من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الإيمان قول وعمل واعتقاد، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية.
ومن الإيمان الواجب: الإيمان بكل ما أخبر الله ﷿ به، أو أخبر به رسوله ﷺ من أمور الغيب، كأشراط الساعة، وعذاب القبر، والجنة، والنار، وغير ذلك.
[ ١٠ / ١ ]
الكلام على الإيمان
[ ١٠ / ٢ ]
تعريف الإيمان عند أهل السنة والجماعة
بعد أن أنهى المصنف رحمه الله تعالى الكلام في باب القدر بدأ يعرض لتعريف الإيمان؛ لأن النبي ﷺ بين معنى الإيمان في حديث جبريل فقال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره)، وقد أجاب عن الإسلام بأنه: (أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت) .
إذًا: فسر الإيمان هنا بالأمور الباطنة، وفسر الإسلام بالأعمال الظاهرة، لكنه في حديث آخر في صحيح البخاري وغيره، قال لوفد عبد القيس: (آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا خمس ما غنتم)، ففسر الإيمان هنا بالأعمال الظاهرة.
وقال الرسول ﷺ: (الإيمان بضع وستون -وفي رواية مسلم: بضع وسبعون- شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)، فقوله: (وأدناها إماطة الأذى) الإماطة عمل ظاهري.
وقوله: (أعلاها قول لا إله إلا الله) إيمان ظاهري، كما قال قائل: الرسول يقول: (بضع وستون، أو بضع وسبعون)، فعددوها لنا، فسنذكر له أولًا أركان الإيمان؛ ثم نقول: الصلاة، والزكاة، والحج، والصيام، وبر الوالدين إلخ، فشعب الإيمان ليست مختصة بعمل القلب، وإنما تشمل أعمال الجوارح.
هذا هو الذي انطلق منه أهل السنة والجماعة، فأهل السنة والجماعة لما جاءوا يعرفون الإيمان عرفوه بما قال المصنف هنا، فإنه قال: [فصل: والإيمان قول باللسان، وعمل بالأركان، وعقد بالجنان] .
قوله: (الإيمان قول باللسان)، أي نطق، ونطق اللسان هو أن ينطق الإنسان بالشهادتين، وهذا إيمان، وكذلك إذا نطق بذكر الله، فقولك بلسانك: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر؛ هذا نطق باللسان، وهكذا بقية الأذكار التي ينطق بها الإنسان بلسانه.
وقوله: (وعمل بالأركان)، الأركان الجوارح، ومثال العمل بالأركان الصلاة والركوع والسجود، والحج، والزكاة، والجهاد في سبيل الله، فكل ما تفعله بيدك من طاعة لله فهو عمل، وكل ما تمشي إليه برجلك فهو عمل، وكل ما تعمله بجسدك فهو عمل بالأركان.
وقوله: (وعقد بالجنان)، أي: ما يعتقده الإنسان بالجنان وهو القلب، أي: اعتقاد القلب، واعتقاد القلب هنا يشمل أمرين: يشمل تصديقه، وذلك أن يصدق الإنسان بقلبه، ويشمل أعمال القلوب، مثل الخوف، والرجاء، والتوكل، والرغبة، والرهبة، والمحبة.
إذًا: استنتجنا من تعريف أهل السنة والجماعة للإيمان أنه يشمل أمورًا ثلاثة: يشمل نطق اللسان، ويشمل اعتقاد القلب، ويشمل عمل الجوارح، وهذا واضح جدًا.
وقال بعض السلف: (الإيمان قول وعمل)، وقوله هذا صحيح، فقوله: (قول) أي نطق باللسان، وقوله: (وعمل) يشمل عمل القلب وعمل الجوارح.
فهم بهذا التعريف الصحيح المنطبق على ما عليه أهل السنة والجماعة يحددون المعنى الموافق للتعريف الآخر الذي ذكره المصنف هنا.
ونحن نحدد هذا المعنى لأهل السنة والجماعة، لأن الأدلة دلت على ذلك، فقوله ﷺ: (آمركم بالإيمان: أن تشهدوا) هذا قول، وهو واجب، وهو من الإيمان.
واعتقاد القلب هو الإخلاص، وقوله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤]، وقوله: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ﴾ [آل عمران:١٧٥]، وقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥]، هذه من أعمال القلوب.
فأعمال الجوارح هي كل ما يتعلق بشعب الإيمان المتعددة التي تعمل بالجوارح، وكلها داخلة في الإيمان، والأدلة على ذلك متواترة.
[ ١٠ / ٣ ]
تعريف الإيمان عند المخالفين لأهل السنة والجماعة
الذين ضلوا وانحرفوا في باب الإيمان، سبب ذلك هو قصرهم الإيمان على تعريف معين، فوقعوا في أخطاء؛ لأن منهم من قال: الإيمان قول اللسان فقط، فمن قال لا إله إلا الله محمد رسول الله فهو مؤمن، ونحن نقول: هل يكون المنافق مؤمنًا؟ قالوا: هو مؤمن ظاهرًا، لكن في الباطن هو كافر.
وجاءت طائفة أخرى فقالت: لا اعتبار بهذا، إنما الاعتبار بمعرفة القلب، فالإيمان هو المعرفة، فمن عرف الله وعرف الرسول أنه صادق فهو مؤمن.
فقلنا لهم: ما تقولون في الشخص إذا كان قد عرف لكنه كذَّب مثل إبليس، فإبليس في قرارة نفسه كان عارفًا بالله، ولكنه كفر بالجحود، وكفر بالإباء والاستكبار.
وهكذا فرعون كان عارفًا بالله، قال تعالى عنه وعن قومه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل:١٤] .
إذًا: التعريف للإيمان بأنه المعرفة كما عرفته الجهمية تعريف باطل؛ لأنه يلزم منه أن يكون إبليس وفرعون مؤمنين؛ لأنهما يعرفان الله.
وبعضهم قال: الإيمان هو التصديق، وهذا تجده عند الأشعرية والماتريدية، فقلنا لهم: ما تقصدون بالتصديق؟ إن قصدتم به المعرفة -يعني: أن يصدق بقلبه- فإبليس وفرعون كانا مصدقين، واليهود الذين كانوا في زمن النبي ﷺ كانوا مصدقين بقلوبهم أن محمدًا رسول الله، لكنهم كفروا.
فقالوا: نحن نفرق بين المعرفة وبين التصديق، فالتصديق يلزم منه شيء من عمل القلب.
فنقول: هذا كلام أردتم به التفريق، لكن لا يتم ذلك إلا بأن تفسروا الإيمان بما دلت عليه النصوص، وإلا ففرعون مصدق، بل الله ﷾ ما جعله تصديقًا وإنما سماه يقينًا، فقال: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ واليقين تصديق جازم، ومع ذلك كانوا كفارًا وإن كانوا مصدقين، فكيف تقولون: الإيمان هو التصديق؟! ولهذا كانوا متناقضين حينما عرفوا الإيمان بأنه التصديق.
كذلك أيضًا مرجئة الفقهاء كـ أبي حنيفة وأصحابه رحمهم الله تعالى قالوا: الإيمان هو قول باللسان، واعتقاد بالقلب فقط، ولم يدخلوا العمل، فقلنا لهم: إن النصوص الصريحة الصحيحة دلت على دخول أعمال الجوارح في مسمى الإيمان، فتعريفكم ناقص، وأنتم -رحمكم الله- وإن أوجبتم العمل ولكنكم أخرجتموه عن مسمى الإيمان، إلا أن إخراجكم له مخالف للنصوص الصريحة الصحيحة.
فهؤلاء كلهم انحرفوا على تفاوت فيما بينهم في تعريف الإيمان، لكن التعريف الصحيح هو ما ذكره أهل السنة والجماعة وعبر عنه المصنف هنا.
[ ١٠ / ٤ ]
زيادة الإيمان ونقصانه
قال المصنف: [يزيد بالطاعة، وينقص بالعصيان] .
إدخال أعمال الجوارح في مسمى الإيمان وإدخال أعمال القلوب في مسمى الإيمان يقتضي قضية أخرى من قضايا الإيمان دلت عليها النصوص، وهي أن الإيمان يزيد وينقص، وكل من ذكرناه سابقًا من الطوائف غير أهل السنة والجماعة يخالفون في هذا؛ فالمرجئة يقولون: الإيمان لا يزيد ولا ينقص؛ لأن الإيمان عندهم مجرد التصديق، ولا تفاوت بين المصدقين، بينما لو تأملنا لوجدنا أنه حتى في باب التصديق يتفاوت الناس؛ لأن الناس لا يتفاوتون إذا كان الأمر خبرًا عن حاضر، فمثلًا: عندما أقول لأناس: هذا كتاب، وكل واحد منهم رآه وعلم أنه كتاب؛ لأنه أمر حاضر قريب منه، فتصديقهم له لا يتفاوت، ولا يجيء واحد ويقول: أنا أكثر منهم إيمانًا بأن هذا كتاب، لكن عندما يتعلق الأمر بخبر عن غائب فإنه يتفاوت، فمثلًا: لو كنا في مسجد وجاءنا واحد وأخبرنا بخبر جرى -مثلًا- في الجامعة، فقال: قبل قليل حدث كذا وكذا، فإيماننا وتصديقنا بهذا الخبر سيختلف؛ لأن واحدًا منا رأى أن القائل غريب فما صدق، وواحدًا آخر يعرف أنه فلان بن فلان الثقة فصدق، وواحدًا شك، وواحدًا كذب، فكلنا سنتفاوت في هذا؛ لأنه خبر عن غيب.
ومجمل مسائل الإيمان هي خبر عن غيب، إذًا: عندما يقول المرجئة إن التصديق واحد، نقول: لا، بل التصديق متفاوت؛ فهذا مصدق بالله وهذا مصدق بالله، لكن هل تصديقهم وإيمانهم بالله واحد؟
الجواب
لا، وهكذا الإيمان بالملائكة والإيمان باليوم الآخر، فهل تصديقنا باليوم الآخر واحد أم متفاوت؟ الجواب: متفاوت؛ فهذا قوي الإيمان، وهذا أقل منه.
وهكذا التصديق بالقضاء والقدر، والتصديق برسالة محمد ﷺ.
إذًا: لا شك أن التصديق يتفاوت، فإذا جئنا لأعمال الجوارح، فهل يتفاوتون؟ فذلك الإنسان الذي هو مصدق لكنه لا يعمل شيء، وذلك الإنسان الذي هو مصدق صوام قوام مطيع لله، أمار بالمعروف نهاء عن المنكر، صاحب خير وأعمال صالحات، هل إيمان هذا مثل إيمان هذا؟! الجواب: لا يمكن أن يكونا متساويين.
إذًا: تصديق القلب يتفاوت الناس فيه، وأعمال الجوارح من الطاعات يتفاوت الناس فيها، ومن ثمَّ دلت الأدلة الصحيحة على أن الإيمان يزيد وينقص، ولهذا قال المصنف هنا: (يزيد بالطاعة، وينقص بالعصيان) .
[ ١٠ / ٥ ]
أدلة زيادة الإيمان ونقصانه
ثم ذكر الأدلة فقال: [قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥]] .
أي: ملة إبراهيم الحنيفية التي هي صدق الإخلاص في العبادة لله ﷾.
قال: [فجعل عبادة الله وإخلاص القلب وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة كله من الدين] .
وإذا كان من الدين فهو من الإيمان.
إذًا: الدين والإيمان كل منهما يدخل فيه قول اللسان، ويدخل فيه اعتقاد القلب، ويدخل فيه أعمال الجوارح، كإيتاء الزكاة وإقام الصلاة، وهذا أيضًا دليل صريح في هذا الباب.
ثم قال المصنف: [وقال رسول الله ﷺ: (الإيمان بضع وسبعون شعبة: أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) فجعل القول والعمل من الإيمان] .
فدل هذا على أن الإيمان قول وعمل، خلافًا للمرجئة.
ثم إن المصنف بعد أن دلل على تعريف الإيمان، وأنه قول واعتقاد وعمل، أخذ يدلل على زيادته ونقصانه فقال: [وقال تعالى: ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة:١٢٤]] .
قال تعالى في أول هذه الآية: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة:١٢٤]، فنزول الآيات القرآنية تزيد في الإيمان، وهذا يدل على الزيادة، وإذا قبل الزيادة فهو قابل للنقصان.
قال المصنف: [وقال: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا﴾ [الفتح:٤]] .
هذه الآية في سورة الفتح، وفيها: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الفتح:٤]، وفيها أيضًا دلالة على زيادة الإيمان.
قال المصنف: [وقال رسول الله ﷺ: (يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه مثقال برة -حبة بر- أو خردلة -معروفة، وهي: الهباءة في الهواء- أو ذرة من الإيمان) فجعله متفاضلًا] .
الدليل هنا على زيادة الإيمان ونقصانه في الحديث قوله: (وفي قلبه مثقال برة)، ولذلك جاء في بعض روايات هذا الحديث: (يخرج من النار من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة خردل من إيمان)، وأدنى وأدنى هنا دليل على النقصان.
وورد أيضًا أدلة على ذلك من سنة الرسول ﷺ، منها قوله ﵊ (أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا)، وقوله: (أكمل) دليل على زيادة الإيمان.
وأيضًا يقول الرسول ﷺ عن المرأة التي لا تصلي وقت الدورة الشهرية: (ما رأيت من ناقصات عقل ودين)، فلما سئل عن نقص الدين ذكر أنها تترك الصلاة أيام أقرائها، أي: أيام حيضها، فهذه المرأة وإن كان تركها للصلاة حكمًا شرعيًا إلا أنه ينقص إيمانها، لكنه تنقيص لا تأثم به، وهذا مشاهد، فالمرأة إذا تركت الصلاة وتركت بعض الأعمال كالصيام ونحو ذلك لا شك أنه ينقص إيمانها، لكنها لا تأثم بذلك، فنحن نستدل من الحديث على نقصان الإيمان، لكن ليس بلازم يترتب عليه إثم.
فمثلًا: إنسان يقوم الليل، فنقول: زاد إيمانه، ثم بعد شهر ترك قيام الليل، فنقول: نقص إيمانه، لكن نقصه لنقص الطاعة لا لفعل المعصية، أما الذي يفعل المعصية فإن مجرد فعل المعصية ينقص الإيمان، وهذا واضح جدًا.
وفي مسائل الإيمان قضايا كثيرة، لكن نكتفي بما ذكره المصنف ﵀.
[ ١٠ / ٦ ]
وجوب الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ
ثم انتقل رحمه الله تعالى إلى قضية أخرى فقال: [فصل: ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ، وصح به النقل عنه، فيما شاهدناه أو غاب عنا نعلم أنه حق وصدق، وسواء في ذلك ما عقلناه وجهلناه، ولم نطّلع على حقيقة معناه، مثل حديث الإسراء والمعراج] .
هذه قضية كبرى من قضايا الإيمان، وهي الإيمان بكل ما أخبر به الرسول ﷺ، ونحن عرضنا لهذه القضية عند قول المصنف: (ويجب أن نصف الله بما وصف به أو وصفه به رسوله)، وقلنا: إن ما جاء به الرسول ﷺ فهو حق يجب الإيمان به، فذكره المصنف هناك في باب الصفات، وذكره هنا في غير باب الصفات، فكلما ورد النص الصحيح عن النبي ﷺ من الخبر الغيبي سواء كان هذا الغيبي سابقًا أو سيأتي فنحن نؤمن به، ونصدق به، بشرط أن يكون هذا الحديث صحيحًا؛ ولهذا قال: (ما أخبر به النبي ﷺ وصح به النقل عنه فيما شاهدناه أو غاب عنا) .
فما أخبرنا به الرسول ﷺ مما شاهده الصحابة في وقته، أو نشاهده نحن من بعض أخباره ومعجزاته، أو غاب عنا مثل خبره عن الله، أو عن الملائكة، أو عن السماوات، أو مثل خبره عن عذاب القبر ونعيمه، وخبره عن اليوم الآخر، وماذا يكون في اليوم الآخر، والميزان والصراط، وخبره عن أشراط الساعة التي تكون في آخر الزمان، وخبره عن أهل الجنة، وأهل النار، كل هذه الأمور إذا صح الحديث بها فنحن نؤمن به.
[ ١٠ / ٧ ]
الرد على القرآنيين والعقلانيين
وهذه قضية إيمانية بدهية، لكن المؤسف حقًا هو أنه وجد في المسلمين من يستهين بحديث الرسول ﷺ، ولا يصدق ما جاء به! ولهذا أخبر الرسول ﷺ عن ذلك وقال: (يوشك رجل متكئ على أريكته يقول: بيننا وبينكم كتاب الله، ما جاء في كتاب الله أخذنا به! ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه)، أي: السنة، والسنة بيان، والله ﷾ أخبر أنه أنزل القرآن للبيان فقال: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤]، ولا يمكن أبدًا أن نعمل بالقرآن إلا بالسنة، فنصوص القرآن عامة، ولو لم نعمل بسنة الرسول ﷺ كما هو مذهب القرآنيين لما عملنا بالقرآن، فهناك طائفة يسمون القرآنيين، يقولون: الحديث فيه صحيح وضعيف فلا نأخذ به! وأولئك الذين ينكرون السنة وقعوا في خلط عجيب جدًا! فإن الله ﷾ يقول: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨]، فكيف نعمل بالآية؟ ومن هو السارق؟ هل السارق الذي سرق ثلاث حبات شعير، والذي سرق درهمًا، والذي سرق ثلاثة دراهم، والذي سرق مليون درهم سواء، إذا أخذنا بالعموم فنقطع يد كل سارق حتى ولو سرق دون النصاب، وحتى ولو كان أمرًا تافهًا؟! ثم إذا جئنا لننفذ الحد؛ لقوله تعالى: (فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا)، فما هي اليد؟ هل اليد من الكف، أو من منتصف الساعد، أو من المرفق، أو من العضد، أو من الكتف؟! وكيف نقطع هذه اليد؟! فلا يمكن أن ننفذ هذا الحكم الشرعي إلا ببيان الرسول ﷺ.
وهكذا بقية الأحكام الشرعية.
إذًا: الأحكام الشرعية والأخبار الغيبية التي صحت عن النبي ﷺ نحن نأخذ بها، ونؤمن بما كان فيها من أخبار، ونعمل بما كان فيها من حكم وتشريع؛ لأن الرسول ﷺ مبلغ عن ربه ﷾، وما جاء به حق وصدق.
وإذا أتانا خبر من الأخبار عن النبي ﷺ نأخذ به، مثل حديث الذباب، فبعضهم يرد هذا الحديث؛ لقول فلان أو علان أو أهل الطب أو غيرهم: إن الذباب ينقل العدوى! فنقول: إن الرسول ﷺ قال هذا الحكم، وتبين فعلًا أنه حق، وهذا البيان للاطمئنان، وإلا فما في إيماننا شك بصدق الرسول ﷺ حين قال عن الذباب: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه؛ فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء) وقد تبين أنه كما أخبر ﵊.
فيجب الإيمان بكل الأمور التي يخبر عنها الرسول ﷺ.
[ ١٠ / ٨ ]
الإيمان بحديث الإسراء والمعراج
مثل المصنف هنا بأمثلة فيها شيء من الغيبيات، فقال: (مثل حديث الإسراء والمعراج)؛ لأن الإسراء والمعراج غيب، وكان يقظة لا منامًا، هذا مذهب أهل السنة والجماعة، والرسول ﷺ أسري به إلى بيت المقدس.
والإسراء هو السير ليلًا، والمعراج مفعال من العروج، وهي الآلة التي يصعد بها، والله أعلم بكيفيتها، والمقصود العروج به ﷺ إلى السماء، وأهل السنة والجماعة يقولون: إنه كان يقظة، وكان بروحه وجسده، وهذا هو الصحيح.
وهذا الإسراء والمعراج معجزة من معجزات الرسول ﷺ، لكن من حكمة الله تعالى أن جعل فيها الإسراء الذي يستدل به عمليًا على صدق الرسول ﷺ في ذلك؛ لأن الله قادر على أن يعرج به من المسجد الحرام إلى السماء، لكن لو عرج به إلى السماء، وجاء الرسول في الصباح يقول: عرج بي إلى السماء، لقال المشركون: هذا مثل كقولك إنه ينزل عليك ملك! أي: أن هذا أمر غيبي لا يمكن أن نستدل به على صدق ما تقول، لكن من حكمة الله أن جعل الإسراء إلى بيت المقدس؛ ولهذا لما اعترض المشركون لم يعترضوا على العروج به إلى السماء، وإنما اعترضوا على الإسراء به إلى بيت المقدس؛ لأن هذه هي القضية المادية التي يرون أنها لا يمكن أن تتم في ليلة واحدة؛ ولهذا لما أخبرهم الرسول ﷺ بذلك أنكرته قريش وأكبرته، وقالت: هذا شيء لا يمكن أن يتم ولا يمكن أن يقع، وبقية القصة معروفة.
لكن الرسول ﷺ أخبرهم عن أشياء دلت على أن هذا وقع فعلًا، فأخبرهم عن العير، وماذا جرى لها، ومتى ستقدم، بل وأخبرهم عن تفاصيل دقيقة عن بيت المقدس، وهم يقطعون ويجزمون بأن الرسول ﷺ ما ذهب إلى فلسطين، فإنه حين سأله المشركون عن المسجد الأقصى رفعه الله ﷾ للنبي ﷺ، وصار كأنه ينظر إليه، فجعل ﵊ يصفه وصفًا دقيقًا؛ حتى إن الواحد من المشركين قد يكون استقر في ذهنه جزئية بسيطة في المسجد، كالمدخل، والعتبة الفلانية، والمكان الفلاني، أما ماذا فيه من وصف فلا، فالرسول ﷺ جعل يصفه وصفًا دقيقًا، لكن لو كان منامًا كما يزعم البعض ويقول: الإسراء والمعراج كان منامًا، فإنهم لا ينكرونها؛ لأن المنامات لا تنكر، فإذا جاء واحد وقال: رأيت في النوم أنني ذهبت إلى كذا وصعد بي وعرج بي إلى آخره، فسيكون هذا منامًا ليس بمستغرب، لكن قريشًا وهم كفار فهموا من قول الرسول ﷺ إنه أسري بي، ثم عرج بي إلى السماء، أنه كان بروحه وجسده، يقظة لا منامًا.
بقي إشكال، وهو أنه في بعض روايات الإسراء أن الرسول ذكر فيه أنه استيقظ، وفي بعضها: أنه كان منامًا، وقد أجاب العلماء عن ذلك بأنه لا يبعد أن الرسول كان يرى رؤيا ثم تقع مثل فلق الصبح، فقد يكون الرسول ﷺ رأى رؤيا ثم بعد ذلك وقعت حقيقة، لكن ما أخبر به الرسول ﷺ المشركين إنما هو إخبار بالإسراء بروحه وجسده، يقظة وليس منامًا.
وأما كيف تم ذلك؟ فهذا علمه عند الله، والرسول ﷺ أخبرنا عن البراق، وعن شيء من وصفه، وعن شيء من سرعته، وأخبرنا عما جرى له في السماوات، وكيف استفتح كل سماء، وكيف التقى ببعض الأنبياء، وكيف أنه بلغ سدرة المنتهى، وكيف أنه سمع صريف الأقلام، وكيف أنه رأى جبريل، وكيف أن الله كلمه في السماء، وخاطبه مباشرة بدون واسطة، وفرض عليه الصلوات الخمس إلى آخره.
فنؤمن ونصدق بجميع ذلك، وهذا مثال فقط ذكره المصنف في بداية هذه القضية الكبرى، وهي الإيمان بكل ما صح عن رسول الله ﷺ؛ ولهذا قال: [وكان يقظة لا منامًا؛ فإن قريش أنكرته وأكبرته، ولم تنكر المنامات] .
[ ١٠ / ٩ ]
الإيمان بفقء ملك الموت عين موسى ﵇
ثم قال المصنف: [ومن ذلك -أي: من الأخبار الغيبية التي نصدق بها- أن ملك الموت لما جاء إلى موسى ﵇ ليقبض روحه لطمه، ففقأ عينه، فرجع إلى ربه فرد عليه عينه] .
هذه القضية لاك فيها المتقدمون والمتأخرون، ففي الزمن القديم -قبل ألف سنة- وجد من لاك في هذا الحديث، وقال: كيف يفقأ موسى عين ملك الموت؟ وفي العصر الحديث أيضًا وجد من المستشرقين وأذنابهم ممن ينتسب إلى المسلمين من يعترض بنفس الاعتراض، بينما هذا الحديث حديث متفق عليه، رواه البخاري ورواه مسلم، ورواه الإمام أحمد بأسانيد صحيحة، لا شك فيها أبدًا، وليس فيها علة، ولا شذوذ، ولم يتكلم أحد بنقدها لا إسنادًا ولا متنا، ً وإنما اعترض عليها من يعترض على خبر الرسول ﷺ.
ومن ثمَّ فإن أهل السنة والجماعة يؤمنون بمثل هذا الحديث، ويصدقون بما جاء به، وهو أن ملك الموت لما جاء إلى موسى ليقبض روحه، فقأ موسى عينه، ثم إن الله ﷾ رد على ملك الموت عينه، وجاء إلى موسى مرة أخرى، كما هو معروف في بقية الحديث وقال: (إن الله يقول لك: تعال إلى ثور، وامسح على جلده، فلك بكل شعرة من جلده سنة من عمرك، فقال موسى: وبعد ذلك؟ قال: الموت، قال: إذًا الآن)، أي: ليقبض روحي الآن.
قد يقول قائل: وكيف ذلك؟ فنقول: الأمر يسير؛ فنحن نصدق بهذا، لكن نحن سنقرب الأمر تقريبًا وليس جزمًا فنقول: أليس جبريل ﵇ كان يأتي إلى الرسول ﷺ في صورة دحية الكلبي الصحابي المشهور ﵁، حتى إنه كان يدخل على الرسول فيقولون: دخل عليه دحية، بينما هو جبريل؟! أليس الرسول وأصحابه جاءهم جبريل على صورة رجل في حديث جبريل المشهور: (طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد)؟! وفي بعض الروايات: أن الرسول ﷺ ما علم إلا بعد نهاية الحديث.
إذًا: فهل يمنع مانع من أن يأتي ملك الموت على هيئته في صورة بشر؟
الجواب
لا يمنع ذلك شيء.
هذا أولًا.
ثانيًا: لما دخل على موسى ألا يحتمل أن يكون موسى نظر فإذا في بيته رجل، فغضب لمحارمه؟ ونحن نعلم أن من اطلع على بيت أحد ففقأ عينه -كما في الحديث- فعينه هدر.
ثم إذا كان الملك يأتي على صورة بشر فتفقأ عينه فليس فيه إشكال، ولهذا لما جاء في المرة الثانية وقال: أنا ملك الموت؛ اختلفت صورة الواقعة هنا، ولما قال له: (أمرر بيدك على جلد ثور، فلك بكل شعرة سنة) أجابه موسى ﵊ بما سبق أن ذكرنا.
إذًا: المسألة ليس فيها إشكال، وما دام الخبر قد جاء بالإسناد الصحيح فلا إشكال، فنحن نؤمن بذلك ونصدقه، ولا نعترض، ولا ندخل بعقولنا وتوهماتنا.
[ ١٠ / ١٠ ]
وجوب الإيمان بما أخبر النبي ﷺ من أشراط الساعة
ثم قال المصنف: [ومن ذلك: أشراط الساعة] .
أي: من الأمور التي صحت بها الأخبار، ونحن نصدق بها أشراط الساعة، وأشراط الساعة علاماتها.
[ ١٠ / ١١ ]
أشراط الساعة قسمان: صغرى وكبرى
وأشراطها قسمان: قسم منها أشراط صغرى بعيدة، والقسم الثاني أشراط كبرى قريبة.
فالصغرى هي الأشراط الصغيرة التي أخبر عنها الرسول ﷺ، مثل موته ﵊، ومثل فتح بيت المقدس، ونحو ذلك.
والكبرى هي التي تأتي في آخر الزمان، مثل الدجال، ويأجوج ومأجوج، ونزول عيسى بن مريم، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، والخسوفات الثلاثة، فكل هذه أشراط كبرى.
والأشراط الصغرى أشراط بعيدة؛ لبعدها عن يوم القيامة، أي: بعيدة بعدًا نسبيًا عن يوم القيامة، لكن الأشراط الكبرى قريبة؛ لقربها من يوم القيامة؛ لأنه ورد أن الأشراط الكبرى تأتي متتابعة، ويأتي بعدها قيام الساعة.
وأشراط الساعة كثيرة تكلم عنها العلماء، وذكروها، ونحن نؤمن بما صح من أشراط الساعة، مثل ما ورد في صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تقوم الساعة حتى تعود جزيرة العرب مروجًا وأنهارًا)، وما ورد أن نهر الفرات ينحسر عن جبل من ذهب، ويقتتل الناس عليه، وما ورد من فتح رومة، وأنه في آخر الزمان تكثر النساء، ويقل الرجال، حتى يكون الرجل الواحد قيمًا لخمسين امرأة؛ ولهذا فإن هذه الأشراط ليست كلها سيئة؛ فإن بعض الناس يظن أن الأشراط كلها فتن، وليس الأمر كذلك، بل الرسول ﷺ أخبرنا عما سيجري، فبعضها فتن، وبعضها ليس بفتن، مثل كون الرجل قيمًا لخمسين، فإنسان يبتلى في آخر الزمان بأن يكون قيمًا لخمسين امرأة، هل هذا سيئ بالنسبة له؟ ليس سيئًا، بل هذا قضاؤه وقدره، فإذا قام بهن ورعاهن فله أجر عظيم عند الله ﷾.
والمقصود بكونه قيمًا لهن: أنه يعولهن؛ لأنهن بناته وأخواته وعماته وخالاته وقريبات له، حتى وإن لم يكن محارم له، فليس لهن إلا هو.
[ ١٠ / ١٢ ]
الإيمان بخروج المسيح الدجال
ثم مثل المصنف بأمثلة مختصرة؛ لأن هذه العقيدة مختصرة لا يريد أن يطيل فيها فقال: [مثل خروج الدجال] .
وقد وردت الأحاديث المتواترة عن النبي ﷺ في خروجه في آخر الزمان، وهو دجال كذاب، وورد في صفته عن النبي ﷺ أنه يخرج في آخر الزمان، وأن الله يفتن به الناس، ويتبعه اليهود، ويتبعه كثير من النساء، وضعفة العقول، وأنه يجوب الأرض، وأن الله يؤيده بخوارق، وهذه الخوارق يفتن بها الناس، فيأمر السماء أن تمطر، ويأمر الأرض أن تنبت، ويأمر الخربات أن تخرج كنوزها، وهذه الخربة لو جاء إنسان فإنه يحتاج إلى سنين حتى يبعثرها ليخرج ما فيها من مال أو ذهب أو نحو ذلك، لكن الدجال يأمرها فتخرج كنوزها، ويأمر الأرض نفسها فتخرج كنوزها من ذهب وجواهر ونحو ذلك، وكلها فتنة.
وأيضًا يأتي برجل يكذب به، فيقول الدجال للناس: أرأيتم إن قتلته وأحييته، أتصدقوني؟ فيقولون: نعم، فيأتي بهذا الرجل فيشقه نصفين، ويمشي بينهما، ثم يعود فيحييه من جديد، ثم يقول له: أتؤمن بي؟ فيقول: والله ما ازددت فيك إلا يقينًا أنك الدجال الذي أخبرنا عنه رسول الله ﷺ، فيريد قتله مرة أخرى فيعجز عنه، فيأخذه ويرمي به إلى ناره، وإنما رمى به إلى الجنة.
ففتنة الدجال فتنة عظيمة؛ ولهذا ورد عن النبي ﷺ أنه حذر من المسيح الدجال أصحابه حتى قالوا: (ظننا أنه على أطراف المدينة من شدة تحذيره)، وقال ﵊: (ما من نبي إلا وقد حذر أمته من فتنة الدجال)؛ لأن فتنته عظيمة جدًا في الأمة؛ ولهذا ورد عن النبي ﷺ أنه قال: (من سمع منكم بـ الدجال فلا يأته) .
والرسول ﷺ نهى عن الذهاب إلى الكاهن والساحر؛ لأنه فتنة، وأنت إذا قيل لك: هذا كاهن وساحر يدعي علم الغيب! فإنك تقول: هو كذاب، لكن إذا ذهبت إليه وبدأ يخبرك عن شعوذاته ربما يصير عندك شك، فهذه هي حكمة النهي عن الذهاب إلى الكاهن، قال ﵊: (من أتى كاهنًا فصدقه -وفي رواية: من أتى كاهنًا فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ)، وهنا الرسول ﷺ يقول: (من سمع منكم بـ الدجال فلا يأته)، فلا تجعلها مسألة فرجة، وتقول: نحن نعرف أنه كذاب، لكن سنذهب لننظر! فالنبي ﷺ يقول في هذا الحديث: (فإن الرجل ليسمع بـ الدجال فيقول: هذا هو الدجال، أشهد أنه الكذاب الذي أخبرنا رسول الله ﷺ عنه)، يعني: أن عنده الأدلة، والمعرفة اليقينية بأنه كذاب، لكن يقول الرسول ﷺ: (ثم إنه يأتي إليه فلا يزال به حتى يؤمن به ويصدقه!)، أي أنه يفتن به؛ لأنه إذا جاءه قال للسماء: أمطري فتمطر، وللأرض: أنبتي فتنبت، وأخرجي كنوزك فتخرج كنوزها.
وهذه الفتنة العظيمة حذر الرسول ﷺ منها، وهو يخرج في آخر الزمن، وإذا خرج يخرج معه اليهود، ويقتله عيسى بن مريم ﵇.
[ ١٠ / ١٣ ]
الإيمان بنزول عيسى ﵇ في آخر الزمان
قال المصنف: [ونزول عيسى بن مريم ﵇ فيقتله] .
أي: نؤمن بأن عيسى بن مريم ﵊ ينزل في آخر الزمان، وأنه يقتل الدجال، يعني: أن عندنا قضيتين من أشراط الساعة الكبرى: القضية الأولى: مجيء الدجال وخروجه.
والثانية: نزول عيسى بن مريم.
لكن نزول عيسى بن مريم يكون بعد خروج الدجال؛ ولهذا فإن هذا الدجال يكون معه اليهود، فيقاتلهم عيسى ﵇ ومعه المؤمنون من أمة محمد ﷺ، فإذا أقبل عليه ذاب الدجال كما يذوب الملح في الماء، ثم إن عيسى يقتله ويريح المسلمين من شره، كما أخبر بذلك الرسول ﷺ.
وقد وردت آيات في القرآن فيها إشارات إلى نزول عيسى، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف:٦١]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء:١٥٩]، ووردت أحاديث متواترة عن النبي ﷺ أنه سيخرج في آخر الزمان، وينزل في شرقي مدينة دمشق على المنارة البيضاء، ينزل ﵇ متكئًا على ملكين، ورأسه يقطر، كأنما خرج من ديماص -وهو: الحمام- فإذا خفض رأسه قطر الماء، فينزل وقد اجتمع المسلمون ومعهم المهدي الذي يأتي في آخر الزمان، وقد حضرت صلاة العصر.
إذًا: عيسى ﵇ يحضر مع المسلمين، ويصلي صلاة المسلمين، فيقولون له: صل لنا، فيأبى، ويصلي عيسى ﵇ خلف المهدي تكرمة لهذه الأمة، ثم يتولى قيادة الأمة، ويمكث سنين، ويحكم بالقرآن، ويقتل الدجال، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويبطل دعوى النصارى أن عيسى صلب، ويضع الجزية، فلا لا يقبل من أهل الكتاب -اليهود والنصارى- إلا الإيمان بالقرآن والإسلام، أو السيف، أما قبل نزول عيسى ﵇ فلهم أحكام ثلاثة: إما الإسلام، وإما أن يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وإما السيف إذا أبوا ذلك، فإذا نزل عيسى في آخر الزمان بطلت موضوع شبهة أهل الكتاب؛ فيقال: هذا نبيكم المرسل إليكم قد جاء يأمر بطاعة محمد؛ لأن الله أخذ على عيسى العهد والميثاق لئن بعث محمد ﷺ وهو حي ليؤمنن بمحمد؛ ولهذا قال الرسول ﷺ: (والله! لو كان موسى حيًا ما وسعه إلا أن يتبعني)، والرسل يصدق بعضهم بعضًا.
ويحكم عيسى بالقرآن ولا يحكم بالإنجيل، فلا يأتي قائل ويقول: إن قولكم إن الأناجيل محرفة صحيح؛ فقد حرفها الأحبار والرهبان وغيرهم، لكن الآن جاءنا من نزل عليه الإنجيل، فالإنجيل عنده غير محرف، فلماذا لا يحكم بالإنجيل؟ فنقول له: الإنجيل المحرف وغير المحرف منسوخ بالقرآن، وعيسى لأنه رسول الله يؤمن بهذا النسخ، ويصدق به، ويتبع محمدًا، ولهذا لا يقبل إلا الإسلام الذي جاء به محمد بن عبد الله ﷺ.
إذًا: خبر الدجال الغيبي حق وصدق نؤمن به، وخبر نزول عيسى بن مريم وما فيه من أحداث حق نؤمن به، ولهذا ورد أنه يحج أو يعتمر، كما قال ﵊: (ليهلن عيسى بن مريم بالبيداء حاجًا أو معتمرًا)، وهذا حق وصدق نؤمن به، ونصدق بنزوله وبما يجري في ذلك.
[ ١٠ / ١٤ ]
الإيمان بخروج يأجوج ومأجوج في آخر الزمان
قال المصنف ﵀: [وخروج يأجوج ومأجوج] .
أي: أن من أشراط الساعة خروج يأجوج ومأجوج، وهم طائفتان عظيمتان من بني آدم، ورد أنهم يخرجون في آخر الزمان، وقد ورد ذكر لهم في قصة ذي القرنين حينما وضع السد، وأنهم يخرجون إذا قرب قيام الساعة، كما قال ﷿: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ [الكهف:٩٨]، ويأجوج ومأجوج عددهم كبير، ويفسدون في الأرض، ويأكلون الطعام، ويشربون المياه، حتى إنهم يشربون مياه البحار أحيانًا، ويؤذون الناس.
ويأجوج ومأجوج إذا أفسدوا في الأرض يكون عيسى موجودًا بين أظهر المسلمين، فيأتي المسلمون إلى عيسى ويقولون: يا عيسى! انظر ماذا فعل يأجوج ومأجوج، فادع عليهم، فيدعو الله ﷾ أن يخلص المؤمنين من شرهم، فينزل عليهم النغف فيموتون جميعًا، ويصبحون وقد امتلأت الأرض من جثثهم، فتنتن أجسامهم، ويتأذى المسلمون بذلك، فيأتون عيسى، فيدعو ربه ﷾.
وفي بعض الروايات: أنه يأتي سيل عظيم، فيكنس جثثهم من الأرض، ويريح الله المؤمنين من شرهم.
وفي بعضها: أنها تأتي طيور فتأكل أجسادهم وتريح المسلمين من شرهم إلى آخر هذه التفاصيل.
فيأجوج ومأجوج فتنة عظيمة، ومفسدة عظيمة، لكن نحن نؤمن بذلك ونصدق به.
ويأجوج ومأجوج من بني آدم، كما في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (يقول الله تعالى يوم القيامة لآدم: يا آدم! أخرج بعث النار، فيقول: يا رب! وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار، وواحد إلى الجنة، فهذا يوم يجعل الولدان شيبًا)، أي: هذا يوم يشيب فيه الولدان، لكن الصحابة ﵃ وأرضاهم اشتد عليهم هذا، فقالوا: (فمن ينجو إذًا؟) فقال ﷺ: (لا تفزعوا؛ فتسعمائة وتسعة وتسعون من يأجوج ومأجوج، وواحد منكم) فدل على أنهم من بني آدم.
وورد في وصفهم أن نعالهم الشعر، وأنهم صغار الأنوف، صغار الأجسام، كأن وجوههم المجان المطرقة.
وقد يقال: لقد اكتشفت الكرة الأرضية، فهل سور الصين هو السد؟ ف
الجواب
كل هذه الأخبار لا تتوافق مع النصوص الواردة عن النبي ﷺ، والعلم عند الله تعالى، لكن نحن نصدق بذلك، ونؤمن به.
وبعضهم فسر بأنهم أهل الصين، وأنه في آخر الزمان يكثر عدد أهل الصين ويهجمون، لكن الذي يظهر -والله أعلم- أنه ليس بيننا وبين الصين سور الآن، بل التنقل بيننا وبينهم وارد، فالقول بأن يأجوج ومأجوج هم أهل الصين قول لا يتوافق مع النصوص الواردة بذلك.
ونقول: ما دام ورد في كتاب الله تعالى ووردت بذلك الأحاديث الصحيحة، فنحن نصدق بذلك ونؤمن به، قال ﷿: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥] .
[ ١٠ / ١٥ ]
الإيمان بخروج الدابة في آخر الزمان
ثم قال: [وخروج الدابة] .
وهذه أيضًا من أشراط الساعة الكبرى، وهذه الدابة تخرج وتكلم الناس، وتسمهم، يعني: ورد أن هذه الدابة تخرج وتسم الناس؛ لأن وسمهم يكون بعد انقطاع التوبة، فتسمهم، وتكتب على وجه كل واحد: هذا كافر، وهذا مؤمن، حتى ورد في بعض طرق الحديث: أن الناس يتبايعون، فيسأل: من اشترى منك؟ فيقول: اشترى مني فلان الكافر، أو فلان المؤمن.
ولعل هذا -والله أعلم- يكون بعد طلوع الشمس من مغربها وانقطاع التوبة.
وهذه الدابة ما صفتها، وما شكلها، ومن أين تخرج إلى آخره؟ كل هذا علمه عند الله ﷾، لكن ورد أنها دابة، والدابة معروف معناها لغة، لكن ورد أنها تسم الناس، وأنها تكلمهم، فنحن نؤمن بذلك ونصدق.
[ ١٠ / ١٦ ]
الإيمان بأن من أشراط الساعة طلوع الشمس من مغربها
ثم قال المصنف: [وطلوع الشمس من مغربها] .
كذلك أيضًا من أشراط الساعة طلوع الشمس من مغربها، وهذا أيضًا ورد في حديث النبي ﷺ الصحيح، وإذا طلعت من المغرب فذاك يوم لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا، ولهذا ورد عن النبي ﷺ أن التوبة باقية إلى أن تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت الشمس من مغربها انقطعت التوبة، وهذه آية كونية عظمى.
[ ١٠ / ١٧ ]
وجوب الإيمان بكل أشراط الساعة التي صح بها النقل
قال المصنف: [وأشباه ذلك مما صح به النقل] .
أي: من أشراط الساعة الكبرى، مثل ما ورد عن النبي ﷺ من الأخبار عن الخسوف الثلاثة: خسف في المشرق، وخسف في المغرب، وخسف في وسط جزيرة العرب، وأيضًا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، ونزول عيسى ﵇، وخروج الدجال.
وأيضًا من الآيات: الدخان، وهو آية من آيات الله ﷾ في آخر الزمان.
وأيضًا من الآيات الكبرى: النار التي تخرج وتحشر الناس، فقد ورد أن النار تخرج في آخر الزمان، وتحشر الناس، فتبيت معهم إذا باتوا، يعني: أنهم عند خروجهم يجد بهم المسير، فإذا جاء الليل اشتد عليهم الإعياء فناموا، فإذا ناموا نامت معهم، وإذا أصبحوا حشرتهم، حتى يجتمعوا عند المحشر، فإذا اجتمعوا عند المحشر قامت عليهم الساعة.
ولهذا ثبت عن النبي ﷺ أنه لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، نسأل الله ﷾ أن يعيذنا من ذلك.
[ ١٠ / ١٨ ]
وجوب الإيمان بعذاب القبر ونعيمه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعذاب القبر ونعيمه حق] .
عذاب القبر ونعيمه دلت عليه الأدلة القرآنية، قال الله تعالى عن فرعون وقومه: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦]، والنار التي يعرضون عليها هي عذاب القبر، فعذاب آل فرعون دليل على أنهم يعذبون قبل دخولهم النار، وعلى هذا فإن المؤمن أيضًا ينعم قبل دخوله الجنة.
وقد ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة، كحديث البراء بن عازب وغيره عن عذاب القبر ونعيمه حينما ذكر قصة الموت، وفيه أن المؤمن يوسع له في قبره، ويفتح له باب إلى الجنة، ويأتيه من نعيمها وروحها إلى آخره.
وعكسه الكافر؛ فإنه يفتح له باب إلى النار، ويأتيه من سمومها وحميمها.
كذلك أيضًا قول النبي ﷺ لما أتى إلى قبرين: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير: أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله)، فهذا دليل على عذاب القبر ونعيمه.
وأما كيف يتم عذاب القبر ونعيمه؟ فيتم على أي حالة كان عليها الإنسان؛ لأنه أمر غيبي، وهذا العذاب والنعيم هو للجسد وللروح، هذا هو القول الصحيح، وأما كيف يتم هذا؟ فهذا أمر غيبي.
فلو أن واحدًا أكلته السباع فتحول إلى أن يكون طعامًا يجري في دمائها وعروقها فإنه يعذب أو ينعم.
ولو أن واحدًا أحرق -كما هو عند الهندوس- فإنه يعذب أو ينعم، فالهندوس عندهم من الطقوس أنه يأتي الواحد ويحرق أعز الناس إليه، كما نشر في الصحف صورة إحراق غاندي، حينما أحرقها ولدها أمام الناس؛ لأن هذا طقس بوذي عندهم، حيث أتى بالنار ووضع جسدها وأحرقها، لتنال عذاب الدنيا قبل عذاب الآخرة.
نسأل الله السلامة والعافية! إذًا: هذا الذي أحرق أو أكلته السباع، أو أكلته الأسماك، أو غرق أو مزق، أو أكلته الأرض، أو قطع أو غير ذلك، يعذب أو ينعم بحسب أعماله، وأما كيف يتم هذا؟ فهذا غيب لا نعلمه، لكن نؤمن بذلك ونصدقه.
قال: [وقد استعاذ النبي ﷺ منه، وأمر به في كل صلاة] .
وهذا في الأحاديث الصحيحة أنه كان ﷺ يستعيذ دبر كل صلاة من عذاب القبر، ومن المسيح الدجال، وأمر بالاستعاذة منه في كل صلاة.
[ ١٠ / ١٩ ]
الأسئلة
[ ١٠ / ٢٠ ]
الخلاف بين أهل السنة ومرجئة الفقهاء
السؤال
ما رأيكم فيمن يقول: إن الخلاف بين أهل السنة والجماعة وبين مرجئة الفقهاء خلاف لفظي؟
الجواب
هذا الكلام من جانب صحيح؛ لأن مرجئة الفقهاء -كالأحناف- رحمهم الله تعالى أوجبوا العمل، وقالوا: إن صاحبه يوم القيامة -أي: المقصر فيه- عرضة للعقوبة، فلم يقولوا بقول غلاة المرجئة: إن مرتكب الكبيرة أو تارك الواجب مؤمن كامل الإيمان، ويوم القيامة يكون في الجنة، وإنما وافقوا أهل السنة والجماعة في أنه يكون يوم القيامة تحت مشيئة الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، لكن مرجئة الفقهاء خالفوا أهل السنة في أمور: منها: قولهم إن أصل الإيمان عند الناس جميعًا واحد لا يتفاوتون فيه، وهذا غير صحيح، بل الناس يتفاوتون في التصديق، ويتفاوتون في الأعمال، ومن ثمَّ يتفاوتون في الإيمان.
وكذلك أيضًا قولهم إن الأعمال لا تدخل في مسمى الإيمان، وفي كتاب الله وفي سنة رسول الله ﷺ التنصيص على ذلك.
كذلك أيضًا تحريمهم الاستثناء في الإيمان، أي أن يقول الإنسان: أنا مؤمن إن شاء الله، من غير شك.
وكذلك أيضًا قول بعضهم أو بعض أتباعهم: إيماني كإيمان جبريل، أو كإيمان محمد ﷺ، ولا شك أن هذا خطأ.
فإذا نظر إلى القضية من هذه الأوجه تبين أن الخلاف فيه جوانب حقيقية، وليس لفظيًا.
[ ١٠ / ٢١ ]
نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان لا ينافي كون النبي ﷺ خاتم النبيين
السؤال
كيف نجمع بين أن النبي ﷺ خاتم النبيين، ولن يأتي بعده نبي، وبين نزول عيسى ﵊ في آخر الزمان، فيقتل الدجال، ويقتل الخنزير، ويكسر الصليب، فهذا مشكل علي أرجو أن توضحوه؟
الجواب
نحن أشرنا إلى هذا، وقلنا إن أدلة القرآن والأحاديث المتواترة دلت على أن عيسى ﵊ سينزل في آخر الزمان، وأن هذا لا يتعارض مع قوله ﵎: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠]، أي: لا يتعارض مع ختم الرسالة، وذلك لعدة أمور: أولها: أن عيسى إذا نزل في آخر الزمان إنما ينزل ويحكم بالقرآن وبشريعة محمد ﷺ، فهو إذًا تابع للرسول ﵊، كما ثبت في الحديث لما رأى الرسول مع عمر ﵁ قطعة من التوراة قال له: (والله! لو كان موسى حيًا ما وسعه إلا أن يتبعني)، فعيسى يكون تابعًا.
ومن أدلة أنه تابع لمحمد ﷺ: أنه إذا نزل وقد تهيأ المسلمون لصلاة العصر يقولون لعيسى: صل بنا، فيقول: لا، فيصلي بهم واحد من أمة محمد ﷺ، فهذا دليل على أنه تابع.
الأمر الثاني: أنه لا يأخذ بما يوافق آراء أهل الكتاب، فالنصارى اليوم يأكلون الخنازير، ويشربون الخمور، واليهود منهم يتبعون الدجال، وكذلك أيضًا يعتقدون أن عيسى مصلوب، وهذه الأمور كلها يبطلها عيسى ﵊ موافقة لما سبق أن بينه رسول الله ﷺ، أن عيسى يوضح الحقيقة الناصعة إذا نزل، ومن ذلك ما في القرآن العظيم والسنة من أن عيسى عبد الله ورسوله، وأنه ليس إلهًا، وأنه لم يقتل ولم يصلب، وإنما رفعه الله، كل هذه الحقائق تظهر.
الأمر الثالث: أن عيسى ﵊ إذا نزل يقتل الدجال، ويكسر الصليب، ويضع الجزية، بمعنى: أنه لا يقبل ممن يتسمون بأهل الكتاب الجزية كما كان سابقًا، وإنما يؤمرون بأحد أمرين: إما باتباع دين الإسلام الذي جاء به رسول الله ﷺ وشريعة القرآن، أو السيف، ولا يقبل منهم أمرًا ثالثًا، وهو أن يبقوا على دينهم، ويُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ.
الأمر الرابع: أن نزول عيسى ﵊ وتفاصيل نزوله جاء به الرسول ﷺ، فهو الذي أخبرنا، وهو الذي بلغنا أنه خاتم النبيين، وأنه لا نبي بعده.
إذًا: يتبين من خلال هذه الأوجه كلها أن نزول عيسى ﵊ في آخر الزمان حق، وأنه لا يتعارض مع كون نبينا محمد ﷺ هو خاتم النبيين.
[ ١٠ / ٢٢ ]
مكان عرش إبليس
السؤال
جاء بيان أن عرش إبليس على الماء في صحيح مسلم، فهل جاء في كتاب الله ما يدل على ذلك؟ وهل جاء في كتاب الله ما يدل على أن عرش الله ﷾ على الماء؟
الجواب
الدليل على أن عرش الله ﷾ على الماء قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود:٧] أما بالنسبة لكون عرش إبليس على الماء فلم يرد في القرآن، وإنما ورد في حديث ابن صياد، الذي رواه مسلم، فقد كان الرسول والصحابة يخشون أن يكون ابن صياد هو المسيح الدجال، فقال الرسول لـ ابن صياد: (ماذا ترى؟ قال: أرى عرشًا على الماء، قال النبي ﷺ: ذاك عرش إبليس) .
[ ١٠ / ٢٣ ]
وجود الدجال
السؤال
ورد في حديث الجساسة خبر عن الدجال وهيئته، وهناك بعض أهل العلم يضعف هذا الحديث؛ لأنه غريب من جهة متنه، فما رأيكم؟
الجواب
حديث الجساسة ثابت في صحيح مسلم، ولا يمنع أن يكون الدجال موجودًا، وأنه يخرج في آخر الزمان، ومما يقوي وجوده أن النبي ﷺ خافه على أمته، فهذا دليل على أنه ربما يكون موجودًا، ثم يخرج في آخر الزمان.
[ ١٠ / ٢٤ ]
منزلة السنة من القرآن ووجوب الأخذ بهما جميعًا
السؤال
هناك من قال: إن السنة تأتي في المرتبة الثانية بعد القرآن، فجعل القرآن في المرتبة الأولى وجعل السنة بعد القرآن، فهل هذا صحيح أم خطأ، حيث يدرس هذا في مادة الأصول؟
الجواب
هذا صحيح؛ لما في حديث معاذ أنه قال: (بمَ تحكم؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله)، فلا شك أن القرآن مقدم على السنة، لكن لا يفصل بينهما، أي أنه لا يمكن أن تؤخذ السنة بدون القرآن، ولا يمكن أن يعمل بالقرآن كاملًا بدون سنة الرسول ﷺ، ولهذا تجدون أن هناك طوائف أنكرت السنة، ومنهم طوائف كثيرة في باكستان والهند يسمون بالقرآنيين، يرفضون السنة جملة وتفصيلًا، ولا يأخذون إلا بما في القرآن، وهؤلاء إذا فتشت عن أحوالهم تجد كأنهم أصحاب دين جديد في عبادتهم، وفي أمورهم كلها؛ لأنه لو جاء الإنسان إلى مثل قول الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ﴾ [هود:١١٤]، وقال: أنا لا آخذ بالسنة في تفاصيل الصلاة، فكيف سيعمل بهذه الآية، هل سيرجع إلى اللغة العربية، ويقول: الصلاة في اللغة الدعاء، إذًا معنى قوله: (وأقم الصلاة) أنني أقف لحظات وأرفع يدي وأدعو، وأكون قد أديت الصلاة بنص القرآن؟! وهل تقبل منه صلاته هذه؟! وهكذا قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨]، إذا جاء الإنسان ليأخذ هذا الحكم بدون السنة يقع في حيص بيص، فأي سارق ولو سرق شيئًا تافهًا يعتبر سارقًا؛ فيقطع، ثم كيف تقطع اليد؟ ولهذا لما كان الخوارج قد ضلوا في هذا الباب ولم يأخذوا بسنة الرسول ﷺ، ورد من مذهبهم أن السارق تقطع يده من الكتف! وهذا كله ضلال، والله ﷾ بنص القرآن أمر باتباع السنة، والآيات في ذلك بالعشرات، أي: التي فيها الأمر لكل من يقرأ هذا القرآن أن يتبع السنة، ولهذا لما لعن ابن مسعود الواصلة والمستوصلة، نازعته إحدى النساء، فقال لها: إن هذا في القرآن، فبحثت في القرآن من أوله إلى آخره فلم تجد هذا الأمر أو هذا الحكم الشرعي، فقالت له: ما وجدته، قال: بلى، هو في القرآن، ثم أوقفها على قول الله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء:٥٩]، وقوله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠]، وقال لها: هذا الأمر جاء به رسول الله ﷺ.
إذًا: من اتبع القرآن فلا بد أن يؤدي به إلى أن يتبع سنة الرسول ﷺ.
أما الفصل بينهما فهو منهج خطير جدًا، بل هو من أخطر المناهج، خاصة في عصر المسلمين الحاضر؛ فإن كثيرًا من أصحاب الأفكار العقلانية المائلة للاعتزال يريدون الفصل بينهما، وهؤلاء يدّعون أنهم في دائرة الفكر المسمى بالفكر المستنير، وله دعاته، وهكذا غيرهم، ولا أقول: الحداثيين؛ لأن الحداثيين لهم جذور إلحادية، فهم أعمق كفرًا لكن أقول: حتى أصحاب الفكر المستنير من الإسلاميين تجدهم يميلون إلى ألا يؤخذ بسنة الرسول ﷺ أو على الأقل ببعضها.
[ ١٠ / ٢٥ ]
مكان الجنة والنار
السؤال
قلت في معرض إجابة أحد الأسئلة: إن الجنة في السماء، والنار في أسفل سافلين، فماذا نفعل في قوله تعالى: ﴿جَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الحديد:٢١]؟
الجواب
قولنا: في السماء، معناه في العلو، وكون عرضها السماوات والأرض أو كعرض السماء والأرض هذا حق، فإن الجنة كما ذكر الله تعالى: عرضها السماوات والأرض، ولا يتعارض مع كونها في السماء، أما بالنسبة للنار فهي في أسفل سافلين، والله أعلم أين مكانها، لكن هي في أسفل سافلين.
[ ١٠ / ٢٦ ]
فعل الله ﷿ كله عدل ولا يجوز الاعتراض عليه
السؤال
إذا كان الله يعلم أنه سيخلق الخلق، وسيخلق آدم، ثم سيسكنه الجنة، ثم سيخرجه منها بسبب إبليس، ثم سيهبطهم إلى الأرض، ومنهم صائر إلى الجنة، ومنهم صائر إلى النار، فلماذا خلقهم إذًا؟ وهل يقال: إن هذا من عمل الشيطان فاجتنبه، أم يقال: إن هذا لحكمة يريدها الله ﷿؟
الجواب
هذا سؤال يرد على كل شيء؛ لأنه إذا علم الله ما العباد فاعلون فلماذا خلقهم؟ ولماذا كلفهم؟ بل لماذا يحاسبهم يوم القيامة؟ هذا كله اعتراض على الله ﷾، والله ﵎ لا يقيم الحجة على عباده بمقتضى علمه فقط، وإنما يقيم الحجة على العباد بإرسال الرسل وإنزال الكتب، ولهذا إذا قيل: إذا علم الله ﷾ أعمال العباد وأحصاها، فلماذا يقفون بين يدي الله للحساب؟ فيقال: لله حكمة في أن يقرر كل عبد بذنوبه؛ حتى يكون من يدخل الجنة يعلم أنه أخطأ وأذنب، وأنه دخل الجنة برحمة الله، ومن استحق العذاب يدخل النار، ويعلم أنه استحقها بسبب ذنوبه التي أذنبها؛ ولهذا يقرره الله ﷾ بذنوبه واحدًا واحدًا، ويكلم كل واحد كلامًا خاصًا به، وهذا كله من إظهار العدل، وإلا فالسؤال الأكبر: ما هي حاجة الله أصلًا إلى الخلق؟ إن الله غير محتاج إلى الخلق، ولو شاء لجعلنا كلنا أغنياء، أصحاء، لا نعصي أبدًا، لو شاء لجعلنا بخلاف ذلك.
وقد ورد في الحديث الصحيح: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك فيما عندي شيئًا، ولو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك مما عندي شيئًا، ولو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر)، فإذا أدخلت الإبرة في البحر فإنها لا تنقصه شيئًا، وكذلك لو كل الخلق سألوا الله ﷿ فأعطى كل إنسان مسألته لا ينقص ذلك من ملك الله سبحانه شيئًا.
إذًا: خلق الله العباد، وتفاوت أعمالهم وألوانهم وأرزاقهم وآجالهم لله ﷾ فيها حكمة، ونحن نلمس شيئًا من هذه الحكم، ولو لم يكن في ذلك إلا قيام سوق العبودية لله وحده لا شريك له، بأن يعبده العابدون، ويتوكل عليه المتوكلون، ويطلب رحمته المسترحمون، ويتوجه إليهم ﷾ المحتاجون المضطرون، ويخافه الخائف، ويرجوه الراجي، كل هذه الأمور من أمور العبودية الكبار العظام لا تتحقق إلا بما كان من أمر الله ﷾ وقدره، وهو وجود الناس وابتلاؤهم وامتحانهم، ووجود الخير ووجود الشر، ووجود الكفر، ووجود الطاعات والإيمان إلى آخره، والله ﷾ أقام الحجة على عباده، وهذا هو أهم شيء، فلا تسأل ربك بلمَ؛ لأن هذا السؤال إنما هو سؤال عن سر القدر، أي: سر تقدير الله، فلو جاء واحد وقال: لماذا الناس كلهم فيهم غني وفيهم فقير؟ فهذا سؤال عن سر القدر، فنقول: هكذا أراد بإرادته، ولو شاء الله ﷾ لجعل الناس كلهم أغنياء.
فالمهم أن الحجة قد قامت عليك أيها العبد! فقد أعطاك الله عقلًا، وأعطاك الله إرادة، وأعطاك الله قدرة، وأرسل لك الرسل، وأنزل عليك الكتب، وبين لك الطريق، وأمرك ونهاك، وقال: إن عملت خيرًا فاحمد الله، وإن عملت شرًا فلا تلومن إلا نفسك.
والله أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
[ ١٠ / ٢٧ ]