من عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يثبتون رؤية المؤمنين لربهم ﷿ يوم القيامة، كما دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع، ويؤمنون أن رؤية الله ﷿ هي أعظم نعيم أهل الجنة، كما ثبت ذلك عن رسول الله ﷺ، ويردون على من أول ذلك.
ومن عقيدتهم أيضًا الإيمان بالقضاء والقدر، وأنه سر الله في خلقه، وأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فعلى العبد الرضا والتسليم.
[ ٨ / ١ ]
فضل قراءة القرآن وحكم من أنكر شيئًا منه
[ ٨ / ٢ ]
خسارة من يتعجل أجر تلاوته في الدنيا
قال المصنف رحمه الله تعالى وهو يتكلم عن موضوع القرآن: [وقال النبي ﷺ: (من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف منه عشر حسنات ومن قرأه ولحن فيه فله بكل حرف حسنة)، حديث صحيح] .
قول ابن قدامة رحمه الله تعالى عن هذا الحديث: (حديث صحيح) هذا قول مرجوح، ولعل المصنف رحمه الله تعالى اختلط عليه هذا الحديث بالحديث الآخر الصحيح الذي يقول فيه النبي ﷺ: (من قرأ حرفًا من كتاب الله تعالى فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: «الم» حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)، وهذا الحديث رواه الترمذي، وهو حديث صحيح.
أما الحديث الذي أورده المصنف هنا وفيه: (من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف منه عشر حسنات، ومن قرأه ولحن فيه فله بكل حرف حسنة)، ثم قال فيه: (حديث صحيح) فهذا الحديث رواه الطبراني وغيره، وفي سنده رجال ضعفاء، ومن ثمَّ فإن الحديث ضعيف.
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال ﵊: (اقرءوا القرآن، قبل أن يأتي قوم يقيمون حروفه إقامة السهم، لا يجاوز تراقيهم، يتعجلون أجرهم ولا يتأجلونه)] .
هذا الحديث رواه الإمام أحمد وغيره، وهو حديث صحيح الإسناد، وهذا الحديث رواه سهل بن سعد الساعدي ﵁.
وقوله: (إقامة السهم) يعني: أنها إقامة قوية صحيحة دقيقة، يعني: أنهم يقرءونه ويتلونه تلاوة طيبة جيدة مجودة، ولهذا قال: (يقيمون حروفه إقامة السهم)، لكن قال ﵊: (لا يجاوز تراقيهم)، والترقوة: هي الحلق، يعني: لا يجاوز حلوقهم، ولماذا لا يجاوز حلوقهم؟ لأنهم لا يتلونه لله ﷾، وإنما يتلونه ليقال: فلان قارئ فلان مقرئ فلان مجود فلان ما أحسن قراءته ما أطول تلاوته! كما هو مشاهد في الأزمنة المتأخرة؛ حيث صار التنافس على القراءة وعلى تجوديها وعلى ما يتعلق بها، بل صار هذا التنافس كبيرًا، ومن ثمَّ وقع بعض هؤلاء القراء في أنهم يتعجلون أجرهم في الدنيا، بأن يريد الواحد منهم أن يقال عنه في الدنيا: إنه قارئ مجود.
وقوله: (ولا يتأجلونه)، أي: لا يقرءون القرآن يقصدون به وجه الله ﷾، ويطلبون فيه الأجر من الله ﵎ يوم القيامة، وهذا مثل بعض الناس الذي يفعل بعض الأمور يريد أجره عاجلًا، فمثلًا: بعض الناس يصبح تاجرًا أو غنيًا، فيتصدق بالصدقات يريد أن يحمى ماله فقط، وليس له هدف من الصدقة إلا أن تحمي ماله، أو أن تشفي مريضه، ولا يريد بذلك الأجر والثواب عند الله ﷾، فهذا يعجل له ثوابه في الدنيا، لكن لا يجد ثواب صدقته يوم القيامة.
وكذلك أيضًا هذا الصنف من القراء يقرأ أحدهم القرآن يريد الشهرة في الدنيا، ولا يريد الأجر والثواب عند الله ﷾، فهذا قد يعجل له ثوابه في الدنيا، فينال بذلك شهرة وسمعة وثناءً ومنزلة إلى آخره، لكنه يوم القيامة لا يجد أجر ذلك وثوابه عند الله ﷾.
[ ٨ / ٣ ]
فضل إعراب القرآن وتلاوته
قال المصنف ﵀: [وقال أبو بكر وعمر ﵄: (إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه)] .
أي: أن كون الإنسان يعرب القرآن ويتلوه تلاوة صحيحة أحب من أن يحفظه على خطأ في الإعراب، وكون الإنسان يحفظ قليلًا من القرآن حفظًا متقنًا وهو ماهر به أفضل من أن يحفظ هذا القدر أو أكثر منه وهو غير متقن له، وما روي عن أبي بكر وعمر رواه ابن الأنباري في كتابه المشهور (الوقف والابتداء)، لكن إسناده إلى أبي بكر أو عمر ضعيف.
[ ٨ / ٤ ]
حكم من كفر بحرف من القرآن الكريم
ثم قال المصنف: [وقال علي ﵁: (من كفر بحرف فقد كفر به كله)] .
هذا الكلام لـ علي بن أبي طالب مروي عنه بسند صحيح، رواه عنه ابن أبي شيبة في المصنف، وأيضًا رواه عنه ابن جرير في مقدمة تفسيره، وهو أثر موقوف صحيح إلى علي بن أبي طالب ﵁، وما دل عليه قول علي ﵁ وأرضاه صحيح.
ولهذا قال المصنف رحمه الله تعالى بعد ذلك: [واتفق المسلمون على عد سور القرآن وآياته وكلماته وحروفه، ولا خلاف بين المسلمين في أن من جحد من القرآن سورة أو آية أو كلمة أو حرفًا متفقًا عليه أنه كافر، وفي هذا حجة قاطعة على أنه حروف] .
فقول علي ﵁ وأرضاه: (من كفر بحرف فقد كفر به كله) قد أجمع العلماء على أن من كفر بحرف من القرآن متفق عليه -أي: اتفق عليه العلماء- ثم أنكره فهو كافر، وهذا يشبه من أنكر القرآن كله أو سورة من سوره أو جزءًا من أجزائه، وهذه قضية واضحة جدًا شبيهة بقولنا: من كفر برسول ورد ذكره في القرآن فقد كفر بجميع الرسل، فلو أن إنسانًا آمن بالرسل جميعًا وصدق بهم واتبع محمدًا ﷺ ثم إنه قال: أنا لا أؤمن برسالة نبي الله صالح أو نبي الله هود أو غيرهما من الأنبياء فإنه يكون كافرًا، بل هو كافر بجميع الرسل؛ لأن السبب الذي من أجله آمن ببقية الرسل موجود في صالح أو في هود، فإذا كفر بواحد فكأنه كفر بالبقية، وكذلك هنا من كفر بحرف من كتاب الله تعالى مجمع عليه فقد كفر بالقرآن كله؛ لأن السبب الذي من أجله أيقن بأن بقية حروف في القرآن كلام الله موجود في هذا الحرف الذي أنكره، فإذا أنكر هذا الحرف فكأنه أنكر القرآن كله، وهذا بإجماع المسلمين، ولم يخالف في ذلك أحد.
وقوله: (واتفق المسلمون على عد سور القرآن)، يقولون: في القرآن مائة وأربع عشرة سورة، ويعددون آياته، ويعددون كلماته، بل ويعددون حروفه، حتى ذكروا عدد حروف القرآن من أوله إلى آخره، وهذا كله دليل على أن القرآن حروف وكلمات، وهذه القضية أراد المصنف أن يبين بها أن مذهب أهل السنة والجماعة أن القرآن كلام الله، وأنه حروف وكلمات، وهذا بخلاف ما ذكره المبتدعة من الأشعرية والماتريدية وغيرهم ممن سار على طريقتهم في قولهم: إن القرآن كلام الله، لكن ليس بحروف، فأما أهل السنة والجماعة فيثبتون أنه حروف، وقد سبقت الأدلة على ذلك.
وقوله: (ولا خلاف بين المسلمين في أن من جحد من القرآن سورة أو آية أو كلمة أو حرفًا متفقًا عليه أنه كافر)، وهذا لا شك فيه، وهو مقرر في كتب العلماء رحمهم الله تعالى.
وقوله: (وفي هذا حجة قاطعة على أنه حروف) أي: أن المصنف في هذا الكلام الأخير وفيما قبله مما ذكرناه في الدرس السابق أراد أن يقرر هذه القضية في مذهب أهل السنة والجماعة في كلام الله تعالى وفي القرآن خاصة، ويبين أن كلام الله تعالى حروف، وبهذا يكون المصنف رحمه الله تعالى قد أنهى الكلام في مسألة بعض أسماء الله وصفاته، وما يتعلق منها بقضيتين كبيرتين: إحداهما: قضية العلو لله تعالى.
والثانية: قضية إثبات كلام الله تعالى، ومنه الكلام في القرآن.
[ ٨ / ٥ ]
الكلام على مسألة رؤية الله ﷿
[ ٨ / ٦ ]
إثبات رؤية المؤمنين لربهم ﷿ يوم القيامة
ثم انتقل المصنف إلى قضية أخرى لها علاقة بالصفات، لكنها قضية مستقلة، فقال رحمه الله تعالى: [فصل: والمؤمنون يرون ربهم بأبصارهم، ويزورونه، ويكلمهم ويكلمونه] .
في هذا الفصل ذكر المصنف قضية من قضايا عقيدة أهل السنة والجماعة، ألا وهي إثبات رؤية المؤمن لربه، وأن الله يرى، وهذا لا يخالف فيه أحد إلا الجهمية الغلاة.
والمقصود بقوله: (بأبصارهم) أنهم يرونه رؤية حقيقية، وليست رؤية قلب، ولا رؤية فؤاد، ولا رؤية تعقل وتفكر، وإنما هي رؤية عيانية بصرية، فالمؤمنون يرون ربهم يوم القيامة، ويرون ربهم أيضًا في الجنة، نسأل الله العظيم الكريم من فضله.
وأهل السنة والجماعة يثبتون هذه الرؤية ويقررونها، وقد ذكروا هذه العقيدة وأدلتها في جميع كتب أهل السنة والجماعة، ولم يؤلف أحد في العقيدة قديمًا وحديثًا إلا وذكر قضية الرؤيا، وأن المؤمنين يرون ربهم ﷿، وقد دل على ذلك كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، والأحاديث الواردة في الرؤية متواترة، وقد أفرد لها بعض العلماء مؤلفات، فممن أفرد لها الإمام الدارقطني رحمه الله تعالى؛ فإن له كتابًا اسمه (الرؤية)، وهذا الكتاب مطبوع، وأيضًا ممن أفرد لها كتابًا الآجري؛ فإنه كتب كتابًا اسمه: (التصديق بالنظر إلى الله في الآخرة)، وهذا الكتاب أيضًا مطبوع، وغيرهم ذكروا الرؤية ضمن كتب عقائد أهل السنة والجماعة.
[ ٨ / ٧ ]
ذكر المخالفين في مسألة الرؤية
قبل أن نذكر الأدلة نذكر الذين خالفوا في باب الرؤية، فالذين خالفوا في باب الرؤية هم المعتزلة، وسار على منهاج المعتزلة الرافضة؛ فإنهم ينكرون الرؤية تمامًا، وكذلك الزيدية، وكذلك الإباضية ونحوهم من طوائف الخوارج؛ فإنهم أيضًا ينكرون الرؤية.
أما بالنسبة لغلاة الجهمية والفلاسفة وغيرهم فإنهم ينكرون ما هو أكبر من الرؤية، وأما بقية طوائف أهل السنة المنتسبين إلى السنة فإنهم يثبتون الرؤية في الجملة، فيثبتها أهل السنة، ويثبتها الأشاعرة، ويثبتها الماتريدية، ويردون على المعتزلة في ذلك.
والأشاعرة والماتريدية وإن ألفوا كتبًا في إثبات الرؤية وردوا بها على المعتزلة إلا أن نفيهم لعلو الله ﷾ أوقعهم في ورطة فيما يتعلق بإثبات الرؤية؛ لأن المعتزلة قالوا لهؤلاء الأشاعرة: لا يمكن أن تصح الرؤية إلا بإثبات العلو أما إذا نفيتم علو الله، وأثبتم الرؤية، وكانت الرؤية بلا مقابلة، فمعنى ذلك: أنكم تثبتون رؤية علمية، وهذه لا نخالفكم فيها، وبلا شك أن ما ذهب إليه الأشاعرة والماتريدية في هذه القضية مخالف لمنهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى، فإثباتهم للرؤية وإنكارهم للعلو فيه تناقض، فهم إما أن يثبتوا أن المؤمنين يرون ربهم، ويرفعون أبصارهم في الجنة فيرونه ويكلمهم ويكلمونه، وبذلك يثبتون الرؤية ويثبتون العلو، أو يسلكوا مسلك المعتزلة الذين نفوا الأمرين جميعًا؛ حيث نفوا العلو لله ﷾، وعلى إثره نفوا رؤية الله ﷾، وحملوه على الرؤية العلمية أو نحوها.
أما أهل السنة والجماعة فهم الذين وفقهم الله ﷾ بسلوك المنهج الحق.
قول المصنف هنا: (ويزورونه)، سبق قبل درسين إيراد الحديث الوارد في لفظ الزيارة، وبيان أنه حديث ضعيف.
وقوله: (ويكلمهم ويكلمونه)، أيضًا سبق الكلام عنه، لكن في هذا إثبات لكلام الله تعالى، وأنه تكليم بمشيئته وإرادته، وهذا رد على الذين يقولون: إن صفة الكلام أزلية، وأن الله لا يتكلم إذا شاء، فكون المؤمنين يرون ربهم في الجنة ويكلمهم ويكلمونه في ذلك الوقت يدل على أن تكليم الله لهم إنما هو خاص في ذلك الوقت، أي: يوم القيامة، فتكليمه لهم وهم في الجنة يدل على أن صفة الكلام لله ﷾ هي بإرادته ومشيئته، وليست قائمة بنفسه أزلية، كما يدعيه الأشاعرة وغيرهم، وهذا واضح، وقد سبق بيانه.
[ ٨ / ٨ ]
الأدلة على إثبات رؤية الله من القرآن
ثم ذكر المصنف رحمه الله تعالى الأدلة على إثبات الرؤية من كتاب الله تعالى فقال: [قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣]] .
قوله: (نَاضِرَةٌ) من النضرة والنور والضياء، وقوله: «إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) أي: تنظر إلى ربها ﷾، وهذه الرؤية هي الرؤية العيانية البصرية التي يثبتها أهل السنة والجماعة.
وما تأوله المتأولة بقولهم: إن المقصود أنها إلى ثواب ربها ناظرة، أي: منتظرة، فهذا تأويل ضعيف جدًا؛ لأن لفظ (نظر) إذا عدي بـ (إلى) كما في هذه الآية: فإنه لا يكون إلا في باب النظر البصري العيني، وإذا عدي بـ (في) فيكون بمعنى التفكر، كما في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ والأرض﴾ [الأعراف:١٨٥]، لكن قوله تعالى: ﴿انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾ [الأنعام:٩٩]، المقصود بالنظر هنا البصر، أي: انظروا إلى ذلك الثمر، ومن ثمَّ فإن الآية نص صريح في إثبات الرؤية، وقد قال بتفسيرها جماهير السلف رحمهم الله تعالى؛ فإنهم فسروها على أن المقصود بها: الرؤية، أما تأويلها بغير ذلك فهو تأويل باطل وضعيف.
ثم قال المصنف: [وقال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]، فلما حجب أولئك في حال السخط دل على أن المؤمنين يرونه في حال الرضا، وإلا لم يكن بينهما فرق] .
هذا الاستدلال والاستنباط من هذه الآية استنبطه عدد من علماء أهل السنة، ومنهم الإمام الشافعي رحمه الله تعالى؛ فإنه احتج بهذه الآية على إثبات الرؤية؛ لأن الله تعالى يقول في سورة المطففين عن المشركين: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]، فذكر الله ﷾ من ضمن عذابهم أنهم يحجبون عن ربهم ﵎، وهذا الحجاب لو كان شاملًا للكفار وللمؤمنين لما صار بالنسبة للكفار عذابًا وسخطًا من الله ﷾، ولقال قائل: وما الفرق أيضًا؛ فالمؤمنون محجوبون عن ربهم والكفار محجوبون عن ربهم؟ فلماذا هذا التهديد والوعيد؟! إذًا: استنتجوا من هذا التهديد وهذا الوعيد أن هؤلاء الكفار معاقبون بالحجاب، وأنهم لا يرون ربهم ﷾، وعلى ضوء ذلك فإن مقابلهم من المؤمنين الصادقين لا يحجبون عن ربهم ﷾، وإنما يرونه وينظرون إليه، وهذا دليل صحيح وقوي، وهذا استنتاج دقيق وصحيح.
[ ٨ / ٩ ]
الأدلة على إثبات رؤية الله من السنة
ثم قال المصنف: [وقال النبي ﷺ: (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته) حديث صحيح متفق عليه] .
وردت الأحاديث الكثيرة عن رسول الله ﷺ وعن عشرات من الصحابة كلهم يروون أحاديث الرؤية، فهي أحاديث متواترة، والنبي ﷺ نوع الأدلة على ذلك، منها قوله ﷺ: (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب، فسأله بعض الصحابة: يا رسول الله! كيف نرى ربنا ونحن جميع وهو واحد؟! فقال لهم رسول الله ﷺ: هذا القمر إذا لم يكن بينكم وبينه سحاب هل تضامون في رؤيته؟) .
فالجميع يرون القمر، ولا يجدون مشقة في رؤيته وإن كانوا جميعًا، بل يراه الألوف المؤلفة، بل آلاف الملايين لو اجتمعوا لرأوا القمر، ومن ثمَّ فإن النبي ﷺ أثبت في هذه الأحاديث أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة عيانًا كالقمر، وقد ورد أن المؤمنين لا يجدون ألذ ولا أنعم ولا أطيب من رؤية الله ﵎؛ فالجنة وما فيها من النعيم الذي لم يخطر على بال أحد أبدًا؛ فيها أنهار من ماء، ومن خمر، ومن لبن، ومن عسل، وفيها القصور، وفيها شجرة طوبى يسير الراكب تحت ظلها مسافة كذا وكذا، وفيها نعيم مقيم، وفيها الحور العين كأنهن الياقوت والمرجان، وفيها من أنواع النعيم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وفيها الخلود وعدم الحزن، ومنها الرضا، فكل هذا النعيم في الجنة يكون النظر إلى وجه الله الكريم ألذ منه وأطيب، نسأل الله الكريم من فضله، وأسأل الله ﷾ ألا يحرمنا جميعًا من النظر إلى وجهه الكريم؛ فإن النعيم المقيم هو النظر إلى وجه الله الكريم.
إنها نعمة كبرى وعظيمة جدًا أن يشتاق الإنسان إلى ربه ﷾، لكن من هو الذي يتلذذ بذلك النظر، إنهم المؤمنون، كما قال ﷺ: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه)، والذي يحب لقاء الله هو الذي عمَّر آخرته وعمل بما أمره الله به، واجتنب ما نهى الله عنه، وآثر الباقية على هذه الدنيا الفانية، ونظر إلى حقارتها وإلى تنافس منافسيها وإلى نكدها وضيق عيشها، وكونها إذا أفرحت أحزنت وإذا أحزنت أفرحت، وعلم أنها لا تدوم على حال فلم يلتفت إليها، وإنما التفت إلى ما عند الله ﷾، فإذا جاء يوم القيامة يأتي آمنًا مطمئنًا، وإذا كان من أهل الجنة ينعم ذلك النعيم العظيم برؤية الله ﷾، إنها والله حقيقة لا شك فيها.
ووالله إن رؤية المؤمنين لربهم عيانًا بأبصارهم يوم القيامة حق لا شك فيه، كما قال ﷿: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ [الذاريات:٢٣]، إنه لحق مثلما أننا نؤمن بأننا موجودون أحياء، فكيف لا يعمل الإنسان لذلك؟! والرسول ﷺ في أحاديث كثيرة كان يربي أصحابه ويعلمهم، وينقلهم إلى الآخرة، ومن ضمن ذلك هذا الخبر الصادق الذي لا شك فيه: (إنكم سترون ربكم ﷾)، ولهذا فإن النبي ﷺ شبه رؤية الله برؤية القمر؛ لأمور: أولها: سهولة الرؤية إذا أراد الله ﷾.
ثانيها: أن كثرة الناس وكثرة أهل الجنة لا تمنع من رؤية الله ﷾.
ثالثها: أن الرؤية بصرية حقيقية، ولهذا قال ﷺ: (كما ترون القمر ليلة البدر القمر ليس دونه سحاب)، حتى يؤكد هذه الرؤية العينية البصرية.
[ ٨ / ١٠ ]
الرد على منكري الرؤية في استدلالهم بآية (لا تدركه الأبصار)
ليس المقصود أن المؤمنين حين يرون ربهم أنهم يكيفونه، بل هو ﷾ لا تحيط به الأبصار، ولهذا قال ﷾: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣]، والمتأولة احتجوا بهذه الآية على أن الله تعالى لا يرى، وإذا كان المتأولة هم أهل اللغة فإن الرؤية غير الإدراك؛ فأصحاب موسى لما لحقهم فرعون كانوا يرونه، فلما خشوا أن يلحق بهم فرعون قالوا لموسى: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١]، فلو كان الإدراك بمعنى الرؤية لكان قولهم: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١] خطأ؛ لأنهم يرونهم، ففرعون وقومه يرونهم، ومع ذلك قال موسى ﵊: (كلا)، أي: لا ندرك، ولو كان المعنى (كلا لا نُرى) لكان الكلام أيضًا غير صحيح؛ لأنهم رأوهم ولم يدركوهم بإذن الله تعالى، وذلك لما أذن الله تعالى لموسى بأن يضرب بعصاه البحر.
إذًا: أحيانًا أنت ترى الشيء ولا تدركه، بل القمر، أو الشمس، أو الكوكب، أو الجبل العظيم نراه، لكن لا ندركه.
إذًا: قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] آية عظيمة دالة على الرؤية، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فإنه قال في أحد مقاماته: ما احتج النفاة بدليل إلا ودل على ضد قولهم، فهذه الآية: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] احتج بها المعتزلة وهي دليل على ضد قولهم؛ لأن قوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] نفي، والله ﷾ لا يوصف إلا بما يتضمن مدحًا، فلو كان المعنى أنه لا يُرى أبدًا لم يكن ذلك مدحًا، لكن لما قال: (لا تُدْرِكُهُ) دل على أن نفي الإدراك مع ثبوت الرؤية هو أعظم المدح لله ﷾، فدلت الآية على هذا.
[ ٨ / ١١ ]
الرد على منكري الرؤية في استدلالهم بآية (لن تراني)
ومثله الآية الأخرى لما قال موسى لربه: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]، فهذه الآية أيضًا احتج بها المعتزلة، وقالوا: إن قوله: (لن تراني)، يدل أنه لا يُرى في الدنيا ولا في الآخرة، وهذه الآية حجة عليهم من عشرة أوجه ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية، وذكرها شارح الطحاوية ابن أبي العز رحمه الله تعالى.
وأشير إلى وجهين فقط، وارجعوا إلى بقية الأوجه هناك: الوجه الأول: أن الله تجلى للجبل، كما قال: ﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف:١٤٣]، فالله تعالى تجلى للجبل فاندك، فهذا دليل على أن الله تعالى يُرى.
الوجه الثاني: أنه لا يليق بكليم الله ﷾ موسى أن يطلب من الله ﷾ ما لا يليق، فموسى لا يمكن أن يطلب أمرًا غير ممكن، وإنما طلب أمرًا ممكنًا، ولكن الله أخبره أنه في الدنيا لا يستطيع أن يقوى عليه.
وفعلًا فإن الله ﷾ لا يرى في الدنيا، وعلى هذا يكاد يكون إجماع العلماء، أي: أن الله تعالى لا يرى حقيقة في الدنيا، وقد ثبت في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن النبي ﷺ أنه قال: (إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا)، والراجح أن رسول الله ﷺ أيضًا لم ير ربه بأم عينيه، وإنما رآه بفؤاده.
ولعل الحكمة في ذلك أن الناس في الدنيا لا يستطيعون أن يقووا على رؤية الله ﷾، لكن إذا كانوا عند الله ﷾ في الآخرة وفي الجنة، فإن الله ﷾ يعطيهم من القوة ما يثبتون ويقوون به على رؤية الله ﷾، وهذا هو الصحيح الذي دلت عليه الأدلة الكثيرة.
[ ٨ / ١٢ ]
رؤية الله ﷿ لا تستلزم التشبيه
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [وهذا تشبيه للرؤية، لا للمرئي؛ فإن الله تعالى لا شبيه له ولا نظير] .
هذا استدراك من ابن قدامة، هذا حتى لا يظن ظان أن قول النبي ﷺ: (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر)، تشبيه لله بالقمر، والنبي ﷺ إنما أراد تشبيه مطلق الرؤية، أي: كما أنكم ترون القمر فإنكم أيضًا ترون الله، ولم يقصد تشبيه المرئي بالمرئي، وإنما قصد بيان الرؤية، وأنها حقيقية، أما المرئي -وهو القمر- فإنه لا يشبه الله؛ فإن الله ﷾ لا شبيه له ولا نظير من مخلوقاته ﷾، وهذه قضية واضحة جدًا.
[ ٨ / ١٣ ]
الإيمان بالقدر
ثم انتقل المصنف رحمه الله تعالى إلى فصل آخر، فقال: [فصل: ومن صفات الله تعالى: أنه الفعال لما يريد] .
وهذا ربط من المصنف رحمه الله تعالى لمسألة القدر بمسألة صفات الله ﷾، ونحن نعلم أن توحيد الله تعالى في ربوبيته وأسمائه وصفاته هو مقتضى الإيمان بالقدر، والإيمان بعلم الله، والإيمان بصفة الإرادة، والإيمان بأن الله هو الخلاق العليم خالق كل شي.
[ ٨ / ١٤ ]
مراتب القدر
فالإيمان بأسمائه وصفاته ﷾ مرتبط بالإيمان بالقضاء والقدر، ولهذا قال رحمه الله تعالى: [ومن صفات الله تعالى: أنه الفعال لما يريد لا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته] .
فمن صفات كماله ﵎ أنه عليم أحاط علمه بكل شيء، فعلم ما كان وما لم يكن، وما سيكون، وما هو كائن، علم ﷾ كل شيء مما سبق، ومما سيأتي، وهذا هو علمه المحيط بكل شيء، وهذه أولى مراتب القدر الأربع التي ربما يعرض لبعضها المصنف.
المرتبة الثانية: مرتبة الكتابة، فإن الله ﷾ كتب ما هو كائن إلى قيام الساعة، ولهذا ورد في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (لما خلق الله القلم قال له: اكتب، قال: رب! وما اكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة)، وفي الحديث الآخر الصحيح أيضًا: (قدر الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء)، رواه مسلم.
فهذه أدلة دالة على أن الله كتب، وفي القرآن العظيم أيضًا أدلة على أن الله ﷾ كتب ذلك، منها قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج:٧٠]، والأدلة على إثبات الكتابة كثيرة جدًا.
المرتبة الثالثة من مراتب القدر هي: مرتبة المشيئة والإرادة، أي أن مشيئة الله الكونية القدرية شاملة ومحيطة بكل شيء، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فهو الذي شاء وأراد كل ما هو موجود، وكل ما سيأتي فالله ﷾ أراده وشاءه كونًا، وهذه أيضًا أدلتها كثيرة جدًا، منها قوله ﷾: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٩]، وقوله: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام:٣٩] .
[ ٨ / ١٥ ]
أقسام الإرادة
وقول المصنف رحمه الله تعالى: (ومن صفاته أنه الفعال لما يريد)، أي أنه ﷾ كما وصف نفسه في القرآن فعال لما يريد، فهو ﷾ يفعل ما يشاء ويختار، وليس لأحد من الخلق اختيار ولا مشيئة إلا ما كان منها داخلًا تحت مشيئة الله ﷾.
وهذه المشيئة الكونية هي المشيئة العامة الشاملة، وهنا أحب أن أنبه إلى قول المصنف: (أنه الفعال لما يريد، لا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته)، هنا الإرادة والمشيئة كلاهما بمعنىً، أي: أن المقصود بهما الإرادة الكونية؛ لأن المشيئة لم ترد في كتاب الله تعالى إلا كونية.
أما الإرادة فإنها وردت في كتاب الله تعالى وفي السنة على قسمين: القسم الأول: الإرادة القدرية التي هي مرادفة للمشيئة، وهذه هي الإرادة الكونية الشاملة، وهي المقصودة هنا من كلام المصنف.
القسم الثاني من الإرادة: الإرادة الشرعية، وهذا الإرادة الشرعية مختصة بما يحبه الله تعالى ويرضاه من أمور الشرع، ولهذا فإن الله تعالى يريد منا الصلاة، والتوحيد، والعمل الصالح، ولا يريد منا ترك الصلاة، ولا الشرك، ولا العمل الفاسد المخالف لأمره ﷾.
فنقول: هذا يريده الله، أي: يريده شرعًا، وهذا لا يريده الله، أي: لا يريده شرعًا لأنه من المعاصي، ودليل هذا من كتاب الله تعالى قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]، فهذه الإرادة في هذه الآية المقصود بها الإرادة الشرعية، ولا مدخل لها هنا في باب القضاء والقدر، وإنما لها علاقة من طريق سنعرض له فيما بعد إن شاء الله تعالى.
أما القسم الثاني من الإرادة -وهي التي قصدها المصنف هنا- الإرادة المرادفة للمشيئة، وهي الإرادة الشاملة لكل شيء، فكل شيء يقع في هذا الوجود: وجود الكفار، والمنافقين، والمؤمنين، ووجود العصاة، ووجود الطاعات وغير ذلك، كله بإرادة الله الكونية، وبمشيئته الكونية، وسيوضح المصنف ذلك بعد قليل إن شاء الله تعالى.
وقوله: (أنه الفعال لما يريد)، قال سبحانه عن نفسه: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، فهو ﷾ الذي خلق السماوات والأرض، وأوجدنا، وكلفنا، وأنزل علينا، فهل لنا إرادة في ذلك؟
الجواب
لا، وهل لأحد من الخلق إرادة في هذه الأمور كلها؟ الجواب: لا، وإنما الإرادة الكاملة لله ﷾، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وهذا يدل على تفرده بالربوبية، فتفرده بالخلق والإرادة والتدبير مقتضٍ لربوبيته ﷾، وأنه وحده الرب الخالق المنعم المتفضل.
ولهذا قال المصنف هنا: (لا يكون شيء إلا بإرادته)، أي: إرادته الكونية.
وقوله: (ولا يخرج شيء عن مشيئته)، هذا كما قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٨-٢٩]، فالإنسان له مشيئة، لكنه لا يستطيع أن يخرج عن مشيئة الله القدرية الكونية؛ ولهذا قال: ولا يخرج شيء عن مشيئته.
وقوله رحمه الله تعالى هنا: (شيء) هذا لبيان العموم؛ حتى يدخل في ذلك المكلفون من البشر، وغير المكلفين من الحيوانات، أو من الجمادات أو غير ذلك، فلا يخرج شيء عن مشيئته، ولهذا لما خلق الله ﷾ السماوات والأرض قال لهما: ﴿اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١]، فلا يخرج عن ربوبيته وتقديره أحد؛ حتى الكفار، ولهذا تجد أن الكفار وغير الكفار على حد سواء في خضوعهم لهذه المشيئة القدرية، فهؤلاء جميعًا يوجدون ويخلقون ويعيشون، وتختلف أشكالهم، وألوان أبدانهم، وطولهم، وقصرهم، ورزقهم، وتنفسهم، ومعيشتهم، وسكنهم، ووفاتهم، كل هذه الأمور لا يملكون منها شيئًا، فمن هو الذي يتصرف فيهم كما يشاء، ولا يخرج أحد منهم عن مشيئته وإرادته؟ إنه الله ﷾.
[ ٨ / ١٦ ]
وجوب الإيمان بالقضاء والقدر والكفر بتأثير الكواكب والبشر
ثم قال: [وليس في العالم شيء يخرج عن تقديره] .
فتقديره الكوني لا يخرج عنه أحد، فكل ما جرى، وكل ما هو جارٍ الآن، وكل ما سيجري فهو بتقدير الله ﷾، ومن ثمَّ فإن الإيمان بالقضاء والقدر هو أساس الإيمان، وأساسه إيمان العبد بربه ﵎.
ومن هنا قال المصنف: [ولا يصدر إلا عن تدبيره] .
فهو المدبر لكل شيء يجري، أما ما يزعمه بعضهم من أن بعض الملائكة أو بعض الخلق: من ولي، أو رسول، أو نجم أو غير ذلك، له تدبير، فكل ذلك باطل، بل التدبير لله ﷾؛ لأن بعض المشركين -ومن هنا دخل الشرك في عبادة النجوم وعبادة الكواكب، وعبادة الأولياء وغير ذلك- ظنوا أن بعض هؤلاء يملك من الأمر شيئًا، فتجد بعض الناس في حال فقره أو مرضه قد يظن أن من المخلوقات من يملك شيئًا! ولهذا يتعلق بعضهم بساحر، وبعضهم بكاهن، وبعضهم بولي، وبعضهم بصاحب قبر، وكثير منهم يتعلق بالنجم، والذي نجمه نجم الثور، أو نجمه نجم العقرب يتعلق بذلك، وينظر ماذا يقول المنجمون! ومن أين جاء نجم الثور ونجم العقرب وغير ذلك؟ جاء من مذهب الفلاسفة الذين يقولون: إن الله ليس متصفًا بصفات، وإن الله لا يعلم الخلق، وإن الله ليست له إرادة ولا تدبير، ومن ثمَّ فإن الله ﷾ بعيد عن الخلق، وليس له من أمرهم شيء، لا يعلم ماذا يصنعون! فقيل لهم: لمن التدبير؟ قالوا: التدبير للعقول، والأفلاك، والنجوم.
فتعلقت نفوسهم بتلك النجوم، وقلدهم كثير من المسلمين، وتعلقت نفوسهم بهذه الأبراج، بينما هذا هو الشرك بالله العظيم، وهو شرك نشأ في دار العبودية والربوبية، أما المسلمون فإنهم يوقنون أن الله هو المدبر، كما قال تعالى عن نفسه: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩] ﷾! فهو كل يوم في شأن، يغفر ذنبًا يقبل توبة يشفي مريضًا يعين ضعيفًا يقوي قويًا يزيل ملكًا يصنع ملكًا، فهو ﷾ في كل يوم يفعل ما يشاء؛ فهو مدبر عليم محيط، هذا هو الإيمان بالقضاء والقدر، أما التعلق بغير الله تعالى فمنشؤه الاعتقاد في هذه المخلوقات من نجم أو ولي أو غيره، أن لها علمًا يحيط، أو أن لها تدبيرًا، وكل ذلك كفر بالله ﷾.
ومن هنا كان إيمان المؤمن بالقضاء والقدر يعصمه من أمور كثيرة، ربما نعرض لها إن شاء الله تعالى، وعلى رأسها عصمته في باب توحيد الربوبية الذي هو أساس وعمدة توحيد الألوهية.
وثانيًا: عصمته في مسيرته في الحياة؛ لئلا يقع في نفسه تعارض بين القضاء والقدر، وبين الأمر والشرع، كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى.
ولهذا قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولا محيد عن القدر المقدور] .
أي: أن الجميع لا محيد لهم عما خط له في القدر المقدور، كما قال النبي ﷺ في وصيته لـ ابن عباس: (واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف) .
ولهذا قال الصحابي الجليل عبادة بن الصامت ﵁ وأرضاه لابنه في مرض الموت: (واعلم يا بني! أنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك) .
فمتى يكون المؤمن شاكرًا صابرًا؟ يكون شاكرًا صابرًا إذا رضي بالقضاء والقدر؛ فإن أصابته سراء شكر؛ لأنه علم أن هذا من الله، وبشكره يغفر الله له، ويرفع له درجته، وإذا أصابته الضراء علم أنه قضاء وقدر، فصبر؛ فيؤجر على ذلك، وليس ذلك إلا للمؤمن، هكذا أخبر الرسول ﷺ.
وبقي في القدر موضوعات نكملها إن شاء الله تعالى في الدرس القادم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.
والحمد لله رب العالمين.
[ ٨ / ١٧ ]