علو الله على خلقه حق دل عليه الكتاب والسنة، والعقل والفطرة السليمة التي لم تختلط بلوثات أهل البدع والكلام؛ ممن جعلوا العقول حاكمة على الكتاب والسنة، ومن ثم حرفوا النصوص على ما تشتهيه أهواؤهم وعقولهم.
وإن مما يصلح حياة الإنسان هو تذكر أهوال اليوم الآخر ابتداءً من الموت، ثم القبر، ثم النفخ والبعث وحشر العباد إلى ربهم، ووقوفهم للحساب، ثم إتيان الناس الحوض؛ فمنهم من يسقى ومنهم من يذاد، ثم يأتي وزن الأعمال، ثم المرور على الصراط، فناج مسلم ومخدوش مكردس.
[ ١٤ / ١ ]
أدلة إثبات صفة العلو والرد على المخالفين
الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قبل أن نختم مبحث الصفات أرى من المناسب أن نتكلم عن صفة العلو للرب ﷾، وقد ذكرنا في الدرس الماضي أن ثمة صفات يرتبط بعضها ببعض، كصفة الاستواء والنزول والعلو وصفة الرؤية، وأن من أثبت واحدة لزمه أن يثبت الجميع، ومن نفى واحدة لزمه أن ينفي الجميع لارتباطها.
[ ١٤ / ٢ ]
الأدلة من الكتاب والسنة وأقوال بعض السلف
فاستواء الله على عرشه قد تكلم عليه العلماء، وبينوا أن الله مستوٍ على عرشه استواءً يليق بجلاله وعظمته، ولكن المبتدعة شرقت نفوسهم بأن يثبتوه للرب ﷾، ولهذا فإنهم يقولون: كان الله ولا عرش وهو الآن على ما كان عليه، أي: لا يثبتون عرشًا، ولا يثبتون استواءً، ولا يثبتون علوًا للرب ﷾، ومن باب أولى ألا يثبتوا صفة النزول.
وصفة الاستواء على العرش قد دل عليها الكتاب والسنة، فقد وردت في القرآن في سبعة مواضع، وفي أحاديث النبي ﷺ وردت مستفيضة، بل هي متواترة في إثبات الاستواء على العرش.
ومن اللطائف: أن عبد الله بن رواحة ﵁ وأرضاه أتى جارية له، فنظرت إليه زوجته فغضبت أشد الغضب، فقالت لـ عبد الله بن رواحة: أتأتيها وعلى فراشي، فقال تورية: لم آتها، قالت: إذًا اقرأ قرآنًا، لأنها تعلم أن الجنب لا يقرأ قرآنًا.
فألقى عليها أربعة أبيات من الشعر، من ضمنها:
وفوق العرش رب العالمينا
فقالت: كذبت عيناي وصدق الله، وأخبر النبي ﷺ بالخبر فتبسم ﷺ.
بل إن الاستواء على العرش كما يقول بعض العلماء: إنه قد ثبت في شعر جاهلي، وهو مرتبط بإثبات العلو للرب ﷾، والأشاعرة قد استدلوا ببيت مصنوع وموضوع ولا حجة فيه، وهو قول الشاعر:
قد استوى بشر على العراق من غير سيف أو دم مهراق
وهذا البيت احتجوا به على أن هذا وارد في اللغة، لكن هذا البيت من الشعر لا يحتج به؛ لأن الذين يستنبطون من اللغة العربية جعلوا زمانًا يحتج به، وما بعده لا يحتج بالأشعار التي وردت فيه، ومن هنا أخذوا: قد استوى بشر، أي: استولى بشر، ويفسرون الاستواء بالاستيلاء، وهذا الكلام باطل، ويلزم عليه محاذير كثيرة: فمن علامة بطلانه: أننا نجد النصوص في سبعة مواضع في القرآن كلها تبين استوى الله على العرش: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤] ولم يرد نص واحد يدل على أنه بمعنى الاستيلاء، ثم أحاديث النبي ﷺ كلها ترد وتبين لنا أنه مستوٍ على عرشه.
ثم يلزم على ذلك محذورًا باطلًا: فإن قضية الاستيلاء يلزم منها أن هناك مغالبة بين الرب وبين العرش، ثم إن الرب غلبه، وهل يوجد شيء من الكون بينه وبين الرب نزاع؟ لا، والله قد قال في كتابه: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون:٩١] ولا نجد علوًا للكون بعضه على بعض أبدًا لا العرش ولا غيره، مما يدل على بطلان ما ذهب إليه الأشاعرة ومن نحا منحاهم في نفي صفة الاستواء على العرش.
أما قضية العلو فهي من الصفات العظيمة للرب ﷾، بل هي من تمجيد الله وتعظيمه وإعطائه منزلته أن نثبت بأنه ﷾ فوق سماواته مستوٍ على عرشه، عالٍ على خلقه ﷾، والأدلة على إثبات العلو في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ وفي أشعار الصحابة ﵃، وفي العقل، والفطرة أكثر من أن تحصى، ولقد أبدع الإمام ابن القيم ﵀ في الصواعق إذ أنه جمع ووجد أن الأدلة كما قال: تزيد في النصوص الشرعية على ألف دليل في إثبات العلو، ومن الصعب عرضها، وتحتاج إلى مؤلفات في عرضها وذِكْر وجه الدلالة، لكنه ﵀ جمعها بمجاميع قال: كل نص يرد فيه التصريح بالعلو فإنه يدل على علو الله تعالى، وكل نص يدل على التصريح كذلك بالعروج إليه فإنه يدل على علوه، وكذلك التصريح بأن الله رفع بعض خلقه إليه يدل على علوه، والتصريح كذلك بالنزول يدل على علوه ﷾، والتصريح بالاستواء يدل على علوه، كذلك في قضية الإسراء والمعراج أخبر ﷾ أنه أسرى بعبده، وعرج بمحمد ﷺ إلى العلو، وكلم ربه ﷾ لما صعد، وكذلك أدلة الرؤية وغيرها، لسنا بصدد الحصر ولكن نمرها على عجل، هذه من أدلة الكتاب وسنة النبي ﷺ.
وسأل النبي ﷺ جارية أراد أن تُعتق، فقال لها النبي ﷺ: (أين الله؟ فأشارت في السماء، قال النبي ﷺ: أعتقها فإنها مؤمنة) ولم يقل لها: قبحك الله كيف ترفعين بإصبعك إلى الرب، فأنتِ تجسمين وتشبهين، ولهذا إذا رفعت إصبعك فقلت: الله في العلو ضاقت على المبتدعة الأرض بما رحبت، ويقولون: إنكم تجعلون السماوات تحيط بالرب ﷾، وهذا من ضيق أفقهم وجهلهم بسنة محمد ﷺ، ونحن نقول: إن الله ﷾ في العلو بما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة.
ولقد كانت إحدى زوجات النبي ﷺ وهي زينب كما روى البخاري تفتخر على نساء الرسول ﷺ كلهن، وكانت تقول: (زوجكن أهليكن، وأنا زوجني الله من فوق سبع سماوات) وهنيئًا لها إذ تفتخر بهذا الفخر العظيم: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب:٣٧] فكانت كأنها تفتخر بأنها أنزلت في قضية زواجها نص من الله تعالى، ويبقى إلى قيام الساعة فخرًا لها.
ولقد أثنى النبي ﷺ على سعد بن معاذ ﵁ لما حكم في بني قريظة: (لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات) ثناءً عليه بأنه أثبت الحكم الذي حكم الله فيه، وأثبت الرسول ﷺ أن ربه فوق سبع سماوات.
وروي أن عمر ﵁ وأرضاه كما في سنن الدارمي وغيره، والحديث يظهر أنه ليس بثابت، لأن في سنده انقطاعًا: وقف عمر مع امرأة عجوز في الطريق، ولما وقف معها قيل لـ عمر وكان قد سد الطريق: كيف أغلقت الطريق من أجل هذه العجوز؟! فقال: [ويحكم! أتدرون من هذه؟ إن هذه قد سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات] وهي خولة: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ [المجادلة:١] فأثبت أن الله ﷾ فوق سماواته عالٍ على خلقه، هذه أدلة الكتاب والسنة.
[ ١٤ / ٣ ]
دليل الفطرة
أما دليل الفطرة فقد دل على ذلك أنه ما من مؤمن أو عارف يعرف بأن له ربًا، يقول: يا ألله! إلا وجد قلبه يتوجه إلى العلو.
وأنت إذ تتساءل الآن في ذات نفسك وتقول: قد ربيت عليه وأنا صغير، لكن إخوانك الصغار تشاهدهم ما أحد يعلمهم فيقول لهم: إنك إذا دعوت الله تعالى فواجب عليك أن ترفع بقلبك إلى العلو، وهذا نسميه رصيد الفطرة.
ونُقل أن البهائم إذا أصابتها الشدائد في حال تعسر ولادتها، فإنها وهي مضطجعة، تسلم أمرها لله، وترفع رأسها إلى السماء؛ لأنها تعلم أن ربها هناك، فترجو منه أن يكشف كربها وما أصابها.
فسبحان الله! كان أبو المعالي الجويني على المنبر يحدث أتباعه، وكان من كبار الأشاعرة، وكان يقول لهم: كان الله ولا عرش، وهو الآن على ما كان، أي: ليس هناك عرش وليس هناك استواء ولا غيره، فكان الهمداني في مجلسه، فقال له: يا شيخ! دعنا من قضية الاستواء على العرش ومن آية: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] قال: إننا لا نجد عارفًا يقول: يا ألله إلا وجد في قلبه اضطرارًا إلى العلو فبماذا نفسر هذا؟ أنت تريد أن تنفي لنا النصوص الشرعية، لكن كيف ننفي الفطر التي توجد في قلوبنا، ماذا نعمل بها؟ قال: فنزل الجويني وهو يضرب على رأسه يقول: حيرني الهمداني، حيرني الهمداني، وقيل: إنه كان يبكي ولم يستطع أن يقول شيئًا؛ لأنه إذا جاءته النصوص يستطيع أن يأولها، لكن فطر الناس لا يمكن أبدًا؛ لأنها تثبت بأن الله ﷾ في العلو.
ويأتي الدليل العقلي على إثبات علو الله تعالى، وهو مركب من مقدمات كثيرة، وقد بسط هذا الدليل العقلي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بطوله في الفتاوى وفي غيره، وفي الرد كذلك على الرافضة القدرية، وكان يبنى على مقدمات أعرضها سريعًا، فيقولون: ليس في الكون إطلاقًا إلا خالق ومخلوق، فقالوا: إما أن يكون الله خلق الخلق داخل ذاته أو خارج ذاته، أو أنه لا داخل ذاته ولا خارج ذاته، أصبحت عن طريق السبر والتقسيم ثلاثة أقسام: ١- إما أن يكون خلق الله الخلق داخل ذاته.
٢- أو يكون الخلق خارج ذاته.
٣- أو يكون الخلق لا داخل الذات ولا خارج الذات.
إذًا القول بأن الخلق في داخل ذات الرب ﷾ باطل باتفاق العقلاء، والسبب هل نحن نشعر بأننا داخل ذات الرب؟ لا.
ثم بطلانه بأنه يلزم أن يكون الله محلًا للقاذورات والخسائس، وهذا الخلق فيه ما هو طيب وفيه ما هو خبيث، فهل يمكن أن يكون الخبيث في داخل الرب؟ حاشا وكلا، إذًا تعين أنه بطل أن يكون الخلق داخل ذات الرب، ولا يقول بهذه المقالة إلا الصوفية الغلاة، أهل وحدة الوجود، وأهل الحلول والاتحاد، الذي يقول قائلهم قبحه الله: ليس في الجبة إلا الله وينفض جبته، ولا شك أن هذا هو الكفر بل هو الإلحاد.
ننتقل إلى القسمة الثانية: أن يكون الكون لا داخل ذات الرب ولا خارجه، وهذا نفي لوجوده بالكلية، فالشيء الذي لا يكون موجودًا ولا داخلًا ولا خارجًا يؤدي إلى نفي وجود الله تعالى، وهذا أمر باطل بالاتفاق، ولهذا نجد العجيب أن بعض طوائف المبتدعة يقولون: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه، وهذا الكلام باطل، يؤدي إلى نفي وجود الله تعالى.
بقي عندنا أن يكون الرب خارج هذا الكون، فتعينت المفاصلة والمباينة، وتعين المفاصلة والمباينة يقتضي أن ننتقل إلى مقدمات أخرى وهي أن نقول: إن السفول صفة نقص، والعلو صفة كمال، والله موصوف بالكمال، إذًا الله في العلو ﷾.
ولهذا إذا وجد شيء عزيز عليك فإنك ترفعه فوق رأسك؛ نظرًا لأن العلو باتفاق العقلاء كمال، ولا يمكن أبدًا أن يكون نقصًا، بخلاف السفول فإنه نقص، ولهذا تجدون الأطفال الصغار يرفع فمه إلى السماء ويقبل، ويبصق على الأرض لاعتقاده أن الشيطان في السفول، ويعترف بأن الله في العلو، وهذا دليل على مسألة فطرية ومسألة دلالة العقل على إثبات علو الله تعالى.
[ ١٤ / ٤ ]
أقسام العلو
نعجب من هؤلاء المبتدعة إذ لم يقبلوا نصوص الكتاب والسنة بل أولوها، وقالوا: إن المقصود منها أن العلو للفوقية هنا فوقية المكانة والقدر، بمعنى أن الله في العلو له المكانة، وإلا فإنهم لا يقبلونه، وأهل السنة يقولون: إن العلو ينقسم إلى ثلاثة أقسام: ١- علو قدر وهي المكانة.
٢- علو قهر وهي الغلبة ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨] .
٣- علو الذات.
المبتدعة لا يجادلونا في علو القدر ولا في علو القهر، ولكن يجادلونا في علو الذات، ولا يثبتون الله في العلو، أما نحن فنثبت أنواع العلو كلها لله، ونقول: إن لربنا الكمال فيها كلها، ونقول: الله ﷾ عالٍ على خلقه علوًا يليق بجلاله وعظمته ﷾.
والقول بعلو القدر وعلو المكانة لله تعالى أمر تأنف منه العقول، فإذا جئت إلى شخص مثلًا وقلت له: إنك والله لك منزلة في نفسي أفضل من الحمار والكلب، هل ينبسط أم يغضب؟ قال الشاعر:
ألم ترَ أن السيف ينقص قدره إذا قيل إن السيف أمضى من العصا
فلو جاء إنسان يوازن بين السيف وبين العصا فإنه قد نقص قيمة السيف، وإذا قيل: إن الله خير من خلقه وأفضل من خلقه فهذا تنقص للرب ﷾؛ لأن هذا الأمر مغروس في الفطر (أن الله ﷾ فوق خلقه منزلة وقدرًا وقهرًا) ومع وجود هذا الأمر وهو أمر فطري نثبته لله، لكن ليس هذا هو مدح للرب ﷾، بل إن المدح أن نثبت له ﷾ الكمال المطلق، ومنه إثبات علو الذات له ﷾، وبهذا يبطل كلام هؤلاء في تأويلهم على أن العلو يقصد به علو المكانة أو أن المقصود أن الله خير من خلقه ﷾.
انطلقوا إلى النصوص الدالة على الدليل الفطري، عندما قلنا لهم: إن الإنسان إذ يقول: يا الله، يجد قلبه يتعلق بالعلو، قالوا: تعلق القلب بالعلو لأن السماء هي قبلة الدعاء، وهذا الكلام باطل وليس بصحيح لا لغة ولا شرعًا ولا عقلًا، القبلة في اللغة هي ما تستقبل بوجهك، فهل نحن إذا دعونا نرفع أبصارنا إلى السماء؟ لا، بل نهينا عنه: (لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم إلى السماء أو ليخطفن الله أبصارهم) نهينا أن نرفع، ولهذا يسمى ما يقبل به الإنسان قُبل، وخلفه يسمى دُبر، ندعو الناس إذا أرادوا أن يدعوا أن يتوجهوا بوجوههم إلى السماء.
ثم قال العلماء: لم يأتِ دليل على أن هناك قبلتين: قبلة للصلاة وهي إلى الكعبة، وقبلة للدعاء وهي السماء، فهذا لم يرد فيه دليل لا من كتاب ولا من سنة، ولم يقل به أحد من الصحابة ﵃ وأرضاهم، وقولنا بهذا يدل على ابتداع هؤلاء القوم، وأنهم جاءوا بأمر محدث.
ثم قال العلماء: إن القبلة تقبل النسخ، فكان الصحابة يستقبلون بيت المقدس سابقًا، ثم صرفوا إلى الكعبة، لكن في توجه الإنسان بقلبه إلى العلو لا يمكن أن يطرأ عليه نسخ؛ لأن هذا شيء مركوز في الفطر، وما كان في فطر الناس مركز لا يحدث فيه النسخ أبدًا، مما يدل على بطلان ما جاء به هؤلاء القوم، ويدل على انحرافهم.
واعترضوا على قضية الدليل العقلي، بإنكار بداهته، فجاء المبتدعة يقولون: نحن عقلاء أم مجانين؟ قلنا: أنتم عقلاء، قالوا: نحن إذًا لا نقبل، الدليل العقلي يجب أن يتفق فيه العقلاء كلهم ونحن لا نقبل.
فنحن نقول لهم: إن كان دليلنا العقلي باطلًا فما توردونه من الأدلة في نفي علو الله تعالى أشد بطلانًا، أي: أنتم أكثر عمقًا في الباطل، وإن كان قولنا حقًا وقولكم حقًا، فنحن أكثر تمكنًا في الحق منكم، فتميز أهل السنة بقلة الباطل -على فرضه تنزلًا- وبكثرة الحق في هذا الأمر، وما دامت القضية الدليل العقلي أصبح أمرًا مشتركًا بيننا وبينكم فإننا نسأل ونقول: فطر الناس معنا أم معكم؟ نقول: مع أهل السنة وليس مع المبتدعة، فزاد أهل السنة بفطر الناس، ثم نسأل فنقول: أدلة الكتاب والسنة معنا أم معكم أيها المبتدعة؟ فـ أهل السنة معهم أدلة مرجحة لدليلهم العقلي (الفطرة وكتاب الله وسنة رسوله ﷺ) وبهذا ترجح دليلهم العقلي في إثبات علو الله ﷾ والإقرار به، وبهذا نعلم أن الله ﷾ له العلو بجميع أنواعه: علو القدر، وعلو القهر، وعلو الذات ﷾، ولا نتعرض لذلك ولا ننفيه.
[ ١٤ / ٥ ]
أئمة المذاهب الأربعة سلفيون
قاعدة: يجب أن نعلم أن الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى كلهم أثريون سلفيون، والمقصود بالأثري السلفي أنه متى ثبت له النص من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ طرح مقالته كلها وتركها، سواء كان في مسائل الفروع -أي: مسائل الشريعة أو الأحكام- أو كانت في مسائل الاعتقاد، حتى لا يأتينا أحد فيقول: إن قول فلان وفلان وفلان كان مثل قول المبتدعة، ونذكر الأدلة على ذلك: أبو حنيفة رحمه الله تعالى كان ممن يقول: إن الإيمان هو مجرد الاعتقاد فقط، ولا يرى الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، وحكى الطحاوي حكاية أبي حنيفة مع حماد بن زيد، وأن حماد بن زيد لما روي له حديث: (أي الإسلام أفضل) الحديث، قيل له: ألا تراه يقول: بأي الإسلام أفضل، والأحناف عندهم خطأ في مسألة الإيمان، فهم لا يرون الإيمان يزيد وينقص، ولهذا يسميهم العلماء: مرجئة الفقهاء، فقيل له: إنه يقول: (أي الإسلام أفضل؟) ثم أجاب النبي ﷺ عن قضية الإيمان فقال: (الجهاد في سبيل الله والهجرة) والجهاد والهجرة أليست عملًا؟ وأبو حنيفة لا يرى الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، فقال له بعض أصحابه: ألا تجيبه، ألا ترد على هذا القول؟ هو يروي حديث النبي ﷺ، فقالوا: ألا تجيبه؟ فقال أبو حنيفة: بم أجيبه وهو يحدثني بهذا عن رسول الله ﷺ، أي: ما كان لي أن أرد عليه بعد أن جاءني بالنص عن رسول الله ﷺ، وأن الواجب على كل مسلم أن يأخذ بظاهر قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [الأحزاب:٣٦] .
قال البخاري: سمعت الحميدي يقول: كنا عند الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، فأتاه رجل فسأله عن مسألة، فأجابه الشافعي رحمه الله تعالى وقال فيها: روى عن النبي ﷺ حديث كذا وأورد له الحديث، فقال له هذا الرجل: ما تقول أنت يا إمام؟ أي: ما رأيك أنت؟ فغضب الشافعي أشد الغضب، وقال: سبحان الله! أتراني خرجت من كنيسة، أتراني في وسطي زنارًا، حتى أقول قال رسول الله ولا أقول به؟! كأنه منكر عليه أن يسأله عن مقالته، وهذا يدلنا على أمرٍ يجب أن نعلمه، وهو أن الواجب علينا جميعًا ألا نتعلق بالأشخاص أبدًا كائنًا من كان، إلا بما ثبت في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وإن القوم الذين يتعلقون بالأشخاص يصل بهم الأمر إلى أن يزلّوا إذا زل الأئمة، ويصبوا إذا أصابوا، لكن من تعلق بالمنهج وتعلق بالكتاب والسنة فلا يضل ولا يزل أبدًا، وهذه من نعمة الله تعالى أننا لا نتعلق بالأشخاص.
أقول للأحبة وهي ظاهرة على ضوء التتبع: تبين لنا في واقعنا الذي نعيشه أن الناس يتعلقون بالأشخاص في كثير من أمورهم، في مسائل دعوتهم، وفي مسائل إفتائهم، وفي مسائل عرضهم للحق وغيره، وهذا من الخطأ والانحراف، ولعل هذا قد حذرنا منه الله تعالى في كتابه فقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران:١٤٤] وكأن الله يبين لنا هنا أن الواجب علينا ألا ننظر إلى ذات محمد ﷺ، وإنما نأخذ بمنهجه «أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ» وكم من الناس كأنهم يتعلقون بالأفراد، ويظنون أنهم إذا وجدوا وجد الحق، وإذا ذهبوا ذهب الحق، وإذا ماتوا مات الحق، وإذا حيوا حيا الحق، هذا من الخطأ والجهل، والله قد جعل لنا منهجًا ودستورًا وهو الكتاب والسنة، وهو المنهج الذي يجب أن نأخذ به، وهو المنهج الذي يجب أن يرضى الناس به دون أن يربطوا بأفراد وبأشخاص معينين.
[ ١٤ / ٦ ]
علامات معرفة أهل البدع
ننتقل إلى موقف المبتدعة من نصوص الكتاب والسنة: قلنا سابقًا: إن المؤلف رحمه الله تعالى لم يتعرض لكثير من أسماء الله وصفاته، وإنما أومأ لبعضها، والمبتدعة يشرقون دائمًا بالنصوص التي تلقمهم الحجر، فمثلًا: الصفات الفعلية: المحبة، والغضب، والنزول، والاستواء، والرضا وغيرها صفات أفعال، والمبتدعة لا يثبتونها للرب ﷾، ولهذا ما موقفهم منها؟ وهناك طوائف أشد ضلالًا، فلم يثبتوا شيئًا من الأسماء والصفات للرب أبدًا، بل شبهوا الله إما بالجماد أو بالمعدوم، عجبًا لهؤلاء القوم من الجهمية المعطلة! وسار على ذلك المعتزلة، وغلاة الرافضة.
١- من علاماتهم: قالوا: الأخبار تنقسم إلى قسمين: أخبار متواترة وأخبار آحاد، فقالوا: الأخبار المتواترة هي ما تواتر سندها، أما ما تدل عليه من المعاني والفوائد والأحكام فهي ظنية، فإذا كان المتواتر هو الكتاب وسنة النبي ﷺ المتواترة ظنية الدلالة، فما النتيجة؟ أننا لا نفهم منها شيئًا، ولا نحتج بها لا في الاعتقاد ولا في غيره، وهذا انحراف واضح بل هو الضلال بعينه.
ثم أخبار الآحاد: وإن صح سندها، فهي ظنية الثبوت من جهة السند، وظنية الدلالة، فلا يقبلونها، ولذلك عندما ذكرت أنك إذا أردت أن تميز شخصًا مبتدعًا، فمن العلامات أن تنظر إلى كلامه في الأخبار، فإن قال: خبر الآحاد لا يحتج به في مسائل الاعتقاد فاعلم أنه ليس سلفيًا في معتقده، وأن عليه ملحوظات في هذا المعتقد، هذا جزء من علامات المبتدعة.
٢- ومن علاماتهم: أنهم يؤصلون مقدمات عقلية، ثم يجعلونها هي الحاكمة على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، ولذلك قالت المعتزلة: أي نص في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ لا يوافق العقل فإنه يقدم العقل ويطرح الكتاب والسنة، ولا شك أن هذا هو الضلال بعينه.
فلا ندري أنأخذ بعقل المعتزلي أم بعقل الجهمي؛ أم الأشعري، أم عقل الماتريدي، أم الكلابي أم غيره، بمن من العقول نأخذ؟! ومن هي العقول التي تكون حاكمة على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ؟ هذا هو الضلال بعينه، ولهذا جعلوا لهم مقدمات وليست إلا ضلالات، وقال فيها الإمام ابن القيم وشيخ الإسلام ابن تيمية مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور:٣٩] ولذلك لم يهتدوا لكتاب ولا سنة.
٣- ومن علامات المبتدعة: أنهم يجعلون بدعهم هي التي تعرض عليها نصوص الكتاب والسنة، فهم منحرفون في الأصل، وعندهم الضلال، فيجعل البدعة التي عنده هي الحاكمة على الكتاب والسنة، وكم نجد من الغرائب، اقرأ في كتب التفاسير، فـ الأشاعرة إذ يفسرون القرآن يعرضون نصوص القرآن على بدعهم التي عندهم، والمعتزلة إذ يفسرون القرآن كذلك، والخوارج إذ يفسرون القرآن كذلك، والرافضة إذ يفسرون القرآن يعرضون النصوص على البدعة التي عندهم فما وافق البدعة سموه محكمًا، وما خالف البدعة سموه متشابهًا، فجعلوا ما وافق بدعهم محكمًا، وما خالفها متشابهًا.
إذًا لهم من المتشابه موقفان: الموقف الأول: أنهم يفوضون المعنى فيقولون: هذه النصوص لا ندري ما هي ولا نعرفها.
الموقف الثاني: أنهم يئولون النص عما دل عليه، وفي الحقيقة أن التأويل حق أن نسميه تحريفًا وليس تأويلًا، مثلما قالوا في الاستواء: الاستيلاء و﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] قالوا: اليد هي النعمة والقدرة، هذا تحريفٌ وليس تأويلًا، بل هذا هو الضلال، والله يثبت لنفسه الأسماء الحسنى والصفات العلى، وهم يقولون: نحن يا رب أعلم بأن نصفك منك إذ تصف نفسك، هذا هو لازم كلامهم وهو لازم مذهبهم، فمن يقول: أنا لا أثبت لله الأسماء الحسنى ولا الصفات العلى، كأنه يقول: يا رب! أنت جئت بهذه ولست الذي تصف نفسك نحن نعطيك ما هو أنزه لك ولا نريد أن نشبهك بالمخلوقين، وهذا هو الضلال بعينه.
ولو سُئلنا يوم القيامة: لِمَ أثبتم اليد لله والإصبع والقدم؟ قلنا: قد وردت في كتابك وقد بينها لنا رسولك ﷺ، فمن احتج بكتاب الله وسنة رسوله فلا عتبى عليه، لكن إذا قيل له: لماذا لا تثبت هذا الشيء وقد جاءك في الكتاب والسنة؟ يقول: يا رب! أنا خشيت أن أشبهك بالمخلوقين، أأنتم أعلم أم الله؟! أنحن أعلم أم رسول الله ﷺ؟! لا شك أن رسول الله ﷺ أعلم بربه، والله يقول: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢] ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧] .
إذًا أصبح الواجب علينا ألا نسير على مناهج هؤلاء الذين انحرفوا عما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
[ ١٤ / ٧ ]
مسائل متعلقة باليوم الآخر
ثم قال المؤلف ﵀:
وأقر بالميزان والحوض الذي أرجو بأني منه ريًا أنهل
انتهينا من باب الأسماء والصفات، والمؤلف رحمه الله تعالى يورد لنا مبحثًا مهمًا عظيمًا جدًا، ولعلنا نستفيد منه فائدتين: الفائدة الأولى: الإيمان باليوم الآخر، وتمكينه في القلوب، وهو أحد أصول الإيمان الستة، ولا يصح إيمان أحد كائنًا من كان حتى يؤمن باليوم الآخر.
الفائدة الثانية: نشم من قول المؤلف أن هذه هي ثمرة الإيمان بالمعتقد السابق، أننا:
نقر بالميزان والحوض الذي أرجو بأني منه ريًا أنهل
أي: أنه ينهل منه بسبب معتقده السابق، فإن من حرف وغير منهج الله وصراطه؛ فإنه يذاد عن حوض النبي ﷺ يوم القيامة، ولهذا ورد أن أناسًا يردون على حوض النبي ﷺ ويذادون، فيقول النبي ﷺ: (أمتي أمتي! فيقال له: إنك لا تدري ماذا أحدثوا بعدك، فأقول: سحقًا سحقًا) أي: بعدًا لهؤلاء.
قال العلماء: وينطبق على هؤلاء الذين يذادون طوائف الخوارج، والجهمية، ويدخل فيهم الرافضة، فهؤلاء غيروا وبدلوا ما جاء عن الله وجاء عن رسوله ﷺ، وليس في باب الصفات وحدها، بل في أبواب متعددة، بل في غالب مباحث العقيدة غيروا ما جاء به النبي ﷺ.
[ ١٤ / ٨ ]
أسماء اليوم الآخر
اليوم الآخر وردت له أسماء كثيرة، منها: يوم القيامة، واليوم الآخر، والساعة، والبعث، ويوم الدين، والصاخة، والقارعة، والطامة الكبرى إلى غيره، ولقد شرح ذلك بشيء من التفصيل الإمام القرطبي رحمه الله تعالى في تذكرته، ويعتبر من المباحث والكتب المهمة المتعلقة باليوم الآخر كتاب التذكرة في أحوال الآخرة للإمام القرطبي، وكتاب العاقبة للإشبيلي ﵀ في قضية اليوم الآخر، ومن المعاصرين الدكتور عمر الأشقر كتب: اليوم الآخر جمع فيه ما ذكره المتقدمون رحمهم الله تعالى في مسألة اليوم الآخر.
[ ١٤ / ٩ ]
بداية اليوم الآخر
قضية اليوم الآخر نحن نعلم أنها تبدأ أول ما تبدأ بموت الإنسان، فمنذ أن تنطلق الروح يبدأ اليوم الآخر، وكأن الإنسان عنده الحياة الدنيا والحياة الآخرة، فالدنيا هي الأولى القريبة، ثم بعدها الحياة الآخرة، وتبدأ الآخرة بالموت ثم القبر، وسيأتي الكلام عليه وإن كان المؤلف رحمه الله تعالى أخر قضية القبر، لكن نأتي على ضوء ما شرحه المؤلف ولن نتكلم به على حسب الترتيب، وتبدأ قضية اليوم الآخر بعد قضية النفخ في الصور.
[ ١٤ / ١٠ ]
الصور وموعد النفخ
الصور هو مثل القرن، والنافخ في الصور هو إسرافيل ﵊، وقد قال النبي ﷺ: (كيف ينعم وصاحب الصور قد التقم الصور ينتظر متى يأذن الله الرب ﷾) .
والنفخ في الصور يكون في يوم الجمعة، فقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: (خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا يوم الجمعة) قالوا: إن يوم الجمعة تصبح كل الدواب خائفة من هذا اليوم تنتظر الساعة متى تقوم.
وإن كان عجبًا لأمة الإسلام أن جعلت يوم الجمعة يوم لهو ومعصية، وبعضهم يوم نوم وضياع وقت، مع أننا نجد أن يوم الجمعة ميز بعبادات كثيرة: سنة التبكير، وقراءة سورة الكهف، وكثرة الصلاة على النبي محمد ﷺ، وكثرة الدعاء، ثم الإتيان إلى المسجد والتبكير إليه إلى غيره، عبادات كثيرة جدًا في يوم الجمعة؛ نظرًا لأنه يوم مبارك، ويوم عظيم، ولعله إذا قامت الساعة على الإنسان أو نفخ في الصور يكون عند الإنسان شيء من العبادة.
[ ١٤ / ١١ ]
عدد النفخات في الصور
النفخ في الصور اختلف العلماء: كم نفخة في الصور تحديدًا؟ فمن العلماء من قال: نفختان، وهي أصح أقوال أهل العلم في هذه المسألة.
ومنهم من قال: ثلاث نفخات، ونقلت هذه عن ابن كثير والسفاريني، وذُكِرَ أنها قول لشيخ الإسلام ابن تيمية، ونُقل عن ابن حزم ﵀ أنها أربع نفخات، ولكن الصحيح أنها نفختان فقط.
ويصعق الناس كلهم إلا من شاء الله، وقيل لبعض العلماء: من الذين يستثنون؟ - من العلماء من قال: إن الذي يستثنى هم الملائكة.
- ومنهم من قال: جبريل وميكائيل وإسرافيل.
- ومنهم من قال: أهل الجنة وما فيها من الحور العين وغيرهم، لكن الذي يظهر أن الصعق يكون عامًَّا واستثني كبار الملائكة.
[ ١٤ / ١٢ ]
البعث والحشر
يُصعق الناس ثم يموتون ثم تأتي قضية البعث، وينزل الله مطرًا من السماء، ورد في بعض الآثار أنه كمني الرجال، ونحن نعلم أن الإنسان يبلى كله إلا عجب الذنب، وهو ما نسميه (العصعص) وهو آخر خرزة في مقعدة الإنسان وفي دبره، وهو شيء صغير، قال: فينبتون كما ينبت البقل، ويخرج الناس ويعرضون على الله تعالى، يبدءون بعثًا جديدًا، وقد بين النبي ﷺ أنهم يحشرون حفاة عراة غرلًا بهمًا، يصبح الإنسان عاريًا وغرلًا وبهمًا، وبينت عائشة فقالت: (يا رسول الله، الرجال والنساء سواء؟ فقال لها النبي ﷺ: إن الأمر أعظم من ذلك) يشغلهم أن تنظر المرأة إلى الرجل أو ينظر الرجل إلى المرأة؛ لأن الأمر مفزع، وأمر عظيم.
وأول من تنشق عنه الأرض هو نبينا محمد ﷺ، فقد ثبت في صحيح مسلم أنه قال: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع وأول مشفع) ﷺ، ويحشر الخلائق يوم القيامة ليوم الجمع، ويصبحون جميعًا على أرضٍ غير هذه الأرض؛ لأنها تبدل، فيحشرون على أرض بيضاء كالفضة لم يعص الله عليها أبدًا.
اختلف العلماء هل تحشر البهائم مع الناس أم لا؟ وأصح الأقوال أنهم يحشرون جميعًا الرجال والنساء وكذلك المسلم والكافر، والبهائم وغيرها، ويكون أول من يكسى هو إبراهيم ﵊ كما في صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (إن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم) وورد أنه يكسى بكسوة من الجنة، وذلك يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات.
لقد كذَّب الكفار من الناس -والعياذ بالله- بقضية البعث، وكان هذا التكذيب من قديم وليس حديثًا، وقد بين الله في كتابه فقال: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن:٧] ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٨-٧٩] فلا شك أنه هو المحيي لها، فالذي أنشأها أول مرة وخلقها هو القادر على أن يحيها مرة أخرى ويعيدها فيما بعد.
وهناك مباحث كثيرة في قضية الأدلة على البعث والأدلة على ذلك اليوم، والواجب على المسلم أن يستعد، قالوا: إن هذا الكون يتغير تغيرًا كليًا، وقد ورد في الآثار: من أراد أن ينظر إلى القيامة رأي العين فلينظر في سورة التكوير: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير:١] ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار:١] تجد تغيرًا للكون كاملًا، السماوات والأرضون وغيرها تبدل، والجبال والأنهار والبحار تسجر ولعلها تأتي من علامات الساعة الكبرى، وإن كانت العلامات الصغرى هي إيماء لها، ولسنا بصدد الكلام على علامات الساعة.
والناس ينقسمون على حسب دياناتهم، وعلى حسب معتقدهم، ويحشر الناس على اختلافهم، فهؤلاء أهل التوحيد مع بعض، وكل يتبع إلهه الذي يعبده، فهؤلاء يعبدون المسيح، وهؤلاء يعبدون عزيرًا، وهؤلاء يعبدون كذا، كل يتبع معبوده، ويبقى أهل الإيمان العابدون لله تعالى هم الذين لهم المنازل العليا يوم القيامة.
[ ١٤ / ١٣ ]
شرح قول الناظم: وأقر بالميزان والحوض
قال الناظم ﵀:
وأقر بالميزان والحوض الذي أرجو بأني منه ريًا أنهل
[ ١٤ / ١٤ ]
معنى الإقرار
قول المؤلف رحمه الله تعالى: (وأقر) أصل الإقرار في اللغة هو الإثبات، من قر الشيء يقَر ويقِر بفتح الكاف وكسره، ومنه قول الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ [البقرة:٣٦] أي: ثبات وقرار.
وفي الشرع: الإقرار: هو الاعتراف بالمدعى به، ويعتبر الإقرار في كتب الفقه من أعظم الأدلة لإثبات دعوى المُدَّعى عليه، فإذا جئت وقلت لشخصٍ: أنا أقر بأن لفلان هذا عندي ألف ريال، فلا نحتاج إلى أدلة نقول: ما هو الدليل على أن عنده ألف دليل؟ أقوى الأدلة هو الإقرار، ولذا قال: (وأقر بالميزان) أي: أثبته ثبوتًا لا جدال فيه وأعترف به، ولهذا يقول العلماء: يعتبر الإقرار سيد الأدلة، ويسمى بالشهادة على النفس، أي: أنك تشهد على نفسك بقضية الميزان والحوض، ويشهد لهذا قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء:١٣٥] .
ولذا كان الإقرار يقضي به النبي ﷺ في الحدود والدماء والأموال، ولهذا قال النبي ﷺ: (واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها) دل على أن الإقرار أخذ به النبي ﷺ، فأخذها وأقام عليها الحد.
[ ١٤ / ١٥ ]
معنى الميزان
قوله: (بالميزان) قال في لسان العرب: الوزن هو الثقل، قالوا: وإنه هو المفهوم منه، فإذا أردت أن تزن شيئًا تزنه بخفة أو بثقل، ولهذا قال بعضهم: الوزن ثقل شيء بشيء مثله، كأوزان الدراهم، وتجدون هذا في الأسواق وغيرها، وكان الناس في السابق يجعلون في الوزن كفتين، أما الآن فلا يحتاجون إلى كفتين، وُجدت الآن موازين إلكترونية، وموازين أخرى، لكن هنا يبين أنهم كانوا يزنون به، والعرب يسمون الأشياء التي يوزن بها التمر وغيره المسواة من الحجارة والحديد يسمونها الموازين، وهي المعايير التي توجد.
[ ١٤ / ١٦ ]
معنى الحوض
قوله: (والحوض) الحوض هو الذي يجتمع فيه الماء، كما قاله ابن الأثير في النهاية، قال في اللسان: حاض الماء وغيره، أي: حوضًا ويقصد به حاطه، اجعل حوضًاَ أي: أحطه بشيء، ولهذا قالوا: ورد في بعض الآثار عن النبي ﷺ أنها لما نبعت ماء زمزم أخذت هاجر تجعل لها حوضًا، قال النبي ﷺ: (أما إنها لو لم تجعل ذلك لأصبحت عينًا معينًا) أي: تفور، لكن من حرصها ﵂ كانت تحوطه مخافة أن يذهب الماء سدىً ولا تستفيد منه، ولكن لعل لله حكمة في هذا الأمر، وقال بعضهم: استحوض الماء، أي: اجتمع.
[ ١٤ / ١٧ ]
معنى ريًا
وقوله: (ريًا) قال في لسان العرب: روى من الماء من اللبن يروي ريًا ورويًا، قالوا: والريان ضد العطشان، أي: كأنه يريد أن يشرب منه ويتروي، أي: يزيل العطش الذي أصابه، والعطش الذي يحدث للإنسان لا شك أنهم وقفوا في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، وأخبر أنه يخرج منهم العرق ويحتاجون للماء، فلهذا هو يريد أن يشرب من هذا حتى يرتوي ويذهب العطش الذي أصابه.
[ ١٤ / ١٨ ]
معنى النهل
وقوله: (أنهل) قال في اللسان: النهل هو أول الشرب، ويقال: أنهلت الإبل أي: هو أول سقياها، أي: شربت في أول ما شربت، ونهلت إذا شربت في أول الورود، أي: أول ما تصل تشرب، ثم تنطلق، ثم تشرب مرة أخرى، فأول ما تشرب هو النهل، فكأن المؤلف يدعو ربه أن يجعل أول ما يشربه هو من ماء هذا الحوض العظيم الذي نسأل الله جميعًا أن يجعلنا ممن يرد هذا الحوض ويشرب منه.
ونصلي ونسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ١٤ / ١٩ ]