من منهج أهل السنة والجماعة أنهم يشهدون للعشرة المبشرين بالجنة كما شهد لهم النبي ﷺ، ويشهدون لغيرهم ممن شهد له ﵊ بالجنة، ولا يجزمون لأحد بعد ذلك من أهل القبلة بجنة ولا نار إلا من شهد له النبي ﷺ.
ولا يكفرون أحدًا من أهل القبلة بذنب، وأن الجهاد والحج ماضيان خلف كل بر وفاجر.
[ ١٧ / ١ ]
الشهادة للعشرة المبشرين بالجنة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [ونشهد للعشرة بالجنة كما شهد لهم النبي ﷺ فقال: (أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وسعد في الجنة، وسعيد في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة) وكل من شهد له النبي ﷺ بالجنة شهدنا له بها، كقوله: (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة)، وقوله لـ ثابت بن قيس: (إنه من أهل الجنة)] .
الفصل الذي تقدم كان فيما يتعلق بفضائل الصحابة ﵃، وهذا ذكر فيه الشهادة لمن شهد له النبي ﷺ منهم بالجنة، واعلم أن الشهادة بالجنة نوعان: شهادة لموصوفين وشهادة لمعينين.
أما الشهادة التي تكون للموصوفين فهي كثيرة في كتاب الله ﷿، وفي سنة النبي ﷺ، يأتي فيها ذكر أن من فعل كذا فله الجنة، كقول النبي ﷺ: (لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم: أفشوا السلام بينكم) فكل من أفشى السلام وحصل منه الحب لإخوانه المسلمين فإنه موعود بهذا الفضل، وهو دخول الجنة، فهذه شهادة لمن اتصف بهذا الوصف، وهذا النوع لا إشكال فيه وهو مجمع عليه.
النوع الثاني من أنواع الشهادات بالجنة: الشهادة لمعينين، كالشهادة لمن ذكر المؤلف ﵀، وأول وأبرز من يشهد لهم بالجنة من خصوا بشهادة النبي ﷺ في حديث سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وغيره، وفيه قال النبي ﷺ: (أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وسعد في الجنة، وسعيد في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة)، هذه الشهادة لهؤلاء المعينين هي أشهر الشهادات، وهم المعروفون بأنهم العشرة المبشرون بالجنة؛ لكون النبي ﷺ جمع ذكرهم في حديث واحد.
يقول المؤلف ﵀: (ونشهد للعشرة) وهم من ذكروا في الحديث، أي: نشهد ونوقن بأنهم من أهل الجنة، وهذه الشهادة مبنية على خبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
يقول ﵀: (كما شهد لهم النبي ﷺ فقال: (أبو بكر في الجنة» وأبو بكر هو أبو بكر الصديق ﵁.
(وعمر): هو عمر بن الخطاب ثاني الخلفاء، (وعثمان) وهو ثالث الخلفاء عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عن الجميع، هؤلاء كلهم شهد لهم النبي ﷺ بالجنة؛ فنشهد لهم بأنهم في الجنة، وأن خبر النبي ﷺ فيهم صدق، فهم من أهل الجنة قبل أن يموتوا بخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
[ ١٧ / ٢ ]
كل من شهد له النبي ﷺ بالجنة شهدنا له
كذلك شهد النبي ﷺ لغيرهم من الصحابة، يقول المؤلف ﵀: (وكل من شهد له النبي ﷺ بالجنة شهدنا له بها)؛ اتباعًا للنبي ﷺ، وطاعة لأمره، وتصديقًا لخبره، يقول ﵀: كقوله: (الحسن والحسين) وهما الحسن بن علي والحسين بن علي ﵄، سبطا رسول الله ﷺ (سيدا شباب أهل الجنة) أي: لهما السيادة على شباب أهل الجنة، والسيادة: هي العلو والشرف والارتفاع، فهذه شهادة من النبي ﷺ لهذين الصحابيين الجليلين بالجنة.
يقول ﵀: (وقوله لـ ثابت بن قيس: (إنه من أهل الجنة» وقد شهد له النبي ﷺ بالجنة، وقصة شهادته ﷺ لـ ثابت بن قيس في الجنة مشهورة معروفة، وهي أنه لما نزل قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:٢] اعتزل ثابت بن قيس بن شماس ﵁ في بيته وبكى، ففقده النبي ﷺ، فقالوا له: إنه يبكي لقوله تعالى: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:٢]، فإنه كان يرفع الصوت عندك، فهو جهوري الصوت، فخشي أن يدخل في هذه الآية، فقال النبي ﷺ: (إنه من أهل الجنة) فكانت بشارة له بأنه من أهل الجنة.
كذلك شهد النبي ﷺ لخديجة وشهد لـ بلال ولجماعة من الصحابة ﵃ بأنهم من أهل الجنة، فكل من شهد له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالجنة فإن من تمام الإيمان به ﷺ أن نصدقه في ذلك، وأن نشهد لمن شهد له ﷺ.
[ ١٧ / ٣ ]
من اعتقاد أهل السنة أنهم لا يقطعون لأحد بجنة أو نار
يقول ﵀: [ولا نجزم لأحد من أهل القبلة بجنة ولا نار] بعد أن فرغ من بيان حكم من شهد له النبي ﷺ بالجنة وما الواجب تجاهه، انتقل إلى بيان المسكوت عنهم، ما حكمهم؟ فمن سكت عنه ولم يبين رسول الله ﷺ هل هو من أهل الجنة أو لا، هل نشهد له بالجنة أو لا؟
الجواب
يقول: (ولا نجزم لأحد من أهل القبلة بجنة ولا نار) ففهم من هذا: أننا لا نجزم لأحد كائنًا من كان بأنه من أهل الجنة أو بأنه من أهل النار، بل الواجب التوقف حتى يأتي بيان من الله أو بيان من رسوله ﷺ بأنه من أهل الجنة أو أنه من أهل النار، وقوله: (لا نجزم) أي: لا نقول ذلك على وجه الجزم والقطع، وهل نقوله على وجه الرجاء؟ الجواب: نعم، نقول فيمن قام فيه دليل الصلاح وعلامات الاستقامة: إننا نرجو أن يكون من أهل الجنة، فنرجو للمحسن ونخاف على المسيء، لكن الرجاء أمر دون الشهادة والجزم، فالبحث في الجزم، فإننا لا نجزم لأحد من أهل القبلة بجنة ولا نار؛ لأن هذا من الغيب، وهو من الخبر الذي لا يمكن أن يقبل إلا بقول الله أو قول رسوله ﷺ.
وقول المؤلف ﵀: (لأحد من أهل القبلة) أي: سواء كان من أهل الفضل والإحسان، أو كان من أهل الإساءة والتقصير، فيشمل كل من توجه إلى القبلة من أهل الإسلام، وأهل القبلة هم أهل الإسلام، ويعبر العلماء عن المسلمين بهذا الاسم لكونهم يجتمعون في هذا الأمر، فكل من ادعى الإسلام فإنه لا بد أن يتوجه إلى القبلة، وقد قال النبي ﷺ كما في الصحيح: (من استقبل قبلتنا، وذبح ذبيحتنا، ونسك نسيكتنا؛ فهو المسلم الذي له ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين) وهذا يبين أن كل من اتصف بهذا الوصف فإنه من أهل القبلة، فهذا الوصف مأخوذ من هذا الحديث ونظائره، ويوصف أهل الإسلام بأنهم أهل الصلاة؛ ولذلك سمى بعض من ألف في مقالات المسلمين قال: ومقالات المصلين، يريد بذلك أهل الإسلام، فقوله ﵀: (ولا نجزم لأحد من أهل القبلة) يعني: لأحد من أهل الإسلام.
(بجنة ولا نار) أي: لا نقول: إنه في الجنة، ولا نقول: إنه في النار [إلا من جزم له الرسول ﷺ] فلا نجزم لمعين بأنه في الجنة إلا إذا جاءنا الخبر عن الله أو عن رسوله ﷺ، ولا أنه في النار إلا إذا جاء الخبر عن الله أو عن رسوله ﷺ، يقول: [لكنا نرجو للمحسن ونخاف على المسيء]، نرجو الإثابة والفضل والأجر والجنة للمحسن، وهو الذي حقق الإسلام بالعمل الصالح والنية الخالصة، وأما المسيء فهو من خالف ذلك، إما فساد في العمل وإما فساد في النية.
فالمحسن نرجو له فضل الله ﷿ ورحمته، وأما المسيء فإننا نخاف عليه، وذلك أن الحساب بين يدي الله ﷿ لا يجري على الظواهر فحسب، بل إنه يجري على ما يقوم في القلب، وقد يظهر من إنسان الاستقامة وحسن الحال، والباطن على خلاف ذلك، فالعبرة بما يقوم في القلوب وتصدقه الأعمال، كما في حديث أبي هريرة في صحيح الإمام مسلم قال النبي ﷺ: (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم) وفي رواية: (وأعمالكم) فالنظر والحساب والجزاء على ما يقوم في القلوب من الإيمان والتصديق، وحسن الاعتقاد الذي يتبعه صلاح العمل، فإنه لا يمكن أن يستقيم القلب ويصلح وتكون الجوارح على خلاف ذلك، ما لم يوجد مانع.
[ ١٧ / ٤ ]
شهادة النبي ﷺ لمعينين بالنار
فهمنا من كلام المؤلف ﵀ أن الشهادة والجزم بالجنة لا يمكن أن يكون إلا لمن شهد له النبي ﷺ، وكذلك الشهادة بالنار لا يمكن أن تكون إلا لمن أخبر به النبي ﷺ أنه من أهل النار، وقد جاء في الكتاب الخبر عن جماعة أنهم من أهل النار، من ذلك على وجه التعيين أبو لهب وامرأته، فقد شهد الله لهم بالنار: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد:١-٥] فهذان شهد لهم الله جل وعلا بأنهما من أهل النار.
كذلك جاءت الشهادة لمعينين بالنار، كشهادة النبي ﷺ لـ عمرو بن لحي الخزاعي أول من بدل دين إبراهيم ﵇ من العرب، حيث قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (رأيته يجر قصبه في النار) وهذا يدل على أنه في النار، فالشهادة للمعينين جاءت في خبر رسول الله ﷺ.
كذلك شهد لـ أبي طالب بأنه في النار، وجاء في صحيح مسلم الخبر عنه ﷺ أن أباه في النار، لما سأله الرجل عن أبيه فقال: أبوك في النار قال: ثم كأن الرجل وجد في نفسه واشتد عليه الأمر، فهون عليه النبي ﷺ الخبر فقال له: (أبي وأبوك في النار) فهذه شهادة لمعينين.
لكن هل هؤلاء من أهل القبلة؟
الجواب
لا، ليسوا من أهل القبلة؛ لأنهم ممن لم يبعث فيهم النبي ﷺ، بل كانوا قبله.
أما أهل القبلة فإنه لا يجوز الشهادة لأحد منهم مهما بلغ عصيانه وساءت أحواله وكثرت سيئاته بالنار، ما لم يرتكب مكفرًا يخرج به عن ملة الإسلام، ويخلع به عن رقبته ربقة الإيمان، ففي هذه الحال يكون كافرًا مرتدًا، أما ما دام عصيانه لا يصل به إلى حد الكفر فإنه لا يحكم بكفره، ولا يشهد له بالنار.
كذلك الشهادة بالنار للمرتد، هذه محل خلاف بين أهل العلم؛ لأن كلام المؤلف السابق في أهل القبلة، لكن غير أهل القبلة من الكفار هل يشهد لهم بالنار؟ اختلف العلماء في هذا على قولين: منهم من قال: إنه يشهد لمن علم موته على الكفر بأنه في النار.
وقال آخرون: إن عقيدة أهل السنة والجماعة أن لا نشهد لمعين بجنة ولا نار ولو كان من أهل الكفر؛ لأننا لا نعلم حكم الله فيه، لكننا من حيث الحكم الدنيوي نحكم بكفره، وأنه من أصحاب الجحيم على وجه العموم، أما على وجه التعيين فنحتاج إلى نص ودليل.
فهذه المسألة فيها قولان لأهل العلم، لكل قول ما يسنده ويعضده، والسلامة أن لا نشهد لمعين بنار حتى يقوم الدليل والنص والخبر عن النبي ﷺ بذلك.
[ ١٧ / ٥ ]
أهل السنة لا يكفرون بالذنوب
ثم قال ﵀: [ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب، ولا نخرجه عن الإسلام بعمل، ونرى الحج والجهاد ماضيين مع طاعة كل إمام، برًا كان أو فاجرًا، وصلاة الجمعة خلفهم جائزة، قال أنس: قال النبي ﷺ: (ثلاث من أصل الإيمان: الكف عمن قال: لا إله إلا الله، ولا نكفره بذنب، ولا نخرجه من الإسلام بعمل)] يقول ﵀: (ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب) أي: لا نحكم بالكفر على أحد من أهل القبلة الذين ثبت إسلامهم بإقامة الصلاة واستقبال البيت (بذنب) أي: بسبب ذنب.
الذنب يشمل الصغير والكبير، الدقيق والجليل من الذنوب، ما عدا ما يحصل به الكفر والردة، فمن كفر بالله ﷿ كفرناه، ومن سب النبي ﷺ أو كذبه كفرناه، ومن امتهن القرآن ودنسه كفرناه، فقوله ﵀: (بذنب) يعني من كبائر الذنوب التي لم يأت النص بأنها كفر، كشارب الخمر والزاني والسارق وغير ذلك من الكبائر والذنوب، فإننا لا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب؛ لأن الأصل أن من كان إسلامه ثابتًا بيقين فإنه لا ينقل عنه إلا بيقين، وهذه قاعدة مهمة يستفيدها طالب العلم لا سيما عند الاشتباه، والأصل بقاء ما كان على ما كان، وأن من حكم بإسلامه فهو باق على هذا الوصف لا يرتفع عنه إلا بدليل، فإذا اشتبه الإنسان هل هذا يحصل به الكفر أو لا يحصل به الكفر؟ فالأصل أنه لا يحصل به الكفر، وأنه باق على الإسلام.
(فلا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب) ينبغي أن تقيد هذه الجملة بما عدا ما وقع الخلاف فيه بين أهل العلم من المسائل هل يكفر بها صاحبها أو لا، فهناك من المسائل ما وقع فيها الخلاف بين العلماء وهي من جملة الذنوب.
فمثلًا: ترك الصلاة، هذا من الذنوب التي اختلف فيها العلماء ﵏ من حيث الكفر إلى قولين: فمنهم من يرى التكفير بترك الصلاة ولو كانت صلاة واحدة إذا تركها عمدًا دون عذر حتى خرج وقتها، لقول النبي ﷺ: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) والحديث الآخر: قال النبي ﷺ: (بين الرجل والشرك أو الكفر ترك الصلاة)، فهذا خارج عن قول المؤلف ﵀: (ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب) .
فما وقع فيه الخلاف بين أهل العلم من الذنوب هل يكفر بها صاحبها أو لا فإنها لا تدخل في هذه الجملة، لوقوع الخلاف بين السلف، والمقصود بالذنوب ما اتفق العلماء على أنها ذنب، كالكبائر من الزنا وشرب الخمر وما أشبه ذلك.
فأركان الإسلام مما اختلف العلماء ﵏ في تاركها هل يكفر أو لا؛ أعني الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، فالخلاف بين العلماء في تاركها مشهور، فهذه خارجة عن بحثنا.
قوله ﵀ (ولا نخرجه عن الإسلام في عمل) ما لم يكن هذا العمل ينتقض به إسلامه، ويرتفع به عنه وصف الإسلام، مثاله: الذبح لغير الله، فهذا عمل، فهل نخرجه من الإسلام بذلك؟
الجواب
نعم، لكن المقصود بالعمل: ما كان من كبائر الذنوب والخطايا والآثام، أما الشرك فإنه كفر، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة:٧٢]، فلا بد من الحكم بمقتضى ما قام بالإنسان من وصف، فإذا قام به وصف الكفر مع اعتقاده دون عذر مع توفر الشروط وارتفاع الموانع فإنه يحكم بكفره.
[ ١٧ / ٦ ]
من عقيدة أهل السنة الحج والجهاد مع كل إمام
ثم قال ﵀: (ونرى الحج والجهاد ماضيين مع طاعة كل إمام، برًا كان أو فاجرًا)، وهذا بيان لعقيدة أهل السنة والجماعة في هذا الشأن، وهو ما يتعلق بنظر أهل السنة والجماعة للأئمة، وهم ولاة الأمر الذين يتولون أمر أهل الإسلام، وذكر الحج والجهاد لأن الحج والجهاد من الأعمال التي لا بد فيها من اجتماع، ولا بد لكل اجتماع من أمير، يصدر عن رأيه، ويرجع إليه في تدبير شأنه، فذكر الحج والجهاد ليس قصرًا على هذين العملين، بل هو نموذج للأعمال التي تحتاج إلى اجتماع ولأنها من العبادات التي يحتاج فيها الناس إلى رأي، وإلى أمير يأتمرون به، ويقتدون بعمله، ويسيرون خلفه يرتبهم وينظمهم ويدير شئونهم ويصلح أمورهم: لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا فلا بد للناس في مثل هذه الاجتماعات من تدبير، ولذلك نص العلماء ﵏ على مضي الجهاد والحج مع كل أمير برًا كان أو فاجرًا.
قوله: (نرى الحج والجهاد ماضيين) أي: قائمين، لا يجوز إبطالهما، ولا التوقف عنهما لفساد من يتولاهما أو لتقصيره.
قوله: (برًا كان أو فاجرًا) برًا: أي قائمًا بالطاعة، عاملًا بها، عادلًا بين الخلق، أو فاجرًا: أي فيما يتعلق بنفسه أو فيما يتعلق بولايته، ففيما يتعلق بنفسه كأن يكون شاربًا للخمر، أو زانيًا، أو غاشًا، وفيما يتعلق برعيته كالغاش، أو الذي يظلم ويأخذ حقوق الناس، فإن هذا يجب له من الطاعة ما يجب لغيره من ولاة الأمر، لما أخبر به النبي ﷺ من وجوب الاجتماع والطاعة حتى ولو حصل التقصير من ولي الأمر.
وهذا مما تميز به أهل السنة والجماعة، وإنما تميزوا به لاستمساكهم بهدي النبي ﷺ، ولاستمساكهم بما أرشد إليه الله ﷿ من الاعتصام بحبله، والاجتماع على طاعته، وحذرًا وتجنبًا لما نهى عنه من الفرقة والاختلاف، فإن الله ﷾ نهى عن الفرقة والاختلاف، ولو أن كل أحد رأى من أميره أو إمامه أو وليه ما يكره من المعصية، فجعل ذلك مسوغًا لنزع يده عنه وعدم طاعته لما استقام الأمر لأحد؛ لأنه ما من أحد إلا ويخطئ، وما من أحد إلا وعنده تقصير، والتقصير يتفاوت؛ لكن ينبغي للمؤمن أن يصبر على الخطأ، وأن لا يوافق على المعصية، ومع هذا فينبغي ألا ينزع يدًا من طاعة كما دلت على ذلك النصوص المتواترة.
يقول ﵀: (وصلاة الجمعة خلفهم جائزة)، صلاة الجمعة يقع بها الاجتماع خلفهم مع فجورهم وتقصيرهم، فهي: (جائزة) أي: تبرأ بها الذمة، وفي قوله: (جائزة) رد على من يرى أنه لا تجوز الصلاة خلف أئمة الجور، ولا يعني أن الإنسان مخير بين أن يصلي أو لا يصلي، بل الواجب عليه أن يصلي خلفه، وذكر الجواز هنا لا لاستواء الطرفين، وإنما لرد قول من يقول: إنه لا يصلى خلفهم، وقد صلى صحابة رسول الله ﷺ خلف الحجاج، وحجوا مع الحجاج مع ظلمه وظهور شره، وقتله لأهل الفضل والعلم، وتسلطه على عباد الله، ومع ذلك لم ينزعوا يدًا من طاعة، بل صلوا خلفه وحجوا معه، ولم يكن في ذلك طعن عليهم، بل كانوا في ذلك مهتدين بهدي النبي ﷺ متبعين لسنته.
ثم قال ﵀: [قال أنس: قال النبي ﷺ: (ثلاث من أصل الإيمان: الكف عمن قال: لا إله إلا الله ولا نكفره بذنب ولا نخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماض منذ بعثني الله ﷿ حتى يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل، والإيمان بالأقدار)] فاجتمع لنا في هذا الحديث ثلاث خلال الصفة الأولى: الكف عمن قال لا إله إلا الله، ثم بين معنى الكف فقال: ولا نكفره بذنب، ولا نخرجه من الإسلام بعمل؛ فهذا معنى الكف عمن قال: فلا إله إلا الله، لا نكفره بذنب ما لم يكن هذا الذنب مكفرًا، ودلت النصوص على أنه كفر، ولا نخرجه من الإسلام بعمل ما لم تدل النصوص الأخرى على أنه من الكفر والشرك الذي يخرج به الإنسان عن ملة الإسلام.
ثم قال: (والجهاد ماض)، أي: مستمر لا ينقطع ولا يقف، (منذ بعثني الله ﷿ حتى يقاتل آخر أمتي الدجال)، وذلك بقيادة عيسى بن مريم ﵇، يقول: (لا يبطله) أي: لا يبطل الجهاد (جور جائر) أي: ظلم ظالم (ولا عدل عادل) بل هو ماض باق إلى قيام الساعة.
قال: (والإيمان بالأقدار) هذا ثالث الأصول التي ذكرها النبي ﷺ في هذا الحديث، قال المؤلف ﵀: [رواه أبو داود]، وهذا الحديث أخرجه أبو داود وسكت عنه، وقد ذكر أبو داود في سننه أن ما رواه وسكت عنه فإنه حسن عنده، إلا أن هذا الحديث في بعض رجاله بعض المقال الذي يقصر به عن درجة الصحاح، وما جاء فيه من خلال هي خلال تشهد لها الأحاديث الأخرى فلا إشكال فيما تضمنه من المعاني، ثم ذكر المؤلف ﵀ ما يجب لأصحاب النبي ﷺ وأزواجه، ونؤجل ذلك إن شاء الله إلى الدرس القادم، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
[ ١٧ / ٧ ]