أجمع سلف الأمة رضوان الله عليهم على أن القرآن الكريم كلام الله ﷾، وليس شعرًا، ولا نثرًا من كلام بني البشر، وإلا لأتى بمثله العرب، وقد تحداهم أن يأتوا ولو بسورة مثله؛ إذ هو معجز في معانيه وألفاظه.
ثم إن القرآن كلام الله بحرف وصوت لفظه ومعناه من الله ﷿.
[ ٦ / ١ ]
دحض شبه الطاعنين في القرآن
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المؤلف ﵀: [وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨]، وهذا هو الكتاب العربي الذي قال فيه الذين كفروا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ [سبأ:٣١]، وقال بعضهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥]، فقال الله سبحانه: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر:٢٦]، وقال بعضهم: هو شعر، فقال الله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس:٦٩]، فلما نفى الله عنه أنه شعر وأثبته قرآنًا؛ لم يبق شبهة لذي لب في أن القرآن هو هذا الكتاب العربي الذي هو كلمات وحروف وآيات؛ لأن ما ليس كذلك لا يقول أحد إنه شعر.
وقال ﷿: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٣]، ولا يجوز أن يتحداهم بالإتيان بمثل ما لا يدرى ما هو ولا يعقل، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ [يونس:١٥]، فأثبت أن القرآن هو الآيات التي تتلى عليهم.
وقال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٧-٧٩]، بعد أن أقسم على ذلك.
وقال تعالى: ﴿كهيعص﴾ [مريم:١] ﴿حم * عسق﴾ [الشورى:١-٢]، وافتتح تسعًا وعشرين سورة بالحروف المقطعة.
وقال النبي ﷺ: (من قرأ القرآن فأعربه؛ فله بكل حرف منه عشر حسنات، ومن قرأه ولحن فيه؛ فله بكل حرف حسنة)، حديث صحيح.
وقال ﵊: (اقرءوا القرآن قبل أن يأتي قوم يقيمون حروفه إقامة السهم، لا يجاوز تراقيهم، يتعجلون أجره ولا يتأجلونه) .
وقال أبو بكر وعمر ﵄: إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه.
وقال علي ﵁: من كفر بحرف منه فقد كفر به كله.
واتفق المسلمون على عد سور القرآن وآياته وكلماته وحروفه.
ولا خلاف بين المسلمين في أن من جحد من القرآن سورة أو آية أو كلمة أو حرفًا متفقًا عليه أنه كافر، وفي هذا حجة قاطعة على أنه حروف] .
هذا صلة ما في الفصل من تقرير أن القرآن كلام الله جل وعلا؛ فقد افتتح المؤلف ﵀ هذا الفصل بقوله: (ومن كلام الله سبحانه: القرآن العظيم)، ويقول ﵀: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢]، وقد تكلمنا على هذا وقلنا: إن قوله تعالى: ﴿تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾، دليل على أن القرآن منزل من الله جل وعلا؛ لأن (من) هنا لابتداء الغاية، فالله جل وعلا هو المتكلم بالقرآن، وهو المنزل له، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل:٦] .
[ ٦ / ٢ ]
تكذيب الله لمن وصف القرآن بالشعر
قال ﵀: (وهو هذا الكتاب العربي الذي قال فيه الذين كفروا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ [سبأ:٣١])، يعني: أن الذي تحدى الله ﷿ الإنس والجن بأن يأتوا بمثله هو هذا القرآن الذي كذب به أهل الكفر حيث قالوا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبأ:٣١]، أي: ولا بالذي تقدمه وسبقه من الكتب.
(وقال بعضهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥])، و(إن) هنا بمعنى ما النافية، فهي تنفي أن يكون هذا القرآن شيئًا من الأشياء إلا قول البشر، أي: قول محمد ﷺ، وقد كذبهم الله جل وعلا بهذا، وقال: فإذا كان قول البشر فأتوا بمثله؛ فإنكم لا تعجزون بأن تأتوا بمثله وأنتم أصحاب اللسان والبيان.
قال الله تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر:٢٦]، وهذا في حق من قال: إن القرآن قول البشر، فقد تهدد الله جل وعلا وتوعد أنه سيصليه سقر، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر:٢٧-٣٠]، وهي نار جهنم، نسأل الله السلامة والعافية؛ فتهدد الله وتعود كل من قال: إن القرآن كلام البشر بهذا الوعيد الشديد.
قال المؤلف: (وقال بعضهم -أي: بعض العرب- هو شعر، فقال الله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس:٦٩])، أي: ما علمنا محمدًا ﷺ الشعر، فهو لا يقول شعرًا، وما يكون منه من بيت أو شبهه، فإنه لا يوصف بسببه بأنه شاعر، إنما هو شيء مما قد يرد عن كل أحد، ولا يوصف من قال بيتًا أو بيتين أو ثلاثة بأنه شاعر، فرسول الله ﷺ لم يعلمه ربه ﷿ الشعر، وذلك أن الشعر وظيفة أهل البيان الذين ينشئون المعاني والألفاظ من قبل أنفسهم، ويتجاوزون الحدود في وصف ما يصفون أو قول ما يقولون، وقال الله ﷿: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمْ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٤-٢٢٦]، فلما كان هذا هو الوصف الغالب لهؤلاء نفى الله جل وعلا عن رسوله أن يكون شاعرًا، بل نفى عنه تعلم الشعر فضلًا عن أن يكون قائلًا له.
(وما ينبغي له): أي: ويستحيل عليه، (إن هو) أي: ما هذا القول وهذا الذي جاء به محمد ﷺ ﴿إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس:٦٩]، وشتان بين قول رب العالمين وبين ما ينشئه الشعراء أو يقوله أصحاب البيان من الفصحاء؛ فالبون بينهما شاسع، والفرق بينهما كالفرق بين صفات الله ﷿ وبين صفات المخلوقين: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] .
وكل من سمع القرآن وقرأه يعلم أنه ليس قول البشر إنما هو قول رب العالمين، أما قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [يوسف:١٠٤]، فـ (إن) هنا بمعنى ما النافية، أي: ما هو إلا ذكر وقرآن مبين، (فلما نفى الله عنه أنه شعر وأثبته قرآنًا لم يبق شبهة لذي لب أو عقل وبصيرة، بأن القرآن هو هذا الكتاب العربي الذي هو كلمات وحروف وآيات؛ لأن ما ليس كذلك لا يقول أحد إنه شعر) .
[ ٦ / ٣ ]
تحدي الله للمكذبين أن يأتوا بمثل القرآن
قال: (وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨]) .
أتى المؤلف بهذه الآية كدليل من الأدلة على أن القرآن كلام الله وليس بكلام البشر أو غيرهم، ووجه الدلالة هو أن الله جل وعلا تحدى كلًا من الإنس والجن أن يأتوا بمثل هذا القرآن ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا، أي: معينًا، ومع هذا فإنهم يعجزون عن أن يأتوا بمثله، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾، أي: لا يتمكنون ولا يتوصلون إلى الإتيان بمثله، ﴿وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾، أي: ولو كان بعضهم يعين بعضًا في طلب ذلك وتحصيله.
وهذه الآية هي من الآيات المعجزة الدالة على أن هذا القرآن كلام الله ﷿؛ لأن النبي ﷺ قد أوحى الله إليه بأن يتحدى كلًا من الإنس والجن أن يأتوا بمثل هذا القرآن، وهذا التحدي ليس مقصورًا على وقت النبي ﷺ وزمنه، بل هو ممتد بامتداد الزمان والمكان؛ فمع كثرة المعارض المكذب وشدة سعيه في إبطال دعوة النبي ﷺ وتكذيب رسالته مع ذلك لم يأت أحد من الخلق يدعي أنه جاء بمثل هذا القرآن، وهذا دليل معجز واضح بين على أنه كلام رب العالمين، وأنه لا يأتي به بشر بل لا يأتي بمثله بشر.
[ ٦ / ٤ ]
القرآن كلمات وحروف وألفاظ من الله
يقول ﵀ في الاستدلال: (فلما نفى الله عنه أنه شعر)، أي: نفى عن القرآن أنه شعر، (وأثبته قرآنًا لم يبق شبهة)، الشبهة هي: عارض يعتري القلب ويحول بينه وبين رؤية الحق ومعرفته وإدراكه.
يقول ﵀: (لم يبق شبهة لذي لب)، أي: لصاحب عقل، وصاحب بصر (في أن القرآن هو هذا الكتاب العربي الذي جاء به محمد ﷺ) .
(الذي هو كلمات)، أي: أنه مكون من كلمات وحروف وآيات؛ (لأن ما ليس كذلك لا يقول أحد: إنه شعر)، ولولا أن هذا القرآن الذي يخبر الله أنه منه وأنه قوله، ونفى أن يكون قول البشر لو لم يكن محل الخلاف هو القرآن لما نفى أنه شعر، فلما نفى أنه شعر وبين أنه ليس بقول البشر علم أنه قول رب العالمين، كما قال الله جل وعلا: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢]، في ما ساقه المؤلف من الآيات الدالة على أن القرآن كلام الله جل وعلا.
قوله: (وقال ﷿: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٣])، ذكر المؤلف دليلًا آخر من الأدلة الدالة على أن القرآن كلام الله، واستدل لذلك بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ﴾، أي: في شك واشتباه وعدم بصيرة، (فأتوا بسورة من مثله)، فتحداهم الله جل وعلا أن يأتوا بسورة من مثل ما أنزل الله جل وعلا على رسوله، فـ (من) هنا بيانية، أي: فأتوا بسورة مثل إحدى سور القرآن.
وهذا يبين لنا أن التحدي لهؤلاء كان على مراتب: فتحداهم الله جل وعلا أن يأتوا بمثل القرآن، وتحداهم أن يأتوا بعشر سور مثله، ثم انتهى التحدي إلى أن يأتوا بسورة من مثله، فلم يأتوا، وأقل سورة في القرآن عدد آياتها ثلاث، وهي سورة الكوثر، وهذا يدل على عظيم إعجاز هذا القرآن، وأنه من البيان والفصاحة والقوة في الألفاظ والمعاني، وأنه في أعلى طبقات الكلام لفظًا ومعنى بما لا يمكن أن يدرك شأوه وأن يبلغ حده أبلغ البلغاء وأعظم الفصحاء، بل إن رسول الله ﷺ الذي أوتي جوامع الكلم يميز المؤمن بين كلامه وبين كلام رب العالمين، وترى الفرق واضحًا بينًا بين كلام الله ﷿ وبين كلام الذي أوتي جوامع الكلم، فكيف بغيره؟! فيتميز للإنسان ما قاله رسول الله ﷺ من الكلام وما جاء به كلام رب العالمين.
يقول ﵀: (ولا يجوز أن يتحداهم بالإتيان بمثل ما لا يدرى ما هو ولا يعقل)، هذا فيه بيان أن القرآن ألفاظه ومعانيه من كلام رب العالمين، فإن الله جل وعلا تحداهم ليس فقط أن يأتوا بألفاظ مثل ألفاظ القرآن، بل أن يأتوا بمثل القرآن، أو بعشر سور من مثله، أو بسورة من مثله في ألفاظه ومعانيه، فإن إعجاز القرآن لا يقتصر على إعجاز الألفاظ، بل إعجاز القرآن في لفظه ومعناه، وهذا هو الذي وقع عليه التحدي.
قوله: (قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ [يونس:١٥])، أي: واضحات لا لبس فيها لا في ألفاظها ولا معانيها، (﴿قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ [يونس:١٥])، أي: قال الذين لا يخافون، أو لا يطمعون؛ فالرجاء يطلق على الخوف الطمع، فقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ [يونس:١٥]، أي: الذين لا يطمعون في لقائنا، أو الذين لا يخافون لقاءنا، ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ [الكهف:١١٠]، أي: من كان يخاف لقاء ربه، أو من كان يطمع في لقاء ربه، فالرجاء يطلق على الخوف والطمع، فهو من المعاني المشتركة، يقول: (﴿قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس:١٥])، يقولون هذا في معرض الاحتجاج والاعتراض على القرآن وعلى ما جاء به الرسول ﷺ: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا﴾، أي: أحضر لنا قرآنًا غير هذا، أو بدله، أي: غير فيه بحذف بعضه أو بالزيادة عليه أو ما أشبه ذلك من أنواع التبديل والتغيير، فجاء الجواب من رب العالمين: (﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ [يونس:١٥])، ولو كان من قول النبي ﷺ، أو كان هو الذي تكلم به وأنشأه، أو كان قول جبريل، لكان يمكن أن يبدل أو أن يغير، لكن الله ﷿ أخبره بأنه لا يمكنه أن يبدله أو أن يأتي بغيره؛ لأنه رسول رب العالمين، ولذلك قال: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾، أي: ما أتبع إلا ما أوحاه الله إلي، فإذا كان رسولًا متبعًا فليس إليه تبديل القرآن ولا الإتيان بغيره.
قال ﵀: (فأثبت أن القرآن هو الآيات التي تتلى عليهم) بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا﴾ [يونس:١٥]؛ فالقرآن هو كلام الله ﷿ الذي تلاه رسوله ﷺ على هؤلاء.
(وقال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٩]): الضمير (هو) يعود إلى القرآن، فهو آيات بينات، أي: واضحات في صدور الذين أوتوا العلم، وهذه الآية لها معنيان: الأول: أن القرآن آيات واضحات في صدور الذين مَنَّ الله عليهم بالعلم، فليس فيه التباس ولا اشتباه.
الثاني: أنه آيات محفوظات في صدور الذين أوتوا العلم، ولذلك قال: (في صدور الذين أوتوا العلم) .
فقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾، يحتمل أنه يريد: أنه بين في صدورهم، ويعلمون أنه الحق ويدركون معانيه، ويحتمل أنه: محفوظ في صدورهم، ويحتمل أنه يريد الأمرين، وهو الصواب، أي: أن القرآن في صدور الذين أوتوا العلم حفظًا وفهمًا، فكلما علا نصيب الإنسان من فهم كتاب الله ﷿ كلما كان داخلًا في هذه الآية وكان حقيقًا بها.
فقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾، لا يقتصر على حفظه بل على فهمه وهو الأهم ففهم القرآن أهم من حفظ بعض حروفه كما نقل ذلك عن أبي بكر وعمر ﵄، حيث قالا: (إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه)، وليس هذا دعوة إلى أن يترك الإنسان حفظ القرآن، لكنه دعوة إلى أن يجتهد في فهم معناه، وإدراك معانيه، كاجتهاده في حفظه أو أشد، بل ذكر شيخ الإسلام ﵀: أن الصحابة كانت عنايتهم الفائقة في فهم الكتاب، وكان الذي يحفظ الكتاب منهم هم القلة، فالأكثرون كانوا يعتنون بمعاني كلام الله ﷿، ولهم عناية بالحفظ، لكن كانت عنايتهم بالفهم أعظم؛ لأن الفهم هو المقصود الأول من هذا الكلام الذي أوحاه الله ﷿ لرسوله ﷺ.
[ ٦ / ٥ ]
إقسام الله على أن القرآن كلامه
قال ﵀: (وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٧-٧٩]): (إنه لقرآن كريم) أي: هذا الكلام الذي جئت به يا محمد قرآن كريم، ومعنى: (كريم): كثير الخير والبركة والإحسان والفضل والأجر، فالكريم فعيل بمعنى فاعل مكرم لأهله، يشفع لهم في القبر، ويشفع لهم في الآخرة، ويحصلون به خيرًا كثيرًا، كما قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص:٢٩]، فهو مبارك في لفظه ومعناه مبارك على حافظه والعامل به مبارك في الدنيا والآخرة والبرزخ والمحشر، بركته من أعظم البركات، نسأل الله ﷿ أن يرزقنا بركة هذا الكتاب المبين.
(فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ) أي: محفوظ، والمراد بالكتاب المكنون هنا: اللوح المحفوظ؛ فالكتاب في الكتاب المكنون، ولا يخلو هذا من أحد معنيين: المعنى الأول: أن يكون ذكره في الكتاب المحفوظ، لا جميع آياته وكلماته، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء:١٩٦]، أي: هذا القرآن مذكور في زبر الأولين، وليس أنه قد جاءت به الرسل التي سبقت النبي ﷺ.
المعنى الثاني: أن القرآن بجميع آياته وألفاظه في الكتاب المكنون قبل أن يتكلم الله جل وعلا به، وهذا معنى ثانٍ لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٧-٧٩]، والمقصود به اللوح المحفوظ والمطهرون هم الملائكة، ومن استدل بهذه الآية على أنه لا يجوز مس المصحف إلا بطهارة؛ فإن استدلاله لا يصح على هذا المعنى؛ لأن الكتاب المكنون ليس القرآن، إنما الكتاب المكنون هو اللوح المحفوظ.
يقول رحمه الله تعالى: (بعد أن أقسم على ذلك)، أي: أقسم على قوله: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة:٧٧-٧٨]، والقسم هو قوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة:٧٥-٧٧] .
وقوله: (لا أقسم): للعلماء فيها أقوال: منهم من قال: إن (لا) هنا زائدة صلة، والتقدير: أقسم بمواقع النجوم، وقيل: هي لنفي كلام سابق مقدم، أي: لا أنظر إلى ما تقولون، ولا أستمع إلى شبهكم، وأقسم بمواقع النجوم، فهي لنفي كلام سابق، وقيل: إنها تفيد التوكيد والتحقيق لهذا القسم؛ فإن العرب تزيد (لا) في القسم لتوكيده، وقيل: هي للنفي، أي: لست محتاجًا إلى أن أقسم لوضوح الأمر وبيانه، والصحيح: أن (لا) هنا صلة تفيد توكيد القسم، ولا نحتاج إلى أن نقدر منفيًا كما ذكرت في الأقوال السابقة.
[ ٦ / ٦ ]
القرآن كلام الله لفظه ومعناه
قال رحمه الله تعالى: (وقال تعالى: ﴿كهيعص﴾ [مريم:١] ﴿حم * عسق﴾ [الشورى:١-٢] وافتتح تسعًا وعشرين سورة بالحروف المقطعة) .
أراد المؤلف ﵀ بهذا أن القرآن حروف ومعان، وأن الحروف كلام الله، وأن المعاني كلام الله، لا أن الحروف كلام الله دون المعاني، ولا أن المعاني كلام الله دون الحروف، بل القرآن حروفه ومعانيه كلام الله تعالى، وهذا الذي أجمع عليه سلف الأمة، وهو يرد بهذا على من قال: إن القرآن كلام الله من حيث المعنى، أما الحروف فإنها ليست كلام الله كما هو قول الكلابية والأشعرية، وأول من قال إن المعاني هي كلام الله دون الحروف هو عبد الله بن سعيد بن كلاب، وهو أول من أظهر هذا القول في الإسلام، ثم تبعه عليه أبو الحسن الأشعري، ثم قال به كثير من الناس ممن يتبع هذين بعد ذلك، والذي عليه سلف الأمة ودل عليه الكتاب والسنة: أن القرآن كلام الله لفظه ومعناه، فليس كلام الله الحروف دون المعاني، ولا المعاني دون الألفاظ، بل الحروف والمعاني هي كلام الله جل وعلا.
أما هذه الحروف المقطعة التي افتتح الله بها بعض السور، فقد اختلف العلماء ﵏ في تفسيرها على أقوال كثيرة نجملها في ثلاثة: القول الأول: أنه لا معنى لها مطلقًا، وليس لها معنى في ذاتها، وهذا القول قول مجاهد بن جبر إمام التفسير، وقد أخذ تفسيره عن ابن عباس وغيره من الصحابة، لكنه ممن اختص بـ ابن عباس ﵁.
هذا القول استدل له بأن الله ﷿ وصف القرآن بأنه كتاب عربي مبين، وأنه أنزله بلسان عربي مبين، والعرب لا تعرف لهذه الحروف المقطعة معاني؛ هذا القول الأول.
القول الثاني: أن هذه الحروف لها معانٍ، وانقسم هؤلاء إلى قسمين، قسم قالوا: لها معنى الله أعلم به، ولا ندرك نحن معناها، والقسم الثاني قالوا أقوالًا في بيان معانيها، فمنهم من قال: إنها أسماء للسور، ومنهم من قال: إنها أسماء للرسول، ومنهم من قال: إنها أسماء من أسماء الله ﷿، ومنهم من قال: إنها تعبر عن عمر هذه الأمة، وقيل غير ذلك.
القول الثالث: التوقف، ومعنى التوقف: أنهم لا يجزمون بأحد القولين، لا يقولون: إن لها معنى، ولا يقولون: ليس لها معنى، بل يتوقفون.
هذه ثلاثة أقوال لأهل العلم في الحروف المقطعة التي افتتح الله بها بعض سور القرآن، والراجح من هذه الأقوال الثلاثة هو القول الأول، وهو: أن ليس لها معنى مطلقًا.
وإذا كان ليس لها معنى، فهل منها فائدة؟
الجواب
نعم، منها فائدة، وفائدتها بيان إعجاز القرآن، وذلك الملاحظ في جميع موارد هذه الأحرف: أنه يأتي بعدها ذكر القرآن تعظيمًا وامتنانًا، ولم ينخرم هذا الاطراد إلا في موضعين فقط من جميع المواطن، حيث كانت هذه الأحرف معقبة متلوة بذكر القرآن: ﴿الم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [السجدة:١-٢] ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة:١-٢] ﴿حم * تَنزِيلٌ مِنْ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت:١-٢] وما أشبه ذلك من المواطن التي تذكر فيها هذه الحروف، ثم بعد ذلك يشيد الله جل وعلا بالقرآن الكريم، ولم ينخرم هذا إلا في سورة الروم: ﴿الم * غُلِبَتْ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم:١-٣] .
وأيضًا في العنكبوت ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:١-٢] .
لكن إذا تأملت في هذه السور التي لم يأت فيها ذكر القرآن صريحًا تجد أنه ذكر فيها ما لا يتلقى إلا من القرآن، فمثلًا قال تعالى في سورة الروم: ﴿الم * غُلِبَتْ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ﴾ [الروم:١-٣]، هذا خبر عن واقع، وهو ما حدث من ظهور فارس على الروم: ﴿غُلِبَتْ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم:٢-٣]، وهذا لا يتلقى من غير القرآن، فلذلك تجد أنه ما لم يذكر فيه القرآن صريحًا في المواضع التي ذكرت هذه الحروف المقطعة ذكر فيها شيء يتعلق بالقرآن، أو لا يمكن ألا يتوصل وألا يحصل إلا من القرآن، فعادت كسائر المواضع أنها بيان للإعجاز.
ووجه الإعجاز في هذه الأحرف: أنها من كلام العرب الذي يتكون من هذه الكلمات، ومع ذلك عجزوا عن أن يأتوا بمثل هذا القرآن أو بسورة من مثله.
[ ٦ / ٧ ]
منزلة إعراب القرآن في الشرع
قال المؤلف ﵀: (وقال النبي ﷺ: (من قرأ القرآن فأعربه) أي: أفصح في قراءته وأبان، ولم تلتبس عليه الكلمات، (فله بكل حرف منه عشر حسنات، ومن قرأه ولحن فيه) أي: مال عن القراءة التي جاء بها النبي ﷺ، (فله بكل حرف حسنة)، وقد روي هذا من حديث ابن مسعود ﵁ في جامع الترمذي وفيه: (من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول آلم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)، والحديث صحيح، قال عنه الترمذي: حديث حسن صحيح غريب.
ثم ذكر حديث رسول الله: (اقرءوا القرآن قبل أن يأتي قوم يقيمون حروفه إقامة السهم)، أي: يعتنون بإقامة كلماته، (لا يجاوز تراقيهم)، أي: أنه لا ينفذ إلى قلوبهم؛ لأن الترقوة هي العظمة التي تحيط بالنحر؛ فهم يقتصرون في قراءة القرآن على إقامته على اللسان دون أن ينفذ إلى قلوبهم إصلاحًا وتزكية وتربية، هذا معنى قوله ﷺ: (لا يجاوز تراقيهم) وقوله: (يتعجلون أجره ولا يتأجلونه)، أي: يتعجلون تحصيل نفعه والكسب من ورائه في الدنيا ولا يتأجلونه، أي: ولا يحتسبون ذلك عند الله ﷿ في الآخرة، فهم يقرءون إما ليحصلوا كسبًا دنيويًا أو ما أشبه ذلك من الأمور التي يدركها بعض من يقرأ القرآن في الدنيا، ولا ينظرون إلى ثواب الآخرة وأجرها، وما أعد الله ﷿ لأهل القرآن فيها.
وقال أبو بكر وعمر ﵄: (إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه)، إعراب القرآن، أي: الإفصاح به وإدراك معانيه.
لماذا جاء التركيز على الإعراب؟ لأن الإعراب سلم الفهم، فلا يمكن للإنسان أن يفهم كلام الله إلا إذا أعربه، ولذلك قال ابن عطية ﵀: إعراب القرآن أصل في الشريعة؛ لأن به تقوم معانيه التي هي من الشرع.
فالمقصود: أن إعراب القرآن بلغ هذا الشأن وهذه الأهمية وهذه المنزلة؛ لأنه سبيل فهم الألفاظ، فإذا لم يقم الإنسان الإعراب لم يتمكن من فهم القرآن، وليس الإعراب أن يعرف الفاعل من المفعول دون أن يفهم ما يترتب على هذا الفهم من الفاعل والمفعول.
بل المقصود من الإعراب: أن يفهم كلام الله ﷿، وأن يدرك المعنى الذي جاءت به الآيات.
[ ٦ / ٨ ]
حكم من جحد حرفًا من القرآن
وقال علي بن أبي طالب ﵁: (من كفر بحرف فقد كفر به كله)، وهذا مما لا إشكال فيه: فمن أنكر كلمة أجمعت الأمة أنها من القرآن فقد كفر به كله، أي: كفر بجميعه؛ لأن الإيمان لا يتم ولا يثبت بناؤه ولا يستقر قراره إلا بعد أن نؤمن بجميع القرآن، فمن آمن ببعضه وكفر ببعض فإنه لم يؤمن به؛ لأن الله لم يرض من الإيمان بالكتاب إلا أن يؤمن بجميع ما أخبر به ﷾، وجميع ما أخبر به رسوله ﷺ.
وإنما قلنا: ما أجمع عليه العلماء؛ لما وقع من الخلاف في بعض الحروف، هل هي من القرآن أم لا؟ وذلك تبعًا لاختلاف أهل القراءات، فلذلك من كفر بحرف أجمع العلماء على أنه من القرآن فقد كفر به كله.
قال ﵀: (واتفق المسلمون على عد سور القرآن، وآياته، وكلماته وحروفه)، فأهل الإسلام اعتنوا بهذا القرآن عناية فائقة في ضبطه والإحاطة به، ومعرفته، وهذا من نعمة الله ﷿ على هذه الأمة: فإنه ﷾ لم يكل حفظ القرآن إلى فئة من الناس، بل إن الأمة تلقت هذا القرآن جيلًا بعد جيل ينقله السلف عن الخلف بكلمات ثابتة واضحة تلقته الأمة قرنًا بعد قرن، ولم يجر فيه أي تغيير، فاذهب حيث شئت من أرض ِأو في سماء تجد أن الأمة متفقة على هذا القرآن ليس بينهم اختلاف فيه، نعم.
قد يختلفون في طريقة أداء القرآن من حيث القراءة، لكنهم لا يختلفون على حروفه وكلماته وآياته، فهي محفوظة بحفظ الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] .
يقول: (ولا خلاف بين المسلمين في أن من جحد من القرآن سورة أو آية أو كلمة أو حرفًا متفقًا عليه أنه كافر؛ لأنه آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض، وفي هذا حجة قاطعة على أنه حروف) .
وكل هذا لبيان وإبطال قول الذين قالوا: إن القرآن معاني لا حروف، والمؤلف ﵀ أطال في مسألة الحرف والمعنى؛ لكونه يرد على الأشاعرة الذين يقولون: إن القرآن معناه من الله وحروفه من جبريل أو محمد ﷺ.
ولو كانت الحروف من غير الله لما بلغت هذا المبلغ من التعظيم والحفظ والصيانة والمكانة، وأنتم تعلمون أن كلام النبي ﷺ قد أجاز العلماء نقله بالمعنى، لكن هذا لم يأت في القرآن، فالأمة مجمعة أنه لا يجوز نقل القرآن إلا كما سمع، وكما تلقته الأمة عن النبي ﷺ.
وبهذا يكون قد انتهى الفصل المتعلق بتقرير أن القرآن كلام الله، ونقف عليه، ونكمل إن شاء الله تعالى في الدرس القادم.
[ ٦ / ٩ ]