ثناء الله على الصحابة الكرام متواتر مشهور؛ لما حازوا من قصب السبق وما نالوا من معالي الأمور والفضل والمعروف والصدق، وموقف أهل السنة فيما شجر بينهم هو الإمساك والكف وترك الخوض، ولقد طعنت طوائف في أصحاب رسول الله ﷺ كالخوارج والنواصب والروافض وغيرهم من التعساء ممن عدل عن طريقهم ولم يتحقق بتحقيقهم.
[ ٧ / ١ ]
ثناء الله ورسوله على الصحابة والنهي عن سبهم
الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
لا نزال في مبحث أصحاب رسول الله ﷺ، وإن المتتبع لنصوص الكتاب والسنة يجد أن الأدلة الواردة في فضائلهم منها ما ورد ورودًا عامًا بالثناء عليهم جميعًا، كقوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح:٢٩] والذين كانوا مع النبي ﷺ هم جميع أصحابه ﵃ وأرضاهم، وفي سنة النبي ﷺ قوله: (لا تسبوا أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحدٍ ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) .
يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في منهاج السنة: "وإنا لنعلم أن أصحاب رسول الله ﷺ قد أنفقوا المد والمدين وأكثر، ولكننا لم نجد على مر التاريخ من أنفق مثل أحدٍ ذهبًا في سبيل الله تعالى" وكأن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يريد أن يقطع الآمال في أن يوجد أفضل من أصحاب رسول الله ﷺ، وإنما لهم المنازل العليا التي أدت للثناء عليهم على وجه العموم.
والناظر لسبب ورود هذا الحديث يعلم تلك المزية العظمى التي تميز بها هؤلاء الأخيار ﵃ وأرضاهم، إذ أن سبب ورود هذا الحديث: أنه اختصم عبد الرحمن بن عوف مع خالد بن الوليد في سلب قتيل، وكان خالد رفض أن يعطي عبد الرحمن بن عوف سلب القتيل، ولعل خالدًا رد على عبد الرحمن بغلظة أو بنوع من الشدة، فذهب عبد الرحمن يشتكيه إلى النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ هذا الحديث العظيم: (لا تسبوا أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد) الحديث، وإذا كان هذا الكلام يقال لـ خالد بن الوليد مع أنه ممن أسلم متأخرًا وعبد الرحمن بن عوف من السابقين للإسلام، فمن بباب أولى أن يقال لمن بعدهم ممن لم يحصل لهم شرف الصحبة، ولهذا يقول أهل السنة والجماعة: إن أصحاب رسول الله ﷺ هم أفضل الخلق بعد الأنبياء والرسل، بل هم أفضل أتباع الأنبياء على الإطلاق.
ولذلك تميزوا بخصائص، فكلهم عدول لئلا يقدح أحد في روايتهم ونقلهم، ولهذا لا يوجد في أمة محمدٍ ﷺ أفضل من الصحابة، ولا يوجد في الأمم السابقة من أتباع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من هو أفضل من أصحاب رسول الله ﷺ، وهذا أمر مقرر متفق عليه بين أهل السنة والجماعة؛ وذلك لأنهم أنفقوا أموالهم لنصرة دين الله تعالى، وصحبوا رسول الله ﷺ، وأثنى عليهم النبي ﷺ: (خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) ثناءً عامًا مطلقًا على هؤلاء الصحابة ﵃ وأرضاهم.
أخرج مسلم في صحيحه عن عائشة ﵂ وأرضاها أنها قالت لـ عروة بن الزبير: [يا ابن أختي! أمروا أن يستغفروا لأصحاب رسول الله ﷺ فسبوهم] والأمر بالاستغفار لهم في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ﴾ [الحشر:١٠] .
فمن أول من سبقنا بالإيمان؟ إنهم أصحاب رسول الله ﷺ.
ولعل عائشة إنما قالت هذه المقالة: [أمروا بالاستغفار فسبوهم] لأنها سمعت أن أهل العراق أو النواصب يسبون عليّ بن أبي طالب، وكذلك الطائفة الأخرى تسب عثمان ﵁ وأرضاه، وهؤلاء كلهم من أجهل الناس، فأرادت أن تبين منهجهم ﵃ وأرضاهم، وأن الواجب علينا أن نثني عليهم ونستغفر لهم ونترحم عليهم.
وورد أيضًا حديث: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) ولكن هذا الحديث ضعيف لا يعول عليه، ولا شك بأن أصحاب رسول الله يؤخذ منهم ويستفاد من علمهم، ويؤخذ من فقههم، وفقههم أرجح من فقه غيرهم كما سنبين ذلك.
يقول الإمام السفاريني رحمه الله تعالى في الثناء عليهم على وجه العموم: ولا يرتاب أحد من ذوي الألباب أن أصحاب رسول الله ﷺ هم الذين حازوا قصب السبق، واستولوا على معالي الأمور من الفضل والمعروف والصدق، فالسعيد من اتبع صراطهم المستقيم، واقتفى منهجهم القويم، والتعيس من عدل عن طريقهم ولم يتحقق بتحقيقهم، فأي خطة رشد لم يستولِ عليها هؤلاء الصحابة؟! وأي خصلة خير لم يسبقوا إليها ﵃؟! تالله لقد وردوا ينبوع الحياة عذبًا صافيًا زلالًا، ووطدوا قواعد الدين والمعروف، ولم يدعوا لأحد بعدهم مقالًا، فتحوا القلوب بالقرآن والذكر والإيمان، والقرى بالسيف والسنان ﵃ وأرضاهم، بذلوا النفوس النفيسة في مرضاة الرحيم الرحمن، فلا معروف إلا ما عرف عنهم، ولا برهان إلا ما بعلومهم انكشف، ولا سبيل ولا نجاة إلا لما سلكوه، ولهذا تميزوا بمزايا عجيبة لم تكن في غيرهم من الأمم التي جاءت من بعدهم.
ولهذا لما أثني عليهم، ذكروا من سعة علمهم ﵃ وأرضاهم أشياء، فهم من أفضل الناس على الإطلاق توقدًا في الأذهان، وفصاحة في اللسان، وسعة في العلم، وسهولة في الأخذ والإدراك، وسرعة في الاستنباط والفهم، ولا شك أنه لم يوجد لهم في قضايا العرض والطرح معارض منهم، بل كلهم متفقون على الأخذ بالمنهج وهو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
وكانت بذلك أقوالهم أرجح ممن بعدهم، وهذا أمر يتفقون عليه ﵃ وأرضاهم، إذ أن من بعدهم لن يكون أفقه ولا أعلم منهم، وإذا قلنا للناس جميعًا: من أعلم الناس على الإطلاق؟ قالوا: أصحاب رسول الله ﷺ.
وإذا قلنا: من أكثر الناس عبادة؟ قالوا: أصحاب رسول الله ﷺ.
وإذا قلنا: من أكثر الناس إنفاقًا في سبيل الله؟ من أكثر الناس جهادًا؟ من؟ من؟ إلى آخره، لن يشيروا بالبنان إلا لأصحاب رسول الله ﷺ لما تميزوا به، ولهذا أمرنا بالاستغفار والدعاء لهم، وما ذلك إلا لما حازوه من المناقب الحميدة، والسوابق القديمة، والمحاسن المشهورة، ولما لهم من الفضل الكبير لمن بعدهم، فما وصلنا الدين إلا على أكتافهم ﵃ وأرضاهم، ولذلك أمرنا الله بالاستغفار لهم في غير ما آية: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ﴾ [الحشر:١٠] .
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ﵏ أن عائشة ﵂ قالت: [أمروا أن يستغفروا لأصحاب رسول الله ﷺ فسبوهم] .
ونقل الإمام النووي ﵁ ورحمه عن القاضي عياض أنه قال: الظاهر أنها إنما قالت ذلك حين سمعت أهل مصر يسبون عثمان، وسمعت أهل الشام يقدحون في علي بن أبي طالب.
يقول ابن عباس رحمه الله تعالى ورضي عنه كما في الشرح والإبانة على أصول الديانة لـ ابن بطة العكبري ﵀: [لا تسبوا أصحاب رسول الله، فإن الله قد أمرنا بالاستغفار لهم، وهو يعلم أنهم سيقتتلون] بمعنى أن ما حدث بينهم من الخلاف لا يجيز لنا أبدًا أن نتعرض لهم بسب أو نقد أو غير ذلك.
وذكروا أن عامر بن شراحيل الشعبي ﵀ قال: [يا مالك! فُضلت اليهود والنصارى على الطائفة التي تعتقد محبة علي بن أبي طالب وتعظمه وتجله بخصلة وهي: أنها عندما سئلت اليهود: من أفضلكم؟ قالوا: أصحاب موسى، وسئلت النصارى: من أفضلكم؟ قالوا: أصحاب عيسى، وسئلت الطائفة التي تدعي محبة علي بن أبي طالب: من شركم؟ قالوا: شرنا أصحاب محمد ﷺ] .
روى أبو نعيم بإسناده إلى عمر بن ذر قال: أقبلت أنا وأبي إلى دار عامر، فقال لأبي: يا أبا عمر! قال: لبيك، قلت: ما تقول في هذين الرجلين؟ فسأل من هذين الرجلين؟ قال: ما تقول في علي وعثمان؟ قال: والله إني لعلي أن أجيء يوم القيامة خصيمًا لـ علي بن أبي طالب وعثمان وقد غفر الله لهما.
كيف غفر الله لهما؟ لأن الرسول ﷺ شهد لهما بجنات عدن في غير ما موقف وفي غير ما حدث، وليس في حدث واحد.
[ ٧ / ٢ ]
موقف أهل السنة والجماعة مما شجر بين الصحابة الكرام
ننتقل انتقالة سريعة إلى ما شجر بين أصحاب رسول الله ﷺ، ولعلي أنقل نصوصًا متعددة وأكثر منها، لأني أشعر أننا جميعًا بحاجة إلى غرس ذلك المنهج في نفوسنا؛ لما نجد من جرأة بعض الناس في التعرض لأصحاب رسول الله ﷺ إما بلمزهم، أو بالسخرية بهم، أو بسبهم، أو بتفسيقهم، وأخطرها تكفير أصحاب رسول الله ﷺ.
نقول: إن مما درج عليه أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم لأصحاب رسول الله ﷺ، فلا يحملون في قلوبهم بغضًا ولا غلًا ولا عداوة لهؤلاء الأخيار، كما أن من منهجهم سلامة ألسنتهم من تعرضهم لأصحاب رسول الله ﷺ، ويرون أن الواجب الإمساك عما حصل بينهم من نزاع، وما ذلك إلا لأنهم كسائر الناس، ولا نشك بأنه حدث نزاع بين علي ومعاوية، وحدث نزاع كذلك بين علي وبين الزبير وطلحة وعائشة زوج النبي ﷺ، ومع ذلك نقول: أمرنا بالاستغفار لهم مع ما حدث بينهم من النزاع، ومن منهجنا إحسان الظن بهم ﵃ وأرضاهم، وواجب علينا جميعًا أن نقف في وجوه هؤلاء الذين يتعرضون لأصحاب رسول الله ﷺ ويسبونهم ويعيبونهم.
ويرى أهل السنة والجماعة أن الإشادة بمناقب أصحاب رسول الله ﷺ والمدافعة عن أعراضهم والذب عنها من أعظم واجب على كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر، بل يرون أن هذا هو معتقدهم ودينهم، وسار أئمة أهل السنة على هذا المسلك وكذلك علماؤهم، متحلين بكتاب الله تعالى كما ورد في قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ﴾ [الحشر:١٠] .
[ ٧ / ٣ ]
كلام أئمة أهل العلم فيما شجر بين الصحابة
ننقل عن كبار أئمة السلف رحمهم الله تعالى ما قالوه حول ما شجر بين أصحاب رسول الله ﷺ.
ننطلق إلى عظيم من عظمائهم وهو الإمام أحمد رحمه الله تعالى، فإنه قال: (ومن الحجة الواضحة الثابتة البينة المعروفة ذكر محاسن أصحاب رسول الله ﷺ كلهم أجمعين، والكف عن مساويهم، والخلاف الذي شجر بينهم، فمن سب أصحاب رسول الله ﷺ أو أحدًا منهم، أو انتقصه، أو طعن عليهم، أو عرض بعيبهم، أو عاب أحدًا منهم، فهو مبتدع خبيث مخالف لما دل عليه الكتاب والسنة، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا، بل حبهم سنة، والدعاء لهم قربة، والإقتداء بهم وسيلة، والأخذ بآثارهم فضيلة من الفضائل) هذا قول إمام أهل السنة الإمام أحمد رحمه الله تعالى ورضي عنه.
ثم أعطانا المنهج في قضية تفضيل أصحاب رسول الله، وخير الأمة بعد نبيها ﷺ: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي بن أبي طالب، هؤلاء الخلفاء الراشدون المهديون، ثم أصحاب رسول الله ﷺ بعد ذلك خير الناس، لا تجوز لأحد أن يذكر شيئًا من مساويهم، ولا يطعن على أحدٍ منهم بعيب أو نقص.
سئل الإمام أحمد رحمه الله تعالى عن الفتن التي حدثت بين أصحاب رسول الله ﷺ، فتلا قوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:١٣٤] .
قال الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى: وأفضل الناس بعد النبيين عليهم الصلاة والسلام: أبو بكر الصديق، ثم عمر بن الخطاب الفاروق، ثم عثمان بن عفان ذو النورين، ثم علي بن أبي طالب المرتضى رضوان الله عليهم أجمعين، ثم قال: نتولاهم جميعًا، ولا نذكر أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ إلا بخير.
وقال أبو زرعة رحمه الله تعالى وهو من كبار أئمة أهل السنة، وقد روى الخطيب رحمه الله تعالى في الكفاية في علم الرواية، بسنده إلى أبي زرعة أنه قال: إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول ﷺ عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله ﷺ.
وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، فمن قدح في الصحابة قدح في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، قال: والجرح بالقادحين هو أولى، وهم زنادقة بما جرحوا به أصحاب رسول الله ﷺ.
وهنا كلام نفيس بديع للإمام ابن بطة العكبري رحمه الله تعالى، ذكره بعد أن ذكر فضائل الصحابة ﵃ وأرضاهم قال بعدها: ومن بعد ذلك نكف عما شجر بين أصحاب رسول الله ﷺ، فقد شهدوا المشاهد معه ﷺ، وسبقوا الناس بهذا الفضل، فقد غفر الله لهم، وأمرك بالاستغفار لهم، والتقرب إليه بمحبتهم، وفرض ذلك على لسان رسوله ﷺ، وهو يعلم ﷾ ما سيكون منهم، وأنهم سيقتتلون، وإنما فضلوا على سائر الخلق جميعًا؛ لأن الخطأ والعمد الذي حدث ووقع منهم كله مغفور لهم ﵃ وأرضاهم.
وهنا يبين المنهج الفريد لهؤلاء، قال: ولا تنظر في كتاب صفين -وقد ألف في معركة صفين كتابًا، وكذلك الجمل، ووقعة الدار، وسائر المنازعات التي جرت بينهم- ولا تكتبه لنفسك أبدًا، ولا لغيرك، ولا تروه عن أحد، ولا تقرأه على غيرك، ولا تسمعه ممن يرويه.
ومن الخطأ أن تلقى دروس ومحاضرات في خلاف الصحابة ﵃، ويعرضون كأنهم كسائر الناس، يقال: إن هؤلاء كانوا على باطل وهؤلاء على حق، ثم يقدح فيهم؛ لأن الإنسان لن يخرج بعد عرض هذه المسائل إلا وفي نفسه شيء على بعض الصحابة ﵃ وأرضاهم، والله قد غفر لهم ورضي عنهم.
ولذلك قال ابن بطة العكبري ﵀: وعلى ذلك اتفق سادات علماء هذه الأمة على النهي عما وصفناه، ومنهم: حماد بن زيد، ويونس بن عبيد، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن إدريس، وابن أبي ذئب، وابن المنكدر، وابن المبارك، وشعيب بن حرب، وأبو إسحاق الفزاري، ويوسف بن أسباط، وأحمد بن حنبل، وبشر بن الحارث، وعبد الوهاب الوراق، يقول: كل هؤلاء قد رأوا النهي عنها والنظر فيها والاستماع إليها، وحذروا من طلبها، والاهتمام بجمعها، وقد روي عنهم فيمن فعل ذلك أشياء كثيرة بألفاظ مختلفة متفقة المعاني على كراهية ذلك، والإنكار على من رواها واستمع إليها، وهذا يدلنا على ما يتميز به أهل السنة والجماعة في هذا الأمر.
وكذلك نقل عن أبي الحسن الأشعري، وأبي عثمان الصابوني، ونقل كذلك عن ابن دقيق العيد، ومما نقل عنه فيما شجر بين أصحاب رسول الله ﷺ، قال: ما نقل في هذا الأمر منه ما هو باطل وكذب، فلا يلتفت إليه، وما كان صحيحًا منه أولناه تأويلًا حسنًا؛ لأن الثناء عليهم من الله سابق، وما ذكر من الكلام اللاحق من الأخبار محتمل التأويل أو مشكوك، قال: والموهوم لا يبطل المحقق المعلوم وهو الثناء عليهم ﵃ وأرضاهم.
وهنا كلام نفيس للإمام الذهبي رحمه الله تعالى ورضي عنه.
فقد ذكر في سير أعلام النبلاء في المجلد العاشر قال: وقد تقرر الكف عن كثير مما شجر بين الصحابة ﵃ وأرضاهم وعن قتالهم، وما زال يمر بنا ذلك في الدواوين والكتب والأجزاء، قال: ولكن أكثر ذلك إما منقطع أو ضعيف، وبعضه كذب، وهذا فيما بأيدينا وبين أيدي العلماء فينبغي طيه وإخفاؤه، بل إعدامه لتصفو القلوب وتتوفر على حب الصحابة والترضي عنهم، وكتمان ذلك متعين على العامة وآحاد العلماء، وقد يرخص في مطالعة ذلك خلوة للعالم المنصف العري من الهوى.
لا يكون إلا للعالم والمنصف ويكون في خلوة بشرط أن يستغفر لهم بعد أن يقرأ كما علمنا الله حيث يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر:١٠] .
إلى أن قال: فالقوم لهم سوابق وأعمال مكفرة لما وقع منهم من جهاد، وعبادة ممحصة، ولسنا ممن يغلو في أحد منهم، ولا ندعي فيهم العصمة، ثم قال: أما ما نقله من يدعي محبة آل البيت وأهل البدع في كتبهم، فهذا لا نعرج عليه ولا كرامة، فأكثره باطل وكذب وافتراء، فدأب هؤلاء الذين يعظمون آل البيت في رواية الأباطيل، أو رد ما في الصحاح والمسانيد، ثم قال واصفًا لهم: ومتى إفاقة من كان سكران؟! أي: من كان سكران لا يفيق وهو مستمر على قضية السكر.
ولقد تكلم شيخ الإسلام ابن تيمية كلامًا طويلًا نفيسًا نثره في الفتاوى، وكذلك في منهاج السنة، وذكر ذلك في جل كتبه التي كتبها في العقيدة، سواء الواسطية، أو شرح الأصفهانية، أو غيرها من الكتب العظيمة التي ألفها، لا بد أن يتطرق لأصحاب رسول الله ﷺ ويبين فضائلهم ﵃ وأرضاهم.
ومما قاله شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: ونعلم مع ذلك في أن علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه كان أفضل وأقرب إلى الحق من معاوية وممن قاتله، لما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ من حديث أبي سعيد الخدري أنه قال: (تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين قال النبي ﷺ: تقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق) يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وفي هذا الحديث دليل على أن مع كل طائفة حقًا، ولكن علي بن أبي طالب ﵁ أقربُ إلى الحق من معاوية.
قال: وأما الذين قعدوا عن القتال في الفتنة كـ سعد بن أبي وقاص وابن عمر وغيرهم من أصحاب رسول الله ﷺ، فإنهم اتبعوا النصوص التي سمعوها في مسألة القتال في الفتن، قال: وعلى هذا أكثر أهل الحديث.
[ ٧ / ٤ ]
توجيه الآثار التي وردت فيما شجر بين الصحابة
ذكر شيخ الإسلام ﵁ منهجًا فريدًا فيما ينبغي لنا في أصحاب رسول الله ﷺ، وموقفنا مما ورد من الآثار وما ينبغي لنا، أذكرها على هيئة عناصر استنباطًا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى قال: أولًا: إن أهل السنة يرون أن الآثار الواردة في مساوئهم وفيما شجر بينهم منها ما هو كذب، وما كان كذبًا فإنه لا يعول عليه أصلًا، ولا يعتمد عليه في الحكم أبدًا.
ثانيًا: أن ما ورد من الآثار منه ما قد زيد فيه ومنه ما نقص منه، ولذلك لا يلتفت إليه، ثم قال رحمه الله تعالى: ومنه ما ورد وكان صحيحًا ثابتًا بسنده، فإنهم معذورون فيه ﵃ وأرضاهم، ووجه العذر أن نقول: إنهم مجتهدون ﵃، فمن اجتهد وأصاب فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر، فلهم الأجر لا محالة ﵃ وأرضاهم، أما أنت في نقدك لهم فماذا سيكون لك من الأجر والثواب؟! ثالثًا: من منهج أهل السنة والجماعة في أصحاب رسول الله ﷺ أننا لا نعتقد عصمة أحد من الصحابة عن الكبائر، عن كبائر الإثم ولا عن الصغائر، بل تجوز عليهم الذنوب بمقتضى بشريتهم، وكم سمعنا من أصحاب رسول الله ﷺ منهم من زنى، ومنهم من سرق، ومنهم من حدث له من المعاصي ﵃ وأرضاهم، لكن نقول: ما موقفنا مما حدث لهم؟ نقول: إن لهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة هذه الذنوب، وما يصدر عنهم من التي نسميها شيئًا من المعاصي، فإذا كان قد صدر من أحدهم ذنب، فنحن نعلم أن الصحابة ﵃ من أسرع الناس توبة وإنابة إلى الله تعالى، ومسارعة إلى الرجوع إلى ربهم، ومن تاب من الذنب فكمن لا ذنب له أصلًا، ونعلم كذلك أن أصحاب رسول الله ﷺ لهم حسنات، والله يقول: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] وحسنات الصحابة ليس كحسنات من جاء من بعدهم، ونعلم كذلك أن رسول الله ﷺ قد وعد أصحابه بالشفاعة العظمى، وهم أولى من يدخل في شفاعته ﷺ، فإذا كنا نرجو شفاعة النبي ﷺ فأصحاب رسول الله ﷺ هم أولى من يدخل في هذه الشفاعة.
ثم قال شيخ الإسلام: وإننا نعلم أن أصحاب رسول الله ﷺ قد حصل لهم من الابتلاء في الدنيا ما يكون سببًا لتكفير سيئاتهم، لما نزل قوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء:١٢٣] جاء أبو بكر وجثا بركبتيه بين يدي رسول الله ﷺ، وقال: (يا رسول الله! كلفنا بأمور وأطقناها، وجاءنا شيء لا نطيقه، قال: ما ذاك؟ قال: إذا كنا كل سوء سنجزى به متى النجاة يوم القيامة يا رسول الله؟ فقال له الرسول ﷺ: ألست تنصب؟ أليس يصيبك اللأواء؟ ألست تمرض؟ ألست كذا، قال: بلى، قال: فإن الله يكفر عنك بذلك) وأصحاب رسول الله ﷺ ابتلوا بلاءً شديدًا في مكة والمدينة وغيرها، وكان لهم من السابقة ما يكون سببًا لتكفير سيئاتهم وما حدث منهم من القصور.
ونعلم أن ما وقع منهم أنه نزر يسير أمام الفضائل العظمى والمنازل العجيبة التي كانت لهم.
وهذا هو الواجب علينا أن نقف فيه، فمما كان من فضائلهم: الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيل الله، والهجرة، ونصرة الرسول، والعلم النافع، والعمل الصالح إلى غير ذلك مما تميز به أصحاب رسول الله ﷺ.
ونقول بعد ذلك: أبعد هذه النصوص من الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة أيجرؤ أحد أن يقدح في أصحاب رسول الله ﷺ؟! لا وكلا! بل نقول: لا ينطلق لسان أحد إليهم إلا لخبثٍ في قلبه، وبدعةٍ في نفسه، وانحرافٍ في منهجه، فأصحاب رسول الله لهم المنازل العليا ﵃ وأرضاهم.
[ ٧ / ٥ ]
موقف الخوارج من صحابة رسول الله
ممن انطلق لأصحاب رسول الله ﷺ قادحًا ولامزًا طائفة الخوارج، وهي من الطوائف التي انحرفت، وكان بزوغ هذه الطائفة قديمًا، ولعل هذه من أسرع الطوائف خروجًا في الأمة.
وأقول قبل أن أنطلق إلى هذه الفرقة أنبه على بعض الكتب التي يحتاجها طالب العلم في التعرف على الفرق التي ضلت عن صراط الله المستقيم، وينبغي لكل طالب علم أن تكون عنده كمصدر، ولكن الطالب المتخصص ينبغي له أن يقرأ فيها، أما غير المتخصص فينبغي ألا يكثر الاطلاع فيها إلا إذا مرت به فرقة أو طائفة وأحب التعرف عليها أن يجدها.
أولاها: كتاب مقالات الإسلاميين، وهو لـ أبي الحسن الأشعري رحمه الله تعالى، وهو من أنفس ما كتب عن الفرق.
الثاني: كتاب الملل والنحل للإمام الشهرستاني.
الثالث: كتاب الفرق بين الفرق، للبغدادي.
الرابع: كتاب الفصل في الملل والنحل لـ ابن حزم.
هذه الكتب الأربعة تعتبر من أعظم المصادر، وهي من الكتب المتقدمة للتعرف على الطوائف سواء الجهمية أو المعتزلة أو الخوارج، أو الرافضة أو غيرهم من الطوائف التي انحرفت، ولم تحصر جميع الطوائف، لكنها في الجملة أفادت في هذا المجال، وتعتبر من المصادر الأصلية التي يعتمد عليها طالب العلم في التعرف على هذه الطوائف.
[ ٧ / ٦ ]
حقيقة الخوارج وسبب تسميتهم بذلك
يقول: أبو الحسن الأشعري: إن اسم الخوارج يقع على تلك الطائفة التي خرجت على رابع الخلفاء الراشدين علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه، وبيَّن أن السبب الذي سموا من أجله خوارج قال: لخروجهم على علي بن أبي طالب لما حكَّم -أي: رضي بقضية التحكيم- وسيأتينا أن الخوارج منهم من كفر علي بن أبي طالب ومنهم من فسقه.
ويقول الشهرستاني في تعريف عام للخوارج: كل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت الجماعة عليه فإنه يسمى خارجيًا، سواء خرج أيام أصحاب رسول الله ﷺ على الأئمة الراشدين، أو خرج على من بعده من الأئمة التابعين لهم بإحسان في كل زمان.
ونعلم بعد ذلك أن طائفة الخوارج من الطوائف المبتدعة التي انحرفت عن صراط الله المستقيم.
تسمى طائفة الخوارج وتلقب بألقاب متعددة، منها: الحرورية، لنزولهم إلى موقع اسمه حروراء.
ويسمون: بـ الشراة لأنهم يقولون: إنا شرينا أنفسنا بطاعة الله، ويقصدون بها أنهم شروا أنفسهم بالجنة يقتلون ويكون مصيرهم إلى الجنة.
ويسمون: بالطائفة المارقة، وإن كانت لا تقبل هذا الاسم، لقول النبي ﷺ: (تمرق من الدين كما يمرق السهم من الرمية) .
ويسمون: الطائفة المحكمة؛ لأنهم أنكروا الحكمين: عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري ﵄ وأرضاهم في ذلك.
[ ٧ / ٧ ]
بداية ظهور فرقة الخرواج
من العلماء من يقول: إنها بدأت بقضية التحكيم بين علي بن أبي طالب وبين معاوية بن أبي سفيان، وبذلك يربطونها في آخر الخلفاء الراشدين، ولذلك قالوا كلامًا غريبًا: إن من وافق على التحكيم واعتبر التحكيم ووافقه فإنه يكون بذلك كافرًا، وبناءً عليه كفَّروا علي بن أبي طالب والصحابة الذين كانوا معه، والذين ارتضوا بهذا التحكيم، ولهذا قالوا: إن علي بن أبي طالب خرج من الإسلام بهذا الشيء، ولا شك أن هذا كلام باطل، وكفَّروا كذلك معاوية بن أبي سفيان، ولم يبق أحد من الصحابة ﵃ مؤمنًا بهذا الكلام.
يقول ابن كثير رحمه الله تعالى بعد أن ذكر شيئًا من أخبار الخوارج قال: وهذا الضرب من الناس من أغرب أشكال بني آدم، فسبحان من نوع خلقه كما أراد، وسبق في قدره العظيم، وقال: وما أحسن ما قاله بعض السلف فيهم، لما سئل عن الخوارج؟ فقال عنهم: إنهم المذكرون في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف:١٠٣-١٠٥] .
يقول: وبالقول الثاني، كما قاله العلامة ابن الجوزي رحمه الله تعالى في تلبيس إبليس، وكذلك نقل عن ابن حزم، ونقل عن الشهرستاني: إن أول خروج الخوارج وأولهم وأقبحهم حالًا ذو الخويصرة التميمي، إذ قال للنبي ﷺ: اعدل، فقال النبي ﷺ: (ويلك! ومن يعدل إذا لم أعدل) قالوا: فيعتبر ذو الخويصرة التميمي هو أول خارجي في الإسلام، وآفته أنه رضي بعقله وحكمه، ولم يأخذ بما قسم به النبي ﷺ.
القول الثالث: أنهم قالوا: بدأت الخوارج في عهد عثمان ﵁ وأرضاه لما خرجوا عليه وقتلوه واستحلوا دمه.
[ ٧ / ٨ ]
طعن الخوارج في الصحابة
الخوارج طعنوا على أصحاب رسول الله ﷺ بطعون، والعجيب أن لهم منهجًا يتميزون عن الطائفة التي تدعي موالاة آل بيت النبي ﷺ، قالوا: من حسنات الخوارج أنهم أقروا بإمامة أبي بكر وعمر، ولم يتعرضوا لهما أبدًا، ورأوا أن إمامتهما شرعية ورضوا بها، وأن أبا بكر وعمر سارا على الصراط المستقيم، وإنما حدث ما حدث في عهد عثمان ﵁ وأرضاه، فأنكروا إمامته مع أن العصر الذهبي للأمة المسلمة كان في عصر عثمان ﵁ وأرضاه، إذ عاش أكثر من اثنتي عشرة سنة أو قريبًا من ذلك، وكانت عشر سنين من خلافته نصرًا وتمكينًا ورخاءً ورغدًا، وإنما نقد عليه في آخر حياته، ولم ينظروا إلى ما قدمه ﵁ وأرضاه من الأعمال العظيمة التي لا تُنسى إلى قيام الساعة، ونقدهم هذا لا شك أنه باطل، والله قد أثنى على أصحاب رسوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] وفي آيات شهد الله لهم بالإيمان: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران:٦٨] ولا تنطبق هذه الآية إلا على أصحاب رسول الله ﷺ.
وكذلك من ثناء الله على رسوله وعلى أصحابه مما يرد بها على الخوارج في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات:٧] فأعظم ما تنطبق على أصحاب رسول الله ﷺ وما تميزوا به.
ومن مطاعنهم على أصحاب رسول الله ﷺ وخاصة على علي، يقول نافع بن الأزرق وهو من كبار الخوارج: إن علي بن أبي طالب قد كفر وافترى على الله تعالى، وأن الله أنزل في شأن علي بن أبي طالب قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:٢٠٤-٢٠٥] وقبح الله هذا الخارجي كيف يقول هذا الكلام في علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه! وذكر أن هذه الآية نزلت في عبد الرحمن بن ملجم الذي قتل علي بن أبي طالب: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة:٢٠٧] وهذا الكلام باطل، بل هذا من الانحراف عن منهج الله.
لقد وردت أحاديث عن النبي ﷺ تحذر من هؤلاء الخوارج وتبين انحرافهم، منها: ما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (بينما نحن عند رسول الله ﷺ وهو يقسم مالًا، إذ أتاه ذو الخويصرة وهو رجل من تميم، فقال: يا رسول الله! اعدل، فقال النبي ﷺ: ويلك! ومن يعدل إن لم أعدل، قد خبت وخسرت إن لم أعدل؟ فقال خالد: يا رسول الله! ائذن لي لأضرب عنقه، فقال النبي ﷺ: دعه، فإن له أصحابًا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية) .
وقد بين أبو سعيد الخدري ﵁ بعد أن روى الحديث قال: [فأشهد أني سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك، وأشهد أن علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه قاتلهم وأنا معه] ثم بين النبي ﷺ أن من علامة هؤلاء الخوارج رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة وتتدردر، وذكر النبي ﷺ أنهم يخرجون على حين فرقة من الناس.
وبين النبي ﷺ في أحاديث كثيرة أن المسلم لا ينبغي له أن يغتر بالشخص مهما كثرت صلاته وعبادته وطاعته واستقامته، وإنما العبرة بالمنهج الذي يسير على ضوئه، وكم من الطوائف نشاهدها في واقعنا إذا ذكروا سيرة رسول الله ﷺ أو سيرة علي بن أبي طالب أو غيره من آل بيت النبي ﷺ بكوا بكاءً مرًا، وذرفت أعينهم، وأنفقوا ومع ذلك ينطبق عليهم قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية:٢-٤] دل على أنه لا ينخدع الإنسان بكثرة العبادة ولا غيرها.
ولهذا لما وصف النبي ﷺ الخوارج قال: (هم شر الخلق أو من شر الخليقة، تقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق) وذكر النبي ﷺ أن في وجوههم مثل ركب المعز من كثرة السجود، وينفقون، ولو سمع الإنسان خطب الخوارج لوجد أنهم يتكلمون بقوة، ويَبكون ويُبكون من حولهم، ومع ذلك قال النبي ﷺ للصحابة وهم أصحابه ﵃ وأرضاهم: (يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم) إلى غير ذلك مما يبين أنهم ليسوا على الحق مع كثرة ما يعملون من الطاعات والعبادات.
وذكر النبي ﷺ من صفاتهم: أنهم لا يسمعون الحق ولا يهتدون، ولما سئل عبد الرزاق عن معمر، عمن سمع الحسن لما قتل علي بن أبي طالب الحرورية، قال: [من هؤلاء يا أمير المؤمنين؟ أكفار هم؟ قال: من الكفر فروا، فمنافقون هم؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلًا، وهؤلاء يذكرون الله كثيرًا، قيل: فما هم؟ قال: قوم أصيبوا بفتنة فعموا فيها وصموا] أي: أصيبوا بفتنة ثم أصبحوا يتخبطون فما يدرون أين يتوجهون.
ولقد نقل عن أبي أمامة ﵁ وأرضاه: لما أتي برءوس الأزارقة وهم من الخوارج، فنصبت على درج دمشق، جاء أبو أمامة فقال لهم مشيرًا وقد دمعت عيناه لما رأى حالهم: [كلاب النار كلاب النار، هؤلاء لشر القتلى قُتِلُوا، وخير القتلى الذين قتلهم هؤلاء القوم] ثم قيل: فما شأنك؟ لِمَ بكيت وذرفت عيناك بالدمع؟ يقصدون أبا أمامة صحابي رسول الله ﷺ قال: [رحمة لهم إنهم كانوا من أهل الإسلام، قال: أقلت برأيك أن هؤلاء كلاب النار أو شيء سمعته من رسول الله ﷺ؟ قال: إني إذًا لجرئ، بل سمعته من رسول الله ﷺ غير مرة، ولا اثنتين ولا ثلاث، فعدد مرارًا، ثم تلا قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران:١٠٦] حتى بلغ قوله تعالى: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران:١٠٧]] ونعوذ بالله أن نكون من هؤلاء وأن يتشبه الإنسان بمثل حالهم، وصفاتهم متعددة وكثيرة ولسنا بصدد حصرها.
[ ٧ / ٩ ]
موقف النواصب من الصحابة وآل البيت
هناك طائفة تسمى طائفة النواصب، وهي إحدى طوائف البدع، وأصيبت في معتقدها بعدم التوفيق في أصحاب رسول الله، وهؤلاء لم يكفروا الصحابة، وإنما فسقوهم، وسموا نواصب لأنهم يتدينون ببغض علي بن أبي طالب، ونحن نتبرأ من معتقد الخوارج ومن معتقد النواصب الذين ناصبوا لـ علي بن أبي طالب العداوة.
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أن الخوارج هم الذين يكفرون عليًا، والنواصب هم الذين يفسقونه، وكانوا يتهمون عليًا بالظلم، وأنه كان طالبًا للدنيا، وطالبًا للخلافة، ولم يرد الحق، وقاتل الصحابة على السيف، ولم يكن مقصده تأليف المسلمين وربطهم بإمام واحد، ولا شك أن قولهم هذا قول باطل.
والنواصب نالوا من الحسين بن علي ﵁ وأرضاه، فقالوا: إن الحسين بن علي كان من الخوارج، وكانوا يجوزون قتله؛ لقول النبي ﷺ: (من أتاكم وأمركم على رجل واحد يريد أن يفرق جماعتكم فاضربوا عنقه بالسيف كائنًا من كان) والحديث رواه مسلم في صحيحه، ونحن نعلم أن الرسول ﷺ يقول في حديث علي بن أبي طالب: (من أحب عليًا فقد أحبني، ومن أبغض عليًا فقد أبغضني) وهؤلاء لا يحبون رسول الله ﷺ، وبناءً عليه فهم لا يحبون علي بن أبي طالب ولا غيره.
روى مسلم بإسناده إلى زيد بن أرقم، أن النبي ﷺ قال: (أيها الناس! إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وإني تارك فيكم ثقلين: أولهما: كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله تعالى واستمسكوا به فحث النبي ﷺ على الأخذ بكتاب الله ورغب الناس فيه، ثم قال النبي ﷺ: وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي) فما زال النبي ﷺ يذكر هذا الأمر ويؤكد عليه، إعلانًا للأمة أن الواجب عليها أن تقدر أهل البيت وأن تنزلهم منازلهم ﵃ وأرضاهم.
ولا شك أن أهل بيت النبي ﷺ لهم منازل عليا، وسوف نتكلم على من هم آل بيت النبي وقرابته وذلك بتكميل الشطر الثاني من البيت في:
ومودة القربى بها أتوسل
والقربى هم آل بيت رسول الله ﷺ، ولذلك نحن نقول: لسنا من النواصب، ولسنا من الخوارج، ومنهجنا يتميز تميزًا كاملًا عن هؤلاء القوم.
وهناك طائفة تدعي موالاة أهل البيت جعلت أهل السنة والجماعة كلهم - نواصب - وأنهم أعداء لآل بيت النبي ﷺ، وقولهم هذا باطل، ويجعلون كل من تولى أبا بكر وعمر رضي عنهما وأرضاهما يعتبر من - النواصب - وهؤلاء يطلقون علينا أننا - نواصب - ولا شك أن كلامهم هذا باطل.
يقول أحد أئمتهم وهو يوسف البحراني في كتابه: الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة، يقول: ومن هذه الأخبار يعلم أن مظهر النصب والعداوة لهم ﵈ منحصر في أمرين: تقديم الجبت والطاغوت -ويقصدون به: أبا بكر وعمر، يسمون أبا بكر: الجبت، وعمر الطاغوت- وإظهار العداوة لآل بيت النبي.
والعجب منهم أنهم يرون أن النواصب ليسوا من أهل الجنة أصلًا، والجنة لهم وحدهم، ويرون أن موالاة أهل البيت لهم وحدهم، وليس بصحيح، فنحن نتولى آل بيت النبي ﷺ ونحبهم ونرى أنه دين ندين الله به، ونتعبد لله تعالى بمحبة هؤلاء القوم ﵃ وأرضاهم.
ولذلك ذكروا أن النواصب شر من اليهود والنصارى والمجوس، ويرون أن الناصبي كافر نجس بإجماع علمائهم، ولاشك أن هذا الكلام ليس بصحيح، بل هو باطل لا شك فيه.
وذكرا قصة وأظنها في كتاب: الأنوار النعمانية لـ نعمة الله الجزائري، أن رجلًا كتب إلى الكاظم ﵁ كتابًا، وذكر أنه هدم سجنًا وكان فيه خمسمائة شخص ماتوا، وكان هذا الذي كتب إلى الكاظم هو: علي يقطين، وكان وزيرًا للرشيد، وقد اجتمع في حبسه جماعة من المخالفين يقصدون بهم أهل السنة، وذكروا أنه هدم هذا السجن وفيه خمسمائة وماتوا، فكتب يريد الخلاص من تبعات دمائهم، فماذا يجب عليه؟ فكتب إليه الكاظم مبينًا له ماذا سيعمل، قال: أما إنك لو كنت تقدمت إلي قبل قتلهم بخبر كان لا عليك، أي: لو استفتيتني لأمرتك بقتلهم ولا شيء عليك، لكنك عندما عملت بغير فتوى فإنه يجب عليك أن تذبح عن كل واحد منهم تيسًا، قال: والتيس خير منهم.
ويقول نعمة الله الجزائري: فانظر إلى هذه الدية الجزيلة التي لا تعادل دية أخيهم الأصغر وهو كلب الصيد، فإن دية كلب الصيد عشرون درهمًا، ولا تعادل دية أخيهم الأكبر وهو اليهودي والمجوسي فإن ديته ثمانمائة درهم، وحالهم في الآخرة أخس وأنجس! ونقول: ليس هذا إلا الكذب بعينه، ولا نرتضي هذا منهجًا لنا، ولا ندين الله به، بل نحن ممن يحب أصحاب رسوله جميعًا، ويحب آل بيت النبي ﷺ ونتولاهم ولا نتعرض لهم بقدح ولا لمزٍ ولا غير ذلك.
ونصلي ونسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
[ ٧ / ١٠ ]