شرح لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد - صفة الرؤية لله ﷿
رؤية الله ﷿ في الجنة هي الأمنية التي يتمناها الصالحون، وهي ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع أهل السنة، غير أن فريقًا من أهل البدعة والضلال أنكروا هذه الصفة لله تعالى وردوها بشبهات أوهى من بيت العنكبوت.
[ ١٠ / ١ ]
صفة الرؤية لله ﷿
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شرك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فإن شرف العلم يعرف من شرف المعلوم، ولا أحد أشرف من الله جل في علاه.
ونحن نتكلم عن صفة من الصفات التي لا بد أن نتعبد بها لله، وهي رؤية الله جل في علاه في الآخرة.
فنقول: لقد اشرأبت أعناق المحسنين والمتقين لهذه الرؤية؛ فمن أجل رؤية وجه الله الكريم شمر عن ساعد الجد المتقون والمجتهدون، وهذه الصفة لا ينالها إلا المحسنون.
[ ١٠ / ٢ ]
رؤية الله ﷿ في الدنيا
وإن رؤية الله جل في علاه في الدنيا بالعين البصرية مستحيلة، ولا يمكن أن تحدث ولا لمحمد ﷺ، وأما الرؤية القلبية فجائزة لمحمد ﷺ ولغير محمد ﷺ، والمراد برؤية القلب أي: في المنام فالرؤية رؤيتان: رؤية بصرية، ورؤية قلبية.
أما الرؤية البصرية فمستحيل على أي أحد أن يرى الله جل في علاه في الدنيا.
والدليل على ذلك قول الله تعالى في مجيء موسى لميقاته: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف:١٤٣]، وقد اختلف العلماء في رؤية محمد لربه في الدنيا على قولين: القول الأول: ذهب ابن عباس ﵁ وأرضاه إلى أن محمدًا قد رأى ربه ليلة المعراج.
واستدل على ذلك بقوله ﷺ: (نور أنى أراه) وأيضًا قال: أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم والرؤية لمحمد، وهذا لم يثبت عن ابن عباس ﵁.
والقول الثاني: ذهب ابن عباس أيضًا في رواية أخرى عنه إلى أنه: رآه مرتين بقلبه.
وهذه الرواية توافق رواية عائشة والجمهور.
وقد انتصر الحافظ ابن حجر لقول ابن عباس وهو خلاف الراجح.
إذ إن الراجح: أن محمدًا ﷺ لم ير ربه بعينه البصرية أبدًا؛ وذلك لما تقرر في علم الأصول أن خطاب النبي ﷺ لأمته يدخل هو فيه، وقد قال النبي ﷺ: (لن تروا ربكم حتى تموتوا).
فهذا فيه دلالة قاطعة على أنه لا أحد يرى الله حتى يموت، ومنهم محمد ﷺ.
أما الرؤية القلبية، أو في المنام فهذه قد حصلت له ﷺ بأبي هو وأمي، وحصلت لآحاد الناس؛ لأن الأحكام على العموم لا على الخصوص.
ففي الترمذي بسند صحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (رأيت ربي في المنام، فقال لي: يا محمد! أتدري فيما يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت: لا أعلم، قال: فوضع يده على صدري فوجدت برد أنامله).
فالشاهد أنه قال: (رأيت ربي في المنام) فهذه دلالة على رؤية الله في المنام بلا كيفية، ولآحاد الأمة أن يرى ذلك، وهذا هو الذي رجحه الإمام أحمد، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية.
[ ١٠ / ٣ ]
رؤية الله في الآخرة
وأما الرؤية في الآخرة فأسعد الناس بها من اتبع شرع الله جل في علاه، وأذل أهل الأرض لله جل في علاه، وإن العبد المؤمن أسعد ما يسعد به ويتنعم به في الجنة هو رؤية وجه الله الكريم جل في علاه، وكذلك المزاورة، فإن المؤمن يزور ربه ويسعد بلقائه، وذلك في اليوم الذي يقابل يوم الجمعة في الدنيا، فالمؤمن إذا دخل الجنة ورأى ما فيها من نعيم يكشف الحجاب، فما يتنعم بنعمة مثل نعمة النظر إلى وجه الله الكريم.
[ ١٠ / ٤ ]
أدلة الكتاب على رؤية الله يوم القيامة
والأدلة كثيرة جدًا على رؤية الله يوم القيامة، وهذه الأدلة من الكتاب ومن السنة ومن النظر.
فأما الأدلة من الكتاب فدلالات كثيرة، منها قول الله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] فهذه النضرة في الوجوه لأمر ولعلة؛ وهي أنها لربها ناظرة.
والفعل (نظر) يتعدى بنفسه، ويتعدى بفي، ويتعدى بإلى.
فإذا تعدى بنفسه فيكون بمعنى: الانتظار.
وذلك كقول الله تعالى عن المنافقين عندما يعبر أهل الإيمان الصراط فيقف المنافقون ويقولون: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد:١٣].
فـ (انْظُرُونَا) بمعنى: انظروا إلينا أو انتظرونا حتى نستنير بهذه الأنوار، وهذه غير مرادة هنا.
ويتعدى بفي ويكون بمعنى: الرؤية القلبية، أو التدبر في مخلوقات الله، كما قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:١٨٥].
فقوله: ﴿يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ﴾ [الأعراف:١٨٥] يعني: ألا يتدبرون في عظيم خلق الله، ليعلموا عظمة ربهم جل في علاه، فتزداد الرهبة في قلوبهم والرغبة والرجاء في الله جل في علاه.
ويتعدى بإلى ويكون معناه بالاتفاق: الرؤية البصرية.
وذكرنا الاتفاق لأن أهل البدعة قد يقولون: هو الانتظار، أو يقولون: هو التدبر في نعائم الله وثواب الله.
فقال الله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] أي: تنظر إلى الله بهذه الأعين، كما قال تعالى: ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:٢٢]، أي: حتى يستطيع أن ينظر إلى وجه الله الكريم الذي لو كشف الحجاب لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه.
الدليل الثاني من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] والقاعدة عند أهل التفسير: أن أفضل التفسير تفسير القرآن بالقرآن، ثم بالسنة، ثم بأقوال الصحابة، ثم باللغة.
وهنا النبي ﷺ لم يترك الآية إلا وقد فسرها، وهذا أفضل التفسير فقال في قول الله تعالى: «(للذين أحسنوا الحسنى وزيادة»، قال: الزيادة: النظر إلى وجه الله).
وفي الحديث عنه ﷺ: (أنه إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال لهم ربهم: تريدون شيئًا؟ فيقولون: ألم تكن أكرمتنا وأدخلتنا الجنة؟ فيقول: لكم عندنا شيء، -أو كما قال النبي ﷺ- فيكشف الحجاب، فما تنعموا بنعمة مثل هذه النعمة) وهي نعمة النظر إلى وجه الله الكريم.
الدليل الثالث: من الأدلة على رؤية الله يوم القيامة من الكتاب: قول الله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥].
فقال أبو هريرة، وأنس، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود قول الله تعالى: (لهم ما يشاءون فيها) أي: من الحور العين، ومن الأنهار، ومن اللبن، والخمر، والعسل.
وقالوا في قوله تعالى: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥]: إنها النظر إلى وجه الله الكريم.
رزقنا الله وإياكم النظر إلى وجه الله الكريم يوم القيامة.
الدليل الرابع: قول الله تعالى في سورة الإنسان: ﴿عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين:٢٣ - ٢٤]، فنضرة النعيم حصلت لهم لأنهم ينظرون إلى وجه ربهم.
والقاعدة عند العلماء: نفي المعمول يؤذن بالعموم، فحذف مفعول ينظرون أشعرت بالعموم، أي: ينظرون إلى الحور العين وإلى الجنات والنهر وإلى الخمر وإلى اللبن وإلى العسل، وينظرون إلى وجوه بعضهم البعض، وينظرون إلى وجه الله.
فهم ينظرون بالعموم، فنفي المعمول يؤذن بالعموم.
وهذا فيه دلالة على أنهم ينظرون إلى وجه الله الكريم.
رزقنا الله وإياكم ذلك.
خامسًا: قول الله تعالى عن الكفار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥].
قال الإمام الشافعي ﵀: لما حجب هؤلاء في الغضب، كان لهؤلاء في الرضا النظر إلى وجه الله الكريم.
وهذا ظاهر جدًا؛ لأن الله اشتد غضبه عليهم فلم يروا وجه الله الكريم، فكانت المكافأة للذين تذللوا له وأطاعوه أنهم ينظرون إلى وجهه الكريم.
[ ١٠ / ٥ ]
أدلة السنة على رؤية الله يوم القيامة
وأما من السنة فالأدلة التي تدل على رؤية الله يوم القيامة كثيرة، منها: ما جاء في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ يرفعه: (جنتان من ذهب -أي: لكل رجل جنتان- آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن يروا ربهم إلا رداء الكبرياء)، فإذًا رداء الكبرياء إذا كشفه الله نظر الناس إلى وجه الله الكريم.
والأصرح من ذلك في السنة ما جاء في الصحيحين: (أن النبي ﷺ جلس مع أصحابه، فنظر إلى الشمس وقال: هل تضامون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا، قال: هل تضامون في رؤية القمر ليس دونه سحاب؟ قالوا: لا.
قال: كذلك ترون ربكم).
هو هنا يشبه الرؤية بالرؤية؛ لأنه قال: (لا تضامون) أي: لا يحدث ضيم عليكم.
ولا تضارون: أي: ولا ضرر يقع عليكم عندما تنظرون إلى القمر، فكذلك عندما تنظرون إلى وجه الله الكريم فإنكم لا تضارون ولا تضامون.
فقال: كذلك ترون ربكم وهذا فيه تصريح عظيم من النبي ﷺ على رؤية الله جل في علاه، ودائمًا كان النبي ﷺ يجتهد في دعائه ويقول: (وأسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم).
فإذًا: في الأدلة من الأثر الكتاب والسنة دلالة قاطعة على رؤية الله جل في علاه يوم القيامة.
[ ١٠ / ٦ ]
أدلة النظر على رؤية الله يوم القيامة
وأما الأدلة من النظر: فإن موسى ﵇ عندما سمع صوت الله طمع فيما هو أكثر، وقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣].
فمن هذه القصة نستشعر بأن رؤية الله ممكنة يوم القيامة لا في الدنيا.
وذلك من وجهين: أولًا: أن موسى ﵇ قد سأل ربه سؤالًا، وكان هذا السؤال الذي سأله موسى عن علم؛ لأنه كان في زمانه أعلم الخلق بالله، وعندما يسأل أعلم الخلق بالله عندما يسأل سؤالًا مثل هذا فإن فيه دلالة على أنه يعتقد برؤية الله، وقد أقره الله على هذا الاعتقاد.
لأنه لا يمكن لموسى أن يتجرأ على ربه فيسأله ما ليس له به علم، وإنما سأل عن علم.
وجه الدلالة الثاني: أن الله أقر موسى ﵇، ولكن قال: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣].
ولو كان هذا السؤال تعديًا من موسى لأنكر عليه ربه كما أنكر على نوح ﵇ عندما قال: ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ [هود:٤٥] فقال له الله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود:٤٦]، ثم قال: ﴿فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود:٤٦].
فهذا إنكار من الله تعالى على نوح ﵇، فلما أقر الله موسى على هذا السؤال دل ذلك على أن رؤية الله ممكنة.
لكن ليس ذلك في الدنيا؛ لأن القوة البشرية لا تطيق ذلك.
ولذلك قال تعالى: ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:٢٢] فهذا هو الدليل من النظر الذي يدل أيضًا على رؤية الله يوم القيامة.
[ ١٠ / ٧ ]
حفظ النظر عن الحرام في الدنيا شرط لرؤية الله يوم القيامة
إن العبد الذي يعتقد برؤية الله يوم القيامة فهنيئًا له، ثم السعادة كل السعادة لهذا المرء لا ؤلئك التعساء السفهاء الذين أنكروا رؤية الله جل في علاه؛ لأن الذي يعتقد أنه سيرى ربه يوم القيامة لا بد له من أن يستعد استعدادًا تامًا لرؤية الله جل في علاه، فإن البهاء والنور والنضرة تكون له برؤية ربه جل في علاه، والسعادة كل السعادة عندما ينظر إلى وجه ربه الكريم.
فكفاه في الجنة النظر إلى وجهه الكريم.
اللهم ارزقنا ذلك يا رب العالمين، فعلى المرء أن يستعد أتم الاستعداد لرؤية ربه يوم القيامة، بأن يحفظ بصره من كل سوء فلا ينظر إلى محرم، وإن نظر رجع وآب وتاب لربه جل في علاه.
فهو يستعد استعدادًا تامًا حتى يحظى بهذه المكانة بأن ينظر إلى وجه الله.
وإن الله يغار، فلن يمكن لأحد استمر أو أصر على الحرام أن ينظر إليه، فعلى المرء أن يتفقد نفسه، ويحفظ بصره وسمعه وقلبه مما يغضب الله جل في علاه، حتى يفوز بهذه السعادة، وهي النظر إلى وجه الله الكريم.
[ ١٠ / ٨ ]
بيان تفاوت العباد في رؤيتهم لله
إن النظر إلى وجه الله يتفاوت بين العباد كتفاوت الطاعات والمنازل.
فالذي ينظر إلى وجه ربه في الفردوس ليس كالذي ينظر إلى ربه في الدرجة الأدنى من الجنة.
فكل إنسان يتمتع بقدر ما هو فيه من الطاعة، فالذي في الفردوس الأعلى تعلو متعته وهو في الفردوس الأعلى مصاحبًا لرسول الله ﷺ وهو يزور الله، وينظر إلى الله جل في علاه.
والذي في الأدنى يكون أقل متعة منه؛ لأن الإنسان الذي له همة عالية لا يرضى بالدون، بل يقول: لم أنزل عن هذه المتعة؟ بل لم لا أرتقي لأصاحب النبي ﷺ في الفردوس الأعلى، فينظر رسول الله ﷺ وأنظر كما ينظر، وينظر أبو بكر ﵁ وأنظر كما ينظر، وينظر عمر ﵁ وأنظر كما ينظر.
وأزور ربي كما يزوره رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر؟ اللهم اجعلنا مخلصين لك يا رب العالمين، واجعلنا نعمل بدينك ولرضاك وابتغاء وجهك الكريم.
هذه الصفة الجليلة لا يصل إليها إلا المحسنون، ولا يصل إليها إلا المجدون، وقد منع منها قوم لا خلاق لهم، والله جل في علاه يكافئهم بهذا العطب الذي في قلوبهم على ما يشوشون به على أهل السنة والجماعة.
[ ١٠ / ٩ ]
موقف أهل البدع من صفة الرؤية
إن أهل البدعة يقولون: لا يمكن رؤية الله جل في علاه، وعندنا أدلة على ذلك منها: أولًا: عندما طلب موسى من ربه الرؤية قال له: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]، ولن في اللغة للتأبيد، يعني: لن تراني أبدًا.
ثانيًا: قال الله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣] وهذه فيها دلالة واضحة على أننا لن نرى الله، ولن ندرك الله جل في علاه.
فقال تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣] هذه هي الشبهات التي تمسك بها المعتزلة وأمثالهم من الأشاعرة، وإن كان كلامهم خفي لكن هؤلاء أهل البدعة والضلالة الذين يضللون أهل السنة والجماعة، ويبعدون أنفسهم عن هذا الخير العميم، ويضلون غيرهم من العوام بهذه الأدلة.
[ ١٠ / ١٠ ]
الرد على أهل البدع فيما استدلوا به على نفي الرؤية
ولا بد للإنسان الذي يتعلم العقيدة السديدة من أن يكون راسخًا فيها، حتى يرد على أهل البدعة والضلالة فيما استدلوا به.
ونقول في الرد عليهم: أما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]، فنقول: بأن (لن) ليست للتأبيد، والدليل على ذلك: أن الله ﷿ حكى لنا عن خصال أهل الكتاب، فقال تعالى: ﴿َلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة:٩٥] يعني: الموت.
وقال الله تعالى مبينًا أنهم يتمنون الموت يوم القيامة: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧] وأيضًا: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ [النبأ:٤٠]، فهذا تمنٍ للموت.
فقول الله تعالى: «لَنْ يَتَمَنَّوْهُ» ليست للتأبيد؛ لأنهم يتمنونه في الآخرة.
فإن قالوا: فكيف تجيبون عن الآية؟ فنقول: نجيب عن الآية بقولنا: إن قول الله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]، يعني: لن تراني في هذه الدنيا، بهذه الهيئة وهذه الكيفية التي أنت عليها؛ لأن قوتك البشرية لا تستطيع أن تحتمل أنوار وجه الله جل في علاه.
اللهم ارزقنا النظر إلى وجهك الكريم فإن من عظمة وجه الله وأنواره جل في علاه ما حكاه تعالى في القرآن بقوله: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف:١٤٣]، الجبل الراسخ الشم الشامخ، فكأن الله يقول: لن تراني بهذه الكيفية، وهذه القوة البشرية في هذه الدنيا، ولكنك في الآخرة ستراني بهذه الأدلة الكثيرة الوفيرة.
وأما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] فنقول: إن المنفي في هذه الآية هو الإدراك.
والعلاقة بين الإدراك والرؤية: أن بينهما عمومًا وخصوصًا، فالرؤية من الإدراك من جهة المرئي، فالإدراك أخص والرؤية أعم.
مثال ذلك: لو أن إنسانًا في داخل المسجد ونظر في جميع نواحي المسجد فقد أدرك المسجد، وأحاط بكل صغيرة وكبيرة فيه، واستطاع أن يصف لك ما في المسجد كله، ومثل ما حصل للنبي ﷺ بعدما أسري به وهو في بيت الله الحرام وكان نائمًا، فجاءوا إليه وقالوا: أنت زرت بيت المقدس! فصفه لنا؟ فاغتم النبي ﷺ لذلك، فجاءه جبريل بصورة بيت المقدس، فجلس يحكي لهم كل جزئية في بيت المقدس، فهذا قد أدرك البيت.
وأما الرؤية فهي أعم، ولا تكون كل رؤية إدراكًا؛ لأن الإدراك هو: النظر أو رؤية كل دقيق وجليل في المسألة.
وأما الرؤية فهي على العموم.
فالرؤية هنا تكون أعم من الإدراك، والله جل وعلا إنما نفى في كتابه الإدراك، ولم ينف الرؤية، فقال تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣]، وهذا حق فإننا لا نقيس بالله شيئًا ﷾، ولا نحيط به علمًا، وأيضًا لا ندرك صفات الله جل في علاه.
إذًا: فنفي الإدراك يدل بالاستلزام على وجود الرؤية؛ لأن نفي الأخص يستلزم وجود الأعم، فإذا نفي الإدراك فلا بد أن تكون الرؤية موجودة.
إذًا: هذه الآية ليست محل النزاع؛ إذ إننا نتفق معكم أننا لا ندرك صفات الله جل في علاه.
لكننا نقول: إننا سنرى وجه الله جل في علاه؛ لأن الآية والحديث أثبتا لنا رؤية الله يوم القيامة.
[ ١٠ / ١١ ]