تعددت العلوم وتنوعت، فمنها ما هو مذموم ومنها ما هو محمود، ومن العلوم المذمومة علم الكلام، فقد ورد ذمه عن كبار أئمة الإسلام وعلمائه العظام.
وإن من أصول عقيدة المسلمين حب الصحابة أجمعين؛ لأن محبتهم دين وإيمان وبغضهم كفر ونفاق، والشهادة لهم بالفضل والإيمان أصل قطعي معلوم بالضرورة من دين الإسلام، وقد قدمهم شيخ الإسلام في لاميته على الكلام على التوحيد لأسباب مبثوثة في ثنايا هذا الدرس.
[ ٦ / ١ ]
شرح قول الناظم: اسمع كلام محقق في قوله
الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
اسمع كلام محققٍ في قوله لا ينثني عنه ولا يتبدل
[ ٦ / ٢ ]
معاني السمع في اللغة
السمع هنا يراد على ظاهره، ويقصد شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بهذا أنه ينبغي لك الإنصات والإصغاء لما سأقوله عن عقيدتي ومذهبي؛ ولأن فائدة السمع هو العمل بالمسموع، فمن سمع الحق ولم يعمل به فهو والذي لا يسمع سواء لا فرق بينهما، وكم من الناس يسمعون وكأنهم لا يسمعون كما سنبين ذلك.
رتب الله السماع الذي يؤدي إلى الامتثال والعمل على قضية سماع الحس وهو سماع الأذن وهذا الحكم في الجملة، ولهذا من لا يسمع سماعًا كليًا إطلاقًا يصعب عليه أن يفهم ويعمل، وكانت حاسة السمع من أعظم الوسائل في إيصال المعلومات للإنسان؛ ولأن يفقد الإنسان بصره خير له من أن يفقد سمعه، ولهذا كم نجد من علمائنا من فقدوا البصر، ولكنهم برزوا على الناس كلهم، ولكن لا نجد من العلماء من فقدوا السمع وتميزوا على سائر الناس.
وقد يطلق السمع ويراد به غير ظاهره، وإنما هو كناية عن الانتفاع بالمسموع، ولهذا ذكر الله ﷾ في كتابه: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال:٢٢] وهذا تشبيه للكفار، فإن الكفار صم بكم، أنهم يسمعون ويبصرون ويتكلمون، ولِمَ وصفوا بهذا الوصف؟ الجواب: هذا كناية عن عدم انتفاعهم بما جاءهم من الآيات والنذر، وأنهم كمن لم يسمع شيئًا.
ولذلك فإن هذه الآية ظاهرها أن الدابة الصماء البكماء تعتبر أخس الدواب كلها، ولهذا شبهوا بالصم في عدم الانتفاع بما سمعوا به؛ لأنه مما ينبغي على المسلم إذا سمع شيئًا وعرف مدلوله أن ينقاد إليه ويعمله، وشبهوا بالبكم بناءً على انقطاع الحجة في المناقشة وفي العجز عن رد الحق الذي وصل إليهم، وهو مما جاءهم من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، ولهذا قال رب العزة ﷾: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢٣] مع أن عندهم آذانًا يسمعون ما يقوله الرسول ﷺ، ولكن قصد هنا: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال:٢٣] أي: أن قلوبهم لا تستفيد من الآيات ولا مما جاءهم عن الله ورسوله ﷺ، ولهذا يقول الله: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس:١٠١] .
جاء المؤلف ﵀ لما قال: (اسمع) بصيغة الأمر لأن ذلك من أساليب التشويق لما يراد أن يقال بعد هذه الكلمة، فقد سأله عن عقيدته ومذهبه ودعا له بأن يرزق الهداية.
قال له: (اسمع) من باب تنبيه الإنسان، مثلما أقول: أيها الإخوة! اسمعوا ما سأقول لكم، ومعلوم أنني ما جلست إلا لتسمعوا أصلًا، فلماذا جئت بـ (اسمع)؟ من باب جذب قلب السامع، ومن باب تهيئته لما سيلقى إليه، وهذا أسلوب من الأساليب التي تستعمل في لغة العرب.
[ ٦ / ٣ ]
معنى الكلام والقول
قال شيخ الإسلام ﵀:
اسمع كلام محققٍ في قوله
قال أهل اللغة: الكلام هو ما تركب من كلمتين فأكثر، وله معنى مفيد مستقل.
قد يتركب الكلام من كلمتين لكن لا يفيد شيئًا ولا يسمى كلامًا، وإنما يسميه أهل اللغة: (القول) كما سيأتي الكلام على ذلك، والكلام يتركب من كلمتين، وأصل الكلام كلمة، والكلمة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: اسم، وفعل، وحرف، ومنها يتركب الكلام ويتركب القول.
قوله: (في قوله) قال في لسان العرب: القول هو الكلام على الترتيب، وهو كل لفظ قال به اللسان تامًا كان أو ناقصًا، ويدلنا على هذا الكلام ما قاله صاحب اللسان: أن القول أعم من الكلام، الكلام المفيد: قام زيد، هذا كلام مفيد ركب من كلمتين، وله معنىً مفيد مستقل، أما القول فقد يكون من كلمتين بينهما تنافر، وهي في اللغة تعتبر تركبت من كلام اللغة، مثل: قام، صار، لو ركبنا هذا ما تم شيء عندنا، وتعتبر هذه الكلمة لا تفيد شيئًا، وإنما جاء في كتب النحو أن تعريف القول: كل لفظ نطق به الإنسان سواء كان لفظًا مركبًا أو لفظًا مفردًا، وسواء كان مفيدًا أو غير مفيد، ويُعني بالقول: الألفاظ المفردة التي ينبني منها الكلام.
القول له إطلاقات متعددة ومن إطلاقاته: المسائل الاعتقادية، ولهذا تجد العلماء رحمهم الله تعالى يقولون: وهذا قول المعتزلة، وهذا قول الخوارج، دل على أن هذا هو معتقد المعتزلة أو معتقد الخوارج.
وقد يطلق ويراد به الرأي، كما يقال: هذا قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى أي: هذا رأي لـ أبي حنيفة رحمه الله تعالى.
[ ٦ / ٤ ]
معنى قول الناظم: (محقق)
قول المؤلف في مسألة:
اسمع كلام محقق قي قوله
المحقق قال في اللسان: أحققت الشيء أي: أوجبته، وتحقق عنده الخبر أي: صح، وحقق قوله وظنه تحقيقًا أي: صدق، وكلام محقق أي: رصين.
وقالوا: يصل الإنسان إلى مرتبة التحقيق بحيث لا يعتريه شك ولا تردد ولا رجوع عما اعتقده، وهذا يؤخذ من معنى: محقق، أي أن هذا كلام موثق ويقين وجزم لا تردد فيه أبدًا، وشيخ الإسلام إذ يعرض عقيدته ليس عنده تردد في مسألة الاعتقاد، بل هو جازم حق الجزم.
ولعلنا ننبه هنا تنبيهًا لطيفًا عند قوله:
اسمع كلام محقق في قوله لا ينثني عنه ولا يتبدل
يقول العلماء رحمهم الله تعالى: إن أهل البدع دائمًا لا ينقلبون عن مذاهبهم، ولعل هذا ينطبق على أهل الكلام والنظر، ولقد اتفق سلف الأمة رحمهم الله تعالى على النهي عن الجدال والخصومات على منهاج أهل الكلام والبدع، خاصة فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته، ونهوا عن ذلك أشد النهي، ولعل السبب في ذلك: أن أهل الكلام والنظر سرعان ما يتقلبون يمنة ويسرة فلا ينضبطون في معتقدهم، والأمثلة على ذلك كثيرة، فهذا الإمام أبو الحسن الأشعري ﵀ قالوا: إنه كان ربيبًا عند القاضي أبي علي الجبائي رباه على الاعتزال أربعين سنة، ثم قيض الله له أن أضاء الله قلبه، وكانت النتيجة أن رجع عن مذهب الاعتزال ورد عليهم ردًا قويًا، وغير مذهبه إلى الكلابية، ثم بعد فترة انتقل وكتب كتابه (الإبانة عن أصول الديانة)، وأعلن فيه رجوعه عن معتقد أهل الكلام كله، وقال: إنه في باب الأسماء والصفات يسير على عقيدة الإمام أحمد ﵀ ورضي عنه، واعتبر الإمام أحمد مرجعًا ورمزًا لـ أهل السنة والجماعة دائمًا يعتمدون عليه، ويفخر الإنسان أنه على عقيدة الإمام أحمد.
[ ٦ / ٥ ]
أنواع العلوم
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ناقلًا عن يحي بن عمار: العلوم خمسة: العلم الأول: علم حياة الدنيا، أي: لا تتم حياة العبد إلا به، قال: وهو علم التوحيد، ولا شك أن علم التوحيد هو الحياة الحقيقية، ولا يمكن أن يوصف الإنسان بالحياة الحقيقية حتى يوحد الله تعالى، والله قد قاله في كتابه: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام:١٢٢] إن الحياة الحقيقية هي بعلم التوحيد.
العلم الثاني: علم الغذاء ويسمى غذاء الدين، قال: وهو علم التذكير، ويقصد به التذكير بمعاني القرآن والحديث وغيره، وهذا يرمز له بطلب العلم، إذا عرفت توحيد الله فانطلق لطلب العلم، وإذا طلبت العلم فإنك تتغذى وتنمي الدين الذي عندك.
العلم الثالث: علم دواء الدين، والدواء هنا يقصد به علم الفتوى، فإن الإنسان تنزل به نازلة، ويحتاج إلى أن تُكشف عنه بسؤال أو بإشكال يمر عليه أو غيره، ويكون هذا العلم دواء له، ومعالجًا لهذا الداء، كما قال النبي ﷺ: (إنما شفاء العي السؤال) .
العلم الرابع: علم داء، ولعل هذا كناية عن المرض الذي يصيب الإنسان بسبب طلبه لهذا العلم، قالوا: وهو علم الكلام المحدث الذي نحذر عنه وحذر عنه سلف الأمة، وعلم الكلام المحدث لا شك أن الإنسان إذا خاض فيه انحرف عن دين الله، ولم يهتد للصواب أبدًا.
العلم الخامس: علم هلاك الدين، قالوا: وهو العلم المتعلق بالسحر ونحوه، كمن يتعلم علوم الباطنية وغيرها من طوائف البدع، ولا شك أن الإنسان إذا تعلم هذه العلوم هلك في دينه ولم يستفد شيئًا، وإن صلى وصام وعمل العبادات كلها.
[ ٦ / ٦ ]
موقف العلماء من علم الكلام
لقد ورد عن سلفنا ﵃ وأرضاهم ذم أهل الكلام، وممن ورد عنهم الذم: كبار أئمة السلف كالإمام مالك رحمه الله تعالى ورضي عنه، فقد قال: "إياكم والبدع، قيل: يا أبا عبد الله! ما البدع؟ قال: أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته وكلامه وقدرته، ولا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون لهم بإحسان" ليس مقصوده ألا نتكلم ولا نوضح تلك العقيدة، وإنما المقصود هو السؤال عن الكيفيات، وهي التي قال فيها الإمام مالك: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة" دل على أن أهل الكلام والنظر يبحثون عن هذه الأمور ويتعمقون فيها، مما يكون سببًا لانحرافهم وزيغهم عما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ.
لقد روى عبد الرحمن بن مهدي ﵀ عن الإمام مالك: "لو كان الكلام علمًا لتكلم فيه أصحاب رسول الله ﷺ والتابعون لهم، كما تكلموا في الأحكام والشرائع" ولكنه باطل دل على باطله أنه تركه الصحابة والتابعون؛ لأنه باطل لا يستفاد منه.
ولقد سئل الإمام سفيان الثوري ﵀: عن علم الكلام؟ فقال: [دع الباطل، أين أنت من الحق؟ اتبع السنة ودع البدعة]] .
وقال: [وجدت الأمر في الاتباع]] .
وقال: [عليكم بما عليه الحمالون، والنساء في البيوت، والصبيان في الكتاتيب، من الإقرار والعمل]] أي: خذ بعقيدة هؤلاء النساء والصبيان وغيرهم؛ لأنهم أخذوا من المنبع، ولهذا نقل عن الإمام أبي المعالي الجويني والفخر الرازي أنه كان يقول: ليتني أموت على عقيدة عجائز نيسابور، يتمنى أن يموت على عقيدة أمه، دل على أنها عقيدة فطرية، وسيأتي من الأمثلة على ذلك.
يقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: لأن يبتلى المرء بما نهى الله عنه -يعني: من السرقة والزنا وغيره- خلا الشرك، خير له من أن يبتلى بعلم الكلام.
ويقول الحسن بن محمد بن الصباح: سمعت الشافعي يقول: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في الأسواق، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأخذ الكلام.
ومن الذين ندموا: الإمام الفخر الرازي، ويعتبر الفخر الرازي من كبار أئمة أهل الكلام، فإذا ندم أصحاب أهل الكلام والفلاسفة وغيرهم ورجعوا عن المذاهب الباطلة ثم جاءوا يحذرونا أخذنا بأقوالهم وقلنا: إن أقوالهم حجة.
يقول الإمام الفخر الرازي وهو القائل: "ليتني أموت على عقيدة عجائز نيسابور؛ قال في شعرٍ له:
نهاية إقدام العقول عقال وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا وحاصل دنيانا أذىً ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
أي: ما جمعنا شيئًا نستفيد منه، وإنما إن قالوا كذا قلنا كذا، وإن قالوا كذا قلنا كذا، ثم قال كلامًا نفيسًا: لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلًا، ولا تروي غليلًا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، أقرأ في الإثبات: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ﴾ [فاطر:١٠] وأقرأ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] ثم قال: ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي".
فدل ذلك على أنه تورط بهذه العلوم، وبعد ذلك رجع إلى ما كان عليه.
سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عن قضية المنطق وغيره، وتكلم عليه وهو علم أهل الكلام وغيره، فقال: إن أكثر ما فيه مما ورد الفطر السليمة تستقل به ولا تحتاج إليه، وقال ﵀ كلامًا لطيفًا معناه: إن البليد لا ينتفع من علم الكلام، وإن الذكي لا يحتاج إليه أصلًا.
إذًا ما فائدة هذا العلم إذا كان البليد لا ينتفع به والذكي لا يحتاج إليه؟ ثم قال: ومضرته على من لم يكن خبيرًا بعلوم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أكثر من منفعته بهذا العلم، فإن فيه قواعد باطلة لا تنبني لا على عقل صريح، ولا مأخوذة من نص صحيح، ولهذا وقف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وقفات من تعلم علم الكلام وغيره.
تكلم الإمام أبو حامد الغزالي ﵀ وعفا عنه في حكم تعلم علم الكلام في مقدمة كتابه: إحياء علوم الدين، وإن كان هذا الكتاب عليه ملحوظات عديدة، ففيه دعوة إلى التصوف، وفيه نشر أشعريته، وفيه أحاديث كثيرة ضعيفة بل موضوعة ومكذوبة.
ذكر حكم تعلم علم الكلام وذكر خلاف الناس فيه، فمنهم من قال: إنه واجب، ومنهم من قال: إنه فرض كفاية، ومنهم من قال: إنه مستحب، ومنهم من قال: إنه محرم وهو قول جمهور السلف في تعلم علم الكلام، والعجب أن نجد كثيرًا من الجامعات في بلدان العالم الإسلامي يسمون علم التوحيد: علم الكلام، وهذه التسمية غير صحيحة، بل هي باطلة؛ لأننا نجد سلفنا رحمهم الله تعالى تكلموا على علم الكلام ذامين له، ولم يذكروه من باب المدح.
وما يذكر للناس من العقائد ليس منه، وخاصة ما كان موافقًا للكتاب والسنة، وإلا فإن أكثر البلدان تدرس عقائد الأشاعرة، أو عقائد الماتريدية، وبعضها قد تعرض العقائد عرضًا مجملًا، أو تعرضها عرضًا تخير الطالب فيما يشاء مما يختار، سواء يأخذ عقيدة المعتزلة، أو الأشاعرة، أو الماتريدية، أو يأخذ عقيدة سلفية، يجعلون له حرية الاختيار، وهذا ليس بصحيح.
[ ٦ / ٧ ]
أسباب تسمية علم الكلام بهذا الاسم
اختلف العلماء لِمَ سمي علم الكلام بعلم الكلام وإن كانت تسميته هنا ربطًا له بقضية أن التوحيد هو علم الكلام؟ فمنهم من قال: إن كثيرًا من الكتب التي كتبت في مسائل الاعتقاد تذكر في مقدمة كلامها على أي جزئية من جزئيات العقيدة: الكلام في رؤية الله، الكلام على نزول الله، الكلام على الجنة، الكلام على النار، قال: فكان يصدر بكلمة الكلام، ولهذا سمي هذا العلم بعلم الكلام.
- ومن العلماء من قال: إن السبب في تسميته لأن أكبر قضية وقع فيها النزاع والخلاف وتعتبر من أوائل ما حدث مسألة كلام الله تعالى، وحدث النزاع فيها كثيرًا.
- ومن العلماء من قال: إن علم العقائد لا يمكن تبيينه للناس إلا بالكلام، وليس علمًا سلوكيًا عمليًا مثل الصلاة، والحج، كما كان النبي ﷺ يقول: (خذوا عني مناسككم) إلى غيره، وإنما كان يعرضها على الناس بلسانه ﷺ ويوضحها لهم في مسائل الاعتقاد.
وعلى كل حال فأيًا كانت تسميته فإننا نقول: إن علم التوحيد وعلم العقائد لا يسمى بعلم الكلام، وإنما سماه أهل البدع بهذه التسمية، ونحن نسير كما سار عليه سلف الأمة، ولا نأتِ بلفظٍ جديد من عندنا.
[ ٦ / ٨ ]
شرح قول الناظم: لا ينثني عنه ولا يتبدل
قول المؤلف رحمه الله تعالى: (لا ينثني) الانثناء في اللغة: هو الانعطاف، ومعناه: أي لا ينصرف عنه ولا يرجع، ومنه ذكروا في كتب اللغة: اثن وجوه الإبل عن الماء، أي: اصرف وجوهها عنه.
ومعنى هذا: أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في معتقده الذي سيعرضه، لا ينعطف ولا ينصرف عنه أبدًا، بل هو متمسك به، مما يدل على توثقه من معتقده وعدم تردده فيه.
(لا ينثني) أي: عن العقيدة، (ولا يتبدل) .
قال في القاموس: بدله تبديلًا، أي: حرفه، ويقال: تبدل أي: تغير.
قال في اللسان: بدَّل الشيء: غيره، والأصل في التبديل تغيير الشيء عن حاله، ولهذا يقال: بدل هذا الكتاب بهذا الكتاب، أي: غيره، بدل هذا الموضع، أي: غير هذا الموضع.
وقالوا: التبديل تغير الشيء عن حاله، والأصل في الإبدال جعل شيء مكان شيء آخر.
ومقصود شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: أنه لا يبدل مذهب السلف بغيره من المذاهب الأخرى، بخلاف المبتدعة فهم كل يوم يتبدلون عما كانوا عليه ويتغيرون عن معتقدهم الذي هم فيه.
[ ٦ / ٩ ]
عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة
ثم قال المؤلف ﵀:
حب الصحابة كلهم لي مذهب
الحب في اللغة: نقيض البغض، والحب هو الوداد، أي: المودة التي تكون في القلب، كما قال الله ﷾ في كتابه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم:٩٦] أي: محبة في قلوب أهل الخير تكون لهم، ولهذا تجدون أهل الصلاح والاستقامة يحبهم أهل الخير، هذا نعتبره من ثواب الله تعالى لأوليائه في الدنيا أن يحبهم الناس، وهو مقتضى الحديث: (إذا أحب الله العبد قال لجبريل: أحبه، ثم جعل له المحبة في السماء، ثم رزق القبول في الأرض) إلى آخره كما ورد عن النبي ﷺ.
يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في مدارج السالكين: لا تحد المحبة بحدٍ أوضح منها أبدًا، والمقصود بها: أنه يقول: المحبة هي المحبة، بمعنى: أن كل شخص منا يعرف ما هو المقصود من المحبة؛ لأنك تعيشها واقعًا يوميًا في كل أجوائك، تشعر بمحبة واضحة لبعض الأشخاص إذ تراهم في بعض المواضع التي تجلس فيها، فالمسجد نحبه، وأهل الخير نحبهم، والقرآن نحبه، والله نحبه، ورسوله نحبه، فلا حاجة لأن تعرف، ولهذا قال ابن القيم رحمه الله تعالى: فالحدود -أي: التعريف لها- لا تزيد المحبة إلا خفاء وجفاء، قال: فحدها وجودها عند الإنسان، أنت إذا حملت طفلك الصغير عندك له محبة، لا تحتاج إلى أن تعرف المحبة، ولذلك يقول ابن القيم: ولا توصف المحبة بوصف أظهر من المحبة، ومع ذلك ذكر ابن القيم ﵀ نحو ثلاثين تعريفًا للمحبة، وبين بعض الكلام عليها، وذكر تعاريف الصوفية لها، وتعاريف بعض السلف رحمهم الله تعالى للمحبة وغيرها، ولكن كما قال: لاتحد المحبة بوصف أظهر من المحبة.
وذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن للمحبة عشر مراتب، -كما في المدارج - وذكر في روضة المحبين أنها قد تصل إلى ستين نوعًا، وغالب ما عرفه لا نعيشه نحن، وإنما يعيشه بعض الناس الذين يعيشون الغرام والحب والهيام وغيره، وذكر أن أعلى مراتب المحبة: العلاقة، وأعلاها وأرقاها وأكملها: الخلة، ولذلك لا تكون الخلة إلا لمحمد ﷺ ولإبراهيم ﵊، كما قال النبي ﷺ: (إن الله اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا) ولسنا في صدد الكلام على الخلة وسوف نترك الكلام على ذلك إلى باب الصفات.
[ ٦ / ١٠ ]
تعريف الصحابي
الصحابة لغة: من صحِب يصحب فهو صاحب، والجمع: أصحاب، وصحاب وصحبة، ولها في اللغة العربية معانٍ متعددة تدور كلها على الملازمة والانقياد، ولهذا تقول: هذا صاحب لي، أي: ملازم وينقاد لي، إذا كان صاحبًا صادقًا، فإذا قلت له: سنذهب إلى مكان كذا لا يردك أبدًا، أي: أن بينك وبينه علاقة ومحبة ومودة توجب لك معها الملازمة والانقياد.
يقول الراغب في مفرداته: الصاحب الملازم إنسانًا كان أو حيوانًا أو مكانًا أو زمانًا، ولهذا يقول الله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ﴾ [الكهف:٩] لأنهم لازموا المكان وصاروا أصحابًا له، ولذلك قال الله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [البقرة:٨٢] دل على أنهم في مكان وسموا أصحابًا لها، ونسأل الله أن نكون من أصحابها.
والصحابي: منسوب إلى الصحابة، قال الراغب في مفرداته: والصاحب في العرف -أي: في عرف الناس- هو من طالت صحبته وكثرت ملازمته.
أما تعريف الصحابي عند المحدثين، فيقول البخاري رحمه الله تعالى ورضي عنه كما في صحيحه: الصحابي هو من صحب النبي ﷺ أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه.
يقول الإمام أحمد ﵀ ورضي عنه في الصحابي: إنه يطلق على من صحب النبي ﷺ سنة أو شهرًا أو يومًا أو ساعة أو رآه مجرد رؤية، ولعل من أمثلة الذين رأوه مجرد رؤية الذين حجوا معه في حجة الوداع، لما علم الصحابة أن الرسول ﷺ سيحج وأذن في الناس بأن محمدًا ﷺ سيحج هذا العام قدمت الجزيرة كلها، ما من أحدٍ يستطيع أن يأتي إلى محمدٍ ﷺ راجلًا -أي: مشيًا على قدميه- أو راكبًا، إلا وفد، كلهم حرصًا منهم تأسيًا بالنبي ﷺ، فمن الصحابة من لم يكن رآه إلا مرة واحدة ﷺ، ومع ذلك يسمى هذا صحابيًا.
ذكر الإمام الحافظ ابن حجر في مقدمة كتابه الإصابة أصح التعاريف في هذا الأمر، قال: وأصح ما وقفت عليه في تعريف الصحابي أنه من لقي النبي ﷺ مؤمنًا به، ومات على الإسلام، ومعنى: مات على الإسلام لئلا يكون لقي النبي ﷺ ومات على الكفر، كمثل بعض الذين أسلموا ثم ادعوا النبوة وقتلوا مرتدين، أو الذين حجوا مع النبي ﷺ ثم ارتدوا بعده، فلا نقول: هذا صحابي، قال: فيدخل فيه من طالت مجالسته له أو قصرت، ويدخل فيه كذلك من روى عن النبي ﷺ أو لم يرو عنه، ويدخل فيه من غزا مع النبي ﷺ أو لم يغزُ معه ﷺ، ويدخل فيه من رآه رؤية بصرية أو لم يره ببصره، كـ عبد الله بن أم مكتوم ما رأى النبي ﷺ.
قال: رآه ببصره ولو لم يجالسه، أو لم يره لعارضٍ كالعمى، وهذا التعريف لا شك أنه أصح التعاريف، وهو الذي رجحه الإمام البخاري، وهو تعريف شيخه الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى.
قال أهل الأصول: إن تعريف الصحابي: كل من طالت صحبته، (قالوا: طالت) والأولون لم يقولوا: طالت أصلًا، إنما يكفي مجرد الرؤية.
قالوا: من طالت صحبته مع النبي ﷺ متبعًا إياه، والأصح عدم تحديد الطول.
وبعض العلماء قال: ستة أشهر، وقيل: سنة، وقيل: لا بد أن يغزو مع الرسول ﷺ.
وبعضهم قال: لا بد أن يروي عنه، وإذا لم يروِ عنه لا يُسمى صحابيًا، ولكن لا عبرة بما قاله هؤلاء.
وقالوا أيضًا: ولا يوصف من جالس عالمًا ساعة بأنه من أصحابه.
شخص جلس مع شخصٍ لمجرد درس أو كلمة أو إفتاء أو غيره لا يسمى من أصحابه، قال القاضي عياض ﵀ نقلًا عن الواقدي: إنه يشترط -أي: الواقدي - أن يكون بالغًا، ولكن هذا القول ضعيف وليس بصحيح، لخروج كثير من أصحاب رسول الله ﷺ الصغار الذين شاهدوه ورأوه وهذا القول كما قال الحافظ ابن حجر: قول شاذ.
وقال الإمام العراقي ﵀: إنه روي عن ابن المسيب: لا يعد صحابيًا إلا من أقام مع النبي ﷺ سنة أو سنتين، أو غزا معه غزوة أو غزوتين، ولا شك أن قول ابن المسيب هنا ضعيف ولا يصح سنده عنه؛ لأنه نقل عن الواقدي.
[ ٦ / ١١ ]
أسباب ابتداء شيخ الإسلام بقضية الصحابة قبل التوحيد
السؤال: عندما قال المؤلف ﵀: حب الصحابة كلهم لي مذهب لماذا بدأ شيخ الإسلام ابن تيمية بقضية الصحابة ولم يبدأ بقضية التوحيد؟ الجواب: بدأ بذكر الصحابة لثلاثة أمور: الأمر الأول: أن قضية الصحابة ﵃ وأرضاهم هي من أول القضايا التي وقع الخلاف فيها، فقد حدثت في عهد عثمان والقدح فيه، فهي تعتبر من أول المسائل العقدية التي حدث الانحراف فيها، ولهذا ركز عليها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ورضي عنه.
الأمر الثاني: أن الصحابة ﵃ وأرضاهم هم الذين نقلوا لنا مسائل العقيدة، وقاعدة: (إذا قدح في النقال قدح فيما نقلوه) إذا قلت لشخص: إنك لا تصدق في حديثك فمقتضاه تلقائيًا لا أقبل منك شيئًا، فإذا قدحت في الناقل قدحت فيما نقله، ولهذا بين شيخ الإسلام ابن تيمية كتأسيس القاعدة، وأن المنهج أننا نحب الصحابة ونأخذ كل ما رووه عن النبي ﷺ.
الأمر الثالث: أن الصحابة ﵃ وأرضاهم من أراد أن يأخذ المنهج بحق فليسر على نهج أصحاب رسول الله ﷺ.
وقد ذكر الشارح المرداوي ﵀ أن سبب بداية شيخ الإسلام ﵀ بقضية الصحابة؛ لأن قضية الصحابة من مسائل الاعتقاد، وأنها إجماعية بين أهل السنة والجماعة، قال: والقرآن والسنة مملوءان بالثناء عليهم، ولذا بدأ بها مصرحة، ومسألة الصحابة ﵃ والقدح فيهم قدح في الدين.
والقدح في أصحاب رسول الله ﷺ من أوائل المسائل العقدية التي حدث فيها الانحراف، ثم بين الأمر الثالث أن شيخ الإسلام أراد أن يبين ﵀ أن الواجب علينا أن نحب الصحابة، وأن نأخذ بمعتقدهم وبمنهجهم ﵃ وأرضاهم، فهم الذين يؤخذ عنهم الاعتقاد، ويؤخذ عنهم فهم الكتاب والسنة دون غيرهم.
عندنا مسألة حب الصحابة، قال: (كلهم) جاء بلفظة الكل، وقصد شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أن يرد على بعض الطوائف المنحرفة التي تحب بعض الصحابة دون بعض، فطائفة كفرت الصحابة ﵃ وأرضاهم على وجه العموم كلهم، ولم يبق على الإسلام إلا ستة، وبعضهم قال: لم يبق على الإسلام إلا ثلاثة فقط.
وطائفة أخرى كفرت بعض أصحاب رسول الله ﷺ كـ الخوارج، فبعضهم كفر عمرو بن العاص، وعلي بن أبي طالب، ومعاوية وعثمان وغيرهم.
يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: نحن من قوم لا نقدح في أصحاب رسول الله ﷺ، ولا ننتقصهم، ولا نسبهم، ولا نكفرهم، فلا نفرق بين علي ومعاوية، ولا بين عائشة وفاطمة، بل نحبهم كلهم جميعًا ﵃ وأرضاهم.
[ ٦ / ١٢ ]
أسباب محبة الصحابة ﵃
نقول للأحبة: منهج أهل السنة والجماعة في أصحاب رسول الله ﷺ هي المحبة، وأنه يجب علينا أن نحب أصحاب رسول الله ﷺ، وسبب حبهم لأمور متعددة: أولًا: أن هؤلاء القوم اصطفاهم الله اصطفاءً ربانيًا، ولذلك روى أبو داود الطيالسي ﵀، عن ابن مسعود قال: [إن الله نظر إلى قلوب العباد فلم يجد قلبًا أطيب من قلب محمد ﷺ فاختاره الله للنبوة، ثم نظر إلى قلوب العباد فلم يجد قلوبًا أطيب من قلوب الصحابة إلى قيام الساعة فاختارهم الله لصحبة محمد ﷺ] فيعتبر ذلك اصطفاء ربانيًا، فلم يختر أحدًا من العصور القريبة، وإنما اصطفاهم لصحبة هذا النبي الكريم، فجمع الله الطيب مع الطيب، وبناءً عليه نقول: هذا اصطفاء رباني يوجب لهم الحب ﵃ وأرضاهم.
الأمر الثاني: أن الله شرفهم بصحبة محمد ﷺ، وهنيئًا لقوم رأوا محمدًا رؤية واحدة ولو لحظة، ولهذا فإن فضل الصحبة لا يوازيه شيء أبدًا من الدنيا، ولذلك ثبت في الصحيح وتكملته في بعض كتب السير أن سعيد بن زيد ﵁ وأرضاه أحد العشرة المبشرين بالجنة، قالوا: إنه دخل مجلسًا وهو في الكوفة، فوجد رجلًا قائمًا ويتكلم، ولعل سعيدًا ﵁ وأرضاه كان ثقيل السمع، فسأل من حوله: ماذا يقول هذا الرجل؟ قالوا: إنه يسب علي بن أبي طالب، فعجب ﵁ وأرضاه ووقف غاضبًا وقال: أشهد بالله أن رسول الله ﷺ قال: (أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة) ثم عد العشرة، ولما وصل إلى العاشر تلكأ لسانه وسكت، قالوا له: يا سعيد! من العاشر؟ قال: قد عدني رسول الله منهم، لم يرد تزكية نفسه ﵁ وأرضاه، بل سكت ورعًا وزهدًا ﵁ وأرضاه، ثم قال قولته المشهورة: [لمقام أحدهم مع رسول الله ﷺ تغبر فيها قدماه خير من عمر أحدكم يعمر عمر نوح يعبد الله فيه] .
إذًا شرف عظيم من يستطيع أن يقدح فيه.
يقول شيخ الإسلام ﵀ ورضي عنه في الفتاوى: إذا جهل الناس فضائل أصحاب رسول الله ﷺ كان تعليمهم تلك الفضائل من دين الإسلام.
عجبًا لأمة تعرف عن أهل المعاصي والفسق ما لا تعرفه عن أصحاب رسول الله ﷺ!! كم من المسلمين لا يعرفون أسماء العشرة المبشرين بالجنة، مع أنهم يعرفون عشرات بل مئات من أهل المعاصي والفسق، دل على أنه يجب علينا نشر فضائلهم لأجل أن يحب هؤلاء القوم، وقاعدة: أنك لا تحب شيئًا أو شخصًا حتى تعرف ما فيه من المزايا والخصائص، وكلما عرفت عن الشخص شيئًا يرغبك فيه ازددت حبًا فيه.
الأمر الثالث: نصرتهم لدين الله تعالى، فهؤلاء القوم كان لهم من السابقة العظيمة العجيبة في نصر دين الله تعالى، وقد أثنى الله عليهم: ﴿يَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الحشر:٨] وسبحان الله! كم حدث لهم من النصر لدين الإسلام، سواء في المعارك في قتال المرتدين، أو في قتال الكفار، أو من المواقف العجيبة العظيمة، ولهذا قدموا نفوسهم رخيصة في سيبل الله، ولهذا قال الصحابي ﵁ وأرضاه:
ولست أبالي حين أقتل مسلمًا على أي جنب كان في الله مصرعي
إذا كان في ذات الله تهون النفس، وكم قدم الصحابة من نفوسهم، وذكروا أن في قضية نصرتهم لدين الله تعالى أن عبد الله بن حرام ﵁ وأرضاه في غزوة أحد لما أراد النبي ﷺ أن يخرج جاء بابنه جابر بن عبد الله، وقال له: يا بني! والله لولا أنني أحب أن أموت وأقتل في سبيل الله في هذه المعركة لتمنيت أنك تقتل أمام عيني وأنا أنظر في معارك رسول الله ﷺ، هو يفدي الإسلام بنفسه ويريد أن يقدم ابنه كذلك، وكل ذلك محبة في نصر دين الله تعالى وإعلاء كلمته، وقصصهم في ذلك تطول بنا، وكم نحن في حاجة إلى أن يعرف الناس الصحابة والجهاد ومواقفهم في جهادهم لإعلاء كلمة الله.
الأمر الرابع: صبرهم على أذى المشركين، ولقد صبر أصحاب رسول الله ﷺ على أذى المشركين صبرًا عجيبًا غريبًا، وكم حصل لهم من الأذى ﵃ وأرضاهم.
وقد ورد بسند حسن أن عمار بن ياسر وأمه وأباه كانوا يعذبون، فمر عليهم النبي ﷺ، وفي بعض كتب السير أن عمارًا ﵁ قال: يا رسول الله! أكل الدهر هكذا؟ أي: منذ أسلمنا إلى الآن ونحن نعذب، أما ينكشف ما نحن فيه، فقال لهم النبي ﷺ: (صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة) فما اشتكى عمار بعده ولا سمية؛ لأنهم صبروا لذات الله تعالى على أذى المشركين، وما كانوا يعاقبون به وكذلك بلال وغيره من أصحاب رسول الله ﷺ مما حدث لهم.
الأمر الخامس: هجرهم لأوطانهم وتركها، وما أصعب على الإنسان أن ينطلق من وطنه ويتحول ولعلي أضرب لكم مثالًا بسيطًا: أنت مثلًا وظيفتك في الرياض، فلو حصل للإنسان ترقية في وظيفته، ونقل إلى خارج الرياض لضاقت عليه الأرض بما رحبت، وتكدرت عليه نفسه، وحاول بشتى الوسائل والوسائط؛ لأجل أن يرجع إلى ما ألفه وغيره، ونقول: أصحاب رسول ﷺ تركوا بيوتهم وأموالهم، وتركوا عشائرهم في هجرتهم ﵃ وأرضاهم، وبعد ذلك كتب الله لهم الأجر العظيم.
وميزهم الله بمزايا عجيبة عظيمة، ولعل من اللطائف مما يدل على هجرة الصحابة: أن أسماء بنت عميس ﵂ وأرضاها كانت ممن هاجرت إلى الحبشة، وما قدموا إلى النبي ﷺ إلا في السنة السابعة من الهجرة في يوم خيبر، ولما قدمت ﵂ سأل عمر بن الخطاب ولعلها كانت في بيته: [من هذه؟ قالوا: أسماء بنت عميس، قال: الحبشية -أي: التي هاجرت إلى الحبشة k:- قالوا: نعم، قال لها عمر مفتخرًا: لقد هاجرنا مع رسول الله وقاتلنا فوقفت ﵂ وقالت: إنكم مع رسول الله ﷺ يواسيكم ويطعم جائعكم، ولكننا في أرض البغضاء البعداء]] أي: كأنها تعجب كيف توازن بين هذا وهذا، وغضبت ﵂، كيف لا يكون لهم من الفضل، وذهبت إلى رسول الله ﷺ تخبره بخبر عمر، فقال لها الرسول ﷺ مسليًا لها: (إن الله كتب لكم هجرتين ولهم هجرة) هاجروا وتركوا، وما أشق على النفس أن يترك الإنسان وطنه الذي ألفه، وهذا يوجب لهم الحب في قلوبنا والتعظيم والإجلال.
الأمر السادس: تقديم حب الله ورسوله على كل شيء، أليس قيل لـ خبيب ﵁ وأرضاه لما ربط للقتل: [أتحب أن محمدًا مكانك وأنت عند أهلك طليق؟ قال: لا أحب أن محمدًا يصاب بشوكة] ودل على أنهم يفدونه ﷺ من عظيم حبهم، ويعبرون عن الحب: إني أحب الله ورسوله، ويثني عليهم النبي ﷺ، وعجب لما قال النبي ﷺ في شارب الخمر لما قدح الصحابة فيه قال: (لا تعينوا الشيطان على أخيكم، إنه يحب الله ورسوله) مع أنه يشرب الخمر لكنه يحب الله ورسوله، مما يدل على ما يتميز به أصحاب رسول الله ﷺ بهذا الأمر.
الأمر السابع: سابقتهم للإسلام، والله ﷾ قد أثنى عليهم في غير ما آية لسبقهم للإسلام، وكلما كان الإنسان أسبق كان أعلى رتبة.
الأمر الثامن: تبليغ دين الله على أيديهم، ولعل من أعظم ذلك: (من دعا إلى هدى كان له مثل أجره وأجر من عمل به إلى قيام الساعة) وأصحاب رسول الله ﷺ دعوا إلى الهدى، وما من خير وصلنا إلا على أكتافهم ﵃ وأرضاهم، ومن علم منهم وروى عنهم واستفاد منهم يكون ذلك في ميزان حسناتهم إلى قيام الساعة، وهذا فضل من الله تعالى عظيم جدًا، أن يجري الله على أيديهم هذا الأجر العظيم، وهذه المنازل العظيمة.
بين لنا النبي ﷺ تحذيرًا لنا ألا نقع فيهم، حيث قال: (الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضًا بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه) والحديث في سنن الترمذي، ورواه الإمام أحمد في مسنده، والبيهقي في الاعتقاد، وقال الإمام الترمذي: حديث حسن غريب.
وكذلك قول النبي ﷺ: (آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار) وهذا الحديث في صحيح البخاري.
دل على أن من يبغض الأنصار فهو منافق، وأن هذه آية من الآيات التي تدل على نفاق قلبه.
وقول النبي ﷺ للصحابة كما أخرجه البيهقي من حديث ابن مسعود: خرج علينا رسول الله ﷺ قائلًا لهم: (لا يبغلني أحد منكم عن أحد من أصحابي شيئًاَ، فإني أحب أخرج إليكم وأنا سليم الصدر) أي: يخرج إليهم النبي ﷺ وهو يحبهم.
ويقول النبي ﷺ في الأنصار كما في صحيح مسلم من حديث البراء ﵁ وأرضاه: (لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق، ومن أحبهم أحبه الله ومن أبغضهم أبغضه الله) .
ويقول النبي ﷺ كما في
[ ٦ / ١٣ ]