل ومن التشبيه.
ونصل إلى نتيجة أن كل ما خطر في بال الإنسان من شيء حول الصفات فالله على خلافه، ولا يمكن أبدًا أن يكون كما يتصوره الإنسان، فإن العقل قد يتخيل أشياء والله ﷾: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ولهذا يقول صاحب القاموس: وتخيل الشيء له، أي: تشبه، كأنه أصبح له شبيه.
قال شيخ الإسلام:
قبحًا لمن نبذ القران وراءه
وردت (قبحٌ) ووردت (قبحًا):
قبحًا لمن نبذ القران وراءه وإذا استدل يقول قال الأخطل
(قبحًا لمن نبذ القرآن وراءه) هذه القاعدة تنطبق على الأشاعرة والمعتزلة والجهمية والفلاسفة، لأن كل هؤلاء لم يأخذوا بما دل عليه الكتاب والسنة، وعدم أخذهم لما دل عليه الكتاب والسنة قد يكون شيئًا ظاهرًا، يقول: أنا لا أريد الكتاب والسنة، ولا أحتج بهم، كما نقل عن بشر ونقل عن غيره أنهم عندما يناقشون يقولون: دعونا من نصوص الكتاب والسنة وناقشونا بالعقل، وهذا أشد قبحًا، ويصل إليه هذا الدعاء: (قبحًا لمن نبذ القران وراءه) هذا نبذ كامل.
وقد يكون النبذ غير مباشر كأن يتأول ما دل عليه الكتاب والسنة، وقد ذكرنا سابقًا قاعدة: (أن الأصل إجراء الألفاظ على ظاهرها) ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] نثبت اليدين.
يضحك الله فنعرف مدلول الضحك ونثبته لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته، ومن لا يثبته فإن هذا يعتبر قد نبذ القرآن وراءه ولم يحتج به أصلًا، وينطبق انطباقًا كاملًا على المعتزلة الذين عندهم قاعدة يقولون: (إن العقل هو الحاكم على الكتاب والسنة) ولقد رد عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى برد عظيم في كتابه: درء تعارض العقل والنقل، بين تأصيلهم وبين بطلان ما ذهبوا إليه ولم يعملوا به، ولهذا قالوا: أي نص في كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ لا يقبله العقل فإنه يطرح! وهذا هو النبذ الحقيقي لما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
القبح في اللغة: ضد الحسن، ويكون في الصورة والفعل، أي: قد يكون الإنسان صورته قبيحة، وقد تكون أفعاله قبيحة، وبعضهم يقول: إنه عام في كل شيء، قد يكون القبح في الاعتقاد، وقد يكون في القول، وقد يكون في العمل، وقد يكون في الصورة، وكل هذه يدخل فيها القبح، يقول الأزهري: القبح هو نقيض الحسن، وهو عام في كل شيء.
قوله: (لمن نبذ) قال في اللسان: النبذ طرحك الشيء من يدك، أي: طرحك للشيء من يدك سواء كان طرحك له أمامك أو كان في خلفك، فهذا نبذ، ولهذا قالوا: نبذ النوى: طرحه وإلقاؤه، ونبذت الشيء إذا رميته وأبعدته عنك، ويقال: كل طرح يسمى نبذًا، ونبذ الكتاب وراءه أي: ألقاه، ولهذا قال: نبذوا القرآن، كأنهم غير مبالين بكتاب الله وسنة رسوله، واستحقوا بذلك أن يكونوا مقبوحين، فإن من أعرض عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ يستحق أن يقبح ولا يلتفت إليه.
ذكر: (وراءه) نقول هنا: قد يكون النبذ حسيًا وقد يكون النبذ معنويًا.
والنبذ الحسي هو رمي القرآن فلا يقبله أصلًا، ويقول: هذا القرآن لا يحتج به، وقد يكون النبذ معنويًا بأن لا يعمل به، وإن كان يعظم القرآن، أي: القرآن على العين والرأس، لكن لا نفهم مدلوله ولا نقبله حجة بينا وبينكم، وكل هذه تنطبق على طوائف المبتدعة الذين ينبذون ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
[ ١٢ / ٢ ]
استدلال الأشاعرة بكلام الأخطل في كلام الله والرد عليهم
قول المؤلف:
وإذا استدل يقول قال الأخطل
إذا استدل أي: إذا جاء بحجة وبرهان على ما يدل على مذهبهم الباطل، والاحتجاج الآن نفهم منه أن هذا خلاف منهج أهل السنة والجماعة، فـ أهل السنة والجماعة لا يجعلون حجتهم الرجال، وإنما حجتهم الكتاب والسنة، أما الرجال وعقولهم فلا نحتج بهم، ولهذا قالوا: إن أهل السنة والجماعة لا ينتسبون إلى رجل معين، إنما ينتسبون إلى كتاب الله، وسنة رسول الله ﷺ على فهم الصحابة، لكن لا ينتسبون إلى شخصية معينة، بخلاف المبتدعة فكل طائفة بدعية تنتسب إلى رجل، فـ البيانية تنتسب إلى بيان بن سمعان، والجهمية تنتسب إلى الجهم بن صفوان، والخوارج ينتسبون إلى أشخاص معينين خرجوا، والزيدية ينتسبون إلى زيد بن علي، أما أهل السنة والجماعة فينتسبون إلى المنهج الذي جاء به كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، ولهذا قال:
وإذا استدل يقول قال الأخطل
حجة هؤلاء هو قول الرجال، وهذا فيه رد على الأشاعرة الذين يستدلون بقول الأخطل، والأخطل شاعر نصراني، ولد في الصحراء الشامية -أي: في الشام - واسمه: غياث بن الصلت بن طارقة، وينسب إلى عشيرة بني جشم بن بكر التغلبية، وبعض العلماء يقولون: تعتبر هذه العشيرة من القبائل العربية، ولكنها كانت قبيلة نصرانية، كانت أمه اسمها ليلى من قبيلة إياد النصرانية، وكنيته أبو مالك، وقد عاش هذا الرجل ومات نصرانيًا، ولم يكن على الإسلام، قالوا: كان قبحه الله يظهر تعليق الصليب على صدره وفي عنقه، وهذه من عادة النصارى، وذكر أن الخليفة دعاه إلى الإسلام فرفض ولم يقبله، وهجا خصومه من المسلمين، وكان في عصر جرير والفرزدق، وكان بينه وبين جرير أشعار وذم وقدح، وليس غريبًا أن يحدث بين الشعراء مثل هذا.
كان الأخطل مسرفًا في شرب الخمر، ولا شك أن النصارى يستبيحون هذا الأمر، ويرون أن: الخمر هي مصدر الإلهام الشعري، ولا شك أن هذا الكلام باطل وغير صحيح.
هذا الأخطل له بيت من الشعر، وهذا البيت من الشعر يحتج به الأشاعرة، وعجبًا من الأشاعرة كيف يستدلون بقول نصراني وليس بسلفي في معتقده في مسألة الكلام لله ﷾، والبيت الشعري هو:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلًا
ولو جئنا نناقش الأشاعرة في هذا الأمر لتبين بطلانه من وجوه متعددة: أولًا: نقول لهؤلاء الأشاعرة في استدلالهم على أن كلام الله نفسي: (إن الكلام لفي الفؤاد) أي: الكلام الحقيقي هو في النفس (وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلًا) أي: أن اللسان هو دليل على كلام في القلب، وإن الكلام الحقيقي هو الذي في القلب والنفس، وهذا الكلام باطل لا شك فيه.
يقول الأشاعرة: لا يحتج بالكتاب والسنة التي ثبتت بالآحاد في مسائل الاعتقاد إلا إذا كانت متواترة، أما إذا لم تكن متواترة فلا يحتج بها، ونحن نقول لهم: أعطونا سند هذا البيت الآن عن الأخطل، هل سنده متواتر حتى نحتج به، أم سنده خبر آحاد؟ بل بعضهم يقول: إنه منسوب أصلًا إلى الأخطل فلا يحتج به، وهذا من منهج المبتدعة، أنهم إذا لم يقبلوا النص أخذوا يتشبثون ببيت العنكبوت، ولعلهم هنا لما لم يقبلوا ما دل عليه الكتاب والسنة من إثبات صفة الكلام لله على ما يليق بجلال الله وعظمته، أخذوا يتشبثون بلغة العرب وأعرضوا عن القرآن والسنة، وتشبثوا ببيت لم يصح سنده أصلًا، وحتى على فرض صحته، فإنه ورد بصيغة:
إن البيان لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا
وإذا قصد (إن البيان لفي الفؤاد) قد يكون المعنى له وجه من الصحة.
ثم نقول كذلك: كيف يُستدل بالنصارى في مسألة الكلام وهم من أضل الناس في كلام الله تعالى؟ كيف خلق عيسى ﵊؟ هل هو ذات الكلام أم أنه خلق بكلام الله؟ هم يقولون: هو كلام الله وهذا الكلام باطل، بل إن عيسى ﵊ خلق بكلام الله تعالى، خلق عيسى ﵊ بكلام الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] .
فعيسى ليس هو الكلمة، وإنما خلق بكلمة: كن، فكان ﵊.
ومنها كذلك: لو أخذ بكلام هؤلاء الأشاعرة للزم أن يقال: إن الأخرس متكلم، أليس الأخرس في جوفه كلام؟ إن الكلام لفي الفؤاد، فالأخرس عنده كلام يشير وغيره، ولا يقول أحد: إن الأخرس متكلم أصلًا، ولو قيل: إن الكلام هو النفسي فقط، للزم أن يكون الأخرس متكلمًا.
ثم نجد أن الرسول ﷺ قد قال لنا: (إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس) أنت إذا دخلت الصلاة لا يجوز لك أن تتكلم فتقول: يا فلان! كيف حالك، أو تسلم على فلان، أو ترد على أحد سلامًا، لكن أنت في الصلاة وأنت محرم بها يحدث من الكلام في النفس أمر عجيب، بل ربما يلفظ الإنسان لا شعوريًا ويتحدث في الصلاة بأمر، يبيع ويشتري ويبني ويسكن ويذهب ويرجع، وهو محرم بالصلاة، هل يقال: هذه تبطل صلاة الإنسان؟ لا، وإنما الذي يبطله هو ما تلفظ به.
ولهذا اتفق العلماء على أن المصلي إذا تكلم بصوته متعمدًا في صلاته بطلت صلاته، لكن ما خطر في قلبه لا يعتبر كلامًا ولا يلتفت إليه أصلًا، ثم نجد الرسول ﷺ يقول: (عفي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل) دل على أن حديث النفس لا يسمى كلامًا، ولا يمكن أبدًا أن نفسر كلام الله تعالى على أنه حديث النفس، ونجد هذا مدلوله في لغة العرب، بل نجد القرآن نزل بلغة العرب، وهذا هو المدلول الصحيح في ذلك.
قال النبي ﷺ لـ معاذ: (أمسك عليك هذا، قال: يا رسول الله! أو نحن مؤاخذون بما نتكلم به؟ قال له النبي ﷺ: ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم) لكن خواطر القلب الناس معذورون فيها، ولما نزل قول الله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٤] (جثا الصحابة على الركب، قالوا: يحدث في قلوبنا من الحديث، فإذا كنا نحاسب على ما في القلب، ولكن عفي عن هذا ولم يلتفت إليه، وهذا من رحمة الله تعالى بهذه الأمة أن ما حدث في القلب لا يلتفت إليه، بل إن الإنسان ما لم يتكلم أو يعمل به فلا ينظر، وبهذا نعلم أن قول) الأشاعرة في كلام الله قول باطل مخالف لما كان عليه أهل السنة والجماعة، ولعقيدة سلف الأمة، وبهذا عرفنا أن قولهم: إن الكلام نفسي ليس بصحيح.
ولقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية ردًا على هؤلاء كما في رسالته التسعينية رد على الأشاعرة من تسعين وجهًا أبطل به مذهب الأشاعرة على أن كلام الله نفسي، مما يدل على أن قولهم هذا ليس صحيحًا، وقد خالفوا ما كان عليه أهل السنة والجماعة.
[ ١٢ / ٣ ]
حقيقة الأخطل
حجة هؤلاء هو قول الرجال، وهذا فيه رد على الأشاعرة الذين يستدلون بقول الأخطل، والأخطل شاعر نصراني، ولد في الصحراء الشامية -أي: في الشام - واسمه: غياث بن الصلت بن طارقة، وينسب إلى عشيرة بني جشم بن بكر التغلبية، وبعض العلماء يقولون: تعتبر هذه العشيرة من القبائل العربية، ولكنها كانت قبيلة نصرانية، كانت أمه اسمها ليلى من قبيلة إياد النصرانية، وكنيته أبو مالك، وقد عاش هذا الرجل ومات نصرانيًا، ولم يكن على الإسلام، قالوا: قبحه الله كان يظهر تعليق الصليب على صدره وفي عنقه، وهذه من عادة النصارى، وذكر أن الخليفة دعاه إلى الإسلام فرفض ولم يقبله، وهجا خصومه من المسلمين، وكان في عصر جرير والفرزدق، وكان بينه وبين جرير أشعار وذم وقدح، وليس غريبًا أن يحدث بين الشعراء مثل هذا.
كان الأخطل مسرفًا في شرب الخمر، ولا شك أن النصارى يستبيحون هذا الأمر، ويرون أن: الخمر هي مصدر الإلهام الشعري، ولا شك أن هذا الكلام باطل وغير صحيح.
هذا الأخطل له بيت من الشعر، وهذا البيت من الشعر يحتج به الأشاعرة، وعجبًا من الأشاعرة كيف يستدلون بقول نصراني وليس بسلفي في معتقده في مسألة الكلام لله ﷾، والبيت الشعري هو:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلًا
ولو جئنا نناقش الأشاعرة في هذا الأمر لتبين بطلانهم من وجوه متعددة: أولًا: نقول لهؤلاء الأشاعرة في استدلالهم على أن كلام الله نفسي: (إن الكلام لفي الفؤاد) أي: الكلام الحقيقي هو في النفس (وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلًا) أي: أن اللسان هو دليل على كلام في القلب، وإن الكلام الحقيقي هو الذي في القلب والنفس، وهذا الكلام باطل لا شك فيه.
يقول الأشاعرة: لا يحتج بالكتاب والسنة التي ثبتت بالآحاد في مسائل الاعتقاد إلا إذا كانت متواترة، أما إذا لم تكن متواترة فلا يحتج بها، ونحن نقول لهم: أعطونا سند هذا البيت الآن عن الأخطل، هل سنده متواتر حتى نحتج به، أم سنده خبر آحاد؟ بل بعضهم يقول: إنه منسوب أصلًا إلى الأخطل فلا يحتج به، وهذا من منهج المبتدعة، أنهم إذا لم يقبلوا النص أخذوا يتشبثون ببيت العنكبوت، ولعلهم هنا لما لم يقبلوا ما دل عليه الكتاب والسنة من إثبات صفة الكلام لله على ما يليق بجلال الله وعظمته، أخذوا يتشبثون بأي شيء، تشبثوا بلغة العرب وأعرضوا عن القرآن والسنة، وتشبثوا ببيت لم يصح سنده أصلًا، وحتى على فرض صحته، فإنه ورد بصيغة:
إن البيان لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا
وإذا قصد (إن البيان لفي الفؤاد) قد يكون المعنى له وجه من الصحة.
ثم نقول كذلك: كيف يُستدل بالنصارى في مسألة الكلام وهم من أضل الناس في كلام الله تعالى؟ أليس عيسى ﵊ كيف خلق؟ هل هو ذات الكلام أم أنه خلق بكلام الله؟ هم يقولون: هو كلام الله وهذا الكلام باطل، بل إن عيسى ﵊ خلق بكلام الله تعالى، خلق عيسى ﵊ بكلام الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] .
فعيسى ليس هو الكلمة، وإنما خلق بكلمة: كن، فكان ﵊.
ومنها كذلك: لو أخذ بكلام هؤلاء الأشاعرة للزم أن يقال: إن الأخرس متكلم، أليس الأخرس في جوفه كلام؟ إن الكلام لفي الفؤاد، فالأخرس عنده كلام يشير وغيره، ولا يقول أحد: إن الأخرس متكلم أصلًا، ولو قيل: إن الكلام هو النفسي فقط، للزم أن يكون الأخرس متكلمًا.
ثم نجد أن الرسول ﷺ قد قال لنا: (إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس) أنت إذا دخلت الصلاة لا يجوز لك أن تتكلم فتقول: يا فلان! كيف حالك، أو تسلم على فلان، أو ترد على أحد سلامًا، لكن أنت في الصلاة وأنت مكبر كم يحدث من الكلام في النفس أمرًا عجيبًا، بل ربما يلفظ الإنسان لا شعوريًا ويتحدث في الصلاة بأمر، يبيع ويشتري ويبني ويسكن ويذهب ويرجع، وهو مكبر في الصلاة، هل يقال: هذه تبطل صلاة الإنسان؟ لا، وإنما الذي يبطله هو ما تلفظ به.
ولهذا اتفق العلماء على أن المصلي إذا تكلم بصوته متعمدًا في صلاته بطلت صلاته، لكن ما خطر في قلبه لا يعتبر كلامًا ولا يلتفت إليه أصلًا، ثم نجد الرسول ﷺ يقول: (عفي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل) دل على أن حديث النفس لا يسمى كلامًا، ولا يمكن أبدًا أن نفسر كلام الله تعالى على أنه حديث النفس، ونجد هذا مدلوله في لغة العرب، بل نجد القرآن نزل بلغة العرب، وهذا هو المدلول الصحيح في ذلك.
قال النبي ﷺ لـ معاذ: (أمسك عليك هذا، قال: يا رسول الله! أو نحن مآخذون بما نتكلم به؟ قال له النبي ﷺ: ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم) لكن خواطر القلب الناس معذورون فيها، ولما نزل قول الله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٤] جثا الصحابة بالركب، قالوا: يحدث في قلوبنا من الحديث، فإذا كنا نحاسب على ما في القلب، عفا عن هذا ولم يلتفت إليه، وهذا من رحمة الله تعالى بهذه الأمة أنما حدث في القلب لا يلتفت إليه، بل إن الإنسان ما لم يتكلم أو يعمل به فلا ينظر، وبهذا نعلم أن قول الأشاعرة في كلام الله قول باطل مخالف لما كان عليه أهل السنة والجماعة، ولعقيدة سلف الأمة، وبهذا عرفنا أن قولهم: إن الكلام نفسي ليس بصحيح.
ولقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية ردًا على هؤلاء كما في رسالته التسعينية رد على الأشاعرة من تسعين وجهًا أبطل به مذهب الأشاعرة على أن كلام الله نفسي، مما يدل على أن قولهم هذا ليس صحيحًا، وقد خالفوا ما كان عليه أهل السنة والجماعة.
[ ١٢ / ٤ ]
مذهب المعتزلة في كلام الله والرد عليهم
أما المعتزلة فيذهبون إلى أن كلام الله مخلوق من مخلوقات الله تعالى، وهذا الكلام باطل لا شك في بطلانه، ويستدلون لذلك بدليل من القرآن، ولا شك أن لهؤلاء قاعدة يقولون: (إن أهل السنة والجماعة يوفقون بين النصوص، أما المبتدعة فإنهم يضربون النصوص بعضها ببعض) وهذه من رحمة الله تعالى أن وفق أهل السنة والجماعة للتوفيق بين النصوص، ولا يعارضون بعضها ببعض.
ومما استدل به هؤلاء قالوا: قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر:٦٢] ويسألون: أليس القرآن شيئًا؟ نقول: نعم، قالوا: إذًا هو مخلوق، وكلامهم هذا لا شك في بطلانه، وبطلانه من القرآن ومن سنة النبي ﷺ واضح وبين، فقول الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر:٦٢] نجد أن (كل) لا تدل على العموم على إطلاقها، والدليل على ذلك قول الله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف:٢٥] فهل دمرت المساكن؟ وهل دمرت السماوات والأرض؟ لا، وإنما تدمر كل شيء أمر الله بتدميره، ولذلك قال الله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف:٢٥] أي: مساكنهم هي التي بقيت ولم يحدث فيها شيء من التدمير.
ثم نقول: في قوله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر:٦٢] (كل) ليس على إطلاقها، وإنما ترد في بعض الأحيان، وبعضها لا ترد على إطلاقها، نجد أن قول الله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل:٢٣] أوتيت من كل شيء، هل الآن أوتيت ملك سليمان ﵇؟ لا، هل أوتيت ملك السماوات والأرض؟ لا، إنما أوتيت من كل شيء يحتاج إليه الملوك من القوة والجبروت والسلاح والطاعة وغير ذلك، لكنها لم تؤت ملك سليمان ﵊، فأصبحت الآن (كل) في كل موضع بحسبها تعرف بما دلت عليه القرائن، وليس على إطلاقه كما قال هؤلاء.
الآن قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر:٦٢] الأصل عندنا (كل شيء) أي: مخلوق، والكلام صفة لله تعالى وصفات الله ليست مخلوقة.
ثم لو جئنا الآن على إطلاق هؤلاء المعتزلة قبحهم الله ماذا يلزمهم، نسألهم: السمع شيء أم ليس شيئًا؟ البصر شيء أم ليس شيئًا؟ فإن قالوا: شيء قلنا: إذًا يصبح مخلوقًا، وهم لا يقولون به، فلو أجرينا الكلام على قاعدتهم، للزم عليه أن يكون سمع الله وكلام الله ويد الله وقدرة الله وقدم الله كلها مخلوقة، وهذا الكلام باطل، بل إن الله ﷾ كما أن ذاته ليست مخلوقة فكذلك صفاته تليق بجلاله وعظمته ليست مخلوقة، فبطل ما قال هؤلاء.
ومما استدل به هؤلاء قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة:٤٠] قالوا: إن الله قد قال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة:٤٠] والرسول مخلوق أم ليس مخلوقًا؟ نقول: نعم مخلوق، قالوا: إذًا هذا (قوله) فهو مخلوق، ولكن هذا الاستدلال باطل، وقد ذكرنا أن القرآن أضيف إلى الله، وأضيف إلى الرسول ﷺ، وأضيف إلى جبريل، وقلنا: إن إضافته إلى الله إضافة حقيقة؛ لأنه هو المتكلم به، وإضافته إلى جبريل وإضافته إلى محمد ﷺ إضافة تبليغ وليس إضافة ابتداء.
ثم نسأل: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة:٤٠] هذا القرآن إذا كان مخلوقًا كيف يكون مخلوقًا في وقت واحد في جبريل وفي محمد؟ هذا الكلام غير صحيح، ولكن إذا قلنا: إن جبريل ومحمدًا مبلغون له، فلا شك أنه هو قولهم على اعتبار قضية التبليغ.
عندنا الله ﷾ كفَّر من قال: إنه قول البشر، ولذلك بين تكفيره في سورة المدثر، فلو قيل: إنه قول بشر للزم أن يكون من قال به كافرًا، وهذا الكلام غير صحيح، بل كلام الله منه ابتدأ ﷾، أي: أن الله هو المبتدئ له وهو القائل له ﷾، ليس كما قاله هؤلاء المبتدعة.
ثم نجد أن الرسول ﷺ كان يقول للعرب حين يعرض نفسه على القبائل: (ألا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي) ما قال: كلامي أنا، وإنما كان يريد أن يبلغ كلام الله ﷾، ولذلك حصل فيه قضية التبليغ، ولم يحدث شيئًا من عنده، بل إن الله قد قال: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة:٤٤-٤٦] فلو كان محمد أحدث شيئًا ولو حرفًا واحدًا فقد أخبر الله تعالى أنه سيأخذ منه الوتين، ثم لم يكن أحد من الخلق حاجزًا عنه أن يؤتيه عقوبة من عند الله تعالى بسبب أنه زاد شيئًا من عنده.
هذا بعض ما يتعلق ببعض أدلة الأشاعرة والمعتزلة.
[ ١٢ / ٥ ]
تفاضل القرآن بعضه على بعض
مسألة: يجب أن نعلم أن كلام الله تعالى متفاضل، وممن ذكر هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، والله ﷾ ذكر ثناءً على المؤمنين: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر:١٨] واستدل لذلك بآيات وردت: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] تعدل ثلث القرآن، ووردت أحاديث الفاتحة أنها أنزلت على النبي ﷺ وبين النبي ﷺ ما تتميز به من المزايا، وذكر النبي ﷺ أنها أعظم سورة في القرآن، وأنها السبع المثاني، وأنها القرآن العظيم، وقال النبي لـ أبي بن كعب: (ألا أعلمك سورة ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا الفرقان مثلها، فإني لأرجو أن تخرج من هذا الباب حتى تعلمها، قال: ثم ذكر له النبي ﷺ سورة الفاتحة، وبين ما تتميز به من الفضائل والأحكام) وقد أُلف في هذه السورة من الكتب العظيمة في بيان فضلها وبيان الأحكام المتعلقة بها، ولهذا نقول: إن كلام الله تعالى متفاضل، وذكر الله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة:١٠٦] مما يدل على أن هناك شيئًا من التفاضل في كلام الله تعالى، ولا يلزم منه كما يقول المبتدعة: إن هذا يؤدي إلى أن فيه فاضلًا ومفضولًا، ولكن كله فاضل، ولكن بعضه أفضل من بعض كما بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
[ ١٢ / ٦ ]
مسائل تتعلق بالرؤية
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
والمؤمنون يرون حقًا ربهم وإلى السماء بغير كيف ينزل
[ ١٢ / ٧ ]
أدلة الرؤية في الكتاب والسنة والرد على المبتدعة
ثبت في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ مسألة الرؤية، وقد دل عليها آيات كثيرة من كتاب الله تعالى، منها قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣] وفي قوله تعالى: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين:٣٥] ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥] .
بل إن سلف الأمة يقولون: إن مسألة الرؤية مما تواترت في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﷺ، ويقول النبي ﷺ: (إنكم ترون ربكم كما ترون القمر هل تضامون في رؤيته؟) ثم ذكر النبي ﷺ أن المؤمنين يرون ربهم، بل تعتبر رؤية الرب ﷾ أعظم نعيم لأهل الجنة، وذكر النبي ﷺ مبينًا هذا المعتقد، وإن كانت طوائف من المبتدعة تنفي رؤية الله تعالى كـ المعتزلة، والجهمية، والخوارج، وبعض طوائف الرافضة ويقولون: إن الله لا يُرى يوم القيامة، وكلامهم هذا مخالف لما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، ويصبح من عقيدة أهل السنة والجماعة إثبات الرؤية لله تعالى، بل يعتبر من أعظم نعيم أهل الجنة رؤية الله، ونسأل الله أن نكون ممن يراه.
نأخذ الآن الأدلة ونبين وجه الدلالة، وسنذكر شيئًا من أدلة النفاة لرؤية الرب ﷾، ونتكلم على مسائل: هل رأى محمد ﷺ ربه أم لا؟ هل يمكن أن يرى الله ﷾ في الدنيا أم لا؟ أما بالنسبة للآخرة فإنه لا شك في رؤية المؤمنين له ﷾.
في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣] لا شك بأن الناضرة هنا مقصود بها الحسن والجمال، ولذلك قال تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣] هنا يقصد به النظر وهو بالبصر، والنظر عندنا قد ينقسم إلى قسمين: نظر حسي، ونظر معنوي، والنظر الحسي يتعلق بالبصر، والنظر المعنوي هو الذي يتعلق بالقلب، والنظر الحسي بالبصر، فمثلًا أنا أشاهد الآن الأحبة أمام عيني، لكن النظر المعنوي هو نظر البصيرة، وهو متعلق بالقلب، وأن الله يُبصِّر الإنسان بمعرفة الحق من الباطل، ويصبح يميز بينهما، هل هو لمجرد المشاهدة؟ لا.
قد أسمع مثلًا كلامًا، ويصبح عندي بصيرة فيه أعلم بأنه حق أو باطل، هذا لم يتلق بمشاهدة وإنما بسمع، وكانت البصيرة في القلب، هذه الآية تدل على أن النظر بالبصر، وأنها إلى ربها، وقد عديت بإلى، مما يدل على أن هذه الأجساد التي تبصر الرب تزداد حسنًا ونضارة وجمالًا؛ بسبب رؤيتها لله تعالى، وذلك من فضل الله تعالى على المؤمنين بأنهم يرون ربهم ﷾، ولذلك أنشدوا في قضية التواتر وقد ذكرناه:
مما تواتر حديث من كذب ومن بنى لله بيتًا واحتسب
ورؤية شفاعة وحوض ومسح خفين وهذي بعض
دل على أن هذه المسائل مما تواترت.
ومما يستدل به أهل السنة والجماعة على الرؤية كذلك قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] ونفي الإدراك هنا يدل على أنه يرى لكننا لا نحيط به إدراكًا، وإن كانت المبتدعة من الخوارج والمعتزلة استدلوا بهذه الآية على نفي الرؤية، وكلامهم هنا باطل، فالله تعالى يبين أنه لا تدركه الأبصار، أي: أنها تراه لكنها لا تحيط به إدراكًا، ونحن نرى ربنا بأبصارنا، ولكن أبصارنا لا تدركه، وهذه من شبهة نفاة الرؤية عن الله ﷾: الله ليس بجسم، وبناءً عليه لا ترى إلا الأجسام، والله ليس بجسم، والنتيجة أن الله لا يرى، بني على مقدمتين ونتيجة، وهذا استدلال عقلي، وهو ما قاله شيخ الإسلام أن المبتدعة يقدمون العقل على الكتاب والسنة، ويستدلون بأدلة عقلية ولكنها جهليات في الحقيقة وليست أدلة عقلية.
المقدمة الأولى، قالوا: إن الله ليس بجسم.
المقدمة الثانية: أنه لا يرى إلا الأجسام.
النتيجة: أن الله لا يرى.
ومما استدل به هؤلاء قول الله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] قالوا: الله قال لموسى: «لَنْ تَرَانِي» وعند المبتدعة يقولون: إن (لن) تفيد التأبيد، ولكن هذا القول باطل لا شك فيه.
في قوله: «لَنْ تَرَانِي» هذه الآية استدل بها أهل السنة واستدل بها المبتدعة، أهل السنة يثبتون بها الرؤية، ووجه إثبات الرؤية: أن الله قال لرسوله ﵊: «لَنْ تَرَانِي» أي: لن تراني في الدنيا؛ لأن النصوص الأخرى دلت على الرؤية، والرسول ﷺ يقول: (إنكم سترون ربكم) ويخاطب الصحابة، وأيهما أفضل: موسى أم الصحابة ﵃ وأرضاهم؟ لا شك أن موسى أفضل، فكيف يمنع موسى من الرؤية ويقال للصحابة: (إنكم سترون ربكم) فدل على أن الرؤية هنا يقصد بها إثبات الرؤية في الآخرة، لكن قيل لموسى ﵊: «لَنْ تَرَانِي» أي: في الدنيا، وقولهم: إن (لن) تفيد التأبيد قول باطل لا شك فيه، ودل على بطلانه في فهمه للتأبيد أن الإمام ابن مالك رحمه الله تعالى قال في ألفيته:
ومن رأى النفي بلن مؤبدا فقوله اردد وسواه فاعضدا
دل على أن قول المبتدعة أن (لن) تفيد التأبيد على أن الله لا يرى لا في الدنيا ولا في الآخرة، قال:
فقوله اردد وسواه فاعضدا
دل على أن (لن) في لغة العرب لا تفيد التأبيد.
ومن الأدلة على إبطال مقالتهم أن (لن) تفيد التأبيد: لما ذكر الله عن الكفار: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة:٩٥] «وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ» أي: الموت «بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ» ومع ذلك يوم القيامة ينادون: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧] يطلبون الموت، فدل على أن قولهم: (لن) لا تفيد التأبيد ليست صحيحة، حتى على فرض جمعنا بين النصوص ومع ذلك جئنا بنص في كتاب الله تعالى: «وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ» ومع ذلك نادوا مالكًا يطلبون منه أن يقضي عليهم وأن يصل إليهم الموت.
ولما جاءهم من الأدلة على إبطال مقالتهم في هذه الآية، أن موسى ﵊ لما طلب من ربه أن ينظر إليه، قالوا: إن موسى ما سأل إلا أمرًا يجوز له السؤال فيه، موسى ﵊ حين سأل: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١٤٣] سأل أمرًا يجوز له السؤال فيه، إذًا ما وجه الجواز هنا؟ قالوا: إن نوحًا ﵊ لما سأل قال: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود:٤٥] أليس رد عليه الرب، قال له: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود:٤٦] فلو كان سؤال موسى ليس صحيحًا لبين الله ﷾ لموسى أنه ما كان ينبغي لك أن تسأل الرؤية؛ لأنها لا تجوز رؤيتي أصلًا، والله قال هنا: «لَنْ تَرَانِي» ولم يقل: إني لا أرى، أو إنه لا يمكن رؤيتي أبدًا، بل قال: «لَنْ تَرَانِي» أي: لن تراني في الدنيا، ولكنك ستراني في الآخرة، مما يدل على بطلان ما ذهب إليه هؤلاء المبتدعة في قولهم: إن الله ﷾ لا يرى.
ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم في الصواعق ردودًا كثيرة جدًا في هذه الآية تصل إلى خمسة عشر ردًا تقريبًا، باستنباط وإبطال استدلال المبتدعة من الخوارج والمعتزلة في نفي الرؤية، قالوا: لما سأل موسى ﵊ رؤية الله تجلى الله للجبل، قالوا: أيهما أفضل: موسى أم الجبل؟ لا شك أن موسى ﵊ أفضل، فإذا تجلى الله للجبل فمن باب أولى أن يرى موسى ربه، ويتجلى له يوم القيامة فيراه.
وبُين أن الناس في الدنيا لن يروا ربهم؛ والسبب أنهم لا يستطيعون، قالوا: فإذا كان الجبل عندما تجلى الرب ﷾ له أصبح دكًا، وخر موسى صعقًا من هول ما رأى، لكنهم يوم القيامة يرون ربهم، بل أعظم نعيم أهل الجنة رؤية الرب ﷾، وهذا من فضل الله تعالى على أهل الإيمان أنهم يؤمنون بهذا الفضل، ويسألون ربهم دائمًا أن يكونوا ممن يروه، وألا يحجبوا عنه ﷾.
ننتقل إلى الآية الأخرى في قوله تعالى: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين:٢٣] استدل بها أهل السنة على إثبات رؤية الله تعالى، قالوا: فإنه قد ورد أن أهل الجنة يرون أشياء كثيرة يرون نعيمهم وما أعد الله لهم، ويرون مثلما قال من قال: ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات:٥١] فأراد من إخوانه أن يطلعوا إليه وأصبح يراه ﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات:٥٦-٥٧] أي: معك في النار، ولكن من فضل الله أن هداني إلى هذا الدين، والإسلام فكنت من أهل الجنة ولم أكن معك.
ومما يراه أهل الجنة الرب ﷾، فيصبح أعظم نعيم يراه أهل الجنة هو رؤية الرب ﷾، وهذا يدل على أنهم ينظرون إلى ربهم ﷾.
وذكروا منها قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] والعجب من المبتدعة كيف
[ ١٢ / ٨ ]
رؤية الله في الموقف
مسألة: هل يرى الله في الآخرة كل الناس أم الرؤية خاصة بأهل الإيمان؟ الجواب: اختلف العلماء على أقوال: القول الأول: أنه لا يراه إلا المؤمنون فقط.
القول الثاني: أنه يراه جميع أهل الموقف مؤمنهم وكافرهم، ثم يحتجب عنهم فلا يراه الكافر.
القول الثالث: أنه يراه أهل الإيمان ويراه كذلك المنافقون، وهذه الأقوال الثلاثة كلها مروية في مذهب الإمام أحمد، ونقلت عن أصحابه، ولكن بالنسبة لرؤية أهل الإيمان هي الرؤية التي تسمى رؤية النعيم ورؤية اللذة التي لا تكون إلا لأولياء الله تعالى، أما المانعون لها فقد ذكرنا من المبتدعة والجهمية والمعتزلة والخوارج وبعض من الرافضة هم الذين نفوا رؤية الله ﷾.
[ ١٢ / ٩ ]
رؤية النبي ﷺ لربه في الدنيا
كذلك بالنسبة لرؤية محمد ﷺ هل رأى ربه أم لم يرَ ربه؟ على خلاف بين العلماء، وبالنسبة لرؤيته ببصره إنما اختلفوا في مسألة الإسراء والمعراج، فمن العلماء من يقول: تثبت رؤية محمد ﷺ لربه ليلة الإسراء والمعراج، ولكن الصحيح من أقول أهل العلم أن محمدًا ﷺ لم يرَ ربه لا في ليلة الإسراء والمعراج ولا في غيرها إطلاقًا، وهذا هو أصح أقوال أهل العلم، وقد استدلوا على ذلك بحديث أبي ذر: (هل رأيت ربك؟ قال: نور أنى أراه، حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره) وحديث عائشة: (ثلاث من حدثكن بهن فقد كذب، ومنها قالت: من حدثكن أن محمدًا رأى ربه فقد كذب) وهذا هو الصحيح أن محمدًا ﷺ لم ير ربه.
بالنسبة لآحاد الناس فلا شك أنه لا يمكن رؤية أحد من البشر إطلاقًا لربه؛ لما ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: (واعلموا أن أحدكم لن يرى ربه حتى يموت) إلا ما ينقل عن الصوفية، ولا شك أن كلام الصوفية لا حجة فيه أصلًا، فإنهم يقولون: إنا نرى الله ونتحدث معه وغيره.
[ ١٢ / ١٠ ]
رؤية الرب في المنام
مسألة: هل يمكن رؤية الله منامًا أم لا يمكن رؤيته منامًا؟ الجواب: اختلف العلماء فيها، فليست لآحاد الناس، أما بالنسبة لمحمد ﷺ فقد ثبت أنه رأى ربه ﷺ كما في الصحيح منامًا، قال: (رأيت ربي في أحسن صورة) وهذا الحديث صحيح، هذا لمحمد ﷺ، أما ما عداه فخلاف بين العلماء فيه.
فمن العلماء من قال: إنه يمكن رؤية الله منامًا، وأومأ إليها شيخ الإسلام ابن تيمية، وأن الناس يرونه على حسب إيمانهم وما في صلاحهم.
ومن العلماء من يقول: لا، الأصل أنه يمسك عن هذه المسألة، ولا يتكلم فيها؛ نظرًا لأنه لا يمكن التمييز بين من قال: رأى ربه أو لم يرَ ربه أو غيره، لأن الخوض والتوسع قد خاض فيه طوائف من المبتدعة مما أدى إلى الانحراف فيها.
ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أثرًا أظنه في الفتاوى أن عبد القادر الجيلاني يقول: جاءه ربه قال: أنا ربك يا عبد القادر، وإني أسقطت عليك الصلوات فلا حاجة بأن تصلي، قال: اخسأ فأنت الشيطان، قال من حوله: عجبًا! ترى الله وتخاطبه وتقول له هذا الكلام، قال: لأني أعلم أن شريعة الله ثابتة، وشريعة الله غير منسوخة وباقية، فما جاءني إلا الشيطان ليضلني، لكن الصوفية المبتدعة لو جاءهم الشيطان وقال: أنا ربك، وأسقطت عنك صلاة الفجر، أو جئت لك بهذا الذكر، أو جئت لك بكذا، طاروا وراء تلك، وجاءوا بشرع لم يأتِ عليه دليل من كتاب الله ولا من سنة رسوله ﷺ.
نقل عن ابن عباس ﵁ وأرضاه، أنه قال: [إن محمدًا ﷺ قد رأى ربه] وهذه المسألة رويت عنه ونقل أنه رآه مرتين، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أنه بالنسبة للرؤية وما نقل عن ابن عباس قال: لم يصح ولم يثبت سند عن ابن عباس ﵁ أنه قال: [إن محمدًا رأى ربه بعينه] وإنما قال: [رآه مرتين] فمن العلماء من قال: إن المرتين تلك إحداهما منامية والأخرى رآه بفؤاده ﷺ، وبناءً عليه نقول: لم يثبت عن الصحابة ﵃ بسند صحيح أنهم قالوا: إن محمدًا ﷺ رأى ربه ببصره صلوات الله وسلامه عليه، وإنما حمل على أنه رآه رؤية منامية فقط.
وبهذا نقف على مسألة الرؤية، ونصلي ونسلم على نبينا محمد وعلى آله وصبحه أجمعين.
[ ١٢ / ١١ ]