أفعال العباد من الطاعات والمعاصي كلها مخلوقة لله ﷿، ولكن ليس في ذلك حجة للعاصي على فعل المعصية؛ لأدلة كثيرة من الكتاب والسنة، فعلى المسلم أن يجتنب المعاصي كلها، وألا يتذرع ويحتج بالقدر على فعل المعاصي، فإن هذا هو مسلك الشيطان وأهل الشرك ومن تبعهم من الجبرية، وقد رد الشيخ عليهم، وبين وجه الضلال في مذهبهم.
[ ١٠ / ١ ]
حكم الاحتجاج بالقدر على فعل المعصية
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه ومن اتبع سنتهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [ولا نجعل قضاء الله وقدره حجة لنا في ترك أوامره واجتناب نواهيه، بل يجب أن نؤمن ونعلم أن لله علينا الحجة بإنزال الكتب وبعثة الرسل، قال الله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥]، ونعلم أن الله سبحانه ما أمر ونهى إلا المستطيع للفعل والترك، وأنه لم يجبر أحدًا على معصية، ولا اضطره إلى ترك طاعة، قال الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٧]، فدل على أن للعبد فعلًا وكسبًا يُجزى على حسنه بالثواب، وعلى سيئه بالعقاب، وهو واقع بقضاء الله وقدره] .
فهذا له صلة بما تقدم من البحث في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بالقدر.
يقول ﵀: (ولا نجعل قضاء الله وقدره حجة لنا في ترك أوامره واجتناب نواهيه، بل يجب أن نؤمن ونعلم أن لله علينا الحجة بإرسال الكتب وبعثة الرسل) .
في هذا المقطع من كلام المؤلف ﵀ إبطال احتجاج أهل المعصية والكفر على ما هم عليه أو على ما هم فيه من معصية الله والكفر به.
[ ١٠ / ٢ ]
الأدلة على أن للعبد مشيئة واختيارًا
فقوله ﵀: (وأنه لم يجبر أحدًا على معصية، ولا اضطره إلى ترك طاعة) واضح، وأما أدلة هذا فذكر المؤلف ﵀ منها: (قال الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]) أي: طاقتها، أي: ما تتسعه من العمل فعلًا وإيجادًا وتركًا واجتنابًا، فالله جل وعلا لا يكلف نفسًا إلا ما تقدر عليه وما تستطيعه.
قال المؤلف ﵀: (وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦])، وتقوى الله هي: فعل ما أمر به وترك ما نهى عنه، فالأمر وهو إيجاد المطلوب، والنهي وهو ترك المحرم كله ينتظمه قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] أي: اتقوا الله ما قدرتم وتمكنتم من ذلك.
قال ﵀: (وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٧]) وهذا فيه أن ما يكون من الإنسان هو كسبه وعمله، وأنه يجازى على هذا الكسب والعمل يوم القيامة؛ ولذلك قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٧] أي: تجازى بما عملت وبما قدمت، فلا يظلم صاحب الطاعة بنقص طاعته، ولا يظلم صاحب المعصية بالزيادة عليه في إساءته ومعصيته.
قال ﵀: (فدل-أي: دل ما تقدم- على أن للعبد فعلًا وكسبًا)، أي: أثرًا في إيجاد فعله، واختيارًا في إيجاد فعله، وكسبًا، فينسب إليه ما يكون من العمل.
قال المؤلف ﵀: (يُجزى على حسنه -يعني: من الفعل والكسب- بالثواب، وعلى سيئه-يعني: من الفعل والكسب- بالعقاب، وهو واقع بقضاء الله وقدره)، أي: ما يكون من فعله وكسبه، من حسناته وسيئاته، فكل ذلك واقع بقضاء الله وقدره، فيجتمع في هذا كمال الإيمان وكمال العبودية لله ﷿، حيث يؤمن العبد بالشرع ويعمل ويصدق ويؤمن بالقدر، وبه ينتظم إيمانه ويستقيم إسلامه، ولا قرار للإيمان إلا بهذا، وبهذا يكون قد انتهى ما ذكره المؤلف ﵀ فيما يتعلق بالإيمان بالقدر.
[ ١٠ / ٣ ]
موقف القدرية من القدر
يقابل هؤلاء القدرية وهم الذين نفوا خلق الله ﷿ لأفعال العباد، وهؤلاء حادوا وانحرفوا عن الصراط المستقيم، وخالفوا هدي سيد المرسلين ﷺ، وما عليه الصحابة وأئمة الدين، لكنهم في البدعة أخف من الجبرية الذين احتجوا بالقدر على إبطال الشرع فهؤلاء عندهم تعظيم للأمر والنهي، وعندهم تعظيم للشريعة، بخلاف أولئك الذين أبطلوا الشرائع وأهدروها وليس لها عندهم قيمة؛ لأنه ما من شيء في الكون إلا محبوب لله، فإذا كان كل ما في الكون محبوب لله ﷿ فقد بطل الشرع وبطل الدين، ولا حاجة إلى الشرائع ولا حاجة إلى بعثة الرسل الذين أرسلهم الله جل وعلا إلى الخلق مبشرين ومنذرين.
[ ١٠ / ٤ ]
الرد على من يحتج بالقدر على فعل المعاصي
يقول المؤلف ﵀: (ولا نجعل قضاء الله وقدره حجة في ترك أوامره واجتناب نواهيه) .
والحجة هي: كل ما يحتج به الخصم من حق أو باطل، فليس من لازم الحجة أن تكون حقًا، بل قد تكون باطلًا، فالحجة إذا كانت باطلًا فهي حجة زاهقة ذاهبة مضمحلة داحضة، وإذا كانت حقًا فهي برهان وبينة.
فقوله ﵀: (فلا نجعل قضاء الله وقدره حجة) أي: لا نجعلها مما يحتج به في المخاصمة، ولا نجعلها حجة لنا في ترك أوامره واجتناب نواهيه، كما فعل الجبرية الذين قالوا: إن المحبوب هو ما قدره الله وقضاه، فأبطلوا الشرع باحتجاجهم بالقدر.
يقول ﵀: (بل يجب أن نؤمن ونعلم أن لله علينا الحجة بإنزال الكتب وبعثة الرسل) أي: علينا الحجة البالغة التي ينقطع بها العذر بإنزال الكتب، وبعثة الرسل، قال الله تعالى: ﴿لئلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥]، أي: فقد بعث الله الرسل مبشرين ومنذرين حتى لا يبقى للناس على الله حجة يحتجون بها ويتذرعون بها على ما هم فيه من كفر، وعلى ما هم عليه من عدم التوحيد.
ومما ينبغي التنبه له أن بطلان الاحتجاج بالقدر على إبطال الشرع مستقر في الفطر وأنه مما اتفقت عليه الأمم، فإن الأمم متفقة على أنه لا يسوغ إبطال الشرائع بكون الأمر قد قضاه الله وقدره، وقد ذكر أئمة هذا الدين وعلماء المسلمين أوجهًا كثيرة لإبطال الاحتجاج بالقدر، وهي حجة قد يحتج بها كثير من العصاة على تسويغ ما هم عليه من باطل، وعلى مضيهم فيما هم فيه من مخالفة أمر الله وأمر رسوله ﷺ.
وهذه بعض الأوجه التي يستدل بها على بطلان الاحتجاج بالقدر في إبطال الشريعة وفي عدم العمل بها: أول هذه الأوجه: أنه يلزم من احتج بالقدر على ترك الواجب وفعل المحرم أن يسوغ كل فساد يقع عليه من غيره، فكل من احتج بالقدر على إبطال الشريعة يقال له: قم صل، وافعل ما أمرك الله أن تفعل، أو اترك ما نهاك الله عنه، فإن قال: ما كتب الله لي، أو هذا أمر قدره الله علي؛ فإن من لازم حجته أن يقال له: كل ظلم يقع عليك في مالك أو أهلك أو نفسك فإنه يجب عليك أن تقبله وألا تنكره؛ لأن الناس يشتركون جميعًا في كونهم تحت قدر الله ﷿، لا خروج لهم ولا قدرة لهم على أن ينفكوا عن قضاء الله وقدره، فإنه إذا كان ذلك فإنه لا يسوغ لك أن تنكر ظلم الظالم لك؛ لأن ظلم الظالم لك هو بقدر الله ﷿، وهذا مما لا يقبله أحد مهما كان، حتى لو كان محتجًا بالقدر في إسرافه ومعصيته فإنه إذا جاء عند هذه المسألة لا يمكن أن يقبل الاحتجاج بالقدر، بل يرد الاحتجاج بالقدر ليأخذ حقه وليرفع عن نفسه الظلم في ماله أو أهله أو أي شيء من شئونه.
إذًا: هذا هو الوجه الأول من أوجه إبطال الاحتجاج بالقدر على إبطال الشرع.
الوجه الثاني من أوجه إبطال الاحتجاج بالقدر على إبطال الشرع؛ أن من لازم ذلك أن كل من أخبر الله عنهم من أهل الكفر وأوعدهم بالهلاك أو أوقع عليهم هلاكًا، أنهم في الحقيقة معذورون، فإذا كانوا معذورين فلماذا يعذبهم الله جل وعلا، فإنه بعث الرسل لقطع العذر، فلم ينفع بعث الرسل لهؤلاء؛ لأنهم كذبوا وخالفوا وأوقع الله عليهم من العذاب والعقاب ما ذكره الله جل وعلا في كتابه، وأخبر به رسوله ﷺ، وأجمعت عليه الأمم، فدل ذلك على أن الاحتجاج بالقدر باطل؛ لأنه لو لم يكن باطلًا لكان إبليس وفرعون وقوم نوح وغيرهم من الأمم التي أخبر الله بإهلاكها وعقابها لكانوا معذورين فيما هم فيه من الكفر؛ لأنه بقضاء الله وقدره.
الوجه الثالث من أوجه إبطال الاحتجاج بالقدر: أن الاحتجاج بالقدر على إبطال الأمر والنهي وعلى إبطال الشريعة، يفضي إلى التسوية بين أولياء الله ﷿ وبين أعدائه؛ لأن المميز والفارق بين أعداء الله وبين أوليائه أن هؤلاء امتثلوا الأمر فكانوا أولياء لله ﷿، وأن هؤلاء عصوا الله ﷿ وخالفوا أمره فكانوا أعداءً له جل وعلا، فإذا كان الاحتجاج بالقدر على إبطال الشريعة صحيحًا، فإن من لازم ذلك أن يلغى التفريق بين المؤمنين والكفار، وبين الأعمى والبصير، وبين المهتدي والضال، وقد جاء في كتاب الله في مواضع كثيرة ذكر الفرق بين هؤلاء كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ * وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ﴾ [فاطر:١٩-٢١] .
ولو كان القدر حجة للفريقين على ما هم فيه لانتفى الفرق ولاستوى هؤلاء جميعًا، وقد قال الله جل وعلا: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص:٢٨]، وهذا استفهام فيه إنكار التسوية بين هذين الفريقين.
الوجه الرابع من أوجه إبطال الاحتجاج بالقدر على الشريعة: ما جاء من حديث علي بن أبي طالب في الصحيحين قال: قال ﷺ: (ما من أحد إلا وقد علم مقعده من الجنة وعلم مقعده من النار.
فقال بعض الصحابة: ففيمَ العمل يا رسول الله؟! أفلا نتكل على الكتاب وندع العمل؟ قال النبي ﷺ: اعملوا فكل ميسر لما خلق له) .
فلم يجعل النبي ﷺ القدر مسوغًا لترك العمل، بل لما قالوا له: أفنتكل على الكتاب وندع العمل؟ قال لهم ﷺ: (اعملوا) ولم يقل: اتركوا، أو: اعتمدوا على الكتاب، أو: اعتمدوا على التقدير وإنما قال: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له) .
وكذلك جاء في حديث سراقة بن مالك في صحيح الإمام مسلم أن رجلًا سأل النبي ﷺ، فقال: (يا رسول الله! بين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن، فيم العمل اليوم، أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير أم فيما نستقبل؟ فقال النبي ﷺ: بل فيما جفت به الأقلام، وجرت به المقادير، فقال رجل: ففيمَ العمل؟ فقال النبي ﷺ: اعملوا فكل ميسر لما خلق له) وهذا يبين لنا أن الاحتجاج بالقدر من أبطل ما يكون في إبطال الشرائع، أي: أن الاحتجاج بالقدر على إبطال الشريعة وعدم العمل بها وإهدار الأمر والنهي من أفسد ما يكون؛ لقول النبي ﷺ: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له) .
ومن أوجه إبطال الاحتجاج بالقدر أيضًا: أنه لو كان القدر حجة على إبطال الشريعة لما عذب الله أحدًا في الدنيا ولا في الآخرة؛ لأنه لو عذبهم مع كون القدر حجة لهم لكان ظالمًا لهم، حيث إنه لم يمض ما هو حجة، لكن لما كان القدر ليس حجة في إبطال الشريعة عذب الله من خالف أمره، وجعل المخالفة سببًا للعقوبة.
وبعد هذا العرض الموجز لبعض الأوجه التي يتبين بها فساد الاحتجاج بالقدر على إبطال الشريعة وترك العمل، نعلم علمًا يقينًا لا يخالطه ريب ولا شك أن أهل السنة والجماعة على حق في هذا، وأنهم وسط بين الفريقين المختلفين: بين من ألغى قدر الله ﷿ وقدرته على خلق أفعال العباد، وبين من ألغى قدرة الإنسان واختياره فيما يكون منه وما يصدر عنه.
قال ﵀: (ونعلم أنه سبحانه ما أمر ونهى إلا المستطيع للفعل والترك) .
وهذا أيضًا يضاف إلى الأوجه التي يبطل بها الاحتجاج بالقدر على إبطال الشريعة.
فنعلم أنه سبحانه ما أمر ونهى إلا المستطيع للفعل والترك، أي: المستطيع على القيام بما أمر، وترك ما نهى عنه وزجر، وأنه لم يجبر أحدًا على المعصية، أي: ليس هناك إجبار على المعصية، بل العاصي يعصي الله جل وعلا بإرادته واختياره، وكون الله جل وعلا علم ذلك وكتبه وشاءه وخلقه، لا ينافي اختيار العبد، بل العبد مختار لما يفعل ولما يقع منه من معصية الله ﷿ في ترك الواجبات ومواقعة المنهيات والمحرمات، فالعبد ليس مجبورًا على معصية الله ﷿، بل له الاختيار التام في طاعة الله ﷿ والتزام شرعه، وفي معصيته ﷾ والإعراض عن دينه، ولذلك رتب الله العقاب والثواب على امتثال الأمر وترك النهي، فمن امتثل فاز بالفضل، ومن أعرض وتنكب وواقع ما حرم الله ﷿ استحق العقوبة.
قال ﵀: (ولا اضطره إلى ترك الطاعة) أي: ما اضطره الله جل وعلا إلى ترك طاعة، بل معصية العاصي هي بفعله ومشيئته واختياره، وطاعة الطائع هي بمشيئته واختياره؛ ولذلك إذا وقعت المعصية إكراهًا لم تترتب عليها العقوبة، حتى لو كانت هذه المعصية أكبر ما يكون من المعصية ألا وهي الكفر، كما قال الله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦]، فإن الله ﷾ استثنى من المؤاخذة من أكره وكان منشرح الصدر بالإيمان ومطمئن القلب بحقائق الإسلام، فإنه لا يؤاخذ على ما يكون منه، فدل ذلك على أن الإكراه يخرج الإنسان عن التكليف.
[ ١٠ / ٥ ]
احتجاج الجبرية على المعاصي بالقدر
وذلك أن القدر انقسم الناس من حيث الإيمان به إلى طوائف: فطائفة غلت في إثبات القدر، وجعلت كل ما يكون من الإنسان وما يقع في هذا الكون محبوبًا لله ﷿ مرضيًا، فكل ما في الكون هو محبوب لله جل وعلا عندهم، وهو فعله ومشيئته، ولا فعل للإنسان ولا مشيئة ولا إرادة، فألغوا فعل الإنسان ومشيئته واختياره وإرادته، وقالوا: كل ما في الكون إنما هو فعل الله ولا فعل لغيره، ومشيئة الله ولا مشيئة لغيره، فاحتجوا بالقدر وبما يقع من قضاء الله وقدره على أمره ونهيه ودينه وشرعه، فجعلوا القدر حجة لإبطال الشرع، وهؤلاء إمامهم فيما ذهبوا إليه إبليس، حيث قال كما حكى الله عنه: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف:١٦]، فأضاف الإغواء إلى الله ﷿، واحتج بإغواء الله له جل وعلا وعدم هدايته على فعل نفسه، وعلى صحة ما هو عليه، فزاده ذلك من الله جل وعلا بعدًا وعذابًا.
وقد سلك هذا المسلك أهل الشرك أيضًا: فاحتجوا بالقدر على معصية الله ﷿، كما قال الله ﷿ عنهم: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الأنعام:١٤٨]، فأخبر الله جل وعلا عما سيقوله المشركون من أن ما يقع منهم من الشرك وتحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله؛ أن ذلك واقع منهم بمشيئة الله ﷿، فاحتجوا بالقدر والقضاء على مخالفة أمر الله جل وعلا في توحيده وإفراده بالعبادة، وقد كذَّبهم الله جل وعلا في ذلك.
كما أن هذه الحجة هي حجة أهل التفريط والتقصير الذين أسرفوا على أنفسهم يوم القيامة، فإن مما ذكر الله جل وعلا من أقوالهم: ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنْ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر:٥٧]، فلم ينفعهم ذلك في دفع عذاب ولا رفع عقاب، وقد قال أهل الشرك كذلك: (لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا﴾ [النحل:٣٥]، ولما دعاهم جل وعلا وأمرهم بالإنفاق والإطعام والصدقة قالوا كما قال تعالى حاكيًا عنهم: ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس:٤٧] وكما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس:٤٧] فاحتجوا بالقدر على إبطال الأمر والنهي وعلى إبطال الشرع، وهذا من أخبث وأخطر الأقوال وأرداها؛ لما يترتب عليه من المفاسد العظيمة.
[ ١٠ / ٦ ]
النقض على الجبرية في احتجاجهم بمحاجة آدم وموسى
ومما ينبه إليه في مسألة الاحتجاج بالقدر على المعصية هو أن الجبرية الذين غلوا في إثبات القدر، وجعلوا القدر، حجة على إبطال الشريعة، يستدلون بما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ في محاجة موسى آدم، حيث قال النبي ﷺ: (حج آدم موسى، فإن موسى قال سائلًا الرب جل وعلا: أرنا أبانا الذي أخرجنا من الجنة، فلما رآه قال: يا آدم! أنت أبو البشر خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، لمَ خرجت وأخرجتنا من الجنة؟ فقال آدم ﵇ لموسى: يا موسى! أنت الذي اصطفاك الله بتكليمه فكلمك، وكتب لك التوراة بيده، بكم وجدت ذلك مكتوبًا علي قال: بأربعين سنة، قال النبي ﷺ: فحج آدم موسى)، هذا الحديث يحتج به الذين يقولون: إنه يسوغ أن يحتج بالقدر على المعصية؛ قالوا: إن آدم رد على موسى بأن الله كتب عليه المعصية، حيث قال له: فبكم وجدت مكتوبًا علي قبل أن أخلق: وعصى آدم ربه فغوى؟.
والصحيح أنه لا حجة لهم في هذا الحديث على ما ذهبوا إليه من الاحتجاج بالقدر على إبطال الشرع؛ لأن الموضوع والمحاجة بين آدم وموسى: هل هي في المعصية أم في المصيبة وهي الإخراج من الجنة؟ وهل قال: يا آدم! لمَ عصيت الله وأكلت من الشجرة، أو قال له: لمَ أخرجتنا؟
الجواب
أن المحاجة والمناقشة وقعت في المصيبة التي ترتبت على وقوع المعصية وهي الإخراج من الجنة، فأجاب آدم بأن المصيبة من قدر الله ﷿، وهذا لا يخالف ما عليه أهل السنة والجماعة من أنه يجوز الاحتجاج بالقدر على المصائب، فإذا نزلت بالإنسان مصيبة احتج بالقدر، ومن ذلك قول النبي ﷺ المروي في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير)، وقال النبي ﷺ: (استعن بالله ولا تعجز، فإذا أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، أو قدّر الله وما شاء فعل)، فكان الاحتجاج بالقدر على المصيبة.
ولذلك إذا أصابك شيء مما تكره؛ ففاتك خير أو نزل بك ضر، فإنك تقول: قدر الله وما شاء فعل، فدل هذا على أنه يجوز الاحتجاج بالقدر على المصائب، وهذا إجماع من أهل السنة والجماعة ولا خلاف بينهم فيه، لكن هل يسوغ لأحد أن يحتج بالقدر على المعصية؟ الجواب: لا.
فآدم ﵇ احتج بالقدر على الإخراج -وهي المصيبة التي نزلت به وببنيه- لا على المخالفة، وهذا هو الذي ذكره شيخ الإسلام ﵀ ورجحه، وأبطل سائر ما ذكر من الأوجه في إبطال المحاجة؛ لأن من العلماء من قال: إن آدم حج موسى لكونه أباه أو غير ذلك من الأوجه.
المهم أن هذا هو أرجح الأقوال، وابن القيم ﵀ سلك مسلكًا آخر فقال بعد أن ذكر كلام شيخه: ويكون هناك وجه آخر يصلح أن يكون جوابًا في هذه المحاجة وهو: أن آدم ﵇ إنما احتج بالقدر على المعصية بعد أن وقعت وتاب منها.
فيقول ﵀: فيجوز للإنسان إذا وقعت منه معصية وتاب الله عليه منها أن يحتج بالقدر إذا عاتبه أحد.
فمثلًا: إنسان أسرف على نفسه بشرب الخمر وسائر ألوان المعاصي ثم تاب، فجاءه شخص وقال: أنت ما فيك خير، وأنت شارب خمر، وأنت سراق، وما أشبه ذلك، فله أن يقول: ذلك بقدر الله؛ لأنه في الحقيقة بقدر الله، فساغ الاحتجاج بالقدر على المعصية بعد التوبة منها، وهذا هو الذي وقع من آدم، فإنه ما احتج بالقدر - على ما وجه ابن القيم ﵀- على الاستمرار والمضي في المعصية، وإنما احتج بالقدر على أنها قد وقعت وانتهت فلا تعيرني بها، ومن تاب تاب الله عليه، والتوبة تجب ما قبلها، فبطل احتجاجهم بهذا الحديث على مسألة الاحتجاج بالقدر في إبطال الشريعة.
وإنما أطلنا في هذا وبينا أوجه إبطال وإفساد احتجاجهم بالقدر على إبطال الشريعة الإسلامية؛ لأن كثيرًا ممن ابتلوا بالتصوف يحتجون بالقدر على أخطائهم، وكثير ممن يسرفون على أنفسهم في المعاصي إذا أمروا بالمعروف أو نهوا عن المنكر قالوا: ما قدر الله لنا الطاعة، وما هدانا الله لترك المعصية، وما أشبه ذلك من الحجج الباردة التي يبطلون بها الشريعة.
[ ١٠ / ٧ ]
ذكر الكسب ليس مختصًا بالأشعرية
قول المؤلف ﵀: (فدل على أن للعبد فعلًا وكسبًا) .
انتقد هذا بعض أهل العلم فقال: إن هذا فيه شائبة أشعرية حيث قال: فدل على أن للعبد فعلًا وكسبًا، والصحيح أن كلام المؤلف ليس عليه مؤاخذه، وأنه سالم وجارٍ على طريقة أهل السنة والجماعة، وذكر الكسب ليس دليلًا على أشعرية المؤلف؛ لأن الكسب قد ذكره الله تعالى فقال: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٧]، وقد ذكر المؤلف ﵀ هذه الآية قبل ذكر الكسب، ففهم من الكسب ما دلت عليه الآية من أنه فعل الإنسان الذي يكون باختياره وإرادته ومشيئته.
أما الأشعرية فلهم في القدر قول عجب خالفوا به الناس، حيث قالوا: إن أفعال الخلق كسب لهم وليس لهم عليها قدرة، وهذا القول لا نطيل فيه؛ لأنه من الأقوال المستبشعة والمستغربة والتي لا حقيقة لها ولا معنى لها؛ ولذلك فهم يرجعون إلى أنهم يقولون بقول الجبرية، فهم يقولون: إن فعل العبد كسب له لكن لا قدرة له عليه، وهذا لا يمكن أن يكون.
إذ كيف يكون فعله كسبًا له ولا قدرة له عليه؟! فمن قال: إن كلام المؤلف هنا فيه شائبة أشعرية أو فيه إيهام أو إبهام، ففي قوله نظر وتكلف؛ لأن المؤلف ﵀ ذكر هذا بعد ذكر الآية التي فيها الكسب وهي قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٧]، فيكون معنى الكسب الذي ذكره هو ما دلت عليه الآية، وبهذا يكون قد انتهى ما يتعلق بمسائل القدر في هذا الفصل، وينبغي للمؤمن أن يقر قلبًا وأن يقر فؤادًا بأن الله جل وعلا لا يظلم الناس شيئًا كما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦]، وكما قال ﷾: ﴿لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٧] فإذا استقر في قلب العبد هذا اطمأن من أن يقع ظلم من الله ﷿ أو تعارض بين الشرع والقدر، بل الأمر كله لله جل وعلا يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد، والعبد له اختيار ومشيئة وإرادة، ومشيئته وإرادته لا تخرج عما قدره الله وعلمه وكتبه وشاءه وخلقه.
والله تعالى أعلم.
والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ١٠ / ٨ ]