الإيمان بالقدر من أركان الإيمان الستة التي يجب على العبد اعتقادها والإيمان بها، ومن مراتب القدر مرتبة الخشية والإرادة، وهي تنقسم إلى قسمين: إرادة كونية، وإرادة شرعية، فلا يقع شيء في الكون إلا بإرادة الله ﷾، فلا محيد للعبد ولا مهرب عن مقدوره جل وعلا.
[ ٨ / ١ ]
الإيمان بالقدر
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [فصل: ومن صفات الله تعالى أنه فعال لما يريد، لا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته، وليس في العالم شيء يخرج عن تقديره، ولا يكون إلا عن تدبيره، ولا محيد عن القدر المقدور، ولا يتجاوز ما خط في اللوح المسطور، أراد ما العالم فاعلوه، ولو عصمهم لما خالفوه، ولو شاء أن يطيعوه جميعًا لأطاعوه، خلق الخلق وأفعالهم، وقدر أرزاقهم وآجالهم، يهدي من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بحكمته: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]، وقال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢]، وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢]، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام:١٢٥] .
روى عمر أن جبريل ﵇ قال للنبي ﷺ: (ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، فقال جبريل: صدقت) متفق عليه، وقال النبي ﷺ: (آمنت بالقدر خيره وشره وحلوه ومره)، ومن دعاء النبي ﷺ الذي علمه الحسن بن علي يدعو به في قنوت الوتر: (وقني شر ما قضيت) .
ولا نجعل قضاء الله وقدره حجة لنا في ترك أوامره وفعل نواهيه، بل يجب أن نؤمن ونعلم أن الله أنزل الحجة علينا بإنزال الكتب وبعثة الرسل، قال الله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥] ونعلم أن الله سبحانه ما أمر ونهى إلا المستطيع للفعل والترك، وأنه لم يجبر أحدًا على معصية، ولا اضطره إلى ترك طاعة، قال الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٧] فدل على أن للعبد فعلًا وكسبًا يجزى على حسنه بالثواب وعلى سيئه بالعقاب، وهو واقع بقضاء الله وقدره] .
[ ٨ / ٢ ]
تعريف القدر لغة وشرعًا
والقدر يطلق في اللغة على التقدير، والمراد به في كلام النبي ﷺ في مثل قوله: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره) المراد به: علم الله بالكائنات وحكمه فيها.
وعرفه جماعة من العلماء بأنه الحكم الكوني، يعني: الحكم وقضاء الله ﷿ في الكون، وعرفه آخرون بأنه علم الله وكتابته ومشيئته وخلقه، وهذا تعريف يسير سهل يجمع لك بيان القدر وبيان مراتب الإيمان بالقدر.
[ ٨ / ٣ ]
مراتب القدر
والإيمان بالقدر على مراتب: أولها وثانيها: الإيمان بعلم الله ﷿، وأنه ما من شيء إلا بعلمه، وأنه ما من شيء من علمه إلا وقد كتبه الله ﷾.
الثالث: مشيئته، فما من شيء إلا بمشيئته جل وعلا.
الرابع: خلقه، فما من شيء في الكون إلا وهو من خلقه ﷾.
وقد قال بعض العلماء في ذلك نظمًا: علم كتابة مولانا مشيئته وخلقه وهو إيجاد وتكوين وهذا يجمع لك تعريف القدر.
قوله: (وهو إيجاد وتكوين) بيان معنى الخلق وأنه يطلق على الإيجاد، ويطلق أيضًا على التكوين.
[ ٨ / ٤ ]
الأدلة من الكتاب والسنة وإجماع الأمة على وجوب الإيمان بالقدر
هذا الفصل ذكر فيه المؤلف ﵀ ما يتعلق بالإيمان بالقدر، والإيمان بالقدر أصل من أصول الإيمان الذي لا يتم إيمان أحد إلا بها، فلابد للمؤمن أن يؤمن بالقدر خيره وشره، وكل من كان غير مؤمن بالقدر فإنه لم يحقق الإيمان الذي تحصل به النجاة من النار.
وقد دلت الأدلة في الكتاب والسنة، وأجمع سلف الأمة من الصحابة ﵃ والتابعين وأئمة الدين على وجوب الإيمان بالقدر، وأنه ما من شيء إلا بقضاء وقدر، وقد قال ابن عباس ﵁ في بيان منزلة الإيمان بالقدر: (الإيمان بالقدر نظام التوحيد، فمن كذب بالقدر نقض تكذيبه توحيده)، وهذا يدل على أن كل من لم يؤمن بالقدر فقد انتقض توحيده؛ لأن الإيمان بالقدر أساس التوحيد، فهذا معنى قوله ﵀: (نظام التوحيد)، أي: به ينتظم وبه يستقيم وبه يستقر فمن لم يؤمن بالقدر لا توحيد له، ومن لم يؤمن بالقدر لا إيمان له، فالإيمان بالقدر أصل من أصول الدين، ومن أصول الإيمان وأركانه التي لا يتم إيمان أحد إلا بها.
وقد قال ابن عمر ﵁ لما بلغه إنكار من ينكر الإيمان بالقدر ويقول: إن الأمر أنف، قال: (والذي نفس ابن عمر بيده، لو أنفق مثل جبل أحد ذهبًا ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر)، وجاء مثل هذا عن غير واحد من الصحابة ﵃.
وقد أخرج الإمام أحمد وأصحاب السنن والدارقطني وابن حبان وابن خزيمة وغيرهم من أئمة أهل السنة حديث عبد الله بن فيروز بن الديلمي الذي جاء إلى أبي بن كعب فقال: إن في نفسي شيئًا من القدر، فحدثني لعل الله أن يذهبه عني، فقال له أبي ﵁: (إن الله لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو أنه رحم أهل سماواته وأهل أرضه لكانت رحمته لهم، وإنه لو أنفق أحد مثل جبل أحد ذهبًا لم يتقبله الله منه حتى يؤمن بالقدر، ثم قال له: وائت ابن مسعود فاسأله) .
يقول ابن الديلمي: فأتيت ابن مسعود وحذيفة بن اليمان وزيد بن ثابت، فكلهم حدثني بما حدثني به أبي عن النبي ﷺ، فدل ذلك على أن الصحابة ﵃ مجمعون على الإيمان بالقدر، وأنه من لم يؤمن بالقدر مات على غير الإسلام.
ولذلك جاء في حديث عبادة بن الصامت في وصيته لابنه الوليد بن عبادة لما قال له: واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ثم قال: قال رسول الله ﷺ: (إن أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة) وفي رواية: (فمن مات على غير هذا أحرقه الله بالنار) فدل ذلك على وجوب الإيمان بالقدر.
وأمر القدر أمر خطير عظيم، إنكاره ينقض التوحيد كما ذكرنا في كلام ابن عباس ﵁، وهو تكذيب للقرآن وانتقاص لرب العالمين، ولذلك لما سئل الإمام أحمد ﵀ عن القدر قال: القدر قدرة الله ﷿؛ فمن أنكر القدر فقد أنكر قدرة الله جل وعلا.
وكل هذا يبين لنا منزلة الإيمان بالقدر، وأن الاختلال في الإيمان به اختلال في أصل الإيمان؛ ولذلك لا يخلو كتاب من كتب الاعتقاد من الحديث عن القدر وبيان منزلته، وبيان ما الذي يجب فيه.
[ ٨ / ٥ ]
أنواع الإرادة
يقول ابن قدامة في هذه العقيدة: (ومن صفات الله تعالى أنه الفعال لما يريد) .
هذا تقرير ما يتعلق بالقدر في إثبات صفات الفعل لله جل وعلا، وأن الإيمان بالقدر فرع عن الإيمان بأنه فعال لما يريد، وإن من قال: إنه لا يقدر مقادير الأشياء وأن في الكون ما يكون بلا تقديره ولا خلقه ولا مشيئته، فإنه مكذب لإيمانه بأن الله جل وعلا فعال لما يريد، فإذا كان جل وعلا فعال لما يريد فإنه لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
وقوله ﵀: (فعال لما يريد) مأخوذ من قول الله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج:١٦] في بيان صفة الرب جل وعلا فيما أخبر به سبحانه وتعالى عما أخبر به عن نفسه في كتابه، و(فعال) جيء بها على صيغة المبالغة لإفادة معنيين: المعنى الأول: كثرة الفعل، والثاني: عظم الفعل، فصيغة المبالغة تستعمل لأحد هذين المعنيين؛ إما لكثرة الشيء وإما لعظمه ولو لم يكن كثيرًا، والذي في حقه جل وعلا المعنيان، فأفعاله كثيرة ﷾، ما يكون من شيء إلا بأمره وتقديره، وأيضًا هذه الأفعال عظيمة كبيرة المنزلة والمكانة ورفيعة الشأن.
[ ٨ / ٦ ]
الإرادة الشرعية
النوع الثاني من الإرادات: الإرادة الدينية الشرعية الأمرية، كل هذه من أسمائها، فتسمى الإرادة الدينية، وتسمى الإرادة الأمرية، والإرادة الشرعية، وهي لا تكون إلا فيما يحبه الله ﷾ ويرضاه، فلا يدخل في هذا النوع من الإرادة شيء من المبغوضات والمكروهات لرب العالمين، بل ليس فيها إلا ما يحبه الله تعالى ويرضاه.
إذًا: فهمنا أن الإرادة في كلام الله ﷿ وفي كلام رسوله ﷺ تنقسم إلى قسمين، وهذا أساس في فهم باب القدر والسلامة من الضلال فيه؛ لأن من ضل في هذا الباب لم يميز بين هذين النوعين من الإرادة: بين الإرادة الكونية الخلقية، وبين الإرادة الشرعية الدينية.
إذًا: الإرادة الشرعية تختص بما يحبه الله ويرضاه، وتختص بما يتعلق بمحاب الله ﷾، أما الإرادة الكونية الخلقية فهي تشمل جميع الحادثات والكائنات بلا استثناء.
[ ٨ / ٧ ]
أمثلة على الإرادة الكونية والشرعية
مثال النوع الأول من الإرادة وهي الإرادة الكونية الخلقية قوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج:١٦] قلنا: إن الإرادة هنا إرادة كونية؛ لأنها تشمل كل ما في الكون، فإنه داخل في إرادته هذه سواء كان يحبه أو لا يحبه.
مثال آخر: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، ومثال الإرادة الكونية أيضًا قول نوح ﵇ لقومه في نصيحته لهم: ﴿وَلا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود:٣٤] أي نوع من الإرادة هنا: الشرعية التي يحبها ويرضاها أو الكونية التي تنتظم كل ما يقع في الكون؟ الكونية.
قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥] الإرادة المذكورة في الآية هي الكونية؛ لأنه بها يقع الضلال والفساد، ويقع الخير والصلاح؛ لأنها تنتظم كل شيء، وهذه الآية تشكل على بعض طلبة العلم، ويظن أنها تجمع نوعي الإرادة، لكن هذا ليس مقصودًا، فليس المقصود إثبات نوعي الإرادة، إنما الإرادة هنا إرادة واحدة وهي الإرادة الكونية: ﴿فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥] وهذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿مَنْ يَشَأْ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام:٣٩] .
والمشيئة: هل تنقسم إلى مشيئة شرعية ومشيئة كونية أم أنها مشيئة واحدة تنتظم كل شيء؟ المشيئة واحدة لا تنقسم إلى شرعية دينية وخلقية كونية، بل هي واحدة في كل شيء، ولذلك فالإرادة الكونية هي المشيئة.
يقول المؤلف ﵀ بعد أن ذكرنا هذين القسمين: (لا يكون شيء إلا بإرادته) أي الإرادة الكونية، (ولا يخرج شيء عن مشيئته) والمشيئة تشمل كل ما يكون ولا تنقسم، بخلاف الإرادة.
[ ٨ / ٨ ]
الإرادة الكونية
يقول ﵀: (فعال لما يريد) الإرادة هنا: المقصود بها الإرادة الكونية، وإنه لمن المهم لمن أراد أن يفهم باب القدر أن يميز بين نوعي الإرادة، النوع الأول: الإرادة الكونية، وتسمى الإرادة الخلقية، وهذه الإرادة الكونية الخلقية تعني كل ما يقع في هذا الكون، فالإرادة الكونية يحصل بها كل شيء في الكون من خير وشر، من أمر البشر ومن أمر غيرهم، فكل ما يجري في الكون مندرج تحت الإرادة الكونية، من خير وشر من صلاح وفساد من حوادث ووقائع في السماوات والأرض وفي البشر وغيرهم، فهي الإرادة الشاملة المحيطة لكل الوقائع في الكون، وهي التي يقصدها العلماء في قولهم: ما من شيء إلا بإرادة الله ومشيئته.
فمقصود العلماء بهذا: كل شيء، وكل ما يقع في الكون؛ ولذلك قال المؤلف: (لا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته)، فالمشيئة هنا والإرادة هي الإرادة الكونية التي تنتظم جميع الحادثات والكائنات بلا استثناء، هذا النوع الأول من الإرادة، وهذا النوع من الإرادة هل يتعلق بمحبة الله ﷿؟
الجواب
لا يتعلق بالمحبة، يعني: لا يلزم من هذا أن يكون مما يحبه الله ﷾، فليس كل ما يقع في الكون محبوبًا له، لكنه ما من شيء في الكون إلا وهو مراد له جل وعلا، فصلاح الصالحين، وفساد المفسدين وما إلى ذلك من وقائع الدنيا هي كلها مندرجة تحت إرادته الكونية له سبحانه وبحمده.
ولذلك لما قال أحد المبتدعة لأحد العلماء: سبحان من تنزه عن الفحشاء.
سجع به هذا المبتدع في مجلس أحد العلماء، يريد بهذا أن ما يقع من الشر والفساد في الدنيا ليس من إرادته سبحانه وبحمده، فماذا أجابه العالم المدرك لمعنى ما يقول هذا المبتدع؟ قال: سبحان من لا يكون في ملكه إلا ما يشاء.
أيهم أعظم إجلالًا لله ﷿؟ الثاني، لأنه إذا كان الله جل وعلا المالك، فإنه لا يسوغ أن يكون في ملكه ما لم يرد، لكن لا يلزم من أن يكون جميع ما في ملكه محبوبًا له، فإن الزنا والسرقة وفساد المفسدين وترك التاركين للتوحيد والواجبات الشرعية لا يحبه ولا يرضاه، ومع ذلك فهو جل وعلا يقدره لحكمة بالغة، فهو مما يريده الله ﷿ الإرادة الكونية الخلقية التي تنتظم جميع الكائنات والحادثات، ولا يخرج عنها شيء من خلق الله ﷿.
[ ٨ / ٩ ]
مخالفة العاصين وعلاقتها بإرادة الله
يقول ﵀: (ولو عصمهم لما خالفوه): هذا فيه الجواب عن إشكال: هل معصية العاصين تقع بمشيئة الله أو بغير مشيئته؟ بإرادة الله الكونية أو بغير إرادته؟
الجواب
تقع بمشيئته وإرادته وهو على كل شيء قدير جل وعلا، لكنه مكنهم من مخالفته وأذن لهم في عصيانه لحكمة قضاها؛ ولذلك قال: (ولو عصمهم) أي: منعهم من الوقوع في المعصية أو منعهم من ترك الواجب (لما خالفوه)، ولو شاء أن يطيعوه جميعًا لأطاعوه)، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود:١١٨] أي: في الإيمان والصلاح والتقوى والهدى، ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود:١١٨] فمنهم مؤمن ومنهم كافر كما قال جل وعلا، والمذكور في سورة هود هو المشار إليه في سورة التغابن، ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن:٢]، فقسم الله الناس إلى فريقين: فريق في الجنة وفريق في السعير، هذا في المآل، وفي العمل أيضًا قسمهم قسمين: قسمًا يؤمن، وقسمًا يكفر.
فقوله ﵀: (ولو شاء أن يطيعوه جميعًا لأطاعوه) أدلة هذا من القرآن كثيرة منها ما ذكرناه.
[ ٨ / ١٠ ]
ما قدره الله لا يخرج عن اللوح المحفوظ
(ولا يتجاوز ما خط في اللوح المسطور): أي: ما يصيبك وما ينزل بك، لا يتجاوز ما رقم وكتب في اللوح المسطور، وهو: اللوح المحفوظ الذي كتب فيه القلم مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة.
فالمؤلف أثبت مرتبتين من مراتب القدر: المشيئة حيث قال: (لا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته، وليس في العالم شيء يخرج عن تقديره، ولا يصدر إلا عن تدبيره، ولا محيد عن القدر المقدور) ثم قال: (ولا يتجاوز ما خط في اللوح المسطور)، فأفادنا أن القدر مكتوب، وهذا من مراتب القدر، أن تؤمن بأن الله كتب مقادير كل شيء، فما من شيء إلا قد كتبه الله جل وعلا، وجرى به القلم الذي خلقه الله جل وعلا.
(أراد ما العالم فاعلوه) وهذه هي الإرادة الكونية التي تنتظم فعل بني آدم كلهم.
[ ٨ / ١١ ]
لا مهرب عما قدره الله
يقول: (ولا محيد) يعني: لا مفر ولا مخرج ومهرب (عن القدر المقدور) وهذا ما قاله عبادة ﵁ لابنه: (واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك) وهذا قد جاء مرفوعًا إلى النبي ﷺ من غير حديث عبادة ﵁، وفيه وجوب الإيمان بأن ما نزل بك لا يمكن أن يندفع عنك مهما فعلت، وما صرفه الله عنك لا يمكن أن يصيبك مهما سعى الناس أن ينزل بك.
وهذا معنى ما ذكره النبي ﷺ لـ ابن عباس في الوصية الشهيرة المعروفة: (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإذا اجتمعوا على أن يضروك بشيء، فلن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف) أي: قضي الأمر وفرغ منه، ليس الأمر وليد الساعة أو الآن، أو يمكن زحزحته وتغييره، بل هو أمر قضاه الله وقدره قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.
لما خلق القلم قال له: (اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ماهو كائن إلى يوم القيامة)، فإذا أيقن العبد بهذا اطمأن وعلم أنه لا مفر من تقدير الله ﷿ ولا محيد من القدر المقدور، أي: التقدير الذي قدره الله جل وعلا.
[ ٨ / ١٢ ]
كل ما في الكون لا يخرج عن تقدير الله
قال ﵀: (وليس في العالم شيء يخرج عن تقديره): فنؤمن بأنه ليس في الكون شيء يخرج عن تقدير الله ﷿، فكل حركة وسكون في بر أو بحر أو سماء أو أرض أو في بني آدم أو في غيرهم؛ هي من تقدير الله جل وعلا، حتى نبض عروقنا ولحظ أعيننا وسير أقدامنا كله بتقدير الله جل وعلا، واجعل في بالك أنه ما من حي أو ميت في سماء أو أرض إلا بتقدير الله جل وعلا.
دليل ذلك قول الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] فكل شيء هو مخلوق بتقدير الله ﷿، فالقدر ينتظم كل كائن في الكون، لا يخرج عنه شيء من خلق الله ﷿ في العالم.
[ ٨ / ١٣ ]
كل ما في الكون تحت تصرف الله وإرادته
يقول: (وليس في العالم شيء يخرج عن تقديره ولا يصدر إلا عن تدبيره): ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وإيمان العبد بهذا يورثه عظيم التوحيد لله جل وعلا، ويعقبه عظيم التعظيم والمحبة لله ﷿، الذي بيده مقاليد الأمور يصرفها كيف شاء، يهب لمن يشاء ما يشاء، ويمنع من يشاء ما يشاء، فلا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، ولا ينفع ذا الجد-أي: صاحب الغنى- منه الجد، فالجد والغنى لا ينفع صاحبه إذا جرده الله منه، فكم من إنسان يملك من المال العريض الشيء الكثير، لكنه لا يستطيع أن يدخل إلى جوفه قطرة ماء إما لمرض أو لمانع، فكل شيء في هذا الكون لا يصدر إلا عن تدبير الله جل وعلا.
[ ٨ / ١٤ ]
أفعال العباد وضلال الطوائف فيها
قوله: (خلق الخلق وأفعالهم): هذا فيه الرد على القدرية، واعلم أن القدر ضل فيه طائفتان من الناس: الطائفة الأولى: القدرية الذين قالوا: إن الله لم يشأ معصية العاصين، ولم يقدر مخالفتهم، فالله لم يخلق أفعال العباد، بل العباد هم الذين يخلقون أفعالهم.
وقابل هؤلاء طائفة أخرى غلو في إثبات القدر وهم الجبرية الذين قالوا: إنه ليس للإنسان اختيار ولا له فعل، وإنما هو كالريشة في مهب الريح، لا تملك لنفسها تصريفًا ولا توجيهًا، فأفعال الخلق هي أفعال الله جل وعلا، ليس لهم إرادة ولا اختيار، وإنما هم مجبورون على ما يكون منهم.
ويشير ﵀ في قوله: (ولو عصمهم لما خالفوه، ولو شاء أن يطيعوه جميعًا لأطاعوه، خلق الخلق وأفعالهم) إلى الرد على الذين نفوا أن يكون فعل الخلق من تقدير الله وخلقه، وهم القدرية الذين يقولون: إن فعل المخلوق ليس مقدرًا من الله جل وعلا.
يقول ﵀: (وقدر أرزاقهم وآجالهم) أي: ما ينالهم من الرزق، والأرزاق جمع رزق، والرزق: هو كل ما يصل إلى الإنسان من نعمة الله ﷿، يشمل هذا النعم الحسية والمعنوية، فيدخل في الرزق صلاح القلب واستقامة الحال، وصلاح العمل، والتقوى والإيمان، فهذا من رزق الله جل وعلا، ويدخل فيه ما يقوم به البدن، فرزق الله يشمل ما يقيم القلوب والأبدان، فكله يدخل في رزق الله.
قال: (وآجالهم) أي: قدر ﷾ أعمارهم وآجال أعمالهم، وآجال ما يكون منهم.
(يهدي من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بحكمته) أي: هو في فعله جل وعلا بين الهداية والإضلال، لا يخرج عن الرحمة والحكمة.
[ ٨ / ١٥ ]