أهل السنة والجماعة يعرفون للنبي ﷺ منزلته العالية، ومكانته العظيمة، فلا يغلون فيه، ولا يجفون عنه؛ بل يقولون عنه ما أرشدهم نبيهم أن يقولوا عنه: عبد الله ورسوله، فهو عبد فلا يعبد، ورسول يطاع ولا يعصى.
ويعرفون أيضًا فضل صحابته الأطهار، الأماجد الأخيار، وينزلونهم منازلهم من غير وكس ولا شطط، ويؤمنون أن أولى الناس بالإمامة والخلافة بعد رسول الله ﷺ هو أبو بكر ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ويحبون أزواج النبي ﷺ أمهات المؤمنين ويترضون عنهم وعن الصحابة أجمعين، كما أنهم يدينون بالسمع والطاعة لأئمة المسلمين، ويرون الجهاد معهم، والصلاة خلفهم، ولو كانوا فجرة ما لم يظهروا كفرًا بواحًا، كما أنهم لا يرضون التسمي بغير الإسلام والسنة وكفى بهما تسمية وشرفًا.
[ ١٢ / ١ ]
حقوق النبي ﷺ وخصائصه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل: ومحمد رسول الله ﷺ خاتم النبيين، وسيد المرسلين] .
وهذا في بيان بعض حقوقه ﷺ، وما يجب له، ولهذا فإن الأمر يتعلق بقضيتين اثنتين بالنسبة للرسول ﷺ: إحداهما: ما هو الواجب على كل مسلم بالنسبة لهذا الرسول ﷺ.
والأخرى: ما هي خصائص الرسول ﷺ التي تميز بها عن غيره من الأنبياء.
[ ١٢ / ٢ ]
حقوق النبي ﷺ
أما الأولى: فهي القضية الإيمانية المرتبطة بشهادة أن محمدًا رسول الله، ولهذا فإن هذه الشهادة مقتضاها عدة أمور، سأشير إليها فقرة فقرة باختصار شديد: أولها: تصديقه في كل ما أخبر به.
ثانيها: طاعته في كل ما أمر به.
ثالثها: اجتناب ما نهى عنه الرسول ﷺ.
رابعها: ألا يعبد الله إلا بما شرعه ﷺ.
خامسها: الإيمان بأنه بلغ البلاغ المبين، فما انتقل إلى الرفيق الأعلى إلا وقد بلغ جميع ما أنزل إليه من ربه.
سادسها: الإيمان بأنه ﷺ خاتم النبيين، ولا نبي بعده، فمن اعتقد أن هناك نبيًا بعده، وأن نبوته صحيحة، فإنه قد انتقضت عليه شهادة أن محمدًا رسول الله.
وقد سبق بيان أن نزول عيسى ﵊ في آخر الزمان لا يتعارض مع ما هو مقرر من أن محمدًا خاتم النبيين.
سابعها: محبته ﷺ، وهي محبة واجبة، وتقديم هذه المحبة على محبة النفس والولد والوالد والناس أجمعين، كما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده وماله ونفسه والناس أجمعين) .
هذه أهم القضايا التي هي قضايا واجبة، وهي من مقتضيات شهادة أن محمدًا رسول الله.
[ ١٢ / ٣ ]
االنبي ﷺ خاتم النبيين وسيد المرسلين
ومن خصائصه ﷺ أنه ﵊ خاتم النبيين، فلا نبي بعده.
ومن خصائصه أنه سيد المرسلين، وسيد الأولين والآخرين، ولهذا فإن أفضل الأنبياء والرسل هم الرسل، وأفضل الرسل هم أولو العزم، والقول الصحيح أنهم الخمسة المذكورون في قول الله ﷾: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب:٧] .
وأفضل هؤلاء الخمسة محمد ﷺ، فهو أفضل الأنبياء والرسل، ولما كان الأنبياء والرسل هم أفضل الأمم، والرسول هو أفضل الرسل، فهو سيد ولد آدم، وهو أفضل خلق الله ﷺ.
ثم يقول المصنف: [ولا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته، ويشهد بنبوته] .
أي: أن يؤمن أنه رسول، وأن يشهد أنه نبي من أنبياء الله ﷾.
[ ١٢ / ٤ ]
اختصاصه ﷺ بالشفاعة العظمى
ثم يقول: [ولا يقضى بين الناس في القيامة إلا بشفاعته] .
أي: لابد من الإيمان بهذه الخصيصة له ﷺ، وهي أنه صاحب الشفاعة العظمى، وقد سبق بيانها.
وأحب أن أشير هنا إلى أن قول الله ﷾: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩]، قال كثير من المفسرين: المقام المحمود هو شفاعة محمد ﷺ، حينما يطلب الخلائق جميعًا من ربهم ﷾ فصل القضاء بينهم في العرصات، فيبحثون عن شفيع لهم عند الله ﷾، فيأتون آدم، ثم نوحًا، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، إلى أن ينتهوا إلى رسول الله ﷺ.
وورد أيضًا أن المقام المحمود هو استفتاح الجنة، وأن النبي ﷺ هو الذي يستفتح باب الجنة فيفتح له، وأن خازن الجنة حينما يقرع عليه رسول الله ﷺ بابها يقول: من؟ فيقول: محمد، فيقول: لقد أمرت بألا أفتح إلا لك؛ ولهذا يفتح للنبي ﷺ، ويدخل وتدخل أمته، ولهذا ورد عن النبي ﷺ أنه قال (نحن الآخرون السابقون)، أي: نحن جئنا في آخر الزمان لكننا السابقون يوم القيامة، أي: أننا نسبق الأمم جميعًا، فأمة محمد ﷺ هي أكثر الأمم داخلًا الجنة يوم القيامة، وكذلك أيضًا هي أول الأمم دخولًا إلى الجنة، نسأل الله الكريم من فضله.
ولهذا قال المصنف ﵀: [ولا يدخل الجنة أمة إلا بعد دخول أمته] .
[ ١٢ / ٥ ]
إثبات لواء الحمد للنبي ﷺ
ثم قال المصنف: [صاحب لواء الحمد] .
ولواء الحمد ورد بيان شيء من معناه في حديث الرسول ﷺ الذي رواه أبو سعيد الخدري ﵁ أنه قال: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذٍ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر)، هذا الحديث بتمامه رواه الترمذي، وهو حديث صحيح، لكن أوله: (أنا سيد ولد آدم) وآخره: (وأنا أول من تنشق عنه الأرض)، هو في صحيح مسلم، لكن ما يتعلق بالموضوع وهو قوله: (وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما نبي يومئذٍ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي) هذا هو الذي رواه الترمذي، وهو حديث صحيح.
وهذا اللواء للرسول ﷺ معناه أنه يكون قائد المرسلين، وقائد الأمم، ومن علامات هذه القيادة الشفاعة العظمى، ومن علاماتها دخوله ﵊ وأمته الجنة أول الداخلين.
[ ١٢ / ٦ ]
إثبات المقام المحمود والحوض المورود للنبي ﷺ
قال المصنف: [والمقام المحمود] الذي هو الشفاعة العظمى وسبق بيانه، [والحوض المورود] وهو أكبرها، وورد أن لكل نبي حوضًا، وقد سبق بيان ذلك.
قال المصنف: [وهو إمام النبيين وخطيبهم] .
فهو إمامهم وسيدهم ﵊، وهو أيضًا خطيبهم، ولهذا ورد هذا في حديث حسن رواه أبي بن كعب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا كان يوم القيامة كنت إمام النبيين، وخطيبهم، وصاحب شفاعتهم، من غير فخر)، فهو ﷺ الإمام، وهو الخطيب، وهو صاحب الشفاعة، ولهذا فإنه ﷺ يقوم يوم القيامة مقامًا يحمده عليه جميع الخلائق.
[ ١٢ / ٧ ]
فضل أمة النبي ﷺ
قال المصنف: [وصاحب شفاعتهم، أمته خير الأمم] .
أمة النبي ﷺ هي خير الأمم، وعدد من يدخل الجنة منها أكثر ممن يدخل من الأمم، ومن ثمَّ تميزت هذه الأمة بعدد من الفضل والخير العميم، فكانت خير الأمم جميعًا، ولو لم يكن إلا أن عدد الداخلين إلى الجنة من أهلها أكبر، لكان كافيًا في بيان أفضليتها.
[ ١٢ / ٨ ]
فضائل الصحابة ﵃
[ ١٢ / ٩ ]
فضل أصحاب رسول الله ﷺ
قال المصنف: [وأصحابه خير أصحاب الأنبياء ﵈] .
وهذا أيضًا من خيرية هذه الأمة، فأصحاب النبي ﷺ هم أفضل صحابة نبي، فهم خير من صحابة إبراهيم، ومن صحابة نوح، ومن حواريي عيسى، ومن أتباع موسى؛ ولهذا فإن هؤلاء الصحابة ﵃ وأرضاهم لهم من الفضل العظيم ما يجب أن يحفظه كل مسلم لهم؛ وقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: (خير القرون قرني، ثم الذي يلونهم، ثم الذي يلونهم، ثم يلونهم)، ومثل هذا الحديث قوله ﷺ: (لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)، والمد ربع الصاع والنصيف نصف الصاع، وهذا لبيان فضلهم.
وينبغي أن تعلموا أن فضل هؤلاء الصحابة إنما هو لصحبتهم لرسول الله ﷺ، ولهذا فإن الصحابي هو من لقي النبي ﷺ، واجتمع به مؤمنًا به ﵊، ومات على ذلك.
فيخرج بذلك من لقيه وهو كافر، ثم لم يجتمع به بعد ذلك ولو آمن، ويخرج أيضًا من لقيه وهو مؤمن ثم ارتد ومات كافرًا.
وهؤلاء الصحابة لهم أفضلية الصحبة التي لا يشاركهم فيها أحد ممن جاء بعدهم مهما بلغ عمله، وقد يقول قائل: فما معنى حديث: (يأتي في آخر الزمان أناس يكون أجر العامل منهم كأجر خمسين منكم)؟ فنقول: نعم، قد يأتي بعد الصحابة من هو أكثر عملًا، أي: أن أعماله الصالحات كثيرة أكثر من بعض آحاد الصحابة، فيكون أكثر منه عملًا بهذا الخصوص، ولكن هذا العمل كله لا يبلغ درجة الصحبة، أي أن ذلك الصحابي نال أفضلية خاصة اسمها درجة الصحبة، لا يبلغها ولا ينالها أحد إلا من كان صحابيًا، أما من جاء بعده ولو عمل ما عمل فإنه لا ينال هذه الدرجة، فهي درجة تشريف وفضل أجره عظيم عند الله، ولا يعلمها إلا الله ﷾، ومن ثمَّ فإنه لا يناله إلا من كان صحابيًا، أما من جاء بعده فقد يكون له من العمل ما ينال به أجرًا كثيرًا عند الله ﷾، فوضح الفرق بين الأمرين.
[ ١٢ / ١٠ ]
عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة
ثم إن المصنف رحمه الله تعالى بدأ يقرر ما يتعلق بأصحاب النبي ﷺ وعقيدة أهل السنة فيهم، فإن عقيدة أهل السنة فيهم هي الترضي عنهم جميعًا، وأن منهم المهاجرين، ومنهم الأنصار، وأن بعضهم أفضل من بعض بنص القرآن الكريم، كما قال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد:١٠] فدل على أن بعضهم أفضل من بعض، لكن هؤلاء الصحابة نترضى عنهم جميعًا.
[ ١٢ / ١١ ]
إمامة أبي بكر ﵁
وربما يأتي بعد قليل ما يتعلق بهدي الصحابة ﵃، لكن المصنف ابتدأ بقضية من القضايا الكبرى في منهج أهل السنة والجماعة، إلا وهي قضية الإمامة بعد الرسول ﷺ، فأهل السنة والجماعة رحمهم الله تعالى يقولون ما قاله المصنف هنا حين قال: [وأفضل أمته أبو بكر الصديق] .
وهو عبد الله بن عثمان ﵁ وأرضاه، شهرته تغني عن التعريف به، فـ أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه هو أفضل الأمة على الإطلاق عند أهل السنة والجماعة، وعندهم أيضًا أنه هو الإمام الحق بعد رسول الله ﷺ.
وأما كيف ثبتت له الإمامة؟ فاختلف العلماء في ذلك: فبعضهم قال: ثبتت له بالنص، مثل قول الرسول ﷺ: (اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر)، ومثل قول الرسول ﷺ للمرأة التي سألته وواعدها من العام القادم قالت: (فإن لم أجدك يا رسول الله؟! قال: تجدين أبا بكر)، ومثل قوله: (مروا أبا بكر فليصل بالناس)، ومثل قوله: (يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر)، ومثل حديث القليب حين دلى ﷺ رجليه في القليب، فجاء أبو بكر وجلس عن يمينه، ثم جاء عمر وجلس عن شماله، فأول ذلك بخلافتهم إلى آخره.
وبعض العلماء قالوا: إن خلافة أبي بكر ﵁ وأرضاه إنما ثبتت بمبايعة الصحابة له بعد توجيه النبي ﷺ وإشارته عليهم بأن يختاروه.
وهذا القول الثاني هو الصحيح، والدليل عليه حديث عمر ﵁ وأرضاه، لما قيل له حين طعن: استخلف، فقال: (إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني -يعني: أبا بكر - وإن لا أستخلف فلم يستخلف من هو خير مني) يعني رسول الله، فهذا دليل على أن الرسول لم يستخلف أبا بكر.
هذا الدليل الأول.
والدليل الثاني: أنه لو كان الرسول ﷺ قد نص على أبي بكر لما تخلف الصحابة عن مبايعته لحظة، ولما كان هناك حاجة إلى اجتماع السقيفة، ولما جرى فيها كلام، ولا بايعوا أبا بكر، أي: أنه لو جاءهم واحد من الصحابة وقال: سمعت الرسول يقول: بايعوا أبا بكر، لبايعوه ولما ترددوا، لكن الصحابة فهموا ذلك من إنابته في الصلاة، ومن بعض أحاديثه، ولأنه كان يحب أن يكون هو من بعده، ثم إن الرسول عزم على أن يكتب كتابًا، ولكن لما اختلف الصحابة واشتد اللغط قال لهم: (قوموا)، فهذه الكتابة يحتمل أن تتعلق ببعض الأحكام مثل أحكام الجدة والعول والجد والإخوة والعقل، وغير ذلك من الأحكام التي تمنى الصحابة أن يكون الرسول ﷺ قد بلغهم علم عنها، ويحتمل أنه قد كان أراد أن يكتب لـ أبي بكر كتابًا يوصي فيه بأن يكون هو الخليفة من بعده.
[ ١٢ / ١٢ ]
طعن الرافضة في رسول الله لعدم وصيته لعلي
وهنا ملحوظة صغيرة هي أن بعض الرافضة يقولون: إنه لما حدث اللغط، وقد كان الرسول أراد أن يكتب بالخلافة لـ علي، قال عمر: حسبنا كتاب الله، فاختلف الصحابة، فغضب النبي ﷺ وقال: (قوموا عني، ما كان لصحابة نبي أن يختلفوا عنده)، فهؤلاء يقولون: إن هذه مؤامرة، وإن الرسول أراد أن يكتب الوصية لـ علي، لكن لما علموا أنه سيكتب لـ علي قاموا وفعلوا هذا الفعل لأجل ألا يكتب الرسول ﷺ! وهذه فرية سخيفة، ويدل على سخفها أن الرسول بدأ معه المرض أيامًا، واشتد عليه يوم الخميس، ثم إن النبي ﷺ ما توفي إلا يوم الإثنين، فلو كان عازمًا على أن يولي عليًا أو غيره فهل يرده راد؟
الجواب
لا يمكن أن يرده راد أبدًا، ولا يمكن أن يكتم الرسول ﷺ شيئًا.
ومن تأمل قضية الإمامة يرى أن الأحق بها هو أبو بكر، لكن يقول الرافضي عليه لعنة الله: صاحب المشكلة هو صاحب القبر! يعني: الرسول ﷺ؛ لأنه هو الذي قال: (مروا أبا بكر فليصل بالناس)، وقال: (اقتدوا بـ أبي بكر وعمر)، وقال للمرأة: (تجدين أبا بكر)، فالرسول ﷺ في زعم هذا الرافضي الخبيث هو صاحب المشكلة.
إذًا: هذا إقرار منهم بأن اختيار الصحابة ﵃ وأرضاهم لـ أبي بكر بأن يكون خليفة من بعده كان اختيارًا موافقًا لرغبة رسول الله ﷺ.
[ ١٢ / ١٣ ]
كيف تمت مبايعة أبي بكر
قال بعض العلماء: وإنما لم يكتب الرسول لـ أبي بكر كتابًا لما علم أن الصحابة لن يعدلوا به غيره، وهذا هو ما حصل، فإنه باجتماع السقيفة جرى ما جرى بين الأنصار والمهاجرين، ثم بويع أبو بكر، وأبو بكر ﵁ وأرضاه لم يكن مترتبًا للخلافة، ولهذا جاء في حديث السقيفة أنه لما أراد عمر أن يتكلم أجلسه أبو بكر، ثم تكلم أبو بكر وأحسن الكلام، وتكلم مع الأنصار بكلام عظيم، وقال: (إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش، وإني قد رضيت لكم أحد هذين فبايعوهم يعني عمر بن الخطاب أو أبا عبيدة)، فقام عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه، وقال: (لقد رضيك رسول الله ﷺ لديننا -يقصد: الصلاة- أفلا نرضاك لدنيانا، مد يدك)، فبايعه عمر، وبايعه المسلمون، وأجمعوا على مبايعته حتى علي ﵁ وأرضاه كان من المبايعين له، وإن ورد في بعض الروايات أنه تأخر قليلًا جبرًا لخاطر فاطمة ﵂ وأرضاها؛ لأنها ﵂ وأرضاها ظنت أن لها ميراثًا من رسول الله ﷺ، فطلبته من أبي بكر، فأبى أبو بكر ﵁ وأرضاه أن يعطيها هذا الميراث الموجود؛ لنص عنده، وهو أن النبي ﷺ قال (إنا معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة) .
فهي رأت أن لها ميراثًا وأبو بكر رأى أن ميراث رسول الله ﷺ هو مال للمسلمين، فلما لحقت فاطمة البتول ﵂ وأرضاها بأبيها بايع علي ﵁ وأرضاه، وفي بعض الروايات أنه بايع قبل ذلك.
وعلى القول الثاني فإنه بايع وعاش مع أبي بكر وعمر وعثمان وزيرًا لهم، مؤيدًا لهم، ناصحًا لهم، قاضيًا لهم، حتى كان عمر ﵁ وأرضاه يقول: (قضية ولا أبا حسن لها) يعني أن أي قضية ليس لها غير أبي الحسن علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه.
فقد كانوا إخوة متآخين في الله، حتى وإن جرى بينهم ما جرى، فقد جرى من الفتن بينهم ما جرى، وكلهم مجتهدون، ولذا قال علي ﵁ وأرضاه: (إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير ممن قال الله ﷾ فيهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧])، لكن الذي أفسد بين المؤمنين وفرق بينهم، وسب صحابة نبيه ﷺ، هم أولئك الرافضة عليهم من الله ما يستحقون.
[ ١٢ / ١٤ ]
خلافة عمر وعثمان وعلي ﵃
قال المصنف: [ثم عمر الفاروق] .
وعمر بن الخطاب هو الخليفة بعد أبي بكر باستخلاف أبي بكر له، ثم ببيعة المسلمين جميعًا.
قال المصنف: [ثم عثمان ذو النورين] .
وعثمان ﵁ وأرضاه تولى الخلافة بعد ما استشهد عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه، وذلك بعد أن جعل الأمر شورى في الستة، وبعد أن تشاوروا اجتمعوا على عثمان ﵁ وأرضاه، وبايعه جميع الصحابة، وعلى رأسهم علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ثم علي المرتضى، ﵃ أجمعين] .
ثم الخلافة من بعده لـ علي ﵁ وأرضاه بإجماع المسلمين، ولم يخالف أحد في أنه ﵁ هو الأحق بالخلافة.
[ ١٢ / ١٥ ]
الأدلة على أفضل الخلفاء الراشدين ﵃
وهؤلاء الأربعة كل واحد له من الفضل العظيم ما ذكرته كتب الفضائل: فـ أبو بكر له فضائل، وعمر له فضائل، وعثمان له فضائل، وعلي له فضائل، ولو سردنا فضائل كل واحد منهم لقلت: ما أعظم هذه الفضائل، فكل واحد منهم له المنزلة والمكانة الرفيعة عند أهل السنة والجماعة.
قال المصنف: [لما روى عبد الله بن عمر ﵄ قال: (كنا نقول والنبي ﷺ حي: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، فيبلغ ذلك النبي ﷺ فلا ينكره)] .
هذا الحديث رواه الطبراني، ومسلم وغير واحد، فهو صحيح، لكن الإشكال في عبارة المصنف في قوله: (ثم علي)، وأقول: لعلها هي الصواب.
وقوله: (أبو بكر ثم عمر ثم عثمان) هذا دليل على أن الصحابة مجمعون على تقديم هؤلاء الثلاثة ﵃ وأرضاهم.
قال المصنف: [وصحت الرواية عن علي ﵁ أنه قال: (خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، ولو شئت لسميت الثالث)] .
وقد ورد في بعض الروايات أنه قيل له: ثم أنت، فقال علي ﵁ وأرضاه تواضعًا: (وهل أنا إلا رجل منكم)، ولهذا أجمع العلماء على تقديم أبي بكر ثم عمر، ثم قال جماهير أهل السنة: إن الأفضل بعد عمر هو عثمان، ثم بعد ذلك علي، وقليل جدًا من أهل السنة من قالوا: علي أفضل من عثمان.
والقول الصحيح في هذه المسألة هو أن عثمان أفضل من علي، ولهذا ورد عن بعض السلف رحمهم الله تعالى أنه قال: من قدم عليًا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار.
أي: لأنهم هم الذين اختاروه، كما في قصة مشاورة عبد الرحمن بن عوف بالخلافة، وكيف أنه أخذ يداول الأمر بين الصحابة جميعًا، ثم قال عند البيعة: (يا علي! لقد رأيت الناس لا يعدلون بـ عثمان، تعال يا عثمان فامدد يدك أبايعك، فبايعه)، فدل على أن الغالبية العظمى من أصحاب النبي ﷺ كانوا يقدمون عثمان على علي ﵁ وأرضاه.
وأما من قال بخلاف ذلك من أهل السنة فنقول: إن قوله مرجوح.
[ ١٢ / ١٦ ]
ترتيب الخلفاء الراشدين في الفضل كترتيبهم في الخلافة
قال المصنف: [وروى أبو الدرداء عن النبي ﷺ أنه قال: (ما طلعت الشمس ولا غربت بعد النبيين والمرسلين على أفضل من أبي بكر)] .
هذا ذكره المصنف وهو مما رواه أبو نعيم في الحلية وغيره، لكن في فضائل أبي بكر ﵁ وأرضاه أحاديث كثيرة أخرى موجودة في كتب الفضائل.
ولهذا ذكر المصنف رحمه الله تعالى قضية الخلافة بعد ذكر الأفضلية فقال: [وهو أحق خلق الله بالخلافة بعد النبي ﷺ؛ لفضله، وسابقته، وتقديم النبي ﷺ له في الصلاة على جميع الصحابة ﵃، وإجماع الصحابة على تقديمه ومبايعته، ولم يكن الله ليجمعهم على ضلالة] .
وهذه أدلة قوية مختصرة ذكرها المصنف واحدًا واحدًا، فذكر فضله وسابقته في الإسلام، وتقديمه في الصلاة، وإجماع الصحابة عليه، وما كان الله ليجمع هذه الأمة على ضلالة، فهذا يدل على أن أبا بكر الصديق ﵁ وأرضاه هو أحق بالخلافة.
ثم من بعد أبي بكر قال المصنف: [ثم من بعده عمر ﵁؛ لفضله وعهد أبي بكر إليه] .
ونقول أيضًا: ولمبايعة جميع الصحابة له؛ حيث لم يتخلف عن ذلك أحد.
ثم قال: [ثم عثمان ﵁؛ لتقديم أهل الشورى له] .
أي إن الأحق بالخلافة عند أهل السنة والجماعة هو عثمان؛ بتقديم أهل الشورى له.
قال المصنف: [ثم علي ﵁؛ لفضله وإجماع أهل عصره عليه] .
أي أن عليًا ﵁ هو الإمام الرابع، وهذا أيضًا واضح.
ثم قال المصنف: [وهؤلاء الخلفاء الراشدون المهديون الذين قال رسول الله ﷺ فيهم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ)،] .
والنواجذ هي الأضراس، وهؤلاء الخلفاء الأربعة هم المهديون، وهم الذين يجب أن نتبع سنتهم وطريقتهم ﵃ جميعًا.
قال المصنف: [وقال ﷺ: (الخلافة من بعدي ثلاثون سنة)] .
وهذا حديث صحيح رواه أحمد وأبو داود وغيره من حديث سفينة مولى رسول الله ﷺ.
قال المصنف: [آخرها خلافة علي ﵁] .
لأن نهاية خلافة علي والحسن كانت عام (٤١هـ) والرسول ﷺ انتقل إلى الرفيق الأعلى سنة إحدى عشرة من الهجرة، فالمدة منذ وفاة الرسول ﷺ إلى خلافة معاوية ﵁ وأرضاه تبلغ ثلاثين سنة، وهذا موافق لما جاء في حديث الرسول ﷺ: (الخلافة من بعدي ثلاثون سنة) .
[ ١٢ / ١٧ ]
فضل العشرة المبشرين بالجنة
ثم قال المصنف بعد ذلك: [ونشهد للعشرة بالجنة] .
وهذا أيضًا مما يختص به أصحاب النبي ﷺ، فإن هؤلاء العشرة المبشرين بالجنة لهم من الفضل ما هو معروف.
قال المصنف: [كما شهد لهم النبي ﷺ فقال: (أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة -وهو ابن عبيد الله - في الجنة، والزبير -وهو ابن العوام - في الجنة، وسعد - وهو ابن أبي وقاص - في الجنة، وسعيد -وهو ابن زيد بن عمرو بن نفيل - في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة)] .
ولكل واحد من هؤلاء العشرة خصائص.
[ ١٢ / ١٨ ]
الكلام على الشهادة بالجنة والنار
[ ١٢ / ١٩ ]
نشهد بالجنة لكل من شهد له الرسول ﷺ بها
ثم قال المصنف مقررًا لقاعدة من قواعد أهل السنة والجماعة: [وكل من شهد له النبي ﷺ بالجنة شهدنا له بها] .
فأهل السنة والجماعة يشهدون بالجنة لمن شهد له الرسول ﷺ، أما من لم يشهد له الرسول فإنه يشهد له شهادة عامة، فيقال: كل من مات من المؤمنين فهو من أهل الجنة، نرجو له ذلك.
لكن لا نشهد بأن فلانًا بعينه في الجنة إلا لمن شهد له الرسول مثل العشرة، ومثل ما أورده المصنف هنا في قوله: [كقوله: (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة)] .
أي: فنشهد لهما ﵄ وأرضاهما أنهما من أهل الجنة.
قال المصنف: [وقوله لـ ثابت بن قيس: (إنه من أهل الجنة)] .
وهذا أيضًا ثبت في الحديث الصحيح، وثابت بن قيس صحابي كان جهوري الصوت، ولما نزل قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:٢]، خاف أن يكون هو المقصود، فقال: (أنا جهوري الصوت، وأرفع صوتي، فأخاف أن عملي قد حبط)، ولهذا ورد أنه بقي في بيته وقال: (والله لا أخرج منه حتى يرضى عني رسول الله ﷺ أو أموت)، وفي إحدى الروايات عند ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم وغيرهما: أنه ﵁ وأرضاه حبس نفسه في اصطبل الفرس، وأمر زوجته بأن تضرب مسمارًا على صاج الباب؛ ليكون ذلك تصبيرًا نهائيًا، وقال: (والله لأبقين في هذا المكان حتى يرضى عني رسول الله ﷺ أو أموت)، فلما أخبر النبي ﷺ بما جرى لهذا الصحابي الجليل قال ﷺ: (أخبروه وبشروه أنه من أهل الجنة)، فلما بشر بذلك ما استطاع أن يخرج بسبب المسمار؛ لأنه كان قد سمره تسميرًا نهائيًا ﵁ وأرضاه، فكسر المسمار، وفتح الباب وخرج.
ومثله أيضًا عكاشة بن محصن، ومثله خديجة بنت خويلد؛ فإن النبي ﷺ شهد لهما بالجنة، ومثله الرميصاء ﵂ وأرضاها، فإن النبي ﷺ سمع لها صوتًا في الجنة فقيل: من هذه؟ قيل: هذه أرجل الرميصاء بنت ملحان، ﵂ وأرضاها، وهي التي تزوجها أبو طلحة، فكان مهرها الإسلام، فإنه خطبها وهو مشرك، فقالت: لا أقبل وأنت على الشرك، لكن إن أسلمت فيكفيني مهرًا، فأسلم أبو طلحة، وتزوجها، فكان مهرها الإسلام.
فمن شهد لهم النبي ﷺ بالجنة فإنا نشهد لهم.
[ ١٢ / ٢٠ ]
لا نجزم بالنار إلا لمن جزم له الرسول ﷺ
ثم قال المصنف في المقابل: [ولا نجزم لأحد من أهل القبلة بجنة ولا نار، إلا من جزم له الرسول ﷺ] .
بالنسبة لأهل الجنة نشهد لمن سبق، وبالنسبة لأهل النار نجزم بها لـ أبي لهب عبد العزى بن عبد المطلب، ونجزم بها لزوجته؛ لورود النص القرآني بذلك، كما نجزم أن عمرو بن لحي من أهل النار؛ لقول النبي ﷺ: (رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار)، فمن شهد له الرسول ﷺ بأنه من أهل النار فنشهد أنه من أهلها، نسأل الله السلامة والعافية.
[ ١٢ / ٢١ ]
عقيدة أهل السنة والجماعة في الحكم على المعين بجنة أو نار
ثم قال المصنف: [لكن نرجو للمحسن، ونخاف على المسيء] .
وهذا هو منهج أهل السنة والجماعة، فنحن نرجو للمحسن أنه من أهل الجنة، ونخاف على المسيء من عذاب الله تعالى.
أما الشهادة العامة فنطلقها، ونقول: كل من مات على الإيمان نشهد أنه من أهل الجنة، وكل من مات على الكفر نشهد أنه من أهل النار، لكن الكلام هنا في الشهادة لمعين، فأي معين لا نشهد له بجنة ولا بنار، فلا نقطع أن من مات على الكفر من أهل النار؛ لاحتمال أنه تاب وأنت لم تعلم بذلك، فأنت لا تشهد، لكن إذا رأيت كافرًا أو كفارًا فبشرهم بالنار، كما ورد عن النبي ﷺ، لكن لا تجزم بأن الشخص الفلاني من أهل النار، إلا إذا جاء الدليل؛ لأن هناك احتمالًا أن يكون قد أسلم ومات على ذلك.
ولسنا نحن الذين ذكرنا هذا؛ لأن بعض الناس يخاف من مثل هذا الكلام، بل هذا منهج، فنحن نقطع بأن كل من مات وهو على الإيمان فهو من أهل الجنة، وكل من مات وهو على الشرك والكفر فهو من أهل النار، لكن لا نشهد لفلان وفلان إلا لمن دل عليه النص.
[ ١٢ / ٢٢ ]
منهج أهل السنة والجماعة في الحكم على أصحاب الذنوب والكبائر
ثم انتقل المصنف رحمه الله تعالى إلى قضية من قضايا الأحكام وهي مسألة التكفير فقال: [ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب، ولا نخرجه عن الإسلام بعمل] .
أي: بعمل كبيرة، فمنهج أهل السنة والجماعة أنهم لا يكفرون أحدًا من أهل القبلة بالذنوب كما فعلت الخوارج، ولا يخرجونهم من الإيمان بعمل كبيرة كما فعلت الخوارج، ولا يحكمون بخلودهم في النار، كما فعلت الخوارج والمعتزلة.
وليس معنى ذلك أن أهل السنة لا يكفرون أحدًا بأي ذنب مهما كان، وإنما المقصود بذلك الكبائر التي هي دون الشرك والكفر بالله تعالى، لهذا فإن من ارتكب مكفرًا فهو مذنب، وأهل السنة والجماعة يكفرون من سب الله تعالى، أو سجد لصنم وهو يعلم، أو أنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة، أو كان منافقًا، أو عمل ناقضًا من نواقض الإسلام، فأهل السنة والجماعة يقطعون بأن هذه الذنوب مكفرة لصاحبها، لكن مقصودهم هنا: أنهم لا يكفرون مرتكب الكبيرة غير المستحل لها، فالذين يعملون ما دون الشرك بالله مثل: آكل الربا، والزاني، والسارق، وشارب الخمر، والعاق لوالديه إلى آخره، فهؤلاء إذا ماتوا وهم على التوحيد فإنهم عند أهل السنة والجماعة في الدنيا غير كفار، ولهذا تقام عليهم الحدود، ويورثون، ويدفنون في مقابر المسلمين، وكذلك أيضًا يقول أهل السنة والجماعة: إنهم يوم القيامة تحت مشيئة الله؛ إن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم، وقد يُشفع لهم، ولا يخلدون في النار ولو دخلوها.
هذا هو منهج أهل السنة والجماعة.
أما الخوارج فعندهم أن كل من ارتكب كبيرة فهو كافر في الدنيا حلال الدم والمال، ويوم القيامة يكون مخلدًا في نار جهنم.
والإباضية -وهم طائفة من الخوارج- قالوا: هو في الدنيا كافر وفي الآخرة مخلد في نار جهنم.
والمعتزلة قالوا: إذا ارتكب كبيرة من هذه الكبائر خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر، فهو في منزلة بين المنزلتين، أي: أننا لا نستحل دمه وماله، لكن حكمه في الآخرة عندهم أنه خالد مخلد في نار جهنم، وهذا كله مخالف لمذهب أهل السنة والجماعة.
[ ١٢ / ٢٣ ]
موقف أهل السنة من أئمة الجور
[ ١٢ / ٢٤ ]
وجوب إقامة الحج والجهاد مع الإمام وإن كان فاجرًا
ثم انتقل المصنف رحمه الله تعالى إلى قضية أخرى تتعلق بالإيمان، فقال ﵀: [ونرى الحج والجهاد ماضيين مع كل إمام، برًا كان أو فاجرًا] .
وهذا أيضًا تقرير لمذهب أهل السنة والجماعة: أن السمع والطاعة واجبة للإمام الشرعي سواء كان برًا أو فاسقًا، وطاعته إنما هي في المعروف، وفي غير معصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة، فتجب الطاعة له ولو كان فاجرًا، أي: ولو كان مرتكبًا لكبيرة، كان كان ظالمًا يضرب هذا ويفعل مع هذا بعض الأفاعيل، هذه الأمور التي هي من قبيل الظلم والفسق والفجور لا ترفع طاعة هذا الإمام عند أهل السنة والجماعة، بل توجبها، وهذا قد دلت عليه الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ، ولهذا قال ﵊: (اسمع وأطع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك) .
ولما ذكر ﵊ الأمراء الذين يؤثرون أنفسهم بالأموال ونحوها، وأحيانًا يأمرون بالمنكرات، قال بعض الصحابة: (يا رسول الله! أفلا نناجزهم؟ -وفي بعض الروايات: أفلا نقاتلهم- فقال ﷺ: لا، حتى تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان) .
وورد عن النبي ﷺ أنه لما قيل له: (أفلا نقاتلهم؟ قال: لا، ما صلوا)، فدل هذا على أن الإمام تجب له السمع والطاعة، ولا يجوز الخروج عليه إلا أن يترك الصلاة، أو يأمر بترك الصلاة، أو أن يأتي بكفر بواح ظاهر عندنا من الله ﷾ فيه برهان، وهذا هو منهج جماهير أهل السنة والجماعة رحمهم الله تعالى.
ومن ثمَّ فإن الحج والجهاد أيضًا عند أهل السنة والجماعة ماضيان مع الإمام، سواء تولى الإمامة باختيار المسلمين له، أو باستخلاف من قبله، وحالة ثالثة ذكرها كثير من السلف: إذا تسلط بالقوة، وحكم بين الأمة بكتاب الله وبسنة رسوله ﷺ فالسمع والطاعة واجبة له، ففي هذه الحالات الثلاث يجب له السمع والطاعة، بشرط أن يحكم بين الأمة بالكتاب والسنة.
وكذلك أيضًا يجب الحج معه، فلا يأتي قائل ويقول: هذا فاجر، وعلى هذا فنحن هذه السنة لا نحج، فنقول: بل إذا قاد حجيج المسلمين فيجب الحج معه، وقد كان الخلفاء من قديم الزمان يقودون الحج، أو يرسلون من ينوب عنهم في قيادة الحج، وهذا كان موجودًا في زمن الدولة الأموية والعباسية، والمؤرخون في الحوليات إذا وصلوا إلى شهر الحج قالوا: وحج بالناس فلان، فيذكرون من حج بالناس، سواء كان الخليفة أو من ولاه أو غير ذلك.
وكذلك أيضًا الجهاد في سبيل الله، ولهذا قال علي ﵁ وأرضاه: (لابد لهذه الأمة من إمامة برة أو فاجرة.
قالوا: يا أمير المؤمنين! قد عرفنا البرة فما الفاجرة؟ قال ﵁ وأرضاه: الفاجرة حتى تحمي البيضة، وتقيم الحق، وتقيم الحدود) .
إذًا: الجهاد لا بد منه حتى مع الفاجر، فما دام مجاهدًا للكفار وللمشركين فيجب أن يكون المؤمنون معه مطيعين مجاهدين في سبيل الله، وكل هذه الأمور إنما هي ما دام يحكم بالكتاب والسنة، وما دام لم ينقض ذلك بكفر بواح ظاهر عندنا من الله ﷾ فيه برهان.
[ ١٢ / ٢٥ ]
الصلاة والجهاد مع الإمام ولو كان فاجرًا
ثم قال أيضًا: [وصلاة الجمعة خلفهم جائزة] .
مذهب أهل السنة والجماعة أن الصلاة خلفهم جائزة ولو كانوا فجارًا، ولو كان يعلم أن هذا الإمام أنه يؤخر الصلاة، أو أنه يشرب الخمر؛ فإن الصلاة خلفه جائزة، وقد ورد في ذلك أحاديث عن النبي ﷺ.
ثم قال المصنف: [قال أنس: قال النبي ﷺ: (ثلاث من أصل الإيمان: الكف عمن قال لا إله إلا الله)] .
قوله: (الكف) يعني: عدم الاعتداء على دمه وماله، فما دام قد أظهر الإيمان فنأخذه بظاهره، فإن كان باطنه كظاهره فالحمد لله، وإن لم يكن كذلك فإننا نحكم عليه بظاهره والله يتولى باطنه، إلا أن يظهر لنا ذنبًا آخر أو كفرًا وردة فيجب أن نقيم حد الردة عليه.
قال: [(الكف عمن قال: لا إله إلا الله، ولا نكفره بذنب، ولا نخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماض منذ بعثني الله ﷿ حتى يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل، والإيمان بالأقدار)، رواه أبو داود] هذا الحديث رواه أبو داود، لكنه حديث ضعيف، ضعفه المنذري وغيره، وسبب تضعيفه أن فيه يزيد بن أبي نشبة، ضعفه العلماء، لكن ما فيه من الإيمان بالأقدار، ومضي الجهاد، وأن لا نكفر أحدًا، كلها دلت عليها أدلة أخرى من أحاديث الرسول ﷺ.
والشاهد هو قوله: (لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل) أي: أن الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة.
[ ١٢ / ٢٦ ]
عقيدة أهل السنة فيما شجر بين الصحابة
[ ١٢ / ٢٧ ]
تولي أصحاب رسول الله ومحبتهم والترضي عنهم
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومن السنة تولي أصحاب رسول الله ﷺ، ومحبتهم، وذكر محاسنهم، والترحم عليهم، والاستغفار لهم] .
هذه من حقوق أصحاب النبي ﷺ، فيجب توليهم، ونصرتهم، والدفاع عنهم، ومحبتهم، والترضي عنهم جميعًا، وذكر محاسنهم حين يذكرون؛ لأنهم نقلة كتاب الله ونقلة سنة رسول الله ﷺ إلينا، ولهذا فنحن نستغفر لهم جميعًا، ونترضى عنهم جميعًا، ونترحم عليهم جميعًا.
[ ١٢ / ٢٨ ]
السكوت عما وقع بين الصحابة
ومن أهم ما يتعلق بهم ما قاله المصنف: [والكف عن ذكر مساوئهم، وما شجر بينهم] .
وهذا أصل عظيم من أصول أهل السنة والجماعة، فإن ما جرى بين الصحابة ﵃ وأرضاهم يجب الكف عنه، خاصة ما جرى في الجمل وصفين؛ فإن هؤلاء الصحابة كلهم كانوا مجتهدين، وصحيح أن بعضهم كان أحق من بعض، وأقرب إلى الحق من بعض، فـ علي ﵁ وأرضاه كان أحق من غيره، وكان ﵁ وأرضاه أفضل، لكن لا يجوز لنا في مقابل ذلك أن نطعن في بقية الصحابة: في عائشة أو في الزبير أو في طلحة أو في معاوية ﵃ جميعًا، بل يجب أن نكف عن ذكر مساوئهم وما شجر بينهم، ونقول كما قال أحد العلماء: تلك دماء طهر الله منها أيدينا فنحن نطهر منها ألسنتنا، فنترضى عنهم جميعًا، ونعتقد أنهم مجتهدون، ومن اجتهد منهم فأصاب فله أجران، ومن اجتهد منهم وأخطأ فله أجر واحد، وكلهم لهم الفضل ولهم القربى، فلا يجوز سبهم، ولا الطعن فيهم، فضلًا عن القول بردتهم، أو غير ذلك.
[ ١٢ / ٢٩ ]
اعتقاد فضل الصحابة ومعرفة سابقتهم
قال المصنف: [واعتقاد فضلهم، ومعرفة سابقتهم] .
فلهم الفضل، ولهم السابقة؛ فهم أصحاب النبي ﷺ، وهم حواريوه، وهم نقلة سنته.
قال المصنف: [قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر:١٠]] .
وهذه الآية في سورة الحشر جاءت بعد ذكر المهاجرين والأنصار، فقد ذكر الله الذين هاجروا، وذكر الذين تبوءوا الدار والإيمان، ثم ذكر الذي جاءوا من بعدهم فقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠]، وهذه الآيات هي في الفيء؛ لأن في الآيات السابقة: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الحشر:٧] إلى آخره، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ﴾ [الحشر:٩]، ثم قال: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ)، قال الإمام مالك ﵀ وتعالى وغيره: (من كان في قلبه غلٍ على أصحاب رسول الله ﷺ فليس له من الفيء شيء)، وهذا اجتهاد منه ﵁ وأرضاه؛ لأن الآية كانت في الفيء، وهذا منهج أهل السنة والجماعة.
ثم قال المصنف: [وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩]] .
وهذا أيضًا بيان لوصف أصحاب النبي ﷺ.
ثم قال المصنف: [وقال النبي ﷺ: (لا تسبوا أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)] .
وهذا الحديث رواه البخاري، فهو حديث صحيح، وقد ورد في المفاضلة بين صحابيين، ومع هذا قال النبي ﷺ للصحابي المتأخر: (لا تسبوا أصحابي)، قال العلماء: فإذا كان هذا في المفاضلة بين صحابيين فما الشأن في المفاضلة بين الصحابة وبين من بعدهم؟ فدلالة الحديث على أن من بعدهم لا يبلغ مد أحدهم ولا نصيفه أقوى وأكبر، وهذا ظاهر الدلالة لمن تأملها.
[ ١٢ / ٣٠ ]
الترضي عن أزواج النبي ﷺ
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى أيضًا: [ومن السنة: الترضي عن أزواج النبي ﷺ أمهات المؤمنين المطهرات المبرآت من كل سوء] .
وأزواج النبي ﷺ قد ألفت فيهن مؤلفات، وهن إحدى عشرة زوجة، فأزواج النبي ﵊ نترضى عنهن جميعًا، ونؤمن بأنهن زوجات النبي ﷺ في الدنيا وفي الجنة، ﵅ جميعًا.
[ ١٢ / ٣١ ]
أفضل أزواج النبي ﷺ خديجة وعائشة
قال المصنف: [أفضلهن خديجة بنت خويلد، وعائشة الصديقة بنت الصديق، التي برأها الله ﷾ في كتابه، زوج النبي ﷺ في الدنيا والآخرة، فمن قذفها بما برأها الله منه فقد كفر بالله العظيم] .
أفضل نساء النبي ﷺ خديجة، وعائشة، وقد سئل النبي ﷺ: (من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة، قيل: من الرجال؟ قال: أبوها) لكن أيضًا ورد في فضل خديجة فضائل، ولهذا قال العلماء: إن خديجة أيضًا متقدمة في الفضل، وعائشة ﵂ وأرضاها ما كانت تغار على أحد من أزواج النبي ﷺ وهن موجودات ما كانت تغار على خديجة؛ لكثرة ذكر النبي ﷺ لها، حتى إنه ﵊ كان يكرم صواحبها وقريباتها، فقد أتت امرأة عجوز فبش لها رسول الله ﷺ بشاشة لفتت انتباه عائشة ﵂ وأرضاها، فسألت الرسول ﷺ: من هذه العجوز؟ فقال ﷺ: (إن هذه كانت تأتينا أيام خديجة)، ﵅ جميعًا.
فـ خديجة لها فضل، وعائشة لها فضل، لكن عائشة تتميز بأنه يجب الترضي عنها، والإيمان بأنها زوجة النبي في الدنيا والآخرة، وتبرئتها مما برأها الله ﷾ منه في كتابه العزيز، فمن طعن فيها بعد نزول الآيات البينات فهو مرتد بإجماع المسلمين، وأما الرافضة فإنهم إلى الآن يقذفون عائشة، والواحد منهم إذا أراد أن يسب ابنته إذا وقعت في خطأ أو ذنب أو أراد أن يبلغ أقصى ما يريد من عقوبة بالنسبة لها فإنه يقول لها: يا عائشة! أو يا عويش! فحينئذٍ تبكي بكاءً مرًا طويلًا؛ لأنه شبهها بأم المؤمنين عائشة، وهذا منه -عليه من الله ما يستحقه- اتهام لـ عائشة بما برأها الله ﷾ من ذلك.
فمن اتهمها بعد نزول القرآن بما برأها الله ﷾ منه -أي: من اتهمها بالزنا- فهو مرتد لا شك في ردته، ويكون خارجًا عن دائرة الإسلام.
[ ١٢ / ٣٢ ]
حكم سب الصحابة ﵃
وبالنسبة لسب أصحاب النبي ﷺ فهذا السب على درجات: الأولى: إن سب الصحابة فيما يتعلق بدينهم وإيمانهم أو قال بردتهم، فهذا لا شك في كفره وردته.
الثانية: أن يسبهم باللعن والشتم والغضب ونحو ذلك، فهذا فيه قولان للعلماء: فبعضهم يقول هو مرتد، وبعضهم يقول إنه غير مرتد، لكن يعزر ويؤدب، والقول الراجح في هذا -والعلم عند الله- أنه لا يلعنهم إلا من كان خارجًا عن دائرة الإسلام.
الثالثة: أن يسب الصحابي بغير هذين النوعين، مثل أن يسبه ببخل، أو بجبن، كأن يقول: فلان الصحابي بخيل، أو جبان، أو نحو ذلك، فهذا يجب تعزيره وتأديبه؛ حتى يرتدع عن مثل هذه الكلمات.
[ ١٢ / ٣٣ ]
فضل معاوية ﵁
ثم قال: [ومعاوية خال المؤمنين] .
وإنما ذكر المصنف معاوية ﵁ لأن كثيرًا من الرافضة يطعن في هذا الصحابي الجليل؛ نظرًا لما جرى بينه وبين علي ﵁ وأرضاه في يوم صفين.
ومعاوية ﵁ وأرضاه هو كاتب الوحي، وهو مجتهد، صحيح أن عليًا أولى منه في الحق، لكنه مجتهد، وأراد الخير للمسلمين، لهذا فنحن نترضى عنه، ولا يجوز لنا أن نطعن فيه، ولا أن نسبه، ومن طعن فيه وسبه فحكمه حكم الساب لأصحاب النبي ﷺ.
وقوله: (خال المؤمنين)؛ لأنه أخو أم حبيبة بنت أبي سفيان ﵂ وعن أبيها وعن أخيها، وهي زوجة النبي ﷺ، والخال هو أخو الأم.
فهل يطلق على مثل معاوية أنه خال المؤمنين؟ صنيع المصنف هنا يدل على أنه يرى جواز الإطلاق، فمن كان أخًا لزوجة من أزواج النبي ﷺ فيصح أن يلقب بأنه خال المؤمنين؛ لأن زوجات النبي هن أمهات المؤمنين، وبعضهم لا يرى هذا الإطلاق والأمر فيه واسع.
ثم قال عنه: [وكاتب وحي الله، أحد خلفاء المسلمين، ﵃] .
ثبت أن معاوية من كتاب الوحي، ولو كان فيه شيء ما ائتمنه الرسول ﷺ على أعظم أمر، وهو أحد خلفاء المسلمين.
[ ١٢ / ٣٤ ]
موقف أهل السنة والجماعة من أئمة المسلمين وأمرائهم
ثم قال المصنف أيضًا: [ومن السنة السمع والطاعة لأئمة المسلمين وأمراء المؤمنين، برهم وفاجرهم ما لم يأمروا بمعصية الله؛ فإنه لا طاعة لأحد في معصية الله تعالى، ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به، أو غلبهم بسيفه حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين، وجبت طاعته، وحرمت مخالفته، والخروج عليه، وشق عصا المسلمين] .
أي: وحرم شق عصا المسلمين، وهذا بشرطين: أحدهما: أن يغلب بسيفه فيحكم بينهم بالكتاب والسنة.
الثانية: ألا يقع منه كفر بواح، وهذا الذي أشار إليه هو ما ذكره أئمة أهل السنة والجماعة رحمهم الله تعالى من أن الخلافة تثبت إما بالمبايعة العامة، أو بوصية من سبقه إليه، أو بأن يتغلب بسيفه، فإذا تغلب بسيفه وحكم بينهم بالكتاب والسنة فإنه تجب طاعته، والسمع له، ويحرم الخروج عليه.
[ ١٢ / ٣٥ ]
موقف أهل السنة والجماعة من هجران أهل البدع والخصومات معهم
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومن السنة هجران أهل البدع، ومباينتهم، وترك الجدال والخصومات في الدين] .
هجران أهل البدع ومبيانتهم من منهج أهل السنة والجماعة؛ لأن أهل البدعة سواء كانت بدعهم عقدية مثل الخوارج والمعتزلة وغيرهم، أو عملية مثل المتصوفة الذين يبتدعون الأوراد والأذكار ونحوها، فإن من منهج أهل السنة هجران هؤلاء؛ لأن في هجرهم ومباينتهم ردعًا لهم، وهذا من الولاء والبراء.
قوله: (وترك الجدال والخصومات في الدين)، أيضًا من منهج أهل السنة ترك المجادلات التي لا يقصد منها الحق، وهكذا ترك الخصومات في دين الله ﷾.
أما ما كان منها من قبيل المناقشات العلمية والردود الطيبة بالأسلوب الطيب فإن هذا قد وقع بين أصحاب النبي ﷺ، ورد بعضهم على بعض، مع حبهم لبعض، وكذلك أيضًا فيمن جاء بعدهم من التابعين والأئمة، فهذا لا شيء فيه.
أما الجدال بالباطل والخصومات الباطلة فإنها منهي عنها، وكذلك أيضًا بالنسبة لأهل البدع؛ فمن لم يرتدع منهم بهجره أو مباينته، وخيف من شره ومن شر بدعته على المسلمين، فإن الواجب الرد عليه ونقض بدعته، كما فعل أئمة أهل السنة والجماعة فيما بعد.
[ ١٢ / ٣٦ ]
خطر النظر في كتب أهل البدع والإصغاء إليهم
قال المصنف: [وترك النظر في كتب المبتدعة، والإصغاء إلى كلامهم] .
لأن المبتدعة قد يوردون شبهًا، ويميلون إلى ما تشابه من نصوص الكتاب والسنة، فإذا قرأ الإنسان كتبهم واطلع عليها وسمع كلامهم ربما تأثر بذلك، فالأصل أن تربى النفوس ويربى الطلبة على العقيدة الصحيحة، والأصل أيضًا ألا يمكَّن لأهل البدع، فلا يأتي قائل يقول: دعونا نتحاور، ودعه يا أخي يشرح بدعته، فنحن مع نبي وعقيدة سليمة لا نخاف، فنقول: كيف لا نخاف؟! فالبدعة إذا ظهرت وانتشرت في الكتب، أو سجلت البدعة في أشرطة، أو أذيعت بوسائل الإعلام، وسمعها الكثير، فربما أن عشرة أو عشرين أو ثلاثين من العلماء ومن طلاب العلم لا يتأثرون، لكن كم من صغار الطلبة، وكم من ضعفاء الناس وعامتهم من إذا سمع مثل هذه الشبه، واستقرت في نفسه وقلبه سيتأثر! فلا شك أن هناك كثيرين سيتأثرون، لهذا فمنهج أهل السنة والجماعة عدم السماح لهم، وعدم فتح الحوار معهم؛ لأن الحوار معناه إيذان بأنه قد يكون الحق معهم، والأمر واضح جدًا أنهم مبتدعون، والحوار ليس بين حق وباطل، لا نأتي إلى يهودي ونقول له: تعال نتحاور معك أمام العالمين وأمام المسلمين جميعًا، وإنما نقول: أنت مبطل من أول الطريق، ونقول للنصراني: أنت مبطل من أول الطريق، ولا نفتح الحوار معهم؛ لأن الحوار يكون في مسائل الاجتهاد بين علماء المسلمين وفقهائهم، هذا هو الحوار الذي يفيد وينفع، أما أن يؤتى بمبطل ويقال: تعال ربما يكون باطلك حقًا، فهذا خطأ، ولم يفعله السلف رحمهم الله تعالى.
ولهذا فإن السلف ما فتحوا باب الحوار، وإنما ناقشوا وردوا، فردوا في زمن محنة خلق القرآن على المعتزلة، وهكذا ردوا على القدرية، وردوا على الرافضة، وردوا على الخوارج، لكن لم يفتحوا باب الحوار معهم، وفرق بين هذا وهذا، ولهذا فإن من الواجب التربوي على الشباب وعلى المبتدئين في طلب العلم أن يغرسوا أولًا في أنفسهم العلم النقي الصافي من عقيدة السلف، ثم يأخذون مما عدا ذلك ما يحتاجون إليه، وحينما تنتشر بدعة أو حينما يظهر خطر شبهة أو نحو ذلك، يتعلمون الرد عليها بالطرق السليمة، وبمناهج سليمة، ومن علماء موثوقين.
أما أن يأتي إنسان فيقرأ في كتب الفلاسفة أو في كتب المتكلمين، وربما يمكث سنين طويلة، فإن هذا يخاف عليه أن يتشرب شبهة أو بدعة، وقد سبق أن ذكرنا مثالًا مهمًا جدًا وهو: أن النبي ﷺ قال: (من سمع منكم بـ الدجال فلا يذهب إليه)، وسبق أن بينا أن الدجال يؤيده الله بخوارق فتنة للناس: يأمر السماء فتمطر، ويأمر الأرض فتنبت، ويأمر الخربات فتأتي بكنوزها، ويقتل الرجل ويعيده، ولهذا يقول ﵊: (من سمع منكم بـ الدجال فلا يذهب إليه، فإن الرجل قد يسمع بـ الدجال فيقول: هذا هو الدجال الذي أخبرنا عنه الرسول، فإذا ذهب إليه ورآه وسمع منه لا يزال به حتى يصدقه)، ولا حول ولا قوة إلا بالله! فهنا جاء الخطر، وهذا الإنسان الذي صدق بالرسول ﷺ لو بقي بتصديقه وقال: لا حاجة لي في أن أذهب إلى الدجال لسلم، وهكذا نفس الشيء بالنسبة لكثير منا، فالبعض منا يقول: أنا عقيدتي قوية، وما عندي مانع أن أقرأ في كتب الفلسفة، أو في كتب المنطق، أو في كتب المفكرين اليساريين والشيوعيين والملاحدة، ثم لا يزال يقرأ ويقرأ حتى يتأثر، وكثير منهم قد لا يصل به ذلك إلى الإلحاد، لكن يضعف إيمانه ويضعف يقينه بالقرآن والسنة، وهذا من الآثار الخطيرة بالنسبة للفلسفة وعلمها، فإنها حتى ولو لم توصل الإنسان إلى الإلحاد والكفر بالله إلا أنها تضعف إيمانه، وتضعف ثقته بالكتاب، وتضعف ثقته بالسنة، ولهذا تجد المتشبعين بكتب الفلسفة وعلم الكلام وأهل البدع ونحو ذلك، تجد هؤلاء عن بكرة أبيهم إلا ما عصم ربي يستهينون بالقرآن، ويستهينون بالسنة، حتى ولو لم يصرح أحدهم بذلك، فإن القرآن عنده ما وضع إلا للعوام، والسنة ما هي إلا أمور يسيرة ليس فيها حقائق علمية، هكذا يؤمنون.
فمن أين جاء هذا التهوين لتلك المصادر الحقة التي لا يأتيها الباطل أبدًا؟ جاءهم من خوضهم في علم الكلام والفلسفة والمنطق، فظنوا أن تلك العقول وذلك المنطق وأولئك الفلاسفة عندهم من العلم واليقين والوصول إلى الحقائق ما ليس في الكتاب والسنة، ولهذا قال المصنف: (والإصغاء إلى كلامهم) .
ثم قال: [وكل محدثة في الدين بدعة] .
وهذا بنص حديث الرسول ﷺ، وتفصيل البدعة ليس هذا موضع الكلام فيه.
[ ١٢ / ٣٧ ]
كل فرقة تسمت بغير الإسلام والسنة فهي مبتدعة
ثم قال: [وكل متسمٍ بغير الإسلام والسنة مبتدع] .
قوله: (بغير بالإسلام)، مثل ذلك الذي لا ينسب نفسه إلى الإسلام، أو لا ينسب نفسه إلى السنة، وإنما أتى ببدعة، فنسب نفسه إليها.
قال: [كالرافضة] .
والرافضة لهم أصول معروفة، وكثير منها أصول كفرية، تخرجهم عن دائرة الإسلام، ولو لم يكن من ذلك إلا اعتقادهم العصمة في الأئمة، وأنهم يعلمون المغيبات، وعبادتهم لأئمتهم والحج إلى قبورهم؛ لكفى، فإنهم يعبدونهم ويدعونهم من دون الله تعالى.
وكذلك اعتقادهم بردة الصحابة ﵃ وأرضاهم، ولو لم يكن إلا ذلك لكفى دليلًا على ردتهم وخروجهم عن دائرة الإسلام، ولهذا فإننا نقول: من كان من الرافضة يقول بهذه الأصول فهو مرتد خارج عن دائرة الإسلام.
ثم قال: [والجهمية] .
وهم أتباع الجهم بن صفوان، الذي قتله سلم بن أحوز بعد أن ظهرت بدعته، فهو من المبتدعة الذين أقيم فيهم حكم الله.
والجهمية لهم ضلالات كثيرة، ومن أعظم ضلالاتهم إنكار الأسماء والصفات ومنها القول بالجبر، أي أن العباد مجبورون، وأن العبد لا قدرة له ولا إرادة، وإنما يتحرك بأفعاله كما تتحرك الأوراق، فأوراق الشجر إنما تحركها الريح.
ومن ضلالاتهم أن الإيمان هو المعرفة، فعندهم أن من عرف الله فهو مؤمن، وهذا مذهب الإرجاء، وهو مذهب خطير، ففرعون كان يعرف الله، وإبليس كان يعرف الله.
إذًا: عندهم أن فرعون وإبليس وغيرهما من الملاحدة والطواغيت الذين عرفوا الله مؤمنون، وهذا خطير جدًا، ولهذا صار الجهمية من غلاة المرجئة، فقد اجتمعت في الجهمية ثلاث جيمات: جيم التجهم الذي هو نفي الصفات، وجيم الإرجاء، وجيم الجبر، فهم جبرية، جهمية، مرجئة.
ثم قال: [والخوارج] .
والخوارج هم المارقة الذين خرجوا على أمير المؤمنين عثمان ﵁ وأرضاه، وأجمع المسلمون على قتالهم، وأهم ما يميزهم في عقيدتهم تكفيرهم لمرتكب الكبيرة، فكل من ارتكب كبيرة فهو عندهم كافر في الدنيا مخلد في نار جهنم، ولهذا فإنهم كفروا عثمان في آخر خلافته، وكفروا عليًا، وكفروا الزبير، وعائشة، وطلحة، ومعاوية، وعمرو بن العاص، وغيرهم من الصحابة ﵃ وأرضاهم، فهؤلاء هم الخوارج المارقون الذين أخبر عنهم رسول الله ﷺ، ووردت فيهم أحاديث كثيرة.
ثم قال: [والقدرية] .
والقدرية هم نفاة القدر، أي: الذين نفوا عن الله القدر، وقالوا إن الإنسان مستقل عن الله ﷾ في الإرادة، ومستقل بفعله، فهو خالق الإرادة، وهؤلاء هم المعتزلة القدرية، وقد ورد في الحديث الذي يحسنه بعض العلماء: (القدرية هم مجوس هذه الأمة) سموا وشبهوا بالمجوس لأنهم يقولون: إن العبد خالق لفعله.
ثم قال: [والمرجئة] .
وهؤلاء المرجئة هم الذين يؤخرون الأعمال عن الإيمان، فلا يدخلونها، فكل من لم يدخل الأعمال في مسمى الإيمان فهو مرجئ.
وهؤلاء المرجئة على درجات: فغلاتهم هم الجهمية، وقد سبق بيان عقيدتهم؛ لأنهم يقولون: الإيمان هو المعرفة فقط، ومن المرجئة أيضًا الكرامية الذين يقولون إن الإيمان قول اللسان فقط، فكل من قال بلسانه فهو مؤمن، لكن يقولون: إن المنافق الذي لا يوافق قلبه لسانه يكون يوم القيامة مخلدًا في النار.
ومن المرجئة أيضًا الأشعرية والماتريدية الذين يقولون إن الإيمان هو التصديق فقط.
ومن المرجئة أيضًا مرجئة الفقهاء رحمهم الله تعالى الذين يقولون: إن الإيمان قول وتصديق، فهؤلاء الطوائف كلهم مرجئة؛ لأنهم لم يدخلوا العمل في مسمى الإيمان.
ثم قال: [والمعتزلة] .
والمعتزلة هم الذين بدأت حركتهم باعتزال واصل بن عطاء حلقة الحسن البصري رحمه الله تعالى، وذلك لما جعلوا النقاش حول مرتكب الكبيرة، فقال واصل بن عطاء: لا أقول هو مؤمن، ولا أقول هو كافر، بل هو في منزلة بينهما، فاعتزل حلقة الحسن البصري، فسموا معتزلة.
والمعتزلة اشتهروا بأصولهم الخمسة: الأول: العدل، وهو إنكار القدر، أي: إنكار المرتبة الثالثة والرابعة من مراتب القدر، وهما مرتبة المشيئة، ومرتبة الخلق، ونسبتهما إلى العبد.
الثاني: التوحيد، وهو نفيهم لجميع الصفات عن الله ﷾، فهم يثبتون الأسماء وينفون الصفات، لكن إثباتهم للأسماء لم ينفعهم؛ لأنهم انقسموا حيالها إلى قسمين: قسم منهم قال: إنها أعلام محضة لا تدل على معانٍ ولا صفات، والقسم الثاني منهم قال: إن الله عليم بلا علم، سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، فكان مؤدى قولهم نفي الصفات عن الله ﷾.
الثالث من أصولهم: القول بمنزلة بين المنزلتين في مرتكب الكبيرة: أي أنه في الدنيا لا مؤمن ولا كافر.
الرابع: إنفاذ الوعيد: وهو أن مات من أهل الكبائر من غير توبة فلابد أن ينفذ فيه الوعيد فيكون مخلدًا في نار جهنم.
الخامس: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وربطوا بالأصل الخامس الخروج على أئمة الجور، وقالوا: إنه يجوز الخروج على الإمام إذا كان جائرًا.
هذه أصول المعتزلة الخمسة التي اشتهروا بها.
وأضافوا إلى ذلك أمورًا كثيرة، منها: إنكار الشفاعة، وقد سبق بيان ذلك، ومنها: إنكار رؤية الله ﷾ يوم القيامة، وقد سبق أيضًا الإشارة إلى ذلك.
ثم قال: [والكرامية] .
والكرامية هم أتباع محمد بن سعيد بن كرام، وابن كرام هذا أشهر أقواله: إثبات الصفات مع الغلو أحيانًا في إثباتها، وأيضًا من أقواله: الإرجاء في باب الإيمان، فإنه يقول: إن الإيمان هو قول اللسان فقط، لكنه قال: إن المنافق الذي يقول بلسانه وإن قلنا عنه في الدنيا إنه مؤمن، لكنه إذا مات فهو يوم القيامة مخلد في النار، فوافق أهل السنة والجماعة في الحكم عليه على الظاهر.
ثم قال المصنف: [والكلابية] .
والكلابية هم أتباع عبد الله بن سعيد بن كلاب، وأشهر ما اشتهر عن ابن كلاب هو أنه نفى بعض الصفات وأثبت بعضها، وقبل ابن كلاب كان الناس على طريقتين: المعتزلة ينكرون جميع الصفات، وأهل السنة يثبتون جميع الصفات، فجاء عبد الله بن سعيد بن كلاب بشبه عقلية وردت عليه، فأثبت لله بعض الصفات، مثل: صفة العلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام، ومثل الوجه واليدين، والعينين وغير ذلك، ونفى عن الله ما يتعلق بمشيئته وإرادته، مثل: الاستواء، فإنه أثبت لله صفة الاستواء من باب أنها صفة علو لله ﷾، لكن لم يثبتها كصفة من صفات الفعل، فهو يثبت الاستواء لله ﷾، وينكر على من يتأوله بالاستيلاء؛ لأنه يثبت العلو لله ﷾.
وكذلك أيضًا يتأول بعض صفات الله ﷾، كصفة النزول، وصفة الضحك، والعجب، والرحمة، والمحبة وغير ذلك، أي أنه في الجملة يتأول الصفات الفعلية، ويثبت لله الصفات الذاتية، وسار على منهاجه في باب الصفات الأشاعرة والماتريدية، فهم ساروا على خطاه، وإن كان متأخرو الأشاعرة ومتأخرو الماتريدية قد زادوا عنه بعدًا عن مذهب السلف الصالح في باب الصفات.
ثم قال المصنف: [ونظائرهم]، فهذه فرق الضلال، وطوائف البدع، أعاذنا الله منها؛ لكن طوائف الضلال متفاوتة، فمنها طوائف قد تصل أحيانًا فيها البدع إلى الكفر، ومنها ما قد تكون بدعًا دون الكفر، لكن نحن ننكر البدع، ونتبرأ من هذه كلها، ولا نسمي أنفسنا بهذه التسميات، وإنما نربط أنفسنا بكتاب الله وبسنة رسوله ﷺ.
[ ١٢ / ٣٨ ]
حكم الانتساب إلى إمام في فروع الدين
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأما النسبة إلى إمام في فروع الدين كالطوائف الأربع فليس بمذموم؛ فإن الاختلاف في الفروع رحمة] .
لم يرد في ذلك حديث صحيح، لكن قد رحم الله هذه الأمة بالتوسعة عليها، والصحابة كانوا يجتهدون ويختلفون.
فالانتساب إلى المذهب المالكي أو الشافعي أو الحنفي أو غير ذلك ليس فيه بدعة، إنما يكون بدعة إذا تحول إلى تعصب، ورفض للدليل الحق، أو إلى تنقص من الأئمة الآخرين، فإذا أدى إلى تعصب مذموم، أو تنقص بالأئمة الآخرين، فإنه حينئذٍ يكون انتسابه إلى هؤلاء أو أحدهم مذمومًا.
فمن انتسب إلى الحنفية أو المالكية أو الحنابلة وقال: إن معهم الحق، وتعصب ولو جاءه الدليل الصحيح، أو انتقص الآخرين، وقال: المذهب الحق هو مذهب الإمام أحمد بن حنبل أو أبي حنيفة وما عداهم فمذهبه غير حق، فنقول: هذا تعصب مذموم.
ثم قال المصنف: [والمختلفون فيه محمودون في اختلافهم مثابون في اجتهادهم، واختلافهم رحمة واسعة، واتفاقهم حجة قاطعة] .
وهذا واضح جدًا، فما اتفق عليه المسلمون وأجمعوا عليه فهو حجة، وما اختلفوا فيه فإننا نحمدهم عليه، لكن الواجب علينا أن نتبع من كان معه الدليل، ولو أن الإنسان انتسب إلى المذهب الحنفي أو المالكي أو الشافعي أو الحنبلي ثم رأى في مسألة من المسائل أن الدليل مع القول الآخر والمذهب الآخر، فالواجب عليه أن يتبعه.
ثم دعا المصنف رحمه الله تعالى بهذا الدعاء العظيم فقال: [نسأل الله أن يعصمنا من البدع والفتنة، ويحيينا على الإسلام والسنة، ويجعلنا ممن يتبع رسول الله ﷺ في الحياة، ويحشرنا في زمرته بعد الممات برحمته وفضله آمين] .
ونحن أيضًا ندعو معه بهذا الدعاء ونقول: اللهم إن نسألك أن تعصمنا من البدع ومن الفتنة، وأن تحيينا على الإسلام والسنة، وأن تجعلنا ممن يتبع رسول الله ﷺ في الحياة، وتحشرنا في زمرته بعد الممات برحمتك يا أرحم الراحمين! وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.
[ ١٢ / ٣٩ ]
الأسئلة
[ ١٢ / ٤٠ ]
المقصود بسنة الخلفاء الراشدين
السؤال
ورد في حديث العرباض: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين)، فهل نعتبر سنة الخلفاء الراشدين كسنة رسول الله ﷺ، أم أن سنة الخلفاء الراشدين كغيرهم؟
الجواب
هذا أمر فيه تخصيص، فنتبع سنة الرسول ﷺ فقط، وما لم يأت في سنة الرسول ﷺ مما مشى عليه الخلفاء الراشدون فنحن نتبعه، وإذا اختلفوا نرجح، ولهذا فإن المقصود بالسنة هنا سنتهم العامة، فيما هو مميز لهم عن غيرهم.
أما ما كان رأيًا لواحد منهم، وقد خالف سنة رسول الله ﷺ الواردة، فهذا نحكم عليه بحكم أهل الحديث في باب الترجيح، وفي مسألة إذا عمل الراوي بخلاف روايته أو غير ذلك.
فالمقصود هو الاتباع في هديهم، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن النبي ﷺ فرق بين الشيخين أبي بكر وعمر وبين بقية الخلفاء، فقال في الخلفاء: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين)، لكن قال في أبي بكر وعمر: (اقتدوا باللذين من بعدي)، والاقتداء أخف من ذلك، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن أبا بكر وعمر لم يقع منهما شيء يخالف هدي الرسول ﷺ، فكان الاقتداء بهما مطلوبًا.
[ ١٢ / ٤١ ]
سبب تخصيص الخلفاء الراشدين بهذا الوصف
السؤال
ما هو سبب تسمية الأربعة الخلفاء بعد الرسول ﷺ بالخلفاء الراشدين؟
الجواب
لأنهم كانوا على الرشاد والهدى.
[ ١٢ / ٤٢ ]
شروط الخروج على الإمام الكافر
السؤال
وهل يشترط القدرة في الخروج على الإمام الكافر؟
الجواب
نعم، لابد من القدرة؛ فإن الخروج من غير قدرة يؤدي بالمسلمين إلى التهلكة، فلو أن واحدًا يعيش في بريطانيا، والحكومة كافرة لا شك في ذلك، وقال: هل يجوز لي الخروج عليهم؟ فنقول: نعم يجوز، ونتمنى أن تقيموا دولة الإسلام هناك، لكن لو قال: ما رأيكم لو خرجت، فنقول: لا تخرج؛ لأنكم لا تستطيعون.
والرسول ﷺ بقي في مكة، وكثر العدد، وكان الرسول معهم، وكان بعض المسلمين يموت تحت التعذيب، ومع هذا لم يأمر الرسول بالانتقام، حتى إنه أمر بالإحصاء وقال: (أحصوا كم يلفظ الإسلام)، فإذا هم قرابة الخمسمائة.
بل لما أسلم بعض أهل المدينة وجاءوا في بيعة العقبة الكبرى في منى، وصاح الشيطان وقال بعضهم لما سمعوا صيحة الشيطان: يا رسول الله! إن شئت لنميلن على أهل منى، فقال الرسول ﷺ: (لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم)، فكل ذلك دال على أنه إذا كان المسلمون مستضعفين ليس لهم مكان يؤويهم فلا يجب عليهم الجهاد، والرسول ما بدأ الجهاد إلا بعد أن كانت المدينة دارًا للمؤمنين تؤويهم، حيث كان يرسل الجيش ويرجع إلى مكان آمن.
وهذه القضية يخطئ فيها كثير من الجماعات الإسلامية، فلا يكون الجهاد إلا إذا وجد مكان يؤويهم، وهذا هو الذي فعله رسول الله ﷺ.
وأسأل الله ﷾ أن يرزقنا الأجر والثواب، وألا يحرمنا ذلك، وأن يوفقنا جميعًا إلى ما يحبه ويرضاه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ١٢ / ٤٣ ]