من عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يثبتون لله جل وعلا صفة العجب، والضحك، والعلو، والاستواء، وذلك كما وردت بها الأدلة بيضاء صافية تسر المتقين.
[ ٥ / ١ ]
إثبات صفة العجب لله ﷿
بدأ المصنف رحمه الله تعالى بذكر صفات الله ﷾ الثابتة في سنة رسوله ﷺ، فقال: [ومن السنة قول النبي ﷺ: (ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا)] .
وقد سبق الحديث عنه في الدرس الماضي.
ثم قال: [وقوله: (يعجب ربك من الشاب ليست له صبوة)] .
ومعنى الحديث: أن الله ﷾ يعجب من هذا الشاب أنه مع نشاطه وقوة رغباته وشهواته المتعددة لا تكون له صبوة، أي: لا يكون له ذنب، ولا يرتكب كبيرة، ولا يرتكب معصية؛ فيعجب ربنا ﷾ من هذا، وهذه الصفة لله ﷾ هي كما يليق بجلاله وعظمته؛ لكن هذا الحديث في حد ذاته تكلم فيه العلماء، فهو حديث رواه الإمام أحمد في المسند والطبراني وغيره، لكنه ضعيف وإن قواه بعض العلماء كـ السخاوي في كتابه (المقاصد الحسنة)، لكن يغني عنه دليلان أحدهما في كتاب الله، والثاني في صحيح البخاري؛ فأما الذي في كتاب الله تعالى فقول الله ﵎: (بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ)؛ على قراءة ضم التاء، وهذه القراءة سبعية؛ قرأ بها حمزة وخلف والكسائي، ومن ثمَّ فإنها قراءة صحيحة أنه يجوز القراءة بها.
وكذلك ورد في صحيح البخاري عن النبي ﷺ أنه قال في قصة الصحابي هو وزوجه وضيفهم حين استضافوه وليس معهم من الطعام ما يكفي، فأطفئوا السراج، وأوهموه أنهم يأكلون، وجعل الضيف يأكل حتى شبع، فلما أصبح الصباح قال النبي ﷺ لهذا الصحابي: (لقد عجب ربك- وفي رواية: ضحك ربك - من صنيعكما البارحة بضيفكما)، فقوله: (عجب) نأخذ منه ومن الآية إثبات هذه الصفة لله ﷾ التي هي صفة العجب.
والعجب والتعجب أحيانًا ينشأ من الجهل، مثل أن يطلع الإنسان على صنعة أو قوة معينة لفارس أو شخص فيعجب من ذلك، وأحيانًا يكون العجب لأمر آخر، وهو كون هذا الشيء جاء على صفة غير معروفة وغير متوقعة وإن كان الإنسان لا يجهلها، ولكن بالنسبة لله ﷾ نثبت له هذه الصفة كما يليق بجلاله وعظمته، ولا تقاس بصفة المخلوقين، وليس عجبه كعجب المخلوقين؛ فعجب المخلوقين قد ينشأ أحيانًا من جهل وأحيانًا من قلة فهم لهذه القضية، لكن عجب ربنا ﷾ هو صفة تليق بجلاله وعظمته، ولا يترتب عليها جهل، ولا يترتب عليها عدم إدراك ومعرفة لهذا المتعجب منه، بل هي صفة تليق بجلاله وعظمته كما في الحديث الذي تقدم، وفيه أن صحابيين أطعما ضيفهما وتركا نفسيهما، والله ﷾ عليم بهما مطلع عليهما، ومع ذلك يقول الرسول ﷺ: (عجب ربك من صنيعكما البارحة)، وفي رواية: (ضحك ربك من صنيعكما البارحة)، فعجبه ﷾ ليس ناشئًا عن جهل، وإنما هو عجب يليق بجلاله وعظمته، وهذه الصفة نثبتها لله ﷾ كغيرها من الصفات، ولا يلزم منها مشابهة المخلوقين.
[ ٥ / ٢ ]
إثبات صفة الضحك لله ﷿
قال ابن قدامة ﵀: [وقوله: (يضحك الله إلى رجلين قتل أحدهما الآخر ثم يدخلان الجنة)] .
فسر هذا الحديث بأن أحدهما مسلم والآخر كافر، فيقتل الكافر المسلم، ثم إن الكافر يتوب إلى الله تعالى، ويدخل في الإيمان والإسلام، ويحسن عمله فيدخلان الجنة؛ يقول الرسول ﷺ: (يضحك الله إلى رجلين قتل أحدهما الآخر ثم يدخلان الجنة) .
وصفة الضحك نثبتها لله ﷾ كما يليق بجلاله وعظمته، وليس ضحكه كضحك المخلوقين، فلا نشبه ولا نتأول ولا نكيف، وإنما نثبت له هذه الصفة؛ لأن الذي أخبرنا بها وأثبتها لله هو أعلم الناس بربنا ﷾، وهو رسول الله ﵌، فهذه الصفة يقال فيها مثلما يقال في صفة السمع أو في صفة القدرة أو في صفة العلم أو غير ذلك: نثبتها لله ﷾ كما يليق بجلاله وعظمته.
[ ٥ / ٣ ]
وجوب الإيمان بما صح من الأسماء والصفات من غير تمثيل ولا تكييف ولا تعطيل
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [فهذا وما أشبهه مما صح سنده وعدلت رواته] .
وهذا أيضًا مهم جدًا؛ فإن قوله: (مما صح سنده وعدلت رواته) يعني أننا لا نثبت هذه الصفات من هذه الأحاديث إلا إذا كانت هذه الأحاديث ثابتة بطرق صحيحة رواتها عدول ثقات، ليس فيها انقطاع، وليس فيها شذوذ ولا علل؛ وإنما هي رواية صحيحة ثابتة.
ثم قال: [نؤمن به، ولا نجحده، ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره] .
أي: لا نرده كما رده بعض الذين يردون أخبار الآحاد ويقولون: لا نقبلها في باب العقيدة، وكذلك أيضًا لا نجحده لأنه ثبت بطرق صحيحة.
وكذلك أيضًا قال: (لا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره)، فهو رد على من يرد السنة، كما أنه رد على من يقبل السنة لكنه يتأول؛ لأن بعض أهل الكلام وبعض المؤولة يقبل السند، ويقول: لا نرد هذا الحديث بل نثبته؛ لأنه وارد عن رسول الله ﷺ، لكنه يتأول هذا الحديث إذا ورد في صفة من صفات الله ﷾؛ فهو لا يرده ردًا مجملًا أو ردًا كاملًا، وإنما يرده ردًا معينًا، بمعنى: أنه يتأوله ذلك التأويل الذي يؤدي إلى نقض ما دل عليه من معنى وما قصده رسول الله ﷺ حينما أخبرنا بهذا الحديث وأمثاله.
ثم قال بعد أن رد على أهل التأويل: [ولا نشبهه بصفات المخلوقين] .
وهذا هو منهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى؛ فإنهم يثبتون الصفة ولا يشبهون الله ﷾ بصفات المخلوقين، فلا يقولون: إن صفة الله تعالى كصفة كذا أو كذا من المخلوقات.
ثم قال: [ولا بسمات المحدثين] .
أي: علامات المحدثين؛ والمحدثون هم المخلوقون، سواء كانوا بشرًا أو ملائكة أو نجومًا أو حجارة أو غير ذلك، فأهل السنة والجماعة لا يشبهون الله سبحانه تعالى بشيء من ذلك.
ثم قال: [ونعلم أن الله ﷾ لا شبيه له ولا نظير] .
فلا شبيه له ﷾، ولا نظير له، ولا مثيل ولا مثل، ولهذا استشهد بقوله ﷾: [﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]] .
فنفى عن الله المثل، وأثبت لله الصفات مستشهدًا باسميه ﵎: السميع البصير، وهما دالان على صفة السمع وصفة البصر لله ﷾، وهذا هو منهج أهل السنة والجماعة رحمهم الله تعالى، وقد سبق بيان ذلك.
ثم إن المصنف رحمه الله تعالى قال: [وكل ما تخيل في الذهن أو خطر بالبال فإن الله تعالى بخلافه] .
وهذا لنفي التكييف، أي: أن البشر لا يستطيعون أن يكيفوا ذاته ولا صفاته، ولهذا فكل ما توهمه الإنسان في صفة من صفات الله ﷾ فإن الله ﵎ بخلاف ذلك؛ لأن الله تعالى لا يعلم ذاته إلا هو، ولا يعلم صفاته إلا هو ﷾؛ فأهل السنة والجماعة لا يكيفونها، ومهما بلغت خيالات الإنسان ليثبت لله ﷾ قريبًا من صفة من صفاته فإن الإنسان لا يستطيع ذلك؛ لأن الله ﷾ أعظم وأجل مما خطر بالبال، بل هو ﵎ على خلاف ما خطر ببالك؛ وهذا منهج أهل السنة والجماعة.
[ ٥ / ٤ ]
الكلام على صفة الاستواء
[ ٥ / ٥ ]
إثبات صفة الاستواء لله ﷿
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]] .
الضمير في قوله: (ومن ذلك) عائد إلى ما سبق قبل قليل، وخاصة إلى قوله: (وكل ما تخيل في الذهن أو خطر بالبال فإن الله تعالى بخلافه)؛ لأن صفة الاستواء لله ﷾ التي دل عليها قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] وآيات أخرى قد يخطر ببال الإنسان أن استواء الله على العرش كاستواء المخلوق؛ أو أن الله محتاج إلى العرش كاحتياج الخلق أو كاحتياج الملك أو نحو ذلك.
فقال هنا: (ومن ذلك) أي: ومن ذلك الذي نثبته لله ولا يكون شبيهًا بصفات المخلوقين، صفة الاستواء التي دل عليها قوله ﵎: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] .
وصفة الاستواء لله ﷾ وردت في سبعة مواضع من القرآن الكريم: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) في سورة (الأعراف) وفي سورة (طه) وفي سورة (الحديد) وفي غيرها من المواضع التي ذكر الله ﷾ فيها استواءه على العرش، وأهل السنة والجماعة يثبتون لله ﵎ صفة الاستواء كما يليق بجلاله وعظمته، وهي دالة على علوه ﵎، ولهذا فسر السلف رحمهم الله تعالى الاستواء بقولهم: إن معنى استوى: علا وارتفع واستقر وصعد، وهذه الصفة التي هي صفة الاستواء دالة على هذه المعاني؛ فإن الله ﵎ عالٍ على خلقه، فهي دالة على صفة العلو لله ﷾ كما سيأتي بعد قليل.
كذلك أيضًا صفة الاستواء دالة على أن الله ﷾ متصف بالصفات الفعلية، أي أنه ﷾ مستوٍ على العرش كما يليق بجلاله وعظمته، وأن استواءه ﵎ من صفات فعله، ولهذا فإن استواءه كان بعد خلق السماوات وبعد خلق العرش، ولهذا عبر عنها بقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد:٤]، وكلمة (ثم) تدل على التأخير؛ فإن الله ﷾ ليس مستويًا على العرش في الأزل؛ وإنما استوى على العرش بعد خلق العرش، وبعد خلق السماوات والأرض، ولهذا قال: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الفرقان:٥٩]، وهذا الإثبات لهذه الصفة هو إثبات من غير تكييف، ومن غير تمثيل، ومن غير تحريف ومن غير تعطيل، وإنما هو إثبات لصفة الاستواء كما يليق بجلال الله وعظمته.
[ ٥ / ٦ ]
الرد على المنكرين والمأولين لصفة الاستواء
والمخالفون لأهل السنة والجماعة حرفوا وأولوا فقالوا: صفة الاستواء يلزم منها مشابهة الله للمخلوقين، فيلزم منها أن يكون الله ﷾ شبيهًا بالمخلوق إذا جلس على كرسي أو نحو ذلك! وأما قول الله ﵎: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، فقالوا: (استوى) بمعنى استولى! ولكن هل ورد في اللغة العربية استوى بمعنى: استولى؟
الجواب
ورد في اللغة العربية استوى بمعنى: صعد، واستوى بمعنى: اشتد، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص:١٤]، أي: اكتمل شبابه، لكن ليس في اللغة العربية استوى بمعنى: استولى.
فلما ضاقت بالمتكلمين المضايق سمعوا -ويقول بعض العلماء: إنهم اخترعوا- بيتًا من الشعر، وهو: قد استوى بشر على العراق من غير سيف أو دم مهراق وقالوا: إن بشرًا هذا ملك العراق، فمعنى قوله: (قد استوى بشر على العراق) أنه ملك العراق، فيأتي الاستواء بمعنى الملك.
وهذا التأويل الذي تأولوه تأويل عجيب! فإذا كان لفظ الاستواء استواء الله على العرش ورد في القرآن العظيم في سبعة مواضع، فلماذا لم يأت موضع واحد يبين فيه المراد، فيأتي استوى بمعنى استولى؟ ثم نقول ثانية: إن تأويلكم استوى بمعنى استولى هو تأويل بعيد ومخالف لما تقتضيه اللغة العربية؛ لأنه لم يرد في اللغة العربية هذا بهذا اللفظ.
أما بيت الشعر الذي استشهدتم به فمن قاله؟! وأين يوجد؟! وإلى أي عربي ينسب؟! لو فتشت عن هذا لقالوا: قيل، ويقال، ونقل هذا البيت أول واحد، وتناقله من بعده! ونقول: حتى ولو قاله أحد العرب أو أحد الشعراء فإنه لا حجة بقول شاعر في مقابل أدلة كثيرة من كتاب الله ومن سنة رسوله ﷺ.
ثم نقول ثالثة: إن قولكم: استوى بمعنى استولى، لا يصح من سياق الآية؛ لأنه لا يقال: استولى إلا إذا كان هناك مغالب لهذا الإنسان، فقوله: (استوى بشر على العراق)، يعني: استولى على العراق، ومعنى هذا أنه كان قبله حاكم آخر، فغلبه واستوى على العراق واستولى عليه.
وقولكم: إن قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد:٤]، يعني: استولى على العرش، فهل العرش كان قبل ذلك مملوكًا لغير الله ثم إن الله ملكه؟! وهل يمكن أن يقول هذا أحد؟! طبعًا لا يمكن أن يقول هذا أحد، فقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد:٤] لو قيل: إن المعنى: ثم استولى، لأدى ذلك إلى أن يكون هناك مغالب لله ﷾ فغلبه الله ﵎ وتقدس واستولى على هذا العرش؛ وسواء قيل: العرش مخلوق معين، أو قيل: العرش هو الملك، كما يدعي هؤلاء.
وهذه الأمور وغيرها قد فصلها العلماء، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية كما في (مجموع الفتاوى)؛ حيث نقض هذا التأويل من أكثر من عشرة أوجه، وبهذه الأوجه وغيرها يتبين أن تأويل هؤلاء استوى بمعنى استولى، إنما هو تأويل باطل وزيادة زادوها، ولهذا شبهها بعض العلماء بزيادة بني إسرائيل من اليهود حين قال الله لهم: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة:٥٨]، أي: راكعين، وأن يقولوا: حطة، أي: حط عنا خطايانا، فعكس هؤلاء اليهود الأمر الإلهي، فدخلوا على أستاههم من خلفهم وهم يقولون: حنطة في شعير! فاليهود زادوا النون في حطة، والمتكلمون زادوا اللام في استوى، فقالوا: استولى، وهذا يدل على أن المنبعين متقاربان، نسأل الله السلامة والعافية! وكل هذا الذي قالوه تحريف للكتاب وتأويل له، وبعد عما كان عليه السلف الصالح رحمهم الله تعالى.
[ ٥ / ٧ ]
معنى العرش
والعرش المذكور في الآية هو في اللغة العربية سرير الملك، وفي الاصطلاح هو: عرش الله ﵎، وهو مخلوق عظيم جدًا خلقه الله ﵎، وهو أعلى المخلوقات، وهو سقفها، وتحمله الملائكة، كما قال الله ﵎: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ [غافر:٧]، وكما قال تعالى عن يوم القيامة: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٧] .
فهو أعظم من السماوات وما فيها من مجرات، وهو أعلى المخلوقات وهو سقفها، والله ﷾ أخبرنا أنه استوى على هذا العرش استواء يليق بجلاله وعظمته لا يلزم منه أي لازم باطل، فلا يلزم أن الله محتاج إلى هذا العرش ولا أنه إذا أبعد هذا العرش يسقط من عليه، تعالى الله عما يتوهمه المتوهمون علوًا كبيرًا بل هو استواء يليق بجلاله وعظمته.
[ ٥ / ٨ ]
الكلام على صفة العلو
[ ٥ / ٩ ]
إثبات صفة العلو لله ﷿ وذكر الأدلة على ذلك
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦]] .
من هذه الآية وما بعدها من الأدلة بدأ الشيخ يتحدث عن قضية كبرى، ألا وهي قضية إثبات العلو لله ﷾.
وهذه القضية هي من القضايا الكبار في العقيدة الإسلامية، ومن القضايا الكبار التي خاض فيها المتكلمون قديمًا وحديثًا، وإن الإنسان ليصيبه الحزن حينما يرى كثيرًا من المنتسبين للعلم ممن لم يدرس ويتفهم عقيدة السلف الصالح لا يقر بهذه الحقيقة الكبرى، فلقد خاض المتكلمون منذ القرن الأول وإلى عصرنا الحاضر في إثبات أن الله ﷾ في جهة العلو في السماء، وأنه فوق المخلوقات، ولقد دل على ذلك في كتاب الله تعالى وفي سنة رسوله ﷺ أكثر من ألف دليل، وهذا يدل على أهمية مدارسة منهج السلف الصالح وتربية الأمة وتنشئتهم عليه، ولكن عمي عن هذه الحقيقة ألوف مؤلفة ممن ينتسب إلى الإسلام؛ فقد نشأ منذ القرون الأولى وإلى عصرنا الحاضر فئام ممن نهج منهج المتكلمين أو تأثر بهم، وإذا سألت أحدهم: هل تؤمن أن الله في السماء؟ أو سألته بسؤال رسول الله ﷺ الذي في صحيح مسلم حين سأل الجارية وقال لها: (أين الله؟ قالت: في السماء)، أو إذا سألته: هل تقر بأن الله ﷾ في العلو فوق خلقه بائن منهم؟ فإنه يقول لك: لا يجوز أن تقول هذا؛ إنك إن قلت هذا فأنت تشبه الله بخلقه، وأنت تجسم الله، وأنت تقول: إن الله متحيز، وكأنه في مكان معين! وإذا قلت له: فماذا تقول؟ يقول: اختلفوا على قولين: فبعضهم يقول: الله في كل مكان، وهذا قول لبعض المتكلمين، وبعضهم له قول آخر فلسفي عجيب يقول فيه: لا داخل العالم ولا خارجه! وأهل السنة والجماعة، وعلى رأسهم سيد الأولين والآخرين محمد ﷺ، وصحابته من بعده والسائرون على منهاجهم، يقولون: إن الله ﵎ بائن من خلقه في السماء فوق العالم على العرش استوى استواءً يليق بجلاله وعظمته.
إن هذه القضية الكبرى تكاد تكون من المعلوم بالدين بالضرورة؛ لأن من قرأ كتاب الله من أوله إلى آخره ومن اطلع على سنة رسول الله ﷺ يجد أنه لا تكاد تخلو صفحة من القرآن العظيم إلا وفيها الدلالة على أن الله ﷾ في السماء، وأنه في العلو.
وهذه القضية قضية كبرى، وقضية مهمة جدًا؛ يميز فيها بين من ينهج منهج السلف الصالح وبين من ينهج نهج من خالفهم من المتكلمين؛ والأدلة صريحة في ذلك، ونحن هنا سنعرض لما ذكره المصنف من أدلة، أما استقصاء الأدلة فارجعوا إليها في الكتب التي ألفت في هذا الموضوع، وبالذات الكتب التي خصصت لهذه القضية، ومنها كتاب (العلو) لشيخنا الذي نشرح كتابه ابن قدامة؛ فإن له كتابًا مطبوعًا اسمه (العلو) ومنها ما ألفه شيخ الإسلام الإمام الذهبي رحمه الله تعالى؛ فإن له كتابًا اسمه (العلو)، وقد اختصره الشيخ الإمام المحدث ناصر الدين الألباني في كتاب عظيم سماه (مختصر العلو) وخرج أحاديثه، فجزاه الله خيرًا، وأثابه، وهناك غيرها من الكتب، ولا يكاد يخلو كتاب من كتب السنة ومن كتب العقيدة إلا وفيه تقرير للأدلة الدالة على أن الله ﷾ في العلو.
[ ٥ / ١٠ ]
دليل الفطرة على العلو
ولم يقتصر الدليل على ذلك؛ بل دل على ذلك الفطرة؛ فإن الله فطر عباده جميعًا -حتى ذلك الذي يقول: إن الله في كل مكان- على أن الله ﷾ في العلو.
ولهذا كان من مواقف السلف رحمه الله تعالى العملية شيء من هذا، فأحد أئمة السلف دخل على أحد الأشاعرة وهو يلقي درسه على المنبر، ويقرر فيه عقيدته الأشعرية؛ وكان مما قرره: إنكار أن الله في العلو، فكان هذا الشيخ يتكلم ويلقي درسه أمام الناس، ويقول: إن الله كان ولا عرش ولا سماوات، وهو الآن على ما كان عليه! ويقرر نفي العلو عن الله ﷾؛ فقال له هذا الشيخ -وهو الهمذاني - أمام الناس: يا إمام! دعنا من أقوالك، ودعنا من هذه الأدلة، وأخبرنا عن هذه الحاجة التي يجدها كل واحد منا: ما أراد ربه قط إلا ورفع بصره إلى السماء؟ قال: فنزل الإمام الجويني من المنبر وهو يقول: حيرني الهمذاني حيرني الهمذاني حيرني الهمذاني، وجلس بين أصحابه يبكي بكاءً شديدًا، ومعلوم أنه في آخر أمره رجع، وأبطل تأويل الاستواء بالاستيلاء، وبين أنه يجب إثبات هذه الصفات على تفصيل في مذهبه رحمه الله تعالى.
لكن المهم جدًا هو: كيف أن الفطرة التي فطر الله ﷾ العباد عليها دالة يقينًا على أن الله ﵎ في العلو.
ولهذا يذكر شيخ الإسلام ابن تيمية موقفًا آخر يقول: جاءني أحد مشايخ هؤلاء ممن ينفي علو الله ﷾ في حاجة -وغالب من حاوره شيخ الإسلام في وقته من الأشعرية- وتعمدت أن أنشغل عنه قليلًا، يقول: فكلمني في هذه الحاجة فتشاغلت عنه، يقول: فلما انتظر قليلًا وسئم إذا بي ألمحه وهو يرفع بصره إلى السماء ويذكر ربه ويقول: يا ألله! يقول: فنظرت إليه وقلت له: ماذا صنعت؟ يقول: فاعتذر مني! وكان سببًا في توبته ورجوعه عما كان عليه؛ لأنه كان يقرر أن الله ليس في مكان؛ لا داخل العالم ولا خارجه إلى آخره، لكن في لحظة غفلة منه وجد نفسه فطريًا يرفع بصره إلى السماء متوسلًا مستغيثًا بالله ﷾، فدليل الفطرة دل على هذا.
وكذلك أيضًا دليل العقل دل على العلو، وسأبين لكم دليل العقل، لكن بعد أن نقف وقفات مع الأدلة التي أوردها الشيخ هنا، فأول دليل ذكره هو قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وهو من أدلة علو الله تعالى واستوائه على عرشه.
الدليل الثاني قال: (وقوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦])، وقوله: (في السماء) لا يقول عاقل: إن (في) هنا ظرفية، وأن الله داخل في السماء؛ لأن القول بأن الله داخل في السماء يلزم منه أن السماء فوقه، وأنها أكبر منه، وأنها محيطة به، وهذا لا يقول به إنسان.
إذًا: قوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦]، السماء هنا قد يقصد بها العلو، وليس مجرد السماء التي نشاهدها وهي السماء الدنيا أو ما فوقها، فقوله: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] أي: أأمنتم من في العلو؟ والقول بأن السماء هي مطلق العلو مستخدم كثيرًا، فتقول: طار الطائر في السماء، وحلقت الطائرة في السماء، وأنت إذا قلت ذلك هل تقصد أنها دخلت داخل السماء أم تقصد أنها في العلو؟ تقصد أنها ارتفعت في العلو، وهذا واضح.
ويجوز أن نقول: (في) بمعنى (على)، فقوله: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] أي: من على السماء، وهل تكون (في) في اللغة العربية واردة بمعنى (على)؟ نقول: نعم، يقول الله تعالى عن فرعون لما أراد أن يصلب السحرة المؤمنين: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١]؛ وهو لن يضعهم داخل جذوع النخل، وإنما سيركز هذه النخل ويصلبهم عليها؛ وهذا واضح والحمد لله.
ثم يقول المصنف: [وقول النبي ﷺ: (ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك)] .
هذا الحديث رواه أبو داود والإمام أحمد وغيرهما، لكنه متكلم فيه؛ فبعض العلماء قالوا: إن فيه راويًا يقال له: زياد الأنصاري، قالوا: وهذا الراوي متكلم فيه؛ ومن ثم فنحن حينما نتحدث عن مثل هذا الحديث نقول: هذا الحديث ضعيف، وليس هو الدليل لوحده؛ حتى لا يأتي قائل ويقول: إنكم تحتجون بالأحاديث الضعيفة.
[ ٥ / ١١ ]
شبهة أن أهل السنة يستدلون بالأحاديث الضعيفة في العقائد
وهنا وقفة لابد من بيانها، ألا وهي: أن مثل هذا الموقف الذي مر معنا الآن -وهو أن ابن قدامة استشهد بحديث تكلم عنه العلماء، وقالوا ضعيف -قد يدخل منه بعض المخالفين لأهل السنة ويقول: إن كثيرًا من أصحاب كتب السنة التي تروى بالأسانيد يذكرون فيها أحاديث صحيحة، ويذكرون أحيانًا أحاديث ضعيفة، فكيف تذكر هذه الأحاديث في باب العقائد؟ وكيف يتساهل في هذا؟ والجواب عن ذلك من وجوه: الوجه الأول: أن هؤلاء العلماء لم يثبتوا هذه الصفة أو تلك من حديث ضعيف، وإنما يثبتونها من الأحاديث الصحيحة أولًا، فما أوردوه من حديث ضعيف إن تقوى فبها ونعمت، وإن لم يتقو فإن الصفة المقصودة ثابتة؛ لأن الدليل الصحيح دل عليها، وهنا ليس إثبات العلو لله ﷾ مأخوذًا من هذا الحديث الذي معنا، بل هو ثابت بأحاديث أخرى كثيرة وعديدة جدًا؛ بل وهو ثابت بالأدلة من القرآن قبل ذلك.
الوجه الثاني: أن العلماء وإن أوردوا تلك الأحاديث وهي ضعيفة فإنهم يوردونها بالأسانيد، وإيرادها بالأسانيد يجعل العهدة على القارئ والمطلع، فلو جاء وقال بعد إيراده: هذا حديث صحيح وأثبته، فنقول له: كيف تصححه وهو ضعيف؟ لكن إذا أورده بالإسناد فحينئذٍ من أسند فقد أعذر، فإذا كنت لا تستطيع الحكم على السند فاسأل عنه العلماء: هل هذا الحديث إسناده صحيح أو غير صحيح؟ وابحث عن ذلك؛ لكن ما دام المؤلف أورده وسكت عنه فقد جعل العهدة على القارئ وعلى المطلع، ولهذا تجد أن بعض العلماء -كـ البخاري ومسلم - قال: أنا لا أورد في هذا الكتاب إلا ما هو صحيح.
وفعلًا ما أوردا إلا ما هو صحيح، لكن غيرهما كـ أبي داود أو الترمذي أو ابن ماجة أو الإمام أحمد لم يقل أحد منهم: أنا لا أورد إلا ما هو صحيح.
وإنما يورد أحدهم الأحاديث، وأحيانًا يتكلم عليها، ويعلق عليها، وأحيانًا يسكت عنها، والعهدة على من يقرأ ذلك.
وكذلك أيضًا كتب السنة، كالسنة لـ ابن أبي عاصم أو السنة للالكائي أو غيرهما، فهذه الكتب وإن وردت فيها روايات ضعيفة إلا أنهم أوردوها بالأسانيد، فالعهدة على القارئ.
الوجه الثالث: أن إيرادها وإن كانت من طرق ضعيفة فيه فائدة كبرى، هذه الفائدة هي: أن هذه الرواية قد تتقوى بغيرها، وقد تقوي غيرها، فأحيانًا تكون هذه الرواية ضعيفة، لكن في كتاب آخر من كتب السنة أو من كتب الحديث تجد نفس هذا الحديث ورد من طريق آخر، فإذا جمعنا ذلك الطريق إلى هذا الطريق تبين منه أنه حديث ثابت؛ وقد يكون هذا الحديث روي من طريق فيه رجل ضعيف، ويتبين في الرواية الأخرى أنه جاء من طريق آخر عن غير هذا الراوي الضعيف، فيتقوى، وكثير من الأحاديث إذا جُمعت طرقها وتصفحها العالم النحرير في مصطلح الحديث يتبين له أنها ترتفع وتتقوى، وتصل إلى درجة الحسن أو تصل إلى درجة الصحيح.
وقوله: (ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك)، هذا الحديث كما أشرنا قبل قليل وإن كان ضعيفًا إلا أنه يوافق الأحاديث الدالة على أن الله ﷾ في السماء.
وقوله: (الذي في السماء) أي: في العلو.
وقوله: (تقدس اسمك) أي: تنزه اسمك يا إلهنا!
[ ٥ / ١٢ ]
شرح حديث الجارية
ثم قال ابن قدامة: [وقال للجارية: (أين الله؟ قالت: في السماء، قال: أعتقها فإنها مؤمنة) رواه مالك بن أنس ومسلم وغيرهما من الأئمة] .
هذا الحديث رواه الإمام مسلم في صحيحه، ورواه الإمام مالك، ورواه غيرهما؛ وقد استقصى طرقه أحد الإخوة الفضلاء، فألف رسالة أو جزءًا حديثيًا بعنوان: (أين الله)، تكلم فيه على من رواه، والكتاب جيد ومطبوع وموجود، وقد استقصى روايات كثيرة.
وهذا الحديث الصريح دل على أمرين مهمين جدًا يخالفان منهج المتكلمين: أحدهما: أنه يجوز السؤال عن الله بأين، وأن هذا السؤال لا يلزم منه لازم باطل، كالتجسيم أو المكان أو غير ذلك؛ لأن الرسول ﷺ وهو سيد الخلق سأل بأين، وقال للجارية: (أين الله؟) .
الثاني: أن الجارية أشارت بيدها أو برأسها، وقالت: (في السماء)، فأقرها رسول الله ﷺ، وقال: (أعتقها فإنها مؤمنة) .
إذًا: هذا يدل دلالة صريحة قطعية على أن الله ﷾ في العلو، وأنه في السماء، وأنه يسأل عنه بأين، وأنه لا يلزم من ذلك لازم باطل.
والعجيب أن المتكلمين تأولوا تأويلات غريبة جدًا! فبعضهم ضعف رواية: (أين)، وقال: الرواية الصحيحة: (من الله)، فنقول: أين وردت كلمة (من)؟! فإن الأئمة الجهابذة يروون بالأسانيد الصحيحة: (أين)، وهذا كأنه يرد هذه الرواية، فهو يرد الحديث خوفًا من أن يدل على شيء لا يعتقده ولا يقول به.
وبعضهم أجاب بجواب أعجب من هذا! ألا وهو أنه قال: حينما قال الرسول: (أعتقها فإنها مؤمنة) ما قصد إقرارها بأن الله في السماء، وإنما أراد أن يبين هل هي تعبد الأصنام أم تعبد الله؟ فسألها: (أين الله؟ فقالت: في السماء)، فدل على أنها لا تعبد هبل ولا العزى؛ لأنها لو كانت تعبد واحدًا منهم لقالت: هبل أو العزى في مكة أو في الطائف أو غيره، فلما قالت: (في السماء) دل ذلك على أنها تعبد الله، ولا تعبد الأصنام! وهذا تأويل ضعيف جدًا، اضطر إليه هؤلاء بسبب الاعتقاد الباطل الذي اعتقدوه؛ فإنهم قالوا: إن القول بأن الله في السماء يلزم منه أن الله في مكان، وأن المخلوقات تحوطه، ونحو ذلك من اللوازم الباطلة التي توهموها.
[ ٥ / ١٣ ]
إثبات مشركي العرب لعلو الله ﷿
ثم قال المصنف: [وقال النبي ﷺ لـ حصين -وهو والد عمران بن حصين -: (كم إلهًا تعبد؟ قال: سبعة: ستة في الأرض وواحدًا في السماء؛ قال: من لرغبتك ورهبتك؟ قال: الذي في السماء)] .
أي: أنه كان يعبد ستة أصنام في الأرض، وواحدًا في السماء، أي: الله ﷾، فالرسول ﷺ قال له: (من لرغبتك ورهبتك؟)، أي: من هو الذي تعلم أنه يقدر على تحقيق الخير الذي تريده وكشف الضر الذي تخشاه وتريد زواله؟ قال: (الذي في السماء) أي: الله ﷾.
فالنبي ﷺ قال: [(فاترك الستة، واعبد الذي في السماء؛ وأنا أعلمك دعوتين، فأسلم، وعلمه النبي ﷺ أن يقول: اللهم ألهمني رشدي، وقني شر نفسي)] .
هذا الحديث حديث صحيح رواه الترمذي وغيره، ووجه الدلالة منه قوله: (وواحدًا في السماء)، وهذا يدل على أنه يقصد أن الله ﷾ في العلو، ولهذا قال: (من لرغبتك ورهبتك؟ قال: الذي في السماء) .
وهذا دال على أن حصينًا كان يؤمن بأن الله ﷾ في السماء حتى قبل إسلامه، ولقد كانوا في الجاهلية يؤمنون بأن الله ﷾ في السماء، وهذا معروف ومشهور عند الجاهليين، فهذا الحديث دل على إثبات العلو لله ﷾.
وفيما أسلفنا في تفسير الآية السابقة: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] ذكرنا أنه لا يقول قائل أبدًا: إن معناها أن السماء تحيط به، أو أنه داخلها، وإنما معناها أنه في العلو، أو على السماء، وكلا المعنيين صحيح.
[ ٥ / ١٤ ]
إثبات العلو لله ﷿ في الكتب القديمة
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [وفيما نقل من علامات النبي ﷺ وأصحابه في الكتب المتقدمة: أنهم يسجدون بالأرض، ويزعمون أن إلههم في السماء] .
هذا الكلام مروي عن عدي بن عميرة بن فروة الكندي، وقد رواه عنه بإسناده ابن قدامة في كتابه (العلو)، والذهبي، وقال الذهبي عن هذا الكلام: إنه غريب، أي: أنه لم يرو بإسناد صحيح يعول عليه، وإنما هو نقل من كتب الأقدمين، فقوله في وصف النبي ﷺ وأصحابه: (إنهم يسجدون بالأرض ويزعمون أن إلههم في السماء) نقول: مثل هذا اللفظ إذا كان واردًا في الكتب السابقة فمن المؤكد أن فيه تحريفًا؛ لأن قوله: (يسجدون بالأرض) هذا صحيح، والرسول ﷺ قال عن الخصائص التي اختصت بها أمته: (وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا)، وهذا من خصائص هذه الأمة.
لكن التحريف -والله أعلم- هو في قوله: (ويزعمون أن إلههم في السماء)؛ لأنه لو كانت العبارة ويقولون أو ويقررون أو ويعتقدون أو نحو ذلك لقلنا: إن هذه العبارة ربما تكون صحيحة المعنى.
أما إسنادها فقد تبين أنه ليس مما يعتمد، وأن الذهبي قال فيه: إنه غريب.
لكن يكون المعنى صحيحًا؛ وأما قوله: (ويزعمون) فالزعم فيه نوع من الانتحال، والله ﷿ في السماء حقيقة وليس ادعاءً.
[ ٥ / ١٥ ]
دليل آخر على العلو
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [وروى أبو داود في سننه أن النبي ﷺ قال: (إن ما بين السماء إلى السماء مسيرة كذا وكذا -وذكر الخبر إلى قوله- وفوق ذلك العرش، والله سبحانه فوق ذلك)] .
هذا الحديث أيضًا رواه الترمذي وحسنه، وبعض العلماء تكلم في إسناده، ورواه أيضًا أبو داود وابن ماجة وغيرهم.
وهذا الحديث أيضًا دال على إثبات صفة العلو لله ﷾، ففيه: (أن ما بين السماء إلى السماء مسيرة كذا)، أي: خمسمائة عام؛ ولكن الشاهد قوله: (وفوق ذلك العرش، والله سبحانه فوق ذلك)، وهذا نص صريح على أن العرش فوق السماوات، وأن الله ﷾ فوق العرش، وهذا دليل على إثبات صفة العلو لله ﷾.
فهذه بعض الأدلة على إثبات صفة العلو لله ﷾، وبقيت الإشارة إلى أن الأدلة في هذا كثيرة؛ فأحاديث النزول دالة على العلو، فقوله ﷺ: (ينزل ربنا) يدل على أن الله في السماء، وهكذا أحاديث العروج والصعود إليه، كما في قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠]، وقوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج:٤]، أي: إلى الله ﷾.
والنبي ﷺكما في الصحيحين وغيرهما- عرج به إلى الله ﷾ حتى بلغ سدرة المنتهى، وكلمه ربه ﵎ من غير واسطة.
وهذه الأدلة تزيد على ألف دليل، وكلها دالة على أن الله ﷾ في العلو، ونحن نثبت ذلك ونقول: إن الله ﷾ في علو فوق السماوات على العرش استوى، وأنه ﷾ فوق خلقه بائن منهم، ومع ذلك لا يخفى عليه شيء من أمور خلقه.
ونكتفي بهذا، ونسأل الله ﷾ التوفيق والهداية، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
[ ٥ / ١٦ ]
الأسئلة
[ ٥ / ١٧ ]
الحكمة في تكرار الرقم (سبعة) في كثير من الأشياء
السؤال
ما هو السبب في تكرار رقم (سبعة): فأيام الأسبوع سبعة، والأرضون سبع، والسماوات سبع، وكذلك أيضًا الجنة لها سبعة أبواب، والنار لها سبعة أبواب إلخ؟
الجواب
مثل هذا تعلق به الإسماعيلية الباطنية الذين يقولون: إن الأمور كلها تدور على سبعة، فجعلوا الإمامة تنتهي بالسابع بعد جعفر الصادق، وقالوا: إن الإمام بعده إسماعيل بن جعفر، ومن ثم يفترقون عن الجعفرية الإثني عشرية الذين يقولون: إن الإمام بعد جعفر هو موسى بن جعفر، وهؤلاء الباطنيون يقولون: إن الدورات كلها هي دورات سبع، وإن هذا الإمام السابع هو الذي تنتهي به الإمامة، لكن دليل في ذلك؛ لأن من تأمل الأعداد في القرآن الكريم وجد أعدادًا غير سبعة؛ ففي القرآن الكريم عشرة، كما في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة:١٩٦]، وقوله: ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف:١٤٢] وفيه ثلاثة، وسبعة، وتسعة عشر، وأربعون، وثلاثون، فلا دلالة في هذا، وإنما هي حكمة لله ﷾ قد لا نعلمها.
[ ٥ / ١٨ ]
تكليم الله ﷿ لأنبيائه ﵈
السؤال
هل تكليم الله للنبي ﷺ كان كتكليم موسى؟
الجواب
نعم، تكليم الله ﷾ هو تكليم بدون واسطة، كتكليم الله لموسى، لكنهما افترقا في شيء واحد، وهو أن الله كلم موسى وهو في الأرض، وكلم النبي ﷺ وهو في السماء، ولهذا فإن بعضهم يعلل كون موسى ﵊ هو الذي لقب كليم الله بذلك، وهو أن تكليم الله لموسى كان وهو على الأرض، بينما تكليم الله لآدم ومحمد ﷺ إنما كان وهما في السماء، والله أعلم بحال الإنسان حينما يكون في السماء واختلافه عن حاله حينما يكون في الأرض.
[ ٥ / ١٩ ]
الحكم على حديث: (كم إلهًا تعبد؟)
السؤال
ما حال حديث حصين (كم إلهًا تعبد؟)؟
الجواب
هذا الحديث حسنه الترمذي، وقال: حسن غريب، والذي يظهر أنه ضعيف، لكن كما أشرنا في الدرس أن مثل هذه الرواية لا يحتج بها العلماء استقلالًا، وإنما ورد إثبات علو الله ﷾ في أدلة كثيرة جدًا.
[ ٥ / ٢٠ ]
عدد حملة العرش يوم القيامة
السؤال
ورد في القرآن الكريم عن الملائكة قوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٧]، هل هذا على سبيل الحصر؟
الجواب
بعض المفسرين قال: الله أعلم، لا ندري ما المقصود بـ (ثمانية)، هل هي ثمانية ملائكة أو ثمانية صفوف أو غير ذلك؟ لكن الظاهر -والله أعلم- أن المقصود: ثمانية ملائكة يحملون العرش يوم القيامة.
[ ٥ / ٢١ ]
معنى قوله تعالى: (فأينما تولوا فثم وجه الله)
السؤال
كيف نرد على من يستدل بقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] على أن الله تعالى في كل مكان؟
الجواب
نرد عليه بأن هذه الآية إنما هي في القبلة، أي: أينما تولوا في صلاتكم فإنما تستقبلون قبلة الله ﷾، وليس كل آية فيها إحاطة الله ﷾ تدل على أن الله في كل مكان، وإلا فهم قد احتجوا قبل ذلك بمثل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف:٨٤]، فقالوا: قوله: (وفي الأرض إله) يدل على أنه أيضًا يكون في الأرض، وهذا لا حجة فيه.
[ ٥ / ٢٢ ]
الفرق بين التشبيه والتمثيل والتكييف
السؤال
ما الفرق بين التشبيه والتمثيل والتكييف؟
الجواب
سبق بيان ذلك، فالتكييف هو أن يبين أو أن يقول: كيفية الصفة كذا وكذا.
أما التمثيل فهو أن يمثل صفة الله بصفات خلقه، أو بالعكس.
وأما التشبيه فهو أن يقول: إن صفة الله كذا شبيهة بكذا.
فالتمثيل معناه المطابقة من كل وجه، والتشبيه هو التشابه من بعض الوجوه دون بعض، والتكييف أن يكيف الصفة، بمعنى: أنه يصفها بصفة لا يشبهها بكذا وكذا، وإنما يريد بها كيفية معينة من طول أو قصر أو عرض أو غير ذلك.
[ ٥ / ٢٣ ]
الهوى سبب انحراف أهل البدع في الغالب
السؤال
لقد تبين من تأويلات المتكلمين وغيرهم أن منطلقهم في هذا التأويل إنما هو هوىً في النفس، أرجو أن تبينوا هذا الأمر بصورة أمثل؟
الجواب
لا شك أن أهل البدع إنما يسوقهم الهوى، لكن هذا الهوى أحيانًا قد يكون مبعثه شبهة أو تقليدًا أو غير ذلك، ولكن الهوى خطير جدًا؛ لأنه يعمي صاحبه عن الحق، والواجب على الإنسان أن يقبل الحق ممن جاء به مهما كان.
[ ٥ / ٢٤ ]
التعريف بالأشاعرة
السؤال
من هم الأشاعرة؟ وما هي معتقداتهم؟
الجواب
الكلام حولهم طويل، لكن الأشاعرة والماتريدية لازالوا موجودين في كثير من بلاد العالم الإسلامي، وكثير من الجامعات الرسمية في بعض البلاد الإسلامية يتبنون المذهب الأشعري، ويدرسونه على أنه هو الحقيقة، أو المذهب الماتريدي، وانتشارهم في الحقيقة انتشار كبير جدًا؛ ولهذا فإن واجب السلف والمنتسبين إلى السلف أن يغيروا هذه العقيدة، ويبينوا ما فيها بيانًا واضحًا.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ٥ / ٢٥ ]