القرآن كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود، تحدى الله ببلاغته العرب الفصحاء فعجزوا، بل تحداهم أن يأتوا ببعضه فأبلسوا، بل وتنزل معهم إلى الإتيان بسورة من مثله فأخرسوا، بل ضم إليهم جميع الجن والإنس فعاد الجميع خاسرين، ورجعوا خائبين، فسبحان من تفرد بالكمال والجلال والجمال.
[ ٧ / ١ ]
إثبات صفة الكلام لله ﷿ بصوت وحرف
[ ٧ / ٢ ]
إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء
ٍبعد أن ذكر المصنف رحمه الله تعالى أن الله ﷾ يتكلم ويكلم عباده، وأن كلامه لهم حقيقة، وأنه ﷾ يكلم عباده فيسمعونه، ذكر أيضًا بعض أدلة هذا فقال: [وقال عبد الله بن مسعود ﵁: إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء، روي ذلك عن النبي ﷺ] .
المصنف رحمه الله تعالى أورد هذا الأثر موقوفًا فقال: (وقال: عبد الله بن مسعود ﵁: إذا تكلم)، وهذا الأثر روي موقوفًا على ابن مسعود بإسناد صحيح، لكنه أيضًا روي برواية أخرى مرفوعًا إلى النبي ﷺ، وروايته مرفوعة إلى النبي ﷺ أيضًا واردة بإسناد صحيح، وممن رفعها أبو داود رحمه الله تعالى في سننه وغيره، وكل من المرفوع والموقوف صحيح، لكن لما كان الموقوف أصح علقه البخاري في صحيحه، وقد ذكر الشيخ الألباني هذا الحديث في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم (١٢٩٣) وقال ﵀: والموقوف -أي: على ابن مسعود - وإن كان أصح إلا أن له حكم الرفع؛ لأنه مما لا يقال بالرأي.
يعني: لا يمكن أن يقوله ابن مسعود من عند نفسه، فيكون حكمه حكم المرفوع.
قوله في هذا الحديث: (إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء)، هذا يدل على إثبات كلام الله، وإثبات أن كلام الله مسموع، وهذا يرد على من قال بالكلام النفسي، أو إن كلام الله ليس بحرف ولا صوت، بل الذي عليه أهل السنة والجماعة أن الله يتكلم، وكلامه مسموع، وأن أهل السماء يسمعون صوته وكلامه، وكذلك أيضًا لما كلم موسى وكلم محمدًا وكلم آدم سمعوا ذلك.
ثم قال: (روي ذلك عن النبي ﷺ) .
كأن المصنف هنا أشار إلى المرفوع وإلى الموقوف.
[ ٧ / ٣ ]
نداء الله لأهل المحشر بصوت يسمعونه
ثم قال: [وروى عبد الله بن أنيس عن النبي ﷺ أنه قال: (يحشر الله الخلائق يوم القيامة عراة حفاة غرلًا بهمًا)] .
عبد الله بن أنيس الجهني المدني المتوفى سنة أربع وخمسين هجرية رحمه الله تعالى، أحد الصحابة المعروفين المشهورين.
قوله: (يحشر الله الخلائق يوم القيامة عراة)، أي: ليس عليهم كساء ولا لباس ولا غطاء، (حفاة) أي: غير منتعلين، (غرلًا) أي: غير مختونين، (بهمًا) أي: طليقي الأيدي لا يحملون معهم أي شيء؛ وهذا لبيان أن الناس يبعثون من قبورهم ويحشرون إلى ربهم ﷾ وهم على هذه الحالة، كما في حديث عائشة ﵂ وأرضاها حين قالت للرسول ﵌: يا رسول الله! الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟! فبين لها النبي ﷺ أن الأمر أكبر وأعظم وأشد من أن يهتموا بهذا الأمر؛ لأن الأمر خطير جدًا.
[(فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديان)، رواه الأئمة، واستشهد به البخاري] .
الشاهد من هذا: قوله: (فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب)، والنداء كما نعلم جميعًا لا يمكن أن يكون إلا بصوت، وهذا فيه إثبات أن الله ﷾ يتكلم، وأنه ﵎ إذا نادى الخلائق يوم القيامة يناديهم بصوت يسمعونه جميعًا، وهذا الحديث ذكره البخاري أيضًا تعليقًا ورواه الإمام أحمد وأبو يعلى عن جابر بن عبد الله ﵄، وهو المشهور، وهو الوارد في قصة رحلة جابر بن عبد الله ﵁ وأرضاه حين التقى بـ عبد الله بن أنيس في مصر حين رحل إليه شهرًا كاملًا؛ ولهذا ذكره البخاري في كتاب العلم في الباب الذي عقده في مسألة الرحلة في طلب الحديث، لكنه رحمه الله تعالى ذكره معلقًا.
وهذا الحديث رواه البيهقي، ورواه البخاري في الأدب المفرد، وهو حديث صحيح، ومن ثمَّ فإن الإمام ابن حجر رحمه الله تعالى لما تعرض لمسألة إثبات صفة الكلام لله وأنه بصوت، نقل كلام بعض الأشاعرة وتأويلهم للأحاديث الواردة في ذلك، وتضعيفهم لهذه الرواية، وقولهم: إن كلامه تعالى ليس بصوت، فبعد أن نقل كلامهم علق عليه بقوله: والحديث إذا ورد بالطرق الصحيحة فإنه يؤخذ به.
وكأنه يقول: ما دام إثبات الصوت لله تعالى ثبت في الأحاديث الصحيحة فلا داعي للمماحكة؛ لأنه ورد بأسانيد صحيحة، وكأن ابن حجر رحمه الله تعالى إنما يرد على أولئك الذين ضعفوا هذه الرواية بناءً على مذهبهم في إثبات الكلام النفسي لله، وأن كلامه ﷿ ليس بحرف ولا صوت، فبناء عليه بحثوا عن الحديث فوجدوا أن البخاري رواه معلقًا، فضعفوا هذه الرواية لهذا السبب، فـ ابن حجر المحدث غلب عليه رحمه الله تعالى هنا جانب الحديث، فرد على أولئك وقال لهم: لا تتعرضوا لتضعيفه من أجل ذلك المعنى الكلامي الذي تريدونه، بل إذا ثبت أمر في الأحاديث الصحيحة فيجب أن تقولوا به، ثم بعد ذلك ابحثوا له عن التأويل، لكن لا تضعفوه وتردوا الحديث؛ لأجل أنه خالف ما عندكم.
ومنطق ابن حجر هذا عظيم جدًا، مع أنه رحمه الله تعالى من المائلين إلى مذهب الأشاعرة في كثير من المسائل، إلا أنه هنا وقف وقفة الإمام المحدث، وهذا هو الصحيح، ولهذا فإن هذه الرواية صحيحة، ولا كلام فيها، وحتى لو فرض أن البخاري رحمه الله تعالى علق مثل هذه الرواية فإنه لا يطعن فيها؛ لأنها رويت عند غيره بأسانيد صحيحة، بل إن إثبات أن كلام الله بصوت وارد بأدلة كثيرة جدًا، ولا يمكن أن يقول قائل: إن موسى ﵊ سمع كلام الله بلا صوت، ومن قال ذلك فإنه قال ما لا يعقل.
[ ٧ / ٤ ]
نداء الله لموسى عند تكليمه بصوت يسمعه
ثم إن المصنف رحمه الله تعالى قال: [وفي بعض الآثار أن موسى ﵇ ليلة رأى النار فهالته، ففزع منها، فناداه ربه: يا موسى! فأجاب سريعًا استئناسًا بالصوت.
فقال: لبيك لبيك ولبيك، أسمع صوتك، ولا أرى مكانك، فأين أنت؟ فقال: أنا فوقك، وأمامك، وعن يمينك، وعن شمالك.
فعلم أن هذه الصفة لا تنبغي إلا لله تعالى، قال: كذلك أنت يا إلهي، أفكلامك أسمع أم كلام رسولك؟ قال: بل كلامي يا موسى] .
هذا الأثر إسرائيلي ضعيف لا يؤخذ به، رواه وهب بن منبه ووهب بن منبه معروف بالروايات الإسرائيلية، لهذا فإن هذا المقطع من قصة موسى أورده السيوطي في تفسيره (الدر المنثور) في تفسير سورة (طه) الآية العاشرة، حيث ذكر أثرًا طويلًا جدًا بلغ صفحات، وذكر منه هذا، وقال السيوطي: أخرجه أحمد في (الزهد) وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن وهب بن منبه.
فإذًا: هذا الأثر رواه وهب بن منبه، فهو أثر إسرائيلي، وعلى هذا فلا يعتد به، لهذا فالأولى بمثل هذا الأثر أن يطرح ولا يؤخذ به، والقضية التي أشار إليها ابن قدامة رحمه الله تعالى قد وردت لها أدلة أخرى في الأحاديث الصحيحة، فمثل هذه الآثار الإسرائيلية لا يؤخذ بها، بل إنني أرى أن متنها فيه نكارة؛ لأنه قال: فأين أنت، قال: (أنا فوقك، وأمامك، وعن يمينك، وعن شمالك) إلى آخره، وهذا الكلام كلام غير صحيح وغير دقيق لهذا، فما سبق أن ذكرناه كافٍ في بيان ضعف هذه الرواية، وأنها رواية إسرائيلية.
[ ٧ / ٥ ]
الكلام على القرآن الكريم
[ ٧ / ٦ ]
بيان أن القرآن الكريم من كلام الله ﷿
ثم إن المصنف رحمه الله تعالى انتقل من الحديث عن إثبات كلام الله إلى قضية أخرى متعلقة بكلام الله تعالى، ألا وهي القرآن العظيم الذي أوحاه الله إلى محمد ﷺ، فقال: [فصل: ومن كلام الله سبحانه القرآن العظيم] .
تكلم الله بالتوراة وبالإنجيل وبالزبور، وكلم أنبياءه، ومن كلامه أيضًا القرآن العظيم.
ثم قال عن القرآن: [وهو كتاب الله المبين] .
ولا شك أنه كتاب الله الذي أبان الله به المحجة، فهو مبين مفصل محكم، كما أخبرنا الله ﷾ في آيات كثيرة بأنه هدىً ونور وفرقان، ولا يكون هدىً ونورًا وفرقانًا وضياءً إلا إذا كان بين الدلالة واضحًا؛ يقرؤه الجميع فيتعظون به، ويفهمونه على مختلف مستوياتهم؛ فلا يمكن أن يقول قائل: أنا أقرأ القرآن من أوله إلى آخره ولا أفهم منه شيئًا؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧] .
فالقرآن فيه أحكام وفيه مسائل وفيه قضايا لا يعلمها إلا الراسخون في العلم، لكن فيه مواعظ يفهمها الجميع، حتى المرأة وحتى الصغير وحتى العامي، وهذا من نعم الله ﷾ على عباده.
ثم قال: [وحبله المتين، وصراطه المستقيم، وتنزيل رب العالمين] .
ولا شك أن من اعتصم بالقرآن واستمسك به فقد استمسك بالعروة الوثقى، واستمسك بهذا الدين القويم؛ فهو حبل الله المتين، وصراطه المستقيم، وهذا واضح المعنى.
وقوله: (وتنزيل رب العالمين) هذا كما ورد في آيات كثيرة، منها: قوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾ [الشعراء:١٩٣]، وقوله: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان:٣]، وقوله: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر:١]، وقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًَا﴾ [الكهف:١]، وغيرها من الآيات.
[ ٧ / ٧ ]
نزول جبريل ﵇ بالقرآن على النبي ﷺ
ثم قال المصنف: [نزل به الروح الأمين] .
الروح: هو جبريل ﵇، والأمين: وصف لجبريل؛ لأنه كان أمين وحي الله ﷾، ولا شك أنه أمين؛ فإن الله ﷾ استأمنه على الوحي الذي أوحاه إلى رسله عليهم الصلاة والسلام.
قال: [نزل به الروح الأمين، على قلب سيد المرسلين] .
وهو محمد بن عبد الله ﷺ، كما ورد في الآيات الكريمات، أنزله الله على قلب محمد ﷺ، وإنما ذكر القلب هنا؛ لأن القلب هو الذي يعي؛ ولأن النبي ﷺ كان يأتيه الوحي فيأخذه غشيان عظيم يشبه الغيبوبة، فيفصم عنه، فإذا به ﵊ قد وعى كل ما أوحى إليه به جبريل ﵊.
والوحي كان ينزل على النبي ﷺ على صور متعددة، لكن هذا هو الأكثر والأغلب، ولهذا كان الصحابة ﵃ وأرضاهم إذا نزل بالنبي ﷺ الوحي يسترونه، فيضعون عليه أحيانًا لفافًا، وأحيانًا يضعون عليه رداءً؛ لأن الوحي يشتد عليه، ولهذا لما نزل قول الله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء:٩٥]، نزلت هذه الآية وفخذه على فخذ زيد بن ثابت، قال: (وكانت فخذ رسول الله ﷺ على فخذي، فكادت فخذي أن ترض)، وهذا من شدة ثقل الوحي.
وأحيانًا كان الوحي ينزل على الرسول ﷺ وهو على ناقة فتبرك الناقة، وأحيانًا تضع رقبتها على الأرض وتحكها في التراب حكًا لشدة ثقل الوحي، والله سماه ثقيلًا فقال: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل:٥]، فكان ثقيلًا حتى في تنزله.
وأول مرة نزل الوحي على النبي ﷺ غطه الملك غطة شديدة؛ حتى ظنه ﵊ الموت.
فكان الوحي ينزل على قلب محمد ﷺ، لكن بعد أن ينتهي الوحي ويفصم عنه يكون ﷺ قد وعى جميع ما قال، ولهذا كان بعض الصحابة يحرص ما استطاع أن يرى الرسول ﷺ والوحي ينزل إليه، فبعضهم يقول: قلت لـ عمر بن الخطاب: أريد أن أرى الرسول وهو يوحى إليه، ففي يوم من الأيام كان يوحى إليه، قال: فرفع الستار ونظرت إلى النبي ﷺ وهو يوحى إليه، وقد اشتد عليه الوحي ﵊.
ثم قال المصنف ﵀: [على قلب سيد المرسلين، بلسان عربي مبين] .
وهو ﵊ سيد ولد آدم وسيد الأولين والآخرين.
وقوله: (بلسان عربي مبين) هذا واضح جدًا، كما قال الله ﷾: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف:٢] .
فالله ﷾ جعل هذا القرآن العظيم بلسان محمد وقومه الذي هو العربية.
[ ٧ / ٨ ]
بيان أن القرآن كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود
ثم قال: [منزل غير مخلوق] .
وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة أن القرآن منزل؛ لأه كلام الله، وأنه غير مخلوق، لا كما يقول المعتزلة كما بينا سابقًا.
ثم قال: [منه بدأ وإليه يعود] .
أي: أن هذا القرآن بدأ من الله تعالى؛ لأن الله هو الذي تكلم به، والكلام ينسب إلى من بدأ به متكلمًا، وقد ذكرنا هذا وضربنا له مثلًا بقصيدة امرئ القيس المعلقة التي تنقل منذ عهد الجاهلية إلى الآن، وهذا أحيانًا يشرحها، وهذا أحيانًا يسجلها بصوت، لكن المعلقة معلقة امرئ القيس؛ لأن المعلقة هي لمن قالها مبتدئًا، وكذلك أيضًا -ولله المثل الأعلى- هذا القرآن العظيم؛ فهو كلام الله؛ لأنه سبحانه هو الذي ابتدأ هذا الكلام، ومن هنا قال السلف رحمهم الله تعالى كما قال ابن قدامة هنا: منه بدأ.
وقوله: (وإليه يعود)، أي: إلى الله ﷾ يعود ويرجع هذا القرآن في آخر الزمان، كما ورد في ذلك عدد من الأحاديث والآثار الصحيحة عن النبي ﷺ وعن عدد من الصحابة، منهم عبد الله بن مسعود وأبو هريرة، وهذا أيضًا مما لا يقال بالرأي، فيكون له حكم الرفع.
فقد ورد في ذلك ما يدل على أن هذا المصحف أو هذا القرآن يرفع في آخر الزمان من صدور الرجال، ويرفع من الكتب، ويرفع من المصاحف، فيعود إلى الله ﷾، وقد ورد في ذلك حديث صحيح رواه الحاكم وصححه، ورواه ابن ماجة في سننه، وهو أيضًا حديث صحيح، عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب)، ومعنى (يدرس): ينقرض، يعني: ينقرض الإسلام شيئًا فشيئًا، والوشي هو النقوش التي على الثوب، فإذا كان الثوب ملونًا وعليه نقوش وزهور فإنها مع قدم الزمن تبدأ تنمحي، فشبه رسول الله ﷺ اندراس الإسلام باندراس هذه النقوش التي على الثوب.
قال ﷺ: (يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب؛ حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة، وليسرى على كتاب الله ﷿ في ليلة، فلا يبقى في الأرض منه حرف)، ومعنى (يسرى): أنه يأتي يوم على كتاب الله تعالى فيمحى ويزال من صدور الرجال ومن الأوراق، حتى لا يبقى منه آية، ويرفع إلى السماء، وهذا هو الشاهد هنا: أنه إليه يعود.
يقول في بقية الحديث: (وتبقى طوائف من الناس: الشيخ الكبير والعجوز يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: لا إله إلا الله، فنحن نقولها)، هكذا رواه ابن ماجة، وفي رواية الحاكم: قال: صلة بن زفر لـ حذيفة: (ما تغني عنهم لا إله إلا الله؛ وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة، فأعرض عنه، ثم ردها عليه ثلاثًا، كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة فقال: يا صلة، تنجيهم من النار، ثلاثًا)، قال: الحاكم صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وقال البوصيري: إسناده صحيح، ورجاله ثقات، وصححه الألباني؛ حيث ذكره في السلسلة الصحيحة رقم الحديث (٨٧) .
إذًا: الشاهد هنا: أنه يسرى على هذا الكتاب ولا يبقى منه آية في الأرض، وهذا معناه عودته إلى الله سبحانه.
[ ٧ / ٩ ]
حكم ترك الصلاة عند اندراس الإسلام
وهنا مسألة خارجة عن الموضوع، لكن أحببت أن أشير إليها للفائدة: فهذا الحديث قد يحتج به من لا يرى كفر تارك الصلاة، فيقول: إن هؤلاء لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا حج ولا صدقة، وحذيفة يقول: (تنفعهم لا إله إلا الله)، فدل ذلك على أن من مات وهو يقول لا إله إلا الله فهو من أهل الجنة، وأن تارك الصلاة لا يقتل.
أقول معلقًا على هذه القضية: الذي يظهر لي -والله أعلم- أن هذا الحديث ليس فيه حجة لمن قال بذلك، صحيح أن ظاهره أنه قال: (تنفعهم لا إله إلا الله)، لكن الحديث إنما هو في آخر الزمان الذي درست فيه أمور الإسلام، فصار هؤلاء لا يعرفون إلا لا إله إلا الله، فإذا كانوا لا يعرفون صلاة ولا صيامًا فهل يحاسبون عليها؟
الجواب
لا يحاسبون عليها، فحالهم شبيه بمن أسلم وهو حديث عهد بالإسلام، ولم يعرف أحكام الصلاة ولا غيرها، ثم إنه مات، فهذا تنفعه لا إله إلا الله، لكنه لو علم الصلاة، وقامت عليه الحجة بها، فعلى القول بأنه يكفر -وهو الصحيح- لا تنفعه لا إله إلا الله، بل لابد أن يؤدي الصلاة.
وكذلك هؤلاء الذين يأتون في آخر الزمان وقد اندرست تلك الأمور العظام من أمور الإسلام، فهؤلاء غير مكلفين بها.
إذًا: إذا لم يبق معه إلا لا إله إلا الله فإنها تنفعه، وأظن أن المسألة واضحة، والعلم عند الله تعالى.
[ ٧ / ١٠ ]
ترتيب سور وآيات القرآن الكريم
ثم قال: [وهو سور محكمات، وآيات بينات، وحروف وكلمات] .
القرآن كما هو معلوم سور، وأما تقسيم السور وترتيب الآيات فهو توقيفي لم يكن عن اجتهاد الصحابة ﵃ وأرضاهم، وإنما كان بأمر الرسول ﷺ، إنما اختلف العلماء في مسألة ترتيب السور في المصحف، هل هو ترتيب اجتهادي من عند الصحابة أم أن الأمر موقوف على رسول الله ﷺ؟ والذي يترجح -والعلم عند الله تعالى- أن ترتيبها أيضًا ليس عن اجتهاد من الصحابة، وإنما هو عن أمر الرسول ﷺ، وأن الرسول ﷺ أمر الصحابة أن يقرءوا القرآن على العرضة الأخيرة التي عرضها عليه جبريل، فإن جبريل في رمضان الأخير الذي انتقل الرسول ﷺ بعده إلى الرفيق الأعلى دارس النبي ﷺ بالقرآن مرتين، فلابد أن يكون الرسول ﷺ قد بلغ أولئك الصحابة تلك العرضة الأخيرة، ومنها ترتيب سور القرآن.
وقوله: (وهو سور محكمات)، لا شك أن القرآن كله محكم كما بينا.
وقوله: (وآيات بينات) أي: واضحة الدلالات.
وقوله: (وحروف وكلمات) لا شك أيضًا أن القرآن حروف وكلمات، ومن قال: إن كلام الله تعالى ليس بحرف ولا صوت فإنه مخطئ، بل كلام الله حروف، والقرآن حروف، وسيأتينا الأدلة الكثيرة التي تدل على أن هذا القرآن العظيم حروف، وأما أولئك الذين قالوا: إن الله يتكلم بغير حرف ولا صوت، أنكروا الأدلة الظاهرة، فما أوصلهم إلى مثل هذا إلا اعتقادهم الفاسد أن كلام الله ﷾ إنما هو الكلام النفسي القائم بذاته.
إذًا: القرآن الكريم حروف وكلمات، فالله ﷾ تكلم به، ونحن نتلوه، وهو كلام الله ﷾.
[ ٧ / ١١ ]
أجر قراءة القرآن
ثم قال: [من قرأه فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات] .
لم يذكر المصنف أن هذا حديث مرفوع أو مروي، وقد ورد حديث عن النبي ﷺ رواه الطبراني وفيه: عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: (أعربوا القرآن؛ فإن من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات، وكفارة عشر سيئات، ورفع عشر درجات)، وهذا الحديث ضعيف، لكن ورد عن النبي ﷺ في مضاعفة الحسنات حديث صحيح رواه الترمذي، وفيه أيضًا: عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول.
(آلم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)، وهذا الحديث الصحيح يغني عن حديث: (من قرأه فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات) .
وقوله: (أعربه) المقصود به أنه تلاه تلاوة صحيحة لم يلحن فيها.
[ ٧ / ١٢ ]
القرآن الكريم له أول وآخر وأجزاء وأبعاض
قال ابن قدامة ﵀: [له أول وآخر] .
أي: أن القرآن له أول وله آخر، ونقول: إنه مفتتح بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، ومختتم بقوله: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس:٦] .
ثم قال: [وأجزاء وأبعاض] .
نقول: القرآن ثلاثون جزءًا، كما نقول: معك جزء من القرآن، ويقول القائل: معي بعض القرآن، أو معي سور منه، أو معي سورة كذا، وهذا كله واضح، فهذا القرآن العظيم تكلم الله به بمشيئته وإرادته.
وفي قوله (أجزاء وأبعاض) رد على من يزعم أن كلام الله ﷿ واحد؛ لأن الأشعرية يقولون: كلام الله واحد لا يتبعض ولا يتجزأ، وإن القرآن والتوراة والإنجيل واحد، لكن لما عبر عنه بالعربية صار قرآنًا، وبالعبرية صار توراة، وبالسريانية صار إنجيلًا، وهذا خطأ؛ لأن القول بأن كلام الله واحد لا يتبعض غير صحيح، ولهذا قال لهم العلماء: إذا قلتم إن كلام الله واحد، فموسى لما سمع كلام الله هل سمع كلام الله كله أو بعضه؟ فإن قلتم: بعضه، نقضتم قولكم، وإن قلتم: كله، كان قولكم باطلًا؛ لأنه لا يعقل أن يكون موسى سمع كلام الله كله؛ لأن كلام الله ﷿ لا يتناهى، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان:٢٧]، ولا مفهوم للعدد هنا، فلو جاء سبعة وسبعة وسبعة ما نفدت كلمات الله.
إذًا: الصحيح: أن موسى سمع ما كلمه الله ﷾ به.
[ ٧ / ١٣ ]
القرآن كلام الله ﷿ كيفما تصرف
قال المصنف ﵀: [متلو بالألسنة، محفوظ في الصدور، مسموع بالآذان] .
فالمتلو بالألسنة هو كلام الله، لكن الألسنة التي تلت والصوت الذي تلي به ينسب للمخلوق.
إذًا الكلام كلام الباري، والصوت صوت القاري، ولهذا قال: (محفوظ في الصدور)، فإذا قيل: فلان حافظ لكتاب الله تعالى، فهذا المحفوظ هو كلام الله القرآن، لكن صدره وما في صدره من قلب وما في رأسه من دماغ وغير ذلك هذا كله مخلوق، لكن كلام الله تعالى غير مخلوق.
فإذا كتب هذا المصحف على الأوراق فهذا المكتوب هو كلام الله.
إذًا: هو أينما تصرف وكيفما تصرف فهو كلام الله، أما صوت القارئ، وأما صدر الحافظ، وأما أذن السامع، وأما المداد والحبر، وأما الورق المكتوب به فهذه كلها مخلوقة.
[ ٧ / ١٤ ]
من القرآن محكم ومتشابه وعام وخاص وناسخ ومنسوخ
ثم قال: [فيه محكم ومتشابه] .
سبق أن ذكرنا المحكم والمتشابه، وذكرنا أن القرآن فيه ذلك، كما قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧] .
وسبق أن بينا أن القرآن كله محكم الإحكام العام، وكله متشابه، أي: يشبه بعضه بعضًا، وفيه آيات محكمات ومتشابهات، وقلنا: إن التشابه أمر نسبي، بمعنى: أنه قد يشتبه على بعض الناس، لكن قد لا يشتبه على الآخرين، وقد سبق أن وضحنا هذه القضية.
ثم قال: [وناسخ ومنسوخ] .
قال الله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة:١٠٦] .
والمنسوخ ثلاثة أقسام: القسم الأول: ما نسخت تلاوته وأحكامه.
القسم الثاني: ما نسخت تلاوته وبقي حكمه.
القسم الثالث: ما نسخ حكمه وبقيت تلاوته.
وتحصيل هذا في كتب علوم القرآن.
ثم قال: [وخاص وعام] .
أي: أن فيه آيات خاصة بالنبي، وفيه آيات خاصة بالقضية الفلانية، وفيه آيات تأتي للعموم، وهذا واضح جدًا.
ثم قال: [وأمر ونهي] .
أي: أوامر ونواهٍ، وهذا أيضًا مشاهد.
[ ٧ / ١٥ ]
حفظ الله ﷿ للقرآن وإعجازه وبلاغته
ثم أخذ المصنف يستدل لذلك بالآيات فقال: [﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢]] .
أي: لا يأتيه الباطل من أمامه ولا من خلفه، بل هو تنزيل من حكيم حميد ﷾، والآية واضحة.
[وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨]] .
أي: مظاهرًا ومساعدًا، فلا يمكن أن يأتوا بمثل هذا القرآن، بل ولا يمكن أن يأتوا بسورة منه ولا بآية، ولهذا صنع وجود الخلاف بين النبي ﷺ وقريش وهم أفصح العرب تحديًا، وقد حلفوا كل الحلف على معاندته إلا أنهم لم يستطيعوا أن يأتوا بمثله، فبقي هذا القرآن معجزة، وهذا أيضًا واضح جدًا.
[ ٧ / ١٦ ]
معرفة العرب أن القرآن كلام الله، وطعنهم فيه
ثم قال رحمه الله تعالى: [وهو هذا الكتاب العربي الذي قال فيه الذين كفروا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ [سبأ:٣١]] .
وهذا للاستدلال على أن هذا القرآن هو كلام الله، وأن هذا المتلو بالأحرف العربية والكلام العربي هو كلام الله، فهذا يدل على أنه كلام الله، وأن الله تكلم به بحرف وصوت.
ثم قال: [وقال بعضهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥]، فقال الله ﷾: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر:٢٦]] .
وقوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥]، معروف أن هذا قاله المشركون، وورد في بعض الروايات أن الذي قال هذا هو الوليد بن المغيرة.
وقوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥] أي: ما هو إلا قول محمد، وليس كلام الله ﷾، فكذبهم الله ﷾ ورد عليهم بقوله: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر:٢٦]، وهذا لبيان أن دعواه أنه قول البشر كذب، بل هو كلام الله ﷾، فكيف يأتي قائل ويقول: هذا كلام محمد، أو يقول: إنه مخلوق؟! بل هو كلام الله منزل غير مخلوق، وهذا نص صريح على أن الله تكلم به، وأنه كلام الله تعالى، ولهذا رد الله على ذلك المشرك الباغي الذي قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥]، فمن قال: إنه قول محمد فهو شبيه بـ الوليد بن المغيرة الذي قال: إن هو إلا قول البشر، نسأل الله السلامة والعافية.
ثم قال المصنف ﵀: [وقال بعضهم هو شعر، فقال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس:٦٩]] .
أي: ما علمنا الرسول ﷺ الشعر، وما ينبغي للرسول أن يكون شاعرًا، وإنما هذا الذي بلغكم إياه هو كلام الله ﷾ وذكر مبين.
فسموه شعرًا لأن الشعر أحرف وكلمات، لكن الله ﷾ رد عليهم فقال: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس:٦٩] .
إذًا: هذا القرآن هو كلام الله وليس كلام شاعر، وهذا يدل على أن العرب كانوا يفهمون من القرآن أنه كلمات شبيهة بكلام العرب وأحرف وكلمات شبيهة بكلام الشعراء، ولهذا قالوا: هو شعر، فرد الله عليهم ببيان أنه ليس بقول شاعر، وأن الرسول لا ينبغي له أن يكون شاعرًا، وإنما هو كلام الله ﷾.
ويفهم من هذا أن القرآن كلام الله، وأنه كلمات، وأنه حروف، وأن العرب فهموا منه هذا، ولهذا لم يعترضوا على هذا وإنما اعترضوا على أن يكون كلام الله ﷾.
أما أولئك المتكلمون فإنهم يقرون أنه من الله، لكن ينكرون أن يكون كلام الله، ولا شك أن كلامهم غير صحيح.
ثم قال ابن قدامة ﵀: [فلما نفى الله عنه أنه شعر وأثبته قرآنًا لم يبق شبهة لذي لب في أن القرآن هو هذا الكتاب العربي الذي هو كلمات وحروف وآيات؛ لأن ما ليس كذلك لا يقول أحد إنه شعر] .
وهذا كلام واضح الدلالة من ابن قدامة رحمه الله تعالى؛ فهو تعليق جيد بين القضية التي شرحناها قبل قليل، فالعرب على فطرتهم كانوا أفقه -وإن كانوا كفارًا- في مثل هذه المسائل من أولئك المتمسلمين الذين خاضوا في هذه المسائل بلا علم.
[ ٧ / ١٧ ]
تحدي الله ﷿ للعرب ببلاغة القرآن الكريم
ثم قال رحمه الله تعالى: [وقال ﷿: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٣]] .
أي: إن كنتم في شك من ذلك فائتوا بسورة من مثل هذا القرآن، وابتدعوا نبوة وديانه جديدة، ثم ادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين، لكنهم لا يستطيعون.
ولهذا قال المصنف ﵀: [ولا يجوز أن يتحداهم بالإتيان بمثل ما لا يدرى ما هو ولا يعقل] .
وهذا صحيح، إذ لا يمكن أن يتحداهم إلا بشيء هم يفهمونه، ولهذا افتتح الله السور بالحروف المقطعة، تحديًا للعرب، فلما يقول: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة:١-٢]، كأنه يقول: يا أيها العرب! هذا القرآن هو من الحروف التي أنتم تتكلمون بها، وكلامكم كله يرجع إلى هذه الحروف، وهذا القرآن أيضًا هو متلو بهذه الحروف، ومع ذلك هو كتاب الله لا ريب فيه نزله الله على عبده، وهنا في هذه الآية يقول: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة:٢٣]، أي: من مثل هذا القرآن العربي، وطبعًا هم لم يستطيعوا ولن يستطيعوا أن يأتوا بمثله.
الشاهد هنا: أنه لو لم يكن هذا القرآن المتلو هو كلام الله ﷾ بكلماته وحروفه لما صح في التحدي أن يقال لهم: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة:٢٣]، وهذا بين واضح جدًا.
ثم قال: [وقال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ [يونس:١٥]] .
قوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا﴾ [يونس:١٥]، أي: أن هذا قرآن يتلى عليهم، فإذا تلي عليهم قالوا: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس:١٥] .
إذًا: هذا القرآن المتلو ليس كلامًا لمحمد؛ وإلا لما قالوا: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس:١٥]، ولما قال النبي ﷺ: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ [يونس:١٥]؛ لأن هذا وحي من الله ﷾، ولو كان كلامًا من عنده لقال: لا أريد أن أقول إلا هذا! لكن قال: ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ [يونس:١٥]، أي: وإنما هو وحي أوحاه ربي إلي، هكذا يقول الرسول ﷺ.
ولهذا قال المصنف: [فأثبت أن القرآن هو الآيات التي تتلى عليهم.
وقال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٩]] .
أي: أن القرآن آيات بينات في صدور المؤمنين حفظة كتاب الله ﷾، وهذا يدل على أن هذا المحفوظ في الصدور هو كلام الله ﵎.
[ ٧ / ١٨ ]
كتابة القرآن الكريم في اللوح المحفوظ
ثم قال: [وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٧-٧٩]، بعد أن أقسم على ذلك] .
وبداية الآيات: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة:٧٥-٧٨]، أي محفوظ، كما قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات:٤٩] .
فما هو هذا الكتاب المكنون الذي (لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ)؟ اختلف العلماء فيه على قولين: قيل: إنه القرآن، أي: المصحف، وقيل: إنه المكتوب في اللوح المحفوظ، وهذا هو الراجح، ولهذا قال: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٩] .
فهذا خبر في أن هذا القرآن في ذلك اللوح المحفوظ، وأن ذلك اللوح المحفوظ لا يقربه إلا المطهرون، وهم الملائكة، لكن على القول الأول أنه المصحف فقد يمسه غير المطهر، بل قد يمسه المشرك، فهذا يرجح أن المقصود بالآية أنه مكتوب في اللوح المحفوظ.
إذًا لما كان مكتوبًا في اللوح المحفوظ ومسطرًا بحروفه وكلماته فهو كلام الله ﷾.
[ ٧ / ١٩ ]
الحروف المقطعة في القرآن الكريم
ثم قال: [وقال تعالى: ﴿كهيعص﴾ [مريم:١]، ﴿حم * عسق﴾ [الشورى:١-٢]، وافتتح تسعًا وعشرين سورة بالحروف المقطعة] .
أراد المصنف رحمه الله تعالى بهذا الكلام أمرين: أحدهما: أن ﴿كهيعص﴾ [مريم:١]، حروف، وهي من كلام الله، وداخلة في القرآن.
وكذلك أيضًا: ﴿حم * عسق﴾ [الشورى:١-٢]، وكذلك ﴿ن﴾ [القلم:١]، ﴿الم﴾ [البقرة:١] إلى آخره.
وقوله: (وافتتح الله تسعًا وعشرين سورة بالحروف المقطعة)، أي: أن كل هذه السور افتتحت بهذه الحروف المقطعة، وذكر الله ﷾ القرآن بعد كل حروف مقطعة من هذه السور، إلا في موضع واحد، فمثلًا: قال تعالى: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١-٢]، وقال: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص:١]، وقال: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم:١]، وقال: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق:١]، وقال: ﴿حم﴾ [الأحقاف:١]، ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ [الأحقاف:٢]، وهكذا كل السور بعد الحروف المقطعة ذكر فيها القرآن العظيم، وهذا دليل على أن هذه الحروف هي كلام الله، وعلى أن المقصود -والعلم عند الله تعالى- من هذه الحروف: بيان إعجاز القرآن العظيم، وكأن الله يقول للمشركين: هذه هي الحروف، ومع ذلك هذا القرآن العظيم من عند الله ﷾ وأنتم لا تستطيعون أن تأتوا بمثله، وهذا يدل على أن هذا القرآن حروف وكلمات، وأنه كلام الله تعالى.
وأما الموضع الذي افتتحت فيه السورة بالحروف المقطعة ولم يذكر بعده القرآن فهي سورة مريم: ﴿كهيعص * ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم:١-٣] .
فما ذكره بعضهم من أنه لم تذكر الحروف مقطعة إلا ويذكر فيها كلام الله يستثنى منه هذه السورة، وما قصده ابن قدامة رحمه الله تعالى واضح جدًا.
نكتفي بهذا، ونستكمل -إن شاء الله تعالى- في الدرس القادم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
والحمد لله رب العالمين.
[ ٧ / ٢٠ ]
الأسئلة
[ ٧ / ٢١ ]
إطلاق لفظ (شيء) على جميع المخلوقات
السؤال
من المعلوم أن الله خالق كل شيء، ولكن هناك أشياء غير محسوسة، فهل اللهجات أو اللغات محسوسة؟ وهل يطلق الشيء على كل شيء محسوس أم لا؟
الجواب
أولًا: بالنسبة للهجات أو اللغات هي محسوسة، أما بالنسبة لعموم خلق الله ﷾ فيطلق عليها شيء، فالله ﷾ خالق كل شيء، وكل شيء موجود سواء كان من الأمور المحسوسة أو غير المحسوسة فهو مخلوق لله ﷾، وكل ما سوى الله ﷾ فهو مخلوق.
[ ٧ / ٢٢ ]
كتابة القلم للقرآن الكريم
السؤال
قال النبي ﷺ: (أول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب، قال: رب! وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة)، أو كما قال ﷺ، فهل كتب القلم القرآن؟
الجواب
ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب، قال: رب! وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة)، فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، أما بالنسبة لكلام الله ﷾ فكلام الله صفة من صفاته، وورد أن القرآن العظيم مكتوب مذكور في اللوح المحفوظ، فهل كتبه القلم في ذلك الوقت أم بعد ذلك هذا علمه عند الله ﷾.
[ ٧ / ٢٣ ]
تكليم الملائكة لله ﷿
السؤال
هل للملائكة أن يكلموا الله ﷾ متى شاءوا؟
الجواب
بالنسبة للتكليم فإن كل إنسان يكلم ربه؛ فأنت إذا دعوت ربك ﷾ وقلت: يا ألله! يا رب اغفر لي، فأنت تكلم ربك، أما إذا كنت تقصد الكلام الذي يكلم الله فيه عبده حقيقة، فهذا لا يكون إلا من الله ﷾.
[ ٧ / ٢٤ ]
اندراس الإسلام في بعض الأماكن في هذه الأزمنة
السؤال
هل ينطبق كلام حذيفة على تلك المجتمعات التي غابت عن الدين سنين طويلة، وغير ذلك؟
الجواب
نعم؛ غربة الدين قد تنطبق على بعض البلاد الإسلامية في بعض الأوقات، وحديث حذيفة الذي فيه: (يدرس الإسلام في آخر الزمان كما يدرس وشي الثوب؛ حتى لا يعرف الناس ما صلاة ولا صيام ولا حج ولا صدقة، ولا يعرفون إلا كلمة (لا إله إلا الله)، فسئل حذيفة: هل تنفعهم لا إله إلا الله؟ فقال: نعم، تنفعهم لا إله إلا الله)، فنقول: نعم، قد يندرس الإسلام في بعض البلاد، وقد اندرس، وأقرب مثال على ذلك ما كان يسمى بالاتحاد السوفيتي، فإن الإسلام هناك كان منتشرًا في كثير من الجمهوريات، ولكن على مدى حكم الشيوعية سبعين عامًا كاد الإسلام أن يندرس؛ حتى إن الناس هناك في كثير من أحوالهم لا يعلمون من الإسلام إلا قليلًا.
[ ٧ / ٢٥ ]
حكم تكفير الخوارج
السؤال
هل الخوارج كفار؟
الجواب
اختلف العلماء في كفرهم، والصحيح أنهم لا يكفرون؛ فقد سئل عنهم علي بن أبي طالب ﵁: أكفار هم؟ قال: (من الكفر فروا)، فهم وقعوا في بدعة التكفير، فلا نقع نحن في بدعة التكفير فنكفرهم، هذا هو القول الراجح إن شاء الله تعالى، وإن كان يطلق على بدعهم أنها بدع كفرية.
[ ٧ / ٢٦ ]
حكم كتابة القرآن كتابة إملائية
السؤال
هل يجوز كتابة القرآن مرة أخرى حسب كتابتنا التي في الوقت الحاضر؟
الجواب
إذا كان المراد كتابة القرآن كاملًا فلا يجوز كتابته بالرسم الحديث، بل الواجب كتابته بالرسم العثماني ولو خالف الرسم الإملائي الحديث؛ لأن القراءات مرتبطة بالخط العثماني، وليست مرتبطة برسومنا نحن واصطلاحاتنا المتأخرة، فمن الواجب أن يبقى الخط العثماني تكتب به المصاحف، وألا يغير أبدًا، أما إذا كتب الإنسان آية ضمن كتاب معين أو ضمن صفحة من الصفحات أو نحو ذلك، فلا بأس بأن يكتبها بالرسم العثماني أو يكتبها بالرسم الحديث.
[ ٧ / ٢٧ ]
تفاوت أجر الذين يقرءون القرآن
السؤال
هل تضعيف الحسنات خاص بمن يتلو القرآن من دون لحن، كما قال المؤلف؟
الجواب
لا شك أن قارئ القرآن مأجور، لكن الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به له أجر أكبر، كما ثبت في الحديث: (الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرؤه وهو عليه شاق له أجران)، فالأجر ثابت، لكن الماهر بالقرآن أكثر وأعظم أجرًا عند الله ﷾.
[ ٧ / ٢٨ ]