إن مما أجمع السلف رضوان الله عليهم وجاء به القرآن والسنة إثبات رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة، وقد فصل الشيخ أدلتهم والرد على غيرهم في هذه المسألة وما يتعلق بها تفصيلًا حسنًا.
[ ٧ / ١ ]
إثبات رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد الله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول الإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى: [فصل: والمؤمنون يرون ربهم في الآخرة بأبصارهم، ويزورونه ويكلمهم ويكلمونه، قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣]، وقال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]، فلما حجب أولئك في حال السخط دل على أن المؤمنين يرونه في حال الرضا وإلا لم يكن بينهما فرق، وقال النبي ﷺ: (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته) حديث صحيح متفق عليه، وهذا تشبيه للرؤية بالرؤية لا للمرئي بالمرئي، فإن الله تعالى لا شبيه له ولا نظير] .
[ ٧ / ٢ ]
مذاهب الفرق في إثبات الرؤية
هذا الفصل عقده المؤلف رحمه الله تعالى لبيان عقيدة أهل السنة والجماعة في مسألة الرؤية، فإن أهل السنة والجماعة يؤمنون بما دل عليه كلام النبي ﷺ صراحة من أن المؤمنين يرون ربهم، وإثبات الرؤية جاء في كتاب الله ﷿ وفي سنة النبي ﷺ، واتفق عليه صحابة رسول الله ﷺ والتابعون ومن تبعهم من أئمة الدين.
فالرؤية من أعظم ما ينعم به أهل الجنة نسأل الله أن نكون منهم، والأدلة متواترة مستفيضة في إثبات هذا الفضل.
وقد خالف في إثبات الرؤية المعتزلة والرافضة والجهمية، وكذلك خالف في هذا الأشاعرة، فهم يقولون: بأن المؤمنين يرون ربهم، لكنهم يخالفون أهل السنة والجماعة في هذا الإثبات، فيقولون: يرونه من غير معاينة ولا مواجهة، وهذا القول انفردوا به دون سائر الناس، وهو من عجائب الأقوال؛ لأن إثبات الرؤية في غير جهة ومن غير معاينة أمر لا يعقل، إذ لابد للرؤية من أن يكون المرئي في جهة وأن يعاين، وإلا فلا تقع رؤية، ولذلك قال محققوهم -أي محققو الأشاعرة-: إن قولهم في الحقيقة قول المعتزلة الذين ينفون الرؤية، أي: ينفون رؤية المؤمنين لله ﷿ في الآخرة.
فهذه الصفة يثبتها أهل السنة والجماعة كما دل عليها الكتاب والسنة وإجماع السلف.
يقول المؤلف ﵀: (والمؤمنون يرون ربهم)، المؤمنون: هم كل من آمن بالله وباليوم الآخر وأتى ببقية أصول الإيمان، (يرون ربهم بأبصارهم)، فأثبت الرؤية وأثبت آلتها، فالباء بقوله: (بأبصارهم) للاستعانة، أي: لبيان الآلة التي تحصل بها الرؤية، أي يرونه بأعينهم، وإنما نص على الأبصار نفيًا لقول من يقول: إن الرؤية ليست رؤية بصر وإنما هي رؤية كشف، فيكشف لهم من المعارف والعلوم ما ليس لغيرهم، يكشف لهم يوم القيامة من معرفة الرب جل وعلا مالم يكن يعرفونه، وأيضًا للرد على الأشاعرة بالتنصيص على الأبصار لأنهم يقولون: إنهم يرونه من غير معاينة ولا في جهة، فإنه لا يدرك ولا يعقل رؤية بالبصر إلا ما كان في جهة.
والمعتزلة أولوا هذا الذي جاءت به النصوص إلى أنه رؤية كشف أو رؤية ثواب الله ﷿، فالذين لا يثبتون الرؤية يؤولونها برؤية الثواب أو برؤية كشف يحصل لأهل الإيمان.
[ ٧ / ٣ ]
حصر الرؤية في الآخرة على المؤمنين
وقوله ﵀: (والمؤمنون يرون ربهم بأبصارهم) يفيد حصر الرؤية في أهل الإيمان، فخرج بذلك أهل الكفر وأهل النفاق، أما أهل الكفر فلأنهم ليسوا مؤمنين لا في الظاهر ولا في الباطن، وأما أهل النفاق فلأنهم لم يحققوا الإيمان الذي به يحصل الفضل والسبق، وإن كانوا قد أتوا بالإسلام في الظاهر، لكنه لم ينفذ إلى قلوبهم فلم ينتفعوا به.
أما دليل حصر الرؤية بالمؤمنين فالأدلة في ذلك كثيرة: منها: قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣] كما ذكر المؤلف ﵀، فالوجوه التي بشرها الله ﷿ بالنضارة يوم القيامة هي وجوه المؤمنين ولا تكون للكفار، بل وجوه الكفار عليها غبرة ترهقها قترة.
فالوجوه الناضرة هي وجوه أهل الإيمان كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [آل عمران:١٠٦]، فالمسودة هي وجوه أهل الكفر، وكذلك قول الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] فقد جاء تفسير الزيادة: بأنها النظر إلى الله ﷿ كما في الصحيح للإمام مسلم من حديث صهيب وفيه: (إذا دخل أهل الجنة الجنة ناداهم الله أو ناداهم مناد: إن لكم موعدًا عند الله ﷿ يريد أن ينجزكموه، فيقولون: ألم يبيض وجوهنا؟ ألم يثقل موازيننا؟ ألم يدخلنا الجنة ويعيذنا من النار؟ فيقول: بلى، فيكشف الحجاب، فينظرون إلى الله ﷿) فما يكون من نعيم الجنة شيء عندهم ألذ ولا أطيب ولا أكمل ولا أرضى من النظر إلى الله جل وعلا!!
[ ٧ / ٤ ]
شبهات حول مسألة الرؤية
[ ٧ / ٥ ]
الجواب على المستدلين لنفي الرؤية بقوله تعالى: (لا تدركه الأبصار)
فالأدلة متواترة على إثبات النظر لأهل الإيمان، ولا يلزم منه أن يدرك الناظر ربه جل وعلا، فإن النظر لا يلزم منه الإحاطة والإدراك، ولذلك قال الله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣]، وقد استدل نفاة الرؤية بهذه الآية على ما ذهبوا إليه من أنه لا يرى جل وعلا، يقول الله جل وعلا: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣]، فإذا كانت لا تدركه الأبصار فإنه لا يرى.
نقول في الجواب على هذا: إن نفي الإدراك أمر زائد على نفي النظر، ولم يأت دليل ينفي النظر، وأما نفي الإدراك فقد تنظر إلى الشيء لكن لا تدركه، فالإنسان ينظر إلى السماء لكنه لا يحيط بها ولا يدركها، وينظر إلى القمر ولكنه لا يدركه ولا يحيط به، وينظر إلى الشمس ولكنه لا يدركه ولا يحيط به، بل ينظر إلى المخلوق الصغير الذي يمكن أن يحاط بوصفه ولكن قد لا يدركه ولا يحيط به، فليس من لازم الرؤية الإدراك، والمنفي في الآية هل هو مجرد النظر أو أصل النظر أم أنه الإدراك؟ المنفي هو الإدراك، وفرق بين نفي الإدارك ونفي الرؤية.
[ ٧ / ٦ ]
الجواب على المستدلين لنفي الرؤية بقوله تعالى: (لن تراني)
واستدلوا على نفي الرؤية بقول الله تعالى لموسى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] ولكن هذا الاستدلال في غير محله؛ لأن نفي الرؤية في قول الله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] هو في تلك الساعة، ولو كان يستحيل أن يرى لقال لموسى: إنني غير مرئي، أو لا تمكن رؤيتي بالكلية، أما ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] فهو نفي للطلب الذي طلبه في تلك الساعة، و(لن) لا تفيد تأبيد النفي كما زعمه بعض المعتزلة حيث قالوا: (لن) تفيد التأبيد، وقد رد عليهم أهل اللغة وأئمة اللسان وقالوا: إن (لن) لا تفيد التأبيد، فسقط استدلالهم.
وبقية الأدلة سالمة محفوظة من أن يطرأ عليها ما يناقضها أو يردها: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَرُنَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢] .
[ ٧ / ٧ ]
خلاف أهل السنة والجماعة في إثبات رؤية الكفار لربهم يوم القيامة
هل يرى الكفار الله جل وعلا يوم القيامة؟ ذكرنا قول المؤلف ﵀: (والمؤمنون يرون ربهم بأبصارهم)، في حصر الرؤية للمؤمنين، فإن أهل الكفر لا يوصفون بالإيمان وأهل النفاق لا يوصفون بالإيمان وإن كانوا مسلمين في الظاهر، وهذا في الجنة لا إشكال فيه، فإن الجنة لا يدخلها إلا مؤمن، فما ذكر من نعيم أهل الجنة من التنعم بالنظر إلى الله ﷿ لا يكون إلا لأهل الإيمان؛ لأنه لا يدخلها إلا مؤمن.
أما في عرصات القيامة فاختلف العلماء ﵏ من أهل السنة في رؤية الكفار لله ﷿ على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه لا يراه في أرض المحشر يوم القيامة إلا أهل الإيمان دون غيرهم؛ لقوله تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]، فأخبر الله ﷿ عن حجب الكفار عن الرؤية، فقوله: (يومئذ) يعني: يوم القيامة، وهذا عليه أكثر أهل العلم من المتأخرين.
القول الثاني: أنه يراه المؤمنون من هذه الأمة ويراه أيضًا أهل النفاق، أي: أهل الكفر الباطني، أما من أظهر الكفر فإنه لا يراه، واستدلوا لهذا بحديث أبي سعيد وأبي هريرة في الصحيحين وفيه: قال النبي ﷺ: (إذا جمع الله الناس نادى مناد: ليتبع من كان يعبد شيئًا ما كان يعبد، فيتبع أهل الشمس الشمس، ويتبع عباد القمر القمر، ويتبع عباد الطواغيت الطواغيت، فلا يبقى إلا هذه الأمة وفيها منافقوها، فيأتيهم الله ﷿ في صورة غير التي يعرفون، ثم يأتيهم بالصورة التي يعرفونها؛ فيسجد أهل الإيمان وفيهم أهل النفاق، فيريدون أن يسجدوا فلا يتمكنون من السجود) فقالوا: إن هذا الحديث يدل على أنهم يرونه.
القول الثالث: أنه يراه أهل المحشر مسلمهم وكافرهم، ولكن هذه الرؤية يختلف فيها الناس، كما أن رؤية الله جل وعلا في الجنة يختلف فيها أهل الجنة تفاضلًا ومنزلة، فكذلك الرؤية في المحشر، فإنهم يتفاوتون فيها تفاوتًا بينًا كبيرًا، فأهل المحشر ينقسمون إلى قسمين في الرؤية، فأهل الإيمان يرونه رؤية تعريف، وهذه دون ما يكون لهم في الجنة، أي: أنها أنزل مما يكون لهم في الجنة، ولذلك إذا رأوه جل وعلا في الجنة لم يكن شيء أنعم ولا أطيب من النظر إليه ﷿، فدل ذلك على أنها خلاف ما كان في أرض المحشر.
ثم إن أهل الجنة إذا قال لهم المنادي: إن لكم عند الله موعدًا يريد أن ينجزكموه، يقولون: ألم يبيض وجوهنا؟ ألم يدخلنا الجنة؟ ألم ينجنا من النار؟ ولم يذكروا تلك الرؤية التي جرت في المحشر، فالرؤيا التي تكون لأهل الإيمان في المحشر دون ما يكون لهم في الجنة، فهي رؤية تعريف.
أما رؤية الكفار على هذا القول بأنهم يرونه في المحشر، فإنها رؤية تعذيب وتحسير، وليست رؤية تنعيم وتكليم، واستدلوا لهذا بقوله تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]، بنفس الآية التي استدل بها القائلون بعدم الرؤية، كيف ذلك؟ قالوا: إن الحجب لا يكون إلا بعد اطلاع، وهذه الأقوال كلها مما تكلم به أهل السنة والجماعة، فالخلاف في هذا خلاف محتمل، لا يخرج من اختار قولًا من هذه الأقوال عن دائرة أهل السنة باختياره.
[ ٧ / ٨ ]
ترك التخصيص إذا أوهم معنى قبيحًا
يبقى تنبيه مهم: أنه على القول بالثالث، وهو أن أهل المحشر جميعهم يرون الله مسلمهم وكافرهم، لا يسوغ أن يطلق بأن الكفار يرون الله، فلا يسوغ أن يأتي أحد ويقول: الكفار يرون الله؛ لأن إطلاق الرؤية يقتضي التكريم والتنعيم، ورؤية الكفار لله ﷿ ليست رؤية إكرام وتنعيم، فلا يسوغ هذا الإطلاق؛ لأن الإطلاق يوهم الإنعام والتكريم، وأفضل النعيم هو نعيم أهل الجنة، فلا يسوغ إشراك الكفار فيها، أو تسويتهم بأهل الإيمان.
الوجه الثاني الذي يمتنع به الإطلاق: أنه ما ورد في الشريعة من الأحكام العامة كقول: الله خالق كل شيء، إذا كان يلزم من تخصيصه نقص فإنه لا يسوغ التخصيص، وكذلك إذا كان يلزم من التخصيص معنى قبيح فإنه لا يسوغ التخصيص، مثاله كما قلنا: الله خالق كل شيء، هل يسوغ للإنسان أن يقول: الله خالق الكلاب، أو يدعو فيقول: يا خالق الكلاب! ارزقني؟ لا يسوغ، لماذا لا يسوغ مع أن الله خالق كل شيء ومن ذلك الكلاب؟ لأن مثل هذا يوهم معنى قبيحًا، والحكم العام إذا كان تخصيصه يقتضي معنى قبيحًا فإنه لا يسوغ أن يأتي به الإنسان.
مثله أيضًا: الإرادة، فما من شيء في الكون إلا أراده الله تعالى، ولكن لا يسوغ للإنسان أن يقول: يا مريد الزنا! ارزقني العفاف؛ لأن الإرادة وردت عامة في كل شيء، فتخصيصها إذا كان يترتب عليه إيهام معنى قبيح فإنه لا يجوز التخصيص.
مثاله الرؤية، جاء الخبر بأنه ما من أحد إلا سيرى الله: (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته)، وهذا من الأدلة التي استدل بها القائلون بأن الكافرين يرون الله في المحشر، وفي رواية: (ما منكم أحد إلا وسيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان) قالوا: إن هذا يلزم منه أنهم يرونه في المحشر حتى الكفار، فإذا ورد النص المطلق فلا يسوغ أن نخصص ونقول: يراه الكفار يوم القيامة، وذلك للمعنى الأول الذي ذكرناه؛ ولأن التخصيص يوهم معنى قبيحًا، فلأجل هذين المعنيين منع أهل العلم من إطلاق إضافة الرؤية للكفار، بل لابد من التخصيص، يقال: يرونه في المحشر ثم يعذبون بالاحتجاب أو ما أشبه ذلك من التقييدات.
[ ٧ / ٩ ]
حقيقة الرؤية وذكر بعض أدلتها
[ ٧ / ١٠ ]
حجب الكافرين عن رؤية الله ومعناه
يقول ﵀: وقال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] (إنهم) أي: أهل الكفر، (عن ربهم لمحجوبون) فهم محجوبون عن النظر إلى الله ﷿، وهذا في حق الكفار.
يقول المؤلف ﵀: (فلما حجب أولئك في حال السخط دل على أن المؤمنين يرونه في حال الرضا)، فدلالة الآية على إثبات الرؤية من وجهين: الأول: حجب الكفار عن ربهم.
الوجه الثاني: مفهوم المخالفة وهو أن المؤمنين يرون ربهم جل وعلا، ولذلك ذكر المؤلف ﵀ نوعي الدلالة في الآية: دلالة المطابقة، ودلالة المخالفة، فدلالة المطابقة في قوله: حجب أولئك في حال السخط، ودلالة المخالفة في قوله: أن المؤمنين يرون ربهم في حال الرضا.
فإذا كان من عقوبة أهل الكفر أنهم لا يرونه ﷾ حال الغضب، فكذلك تدل الآية بمفهوم المخالفة أن المؤمنين يرون ربهم ﷾.
قال: (وإلا لم يكن بينهم فرق) أي: إذا لم يكن أهل الإيمان يرونه في حال الرضا وهم كالكفار في الحجب، فما فائدة الإخبار بأن الكفار يحجبون عن الله ﷿؟! فدلت الآية دلالة واضحة على أن أهل الإيمان ينعمون برؤيته جل وعلا كما أن أهل الكفر يعاقبون بحجبهم عنه ﷾.
[ ٧ / ١١ ]
الحكمة في تشبيه رؤية الله برؤية الشمس والقمر
وقال النبي ﷺ: (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته) حديث صحيح متفق عليه، وهذا الحديث رواه الإمام البخاري والإمام مسلم وغيرهما من حديث جرير بن عبد الله، وقد جاء من حديث غيره، لكن هذا اللفظ في حديث جرير بن عبد الله يقول شيخ الإسلام ﵀: وهو من أصح الأحاديث.
وقد أجمعت الأمة على قبوله وتلقيه بالقبول.
وفيه إثبات رؤية المؤمنين لله ﷿: (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر) والمشار إليه هو القمر المعروف الذي في السماء، وفي بعض الروايات: (كما ترون الشمس ليس دونها سحاب، والقمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته) أي: لا يلحقكم ضيم في رؤيته، بل ترونه في سعة، وفي رواية أخرى: (لا تضامّون في رؤيته) أي: لا ينضم بعضكم إلى بعض لتروه بل هو جلي واضح؛ فالناس إذا أرادوا أن يتراءوا الشمس، هل يحتاج أحدهم أن يقترب إلى الآخر حتى يرى الشمس أم أن كل واحد يراها وهو منفرد عن الآخر بدون تضام واجتماع؟ وهل يلحقهم ضيم في رؤيتها؟ لا، فمن أوسع ما يكون رؤية القمر والشمس، أما رؤية الهلال في أول إهلاله فيحتاج الناس فيه إلى تضام حتى يروه في الغالب، لذلك تجد أحدهم يقترب من الآخر ليريه مكان الهلال، وكذلك يحصل عليهم ضيم؛ لأن إدراكه ليس بالأمر السهل، أما رؤية الشمس والقمر فإنه لا تضام فيها ولا ضيق على أهلها؛ ولذلك ذكر النبي ﷺ في الرؤيا القمر والشمس لأمرين: الأمر الأول: أنهما أعظم ما يرى في الدنيا، فأعظم ما يراه أهل الدنيا وأوضحه الشمس والقمر.
الثاني: أن كيفية رؤية الشمس والقمر من أسهل ما يكون، فيراها الحاضر والبادي، والصغير والكبير، والذكر والأنثى، فليس هناك إشكال في رؤيته، فلا عسر في الرؤية، فهي من أسهل ما يكون، فاجتمعت سهولة الرؤية ووضوحها، فالوضوح من أوضح ما يكون، والسهولة واليسر من أسهل وأيسر ما يكون، ولذلك قال النبي ﷺ: (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته) .
يقول ﵀: (وهذا تشبيه للرؤية بالرؤية لا للمرئي بالمرئي)، أي: فلو قال قائل: إن هذا تمثيل، فقد شبه النبي ﷺ ربه ﷿ بالقمر.
نقول: لا، ليس التشبيه للمرئي بالمرئي، إنما التشبيه للرؤية، فالكاف في قوله ﷺ: (إنكم سترون ربكم كما ترون) لتشبيه الرؤية، ولذلك قال: (كما ترون)؛ (ما): هنا مصدرية، و(ترون) فعل، ما المصدرية والفعل الذي بعدها تؤول بمصدر تقديره: كرؤيتكم، هذا معنى قوله ﵀: (هذا تشبيه للرؤية)، فالمعنى: إنكم سترون ربكم كرؤيتكم القمر، أي: في الوضوح وعدم التضام والضيق في الرؤية، فالتشبيه للرؤية لا للمرئي، أما الله جل وعلا فليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
قال ﵀: (فإن الله لا شبيه له ولا نظير) .
أي: لا مثيل له ولا مساو؛ لأن الله تعالى نفى عن نفسه الند والنظير والمثيل والكفء، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥] ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢]، فليس له ند، ولا يمكن أن يمثل بغيره، كما قال تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل:٧٤] .
فلا يجوز أن يقال: المرئي كالمرئي فالله تعالى كالقمر، بل تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] .
[ ٧ / ١٢ ]
إثبات زيارة المؤمنين لله ﷿
يقول ﵀: (والمؤمنون يرون ربهم في الآخرة بأبصارهم ويزورونه): هذا فيه إثبات زيارة المؤمنين لله ﷿، وحديث الزيارة رواه الدارقطني وغيره عن ابن مسعود وأنس وأبي هريرة وابن عباس وعن غيرهم من الصحابة ﵃، وقد جاء ذلك أيضًا عن جماعة من التابعين.
يقول شيخ الإسلام ﵀ في حديث الرؤية: وهذه الأحاديث عامتها إذا جرد إسناد الواحد منها لم يخل عن مقال قريب أو شديد، لكن تعددها وكثرة طرقها يغلب على الظن ثبوتها في نفس الأمر.
يعني: أن الزيارة ثابتة، وإن كان أفراد هذه الأحاديث ضعيفة.
قال ﵀: بل قد يقتضي القطع بثبوت الزيارة، فقد روي عن الصحابة والتابعين ما يوافق ذلك، وذكرنا أن المروي عن الصحابة في الزيارة من طريق ابن مسعود وابن عباس وأبي هريرة وأنس، وحديث أنس أمتن الأحاديث في ذلك لم تذكر فيه الزيارة، فقد روى الإمام مسلم من حديث حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: (إن في الجنة لسوقًا يأتيه أهل الجنة كل جمعة، فتهب ريح الشمال فتحثو على ثيابهم ووجوههم فيزدادون طيبًا وجمالًا، فيرجعون إلى أهلهم وقد ازدادوا طيبًا وجمالًا أو حسنًا وجمالًا، فيقولون لأهليهم: لقد ازددتم بعدنا حسنًا وجمالًا، فيقول أهلهم لهم: وأنتم أيضًا ازددتم بعدنا حسنًا وجمالًا)، فهذا الحديث في صحيح مسلم ليس فيه زيارة لله ﷿، لكنه جاء عند الدارقطني بأسانيد متعددة عن جملة من الصحابة أن هذه الزيادة ليس سببها الريح فقط، بل سببها الريح ورؤية المؤمنين الله ﷿، كما قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣] (ناضرة) أي: اكتسبت نضرة وجمالًا، ثم ذكر السبب في هذه النضارة وهي النظر إلى الله ﷿ فقال: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣] .
إذًا: أحاديث الزيارة ثابتة، فزيارة المؤمنين لله ﷿ ثابتة، ولذلك قال المؤلف ﵀: (ويزورونه) .
قوله: (ويكلمهم) فيه إثبات الكلام أيضًا، وهو ثابت في الصحيحين وفي غيرهما: (ما منكم أحد إلا وسيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان)، وهذا يعم المسلم والكافر، لكن الفرق في نوع التكليم، فإن تكليم الله لأهل الإيمان تكليم رحمة وبر وتنعيم، وأما تكليمه لأهل النفاق فهو تكليم تقريع وتعذيب وذم، وتكليم الله للكفار ليس مقتصرًا على أرض المحشر، بل يكلمهم في المحشر ويكلمهم إذا صاروا إلى النار نسأل الله السلامة والعافية منها؛ فإنهم إذا سألوا التخفيف من العذاب يقول الله ﷿ لهم فيها: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨]، فهذا كلام رب العالمين لأهل النار، فنفي التكليم إنما هو في حال من الأحوال في أرض المحشر، أو يكون المنفي من التكليم هو تكليم البر والإحسان والرحمة والإنعام.
قال ﵀: (ويكلمونه) فيكلمهم الله ﷿ ويكلمونه.
قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣]، وهذه من أقوى الأدلة التي يثبت بها أهل السنة والجماعة نظر المؤمنين لله ﷿ يوم القيامة، فإن الله أخبر عن وجوه أهل الإيمان بالنضارة، فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢] أي: حسنة جميلة منعمة مكرمة، فيها من البهاء والنور والجمال ما ليس في غيرها، ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣] أي: إلى الله جل وعلا ناظرة، فأضاف نظر أهل الإيمان إلى الرب، ثم النظر بأي شيء كان؟ بالقلوب أم بالوجوه؟ بالوجوه، ولذلك قال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢]، فنص على الوجوه التي فيها آلة النظر، وهذا دليل ما ذكره المؤلف ﵀ من أنهم يرونه بأبصارهم؛ لأنه أخبر عن الوجوه بأنها ناضرة إلى ربها، فالوجوه هي التي تنظر إلى ربها وتنظر إليه بأبصارها، بالآلة التي يحصل بها النظر في الوجه وهي البصر، فلا يمكن أن يقول قائل: إنها رؤية كشف؛ لأن الكشف لا يكون للأبصار، بل يكون للقلوب، ولا يمكن إن يقال: إنه نظر إلى النعيم؛ لأن الله أضاف النظر إليه جل وعلا فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا﴾ [القيامة:٢٢-٢٣] فلا يسوغ أن يقال: إلى نعيم ربها، لأنه أضاف النظر إليه جل وعلا، فمن حرف الكلم عن مواضعه وقال: إنه النظر إلى النعيم يكون قد خرج عما دلت عليه الآية من إضافة النظر إليه جل وعلا، فهذه الآية من أقوى وأظهر وأصرح الأدلة في إثبات نظر المؤمنين لربهم جل وعلا، نسأل الله أن نكون منهم.
[ ٧ / ١٣ ]
رؤية الله في الدنيا
[ ٧ / ١٤ ]
لا يُرى الله ﷾ في الدنيا يقظةً
مسألة: هل يرى الله ﷿ في الدنيا أو لا؟ جواب هذه المسألة: أن أهل السنة والجماعة ذهبوا إلى أن الله ﷿ لا يراه أحد من الناس في الدنيا؛ لقول النبي ﷺ: (واعلموا أن أحدًا منكم لن يرى ربه حتى يموت) كما في صحيح الإمام مسلم، وهذا يدل دلالة واضحة على أن رؤية الله في الدنيا لا تكون، وأن كل من قال: إنه رأى الله أو ادعى ذلك فإنما أتي من قبل وهم أو خيال أو ظن، والذي رآه ليس هو الله جل وعلا؛ لأن الله ﷾ لا يرى في الدنيا، وقد منع الله جل وعلا أحد أولي العزم من الرسل وهو موسى ﵇ من أن يراه، فكيف بمن دونه من سائر المؤمنين؟ فإن الله جل وعلا لما قال له موسى: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١٤٣] قال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] فمنعه من أن يراه، وقد اتفق أهل السنة والجماعة على ذلك فيما يتعلق بأهل الإيمان، والخلاف الذي وقع هو في رؤية النبي ﷺ ربه، هل رأى الله جل وعلا أم لا؟ فقد اختلف أهل السنة والجماعة على قولين، فأنكر هذا جمهورهم، فمن الصحابة ابن مسعود وغيره، وأثبت رؤية النبي ﷺ لربه يقظة جماعة من العلماء، واحتجوا لذلك بما جاء عن ابن عباس وجماعة من الصحابة من أن النبي ﷺ رأى ربه.
ولكن هذا الذي ذكروه ليس في كلام الصحابة ما يؤيده، بل ما في كلام الصحابة إما إثبات الرؤية مطلقًا كما جاء ذلك عن ابن عباس وعن غيره، وإما أن يكون ذلك مقيدًا برؤية القلب أو الفؤاد، فما كان مطلقًا فإنه يحمل على المقيد من كلامهم، والصحيح الذي عليه جمهور أهل العلم أن النبي ﷺ لم ير ربه يقظة، إنما رآه في المنام، وما كان من الرؤية التي ذكرها بعض الصحابة فهي رؤية قلب وفؤاد وليست رؤية عين.
[ ٧ / ١٥ ]
خلاف العلماء في حكم رؤية الله في المنام
مسألة: هل يرى الله جل وعلا في المنام؟ من العلماء من قال: إنه يرى في المنام، والأكثرون على أنه لا يرى، وأن ما يراه الإنسان في منامه ويظن أنه الله جل وعلا فليس هو الله؛ لأن الله عز وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] وقد قال النبي ﷺ: (واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا) والموت: هو مفارقة الروح البدن مفارقة تامة كاملة، ولا يصدق هذا على النائم؛ لأن النائم ميت من بعض الوجوه فقط، ولا يصدق عليه أنه ميت مطلقًا، فلا يمكن أن نحمل قول النبي ﷺ: (واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا) على حال النوم باعتبار أن النوم موت، لكن نقول: إن الموت الذي أراده النبي ﷺ هو الموت الكامل الذي يحصل به تمام مفارقة الروح للبدن، وينقطع به العمل، أما النائم فموته موت نسبي وليس موتًا تامًا، وهذا يدل على أنه لا يرى في المنام.
وذهب جماعة من العلماء إلى أنه يرى في المنام، وقال شيخ الإسلام: إن النائم يمكن أن يرى الله ﷿ وما يراه في منامه هو على قدر إيمانه، فكلما كمل إيمانه كان رؤيته أتم وأكمل.
والذي يظهر أنه لا يمكن لأحد أن يجزم بأنه رأى الله جل وعلا، أما النبي ﷺ فقد رأى ربه ولا إشكال في منامه، فقد جاءت فيها أحاديث متعددة منها حديث: (رأيت ربي البارحة بأحسن صورة)، فهذا يحمل على رؤية المنام، وأما من عدا النبي ﷺ فإنه لا دليل على ثبوت الرؤيا في حقه.
ثم ما تراه لا تجزم بأنه الله؛ لأنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] وبهذا يكون قد انتهى ما ذكره المؤلف ﵀ فيما يتعلق بالرؤية، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه.
[ ٧ / ١٦ ]