شرح لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد - أشراط الساعة
مما أخبرنا به النبي ﷺ أشراط الساعة الصغرى وقد وقعت منها أمور كثيرة، وأما الكبرى فلن تظهر إلا قرب قيام الساعة، فيجب على المؤمن الإيمان والتسليم بكل ذلك، وإلا كان من الضالين المنحرفين والعياذ بالله.
[ ١٦ / ١ ]
أشراط الساعة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: أشراط الساعة هي من الإيمان بالغيب، والله جل وعلا ربط الفلاح مع الإيمان بالغيب.
والشرط في اللغة معناه: العلامة، وأشراط الساعة بمعنى: الأمارات التي تسبق قيام الساعة.
[ ١٦ / ٢ ]
علامات الساعة الصغرى
أما العلامات الصغرى فجلها قد ظهرت، ومنها: أن تسلم على من تعرف وتترك من لا تعرف، وهذه واقعة بين الإخوة، فتجد الأخ إذا رأى أخًا ملتحيًا سلم عليه، لكن غير الملتحي لا يسلم عليه، وهذه منقصة في حق الإخوة، وهذا مصداقًا لنبوءة النبي ﷺ أنه في آخر الزمان يسلم الرجل على من يعرف دون من لا يعرف.
وأيضًا من علامات الساعة الصغرى: نطق الرويبضات، قال ﷺ: (إن بين يدي الساعة سنونًا خداعة يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن الخائن ويخوّن الأمين، وينطق الرويبضة، قالوا: وما الرويبضة؟ قال: الفاسق أو الفويسق يتكلم في أمر العامة).
وأيضًا قال النبي ﷺ مبينًا لنا علامة من علامات الساعة الصغرى: (إذا وسد الأمر لغير أهله فانتظر الساعة).
وأيضًا بين لنا النبي ﷺ أن الهمج الرعاع الحفاة العراة يتطاولون في البينان، فبين أن التطاول في البنيان من علامات الساعة.
ومن علامات الساعة أيضًا: زخرفة المساجد، فالآن المساجد مزخرفة ومتسعة جدًا وهي خالية وخاوية من العباد، وهذه قد تذكر أنها من علامات الساعة؛ ولذلك جاء في الأثر عن ابن عباس أنه قال: (لنزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى)، فبين ابن عباس أن زخرفة المساجد وتوسيعها من علامات الساعة.
فهذه علامات صغرى وقد مر أكثر هذه العلامات.
[ ١٦ / ٣ ]
علامات الساعة الكبرى
العلامات الكبرى هي كما بين النبي ﷺ كأنها في سلسلة واحدة كالعقد، فلو نزلت الحبة الأولى فالباقي على إثر هذه الحبة ستنزل.
إن نزول عيسى ابن مريم وخروج الدجال من إشارات ومقدمات وإرهاصات العلامات الكبرى للساعة.
والدجال هو شر فتنة يفتتن بها المرء في هذه الحياة، كما ورد في بعض الآثار وإن ضعفها بعض العلماء، لكن نستأنس بقول النبي ﷺ: (بادروا بالأعمال ستًا: هل تنتظرون إلا فقرًا منسيًا، أو غنىً مطغيًا -إلى أن قال-: أو الدجال فشر غائب ينتظر) فـ الدجال شر فتنة في هذه الحياة؛ ولذلك النبي ﷺ عندما ذكر فتنة القبر قال: (أوحي إليّ أنكم تفتنون فتنة قريبًا من فتنة الدجال) كأنه يقيس فتنة القبر بفتنة الدجال.
[ ١٦ / ٤ ]
حقيقة وجود الدجال الآن
إن الدجال رجل عظيم الخلقة، وهو الآن مسلسل، وهذا هو الصحيح، ويغفر الله للشيخ محمد بن عثيمين فهو لا يقول بذلك، بل يقول: إنه غير موجود، لكن علة الشيخ ابن عثيمين غير علة من يأخذون بالعقل دون النقل، وإنما علته أنه يقول بتضعيف حديث الجساسة؛ فلذلك أنكر وجود الدجال الآن، لكن نقول: هذا اجتهاده، وهو اجتهاد خاطئ لا نقبله من الشيخ ﵀، وجعله مع النبي ﷺ ورفقائه في الفردوس الأعلى.
والحق أن الدجال موجود الآن، وهو مسلسل، كما في الحديث الطويل حديث تميم الذي روته فاطمة بنت قيس عن النبي ﷺ، فحديث تميم الداري يلغز به فيقال: كل الصحابة نالوا الشرف في التحديث عن رسول الله، لكن من الذي نال الشرف بأن حدث عنه رسول الله؟ إنه تميم ﵁، فالرسول ﷺ صعد المنبر مبتسمًا ثم قال: (إنه قد أسعدني أن تميم الداري حدثني ما وافق ما حدثتكم به) فقال النبي ﷺ: (حدثني تميم) وهذا يبين شرف هذه الأمة ففيها من صلى خلفه النبي، وفيها من هو خير البشر بعد الأنبياء، وفيها من حدث عنه النبي ﷺ كـ تميم، ثم سرد الحديث بطوله، ونقلته لنا فاطمة بنت قيس.
والحديث طويل جدًا، وفيه أن الأمواج تلاعبت بـ تميم ومن معه فنزلوا على جزيرة فجاءت الجساسة وهي دابة أهلب، أي: كلها شعر القبل كالدبر، فقالت لهم: إن هناك من ينتظر خبركم بالأشواق، فأخذتهم إلى رجل مسلسل ورأسه عند رجله وهو عظيم الخلقة، فقال: من أين أنتم؟ ثم ذكروا مسألة النخيل ومسألة المدينة، فقال: هذا العصر عصر النبي محمد ﷺ، إن يتبعوه يرشدوا، وهنا يعظ، والشاهد الذي أريده أنه موجود من وقت رسول الله ﷺ، وهو مسلسل بنص حديث تميم الداري، وقال الشيخ ابن عثيمين: إنه ليس بموجود وسيخلق، أو قال: إنه ليس بموجود فقط، وهذا كلام يرد على صاحبه كائنًا من كان ويضرب به عرض الحائط؛ لأن الحديث ثبت ولا قول لأحد مع قول النبي ﷺ.
ما العلم إلا قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه والظاهر: أن الشيخ اجتهد وله سلف، فـ البخاري أشار إلى حديث الجساسة ولم يخرجه في الصحيح؛ فلذلك الشيخ ابن عثيمين تبنى هذا المذهب وعضد إشارة البخاري بأنها توحي بتضعيف حديث الجساسة، فأخذ بتضعيف حديث الجساسة.
والملاحظ هنا أنها أحكام مناطة بالتصحيح، وهذا الحديث ضعيف عنده فلم يثبت وجود الدجال، لكنه يؤمن بخروج الدجال عقيدة جازمة، لكنا نقول: قد صح الحديث، وإذا صح الحديث فلا قول لأحد مع قول رسول الله.
أما القائل الذي قال غفر الله لنا وله: إنه ليس هناك شيء اسمه الدجال، فليته يتراجع ولو هنيهة عن قاعدة التسهيل التي طغت بالأمة الإسلامية الآن، نسأل الله العفو والعافية، لكنه بفضل الله يعتقد خروجه، وعندما سئل: لماذا قلت هذا القول؟ قال: إن الأقمار الصناعية وجدت ولم نر أحدًا رأى الدجال.
وهذا طالب علم عندنا أقسم لي بالله أن الأقمار الصناعية كشفت عن منطقة في القاهرة فغابت عنها قرية فلم تصورها ولم تعرف عنها شيئًا، فقرية لم تعرف عنها شيئًا أتعرف عن رجل شيئًا؟ فالمسألة أصلًا مسألة نظر علمي محض يعتريه الصواب ويعتريه الخطأ، فهل أصرح بخلاف حديث النبي ﷺ الثابت كالجبال الرواسي من أجل هذه النظريات التي لا تنفع ولا تضر، وهي تصيب وتخطئ؟! ومن هنا نقول: إن الإمام مسلمًا كان صاعقة في الحفظ، وهو الذي قال فيه المغاربة: مسلم أعلم من البخاري، وهذا كلام غير صحيح، لكن هم يقدمون صحيح مسلم على صحيح البخاري لحسن ترتيب مسلم لكتابة الصحيح، فهو يجمع كل الأسانيد لحديث واحد من روايات متعددة، وهذا يساعد على من يريد أن يكشف ويحقق تصحيح الإسناد أو تضعيفه من باب المتابعات والشواهد، لكن كان البخاري يهتم في صحيحه بالفقه أولًا؛ فلذلك كان يقطع الأبواب، ولا يهمه الأسانيد إن هي تكاثرت في باب واحد، ومعلوم أن البخاري أصح؛ لأنه أنقى شروطًا في الرجال الذين انتقاهم لصحيحه.
والمقصود: أن هذا الحديث في مسلم، فليس لك أن ترده، إلا أن تكون عالمًا نحريرًا من العلماء المعتبرين الذين سينتقدون حديث مسلم فنسمع لك ونطيع وننظر ما عندك من العلم، ونعرض كلامك على كلام أهل العلم وأهل الشأن، فإن وافق فعلى الرحب والسعة، وإلا فأنت تعول في كل كتبك على الألباني حتى رسالة الماجستير تعول فيها في التصحيح والتضعيف على الألباني، فارجع للألباني فأنت مقلد له الآن، لكن لا تلعب بالحديث هكذا؛ لأنك لست من علماء الحديث، بل ارجع للألباني وانظر هل ضعف الحديث أم صححه، لكن أن تجعل مقياس تضعيف حديث في صحيح مسلم بن الحجاج -هذا الإمام الذي حفظ لنا حديث النبي ﷺ- هي الأقمار الصناعية فلا، وإذا سألك ربك فلا تدري كيف تجيب، لكني أقول: يغفر الله لنا ولك ويعلمنا وإياك، وما زلنا على جهل نحتاج جميعًا إلى العلم، ولذلك الحافظ ابن حجر سطر كلامًا يكتب بماء الذهب على السطور، يقول: لا يزال العالم عالمًا إذا جد في الطلب، أما إن توقف وقال: أنا أنا فقد انتهى الأمر ولن تأخذ منه خيرًا، ولن تجد له اجتهادًا بعد ذلك يوافق السنة.
ولذا يجب علينا أن نخالف هؤلاء الذين ردوا حديث الدجال وقالوا: هو غير موجود، ونقول: هو موجود في حديث فاطمة بنت قيس حديث الجساسة في صحيح مسلم.
وقد أتم لنا النبي ﷺ وصف الدجال واهتم اهتمامًا شديدًا بمسألة الدجال وقال: (ما من نبي إلا حذر قومه الدجال الأعور، وإني سأقول لكم فيه قولًا بينًا فصلًا) وكأن النبي ﷺ يقول: أنا النذير العريان، واشتد في نصح أمته عن الدجال، حتى قالوا: (خشينا أن يكون الدجال خلف الشجر، فلما رأى النبي ﷺ خوفهم من هذا النذير، قال لهم: ما لكم، إن خرج وأنا فيكم فأنا حجيجه وإن خرج وأنا لست فكيم فكل امرئ حجيج نفسه) وهذه الوكالة للنفس وكالة إلى ضياع والعياذ بالله.
ونستدل على وجود الدجال بحديث ابن صياد؛ لأن النبي ﷺ كان يتحسس ابن صياد وكان يختبئ له؛ إذ أنه عندما اختبأ قالت أمه: (يا صاف! هذا محمد، فقال النبي ﷺ: لو تركته بين) أي: لو تركته بين لنا أهو الدجال أو ليس هو، وهذا الحديث فيه دلالة على أن النبي ﷺ كان يشك في وجود الدجال، ثم أكد وجود الدجال مسلسلًا بحديث تميم الداري.
فإن قلتم: حديث تميم الداري ضعيف ولا يثبت به وجود الدجال، فهذا حديث ابن صياد وشكوك النبي ﷺ دليل على وجود الدجال، مع أن حديث تميم الداري ليس بضعيف بل هو صحيح.
والنبي ﷺ وصف لنا الدجال وصفًا بديعًا حيث قال: (هو أعور، وربكم ليس بأعور) وأعور بمعنى له عين واحدة والأخرى إما مطموسة أو موجودة معيبة، وأيضًا قال النبي ﷺ: (بين عينيه مكتوب ك.
ف.
ر) والنبي ﷺ كان أميًا لا يقرأ؛ فلذلك قال ﷺ: (يقرؤها كل قارئ وغير قارئ) أي: أن كل مؤمن أمي وغير أمي سيقرأ ك.
ف.
ر أي: كافر، سيقرأ هذا القول.
ووصف النبي ﷺ وجوده أنه يعيش بيننا أربعين، يومًا كسنة، ويومًا كشهر، ويومًا كأسبوع، وباقي الأيام كأيامنا هذه، هذا وصف النبي ﷺ للدجال.
[ ١٦ / ٥ ]
عظم فتنة الدجال وصور من خوارقه
لقد بين النبي ﷺ أن خروج الدجال فتنة عظيمة؛ لأن الله أعطاه قوة خارقة، كأنها من لوازم الربوبية، يفتن الله بها من يشاء، والله جل وعلا يبتلي عباده بما شاء سبحانه، قال تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأعراف:١٥٥] فمن فتنة الدجال أن يأتي للرجل فيقول: لو أحييت لك أباك وأمك تؤمن بي؟ فيقول: أؤمن بك، فيأتي فيحيي أباه وأمه لفتنة البشر، وهو في الحقيقة لا يحيي أباه وأمه، وإنما يتمثل له الشيطان في صورة الأب وصورة الأم، فيعمي على هؤلاء.
ومما يفتن به الناس أن يذهب إلى المشرق والمغرب في دقائق معدودة تستدبره الريح.
وأيضًا ينظر إلى السماء فيقول: أمطري، فتمطر، ويذهب إلى الأماكن الخربة فيقول: أخرجي كنوزك، فتخرج الكنوز، وهذه فتنة عارمة، وكل هذه تحصل بإذن الله تعالى؛ والفتنة الأشد أنه سيأتيه رجل هو من أفضل الشباب كما بين النبي ﷺ، فيقول: (أنت الدجال الذي حذرنا منه رسول الله ﷺ، فيأخذه هذا الكافر الظالم ويقول للناس: أيها الناس! لو قتلت هذا الرجل وأحييته لكم تؤمنون بي؟ فيقولون: نعم، فيأخذه فيشقه نصفين جزلتين: جزلة على اليمين، وجزلة على اليسار، ثم يمشي بين الجزلتين، ثم يقول للرجل: تعال، فيقوم الرجل متهللًا فرحًا، فيقول: والله ما ازددت بك إلا بصيرة، أنت الدجال الذي حذرنا منه رسول الله ﷺ).
وهنا يجدر بنا أن نتأمل إلى الإيمان كيف يتلألأ في القلوب ويجعل المؤمن ثابتًا راسخًا لا يتزعزع مع كل ريح، فهذا الشاب بعدما شقه نصفين قام فقال: أنت الدجال الذي حذرنا منه رسول الله ﷺ، ما ازددت فيك إلا بصيرة، ثم يضرب بالسيف على رقبته فلا يسلط عليه مرة أخرى، كرامة من الله لهذا الشاب الذي بين فيه النبي ﷺ أنه من أعلى الناس إيمانًا في هذا العصر، فيهرب ويهرب من معه، وهذه فتنة ليست بعدها فتنة.
[ ١٦ / ٦ ]
طرق نبوية لدفع فتنة الدجال
لقد بين لنا النبي ﷺ كيف نتخلص من فتنة الدجال: أولًا: بالاستعاذة من هذه الفتنة، فقد أمرنا في كل صلاة بالاستعاذة من فتنة الدجال وفتنة المحيا والممات.
ثانيًا: أنه لو ظهر -اللهم لا تظهره في مكاننا ولا زماننا هذا يا رب العالمين- لو ظهر الدجال فلا بد أن يفر الشخص منه فراره من الأسد؛ لأن النبي ﷺ قال: (من سمع عن الدجال فلينأ عنه، شر فتنة من استشرف لها أخذته) أي: لا يأتي رجل يسمع بـ الدجال فيذهب فيقول: أنا له أنا له، معتزًا بإيمانه ومزكيًا لنفسه، والله جل وعلا يقول: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النجم:٣٢] ولذلك كان النبي ﷺ يقول: (لا تتمنوا لقاء العدو) فهذا الذي يذهب إلى الدجال جاهل؛ فإنه لو كان عالمًا بهذه الكلمات من النبي ﷺ لما فعل ذلك، والجهل مميت لصاحبه، فيذهب إلى الدجال ويقول: أنا له أنا له، فما لبث إلا أن آمن به وكفر بربه جل في علاه، والله يعلم ما في القلوب ويوفق كل إنسان على ما في قلبه، فهذه فتنة أمرنا النبي ﷺ أن ننأى عنها بل وأن ننأى عن كل فتنة.
[ ١٦ / ٧ ]
نزول عيسى بن مريم
العلامة الأخيرة: وهي نزول عيسى بن مريم.
فبعدما يعيث الدجال في الأرض فسادًا، ويؤمن به اليهود وكثير من النساء، وهذا فيه تحذير للنساء؛ لأن النبي ﷺ بين أن أكثر أتباع الدجال هن النساء؛ لأنهن ناقصات عقل ودين، وبعد هذه المفاسد العظيمة، وبعدما يمنع من دخول مكة والمدينة؛ لأن الملائكة تحرسهما، فتحفظ بالملائكة، ثم تهتز المدينة ومكة فتخرجا كل منافق، فينضوون تحت لواء هذا المنافق الأكبر الدجال فيؤمنون به، ثم ينزل عيسى ﵇ حكمًا عدلًا مقسطًا ﷺ، ينزل على جناح ملك عند المنارة البيضاء عند جامع دمشق، ثم يذهب فيجد المهدي بعد معركة هرمجدون الدموية بين المسلمين والكافرين، إذ يأتي الكفار تحت ثمانين راية تحت كل راية اثنا عشر ألفًا، ويحصل فيها مقتلة عظيمة، ثم يفتح الله على المؤمنين، والمهدي هو من ولد النبي ﷺ يصف الناس للصلاة ثم ينزل عيسى.
والمهدي اليوم يضرب ويطعن في صميم قلبه، وأجدني مضطرًا لذكر الأسماء، فالدكتور عمر عبد الكافي حفظه الله وأمد في عمره وأحسن عمله، فاجأنا بما أصعقنا إذ يقول: ليس هناك شيء اسمه مهدي، فقد ضعف الأحاديث الدالة على المهدي.
فأقول: الشيخ ليس معلومًا عنه أنه من المشتغلين بعلم الحديث أو بعلم الفقه حتى يقول: إنه صحح وضعف.
ومعلوم أن ثلاثة أرباع الإخوة الحاضرين مغرمون بسماع الدكتور، وهو رجل يُسمع له جزاه الله خيرًا على ما يعمل للدين، لكن أخطاؤه نردها عليه.
وهنا يجدر بنا التنبيه على أنه لا بد من طلبة العلم الذين يتقنون العلم، أما خبر المهدي فهو راسخ كالجبال الرواسي.
وأمتع ما يقرأ من الكتب المعاصرة التي تتكلم عن المهدي كتاب شيخنا المبارك الشيخ محمد بن إسماعيل المقدم حفظه الله وأمد في عمره وأحسن عمله، ورفع قدره بين الأنبياء والمرسلين والصالحين، وجعله مع الشهداء في الفردوس الأعلى، الذي نزل مؤخرًا واسمه: (المهدي) فهذا الكتاب من أنفع ما كتب في هذا الباب، فهو يفيد كل طالب علم متبحر وغير متبحر في هذه المسألة.
والعلماء أو الناس انقسموا في المهدي ثلاثة أقسام: قسم غلوا، وقسم جفوا، وقسم توسطوا، أما الذين غلوا فينتظرون المهدي منذ ألف عام، وما أكثر ما ينادون في تجمعاتهم: اطلع يا مهدي، يعنون محمد بن العسكري، اطلع من السرداب، فاعتقدوا دخوله السرداب، وهذا كلام باطل لا دليل عليه.
وأما الذين جفوا فهم الذين قالوا: لا مهدي في هذه العصور، والنبي ﷺ يبين لنا أنه من ولد فاطمة.
أما الذين توسطوا فهم أهل السنة والجماعة فقد أثبتوا خروج المهدي، وبينوا علاماته وأماراته ووصفه وتفصيل أمره بأحاديث النبي ﷺ.
[ ١٦ / ٨ ]
الأحكام المستنبطة من تراجع المهدي لعيسى ﵇ ليصلي بهم
قلنا: فيصف المهدي الناس ليصلي بهم، فيأتي عيسى بن مريم ﵇ فيتراجع المهدي؛ لأنه يعلم أحاديث النبي ﷺ، فيقول لعيسى: أنت إمامنا.
يستنبط من هذا الفعل من المهدي عدة أمور: الأول: أن من أصول أهل السنة والجماعة تقديم الفاضل على المفضول، ولا ينبغي للمفضول أن يتقدم بين يدي الفاضل، أما في هذا الزمان فالمفضول دائمًا هو المتصدر والفاضل هو خلف الشمس، وهنا يعلم أن الصحيح الراجح تصدير الفاضل والذي يصدره هو المفضول، فإن عيسى نبي، بل هو من أولي العزم من الرسل؛ فلذلك قدمه المهدي عملًا بقول النبي حيث أمرنا أن ننزل الناس منازلهم، وفوق كل ذي علم عليم، فلذلك يستحق الإمامة الآن سيدنا عيسى ﵇ فقدمه المهدي.
الثاني: أن للإمام الراتب إذا دخل فوجد آخر غيره يصلي بالناس أن يؤخره ويدخل هو مكانه، ويستنبط ذلك من عمل المهدي حيث رجع بنفسه من غير أن يرجعه عيسى، بل وضعه في مكانه، وهناك إشارة من فعل أبي بكر ﵁ وأرضاه تعضد هذه المسألة.
الثالث: شرف هذه الأمة، فالله جل وعلا شرف هذه الأمة بأن جعل أفضل الأنبياء يصليان خلف آحاد الأمة، فالنبي محمد ﷺ صلى خلف أبي بكر وصلى خلف عبد الرحمن بن عوف، وعيسى من أولي العزم من الرسل صلى خلف المهدي قال: (إمامكم منكم تكرمة الله لهذه الأمة).
[ ١٦ / ٩ ]
الأعمال التي يقوم بها عيسى بعد نزوله
عندما ينزل عيسى ﵇ يكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ولا يقبل الجزية ويقاتل على الإسلام.
وكتب الله لعيسى أنه إذا خرج فلا يتنفس نفسًا فيصل إلى أحد من الكفار إلا ويموت، وهذه قوة خارقة وهبها الله جل وعلا لعيسى، فنفسه يكون مد بصره، فإذا استنشقه أو شمه كافر فإنه يموت؛ ولذلك يذهب خلف الدجال، فإذا رآه ذاب كما يذوب الملح في الماء، ثم يقتله ﵇ ويريح البشرية من هذا الشر العظيم.
قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء:١٥٩] ومعنى: (قبل موته) أي: بعد نزول عيسى ﵇ حكمًا عدلًا مقسطًا.
[ ١٦ / ١٠ ]
خروج يأجوج ومأجوج
إن خروج يأجوج ومأجوج من الفتن العظيمة التي بينها النبي ﷺ، فقد قام ﵊ من نومه فزعًا وقال: (ويل للعرب من شر قد اقترب، لقد فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج قدر الدرهم) وقد بين النبي ﷺ أنهم كل يوم يأتون الجدار ليهدموه، فإذا كان آخر النهار قالوا: غدًا سنخرج على بني آدم.
وهنا يعلم أن الله جل وعلا إذا أذن لشيء أعد له الأسباب المؤدية إليه، فهم بعد مقاربتهم هدم الجدار آخر النهار يقولون: غدًا نخرج على بني آدم ولم يقولوا: إن شاء الله، فيرجعون في اليوم الثاني فيجدونه كما كان، حتى إذا أذن الله جل في علاه بخروج يأجوج ومأجوج يجعلهم يقولون: غدًا إن شاء الله سنخرج على بني آدم، ولو أنهم قالوا: إن شاء الله من بداية الأمر لكان دركًا لأمرهم، لكن الله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون، فيخرجون يأكلون كل أخضر ويابس؛ حتى إن أولهم يكون عند بحيرة طبرية فيشربون الماء وهم عطشى ويأتي الآخر منهم ويرى جفافًا فيقول: كان هنا ماء، فلا يأتون على أخضر ولا يابس إلا ويزيلونه من وجه البسيطة.
ثم إنهم بعدما ينتهون من قتال أهل الأرض يبتلون بأن يضربوا الرمح أو النبل في السماء فيفتنهم الله جل وعلا بأن ينزل هذا النبل وفيه الدماء، فيقولون: انتهينا من أهل الأرض وقتلنا أهل السماء، نعوذ بالله من الخذلان! فيأمر الله عيسى نبيه أن يأخذ المؤمنين ويذهب بهم إلى جبل الطور، فيدعو عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى التسليم أن ينجيهم الله من هذه الفتنة العظيمة؛ لأن الله قد أوحى إليه أنه سيخرج بشر خلقهم الله لا يدان لهم أحد، أي: لا يستطيع أحد على قتالهم ولا أن يجابههم، فيقبل الله دعاء المؤمنين فيقتل هؤلاء، وتأتي طير فتأخذهم إلى البحار حتى لا يضروا بني آدم، ثم يعيش الناس في نعيم ورغد من العيش حتى يأذن الله بخراب هذه الدنيا وقيام القيامة.
[ ١٦ / ١١ ]
خروج الدابة وطلوع الشمس من مغربها
ومن علامات الساعة: خروج الدابة وطلوع الشمس من مغربها، أما خروج الدابة فتأتي لتختم الناس على مناخرهم، فتفرق بين المؤمن وبين الكافر، حتى إن الرجل يتعامل مع الآخر في البيع والشراء، يقول: اشتريت من المنافق الفلاني كذا، واشتريت من الكافر الفلاني كذا، فيعرف بين يفرق بين المؤمن وبين الكافر، ثم بعد ذلك تطلع الشمس من مغربها، والنبي ﷺ لم يبين بالتفصيل أيهما تظهر أولًا الشمس أم الدابة؟ وإنما ذكر النبي ﷺ أن الأولى إذا خرجت فعلى إثرها تخرج الأخرى.
وهذه من العلامات الكبرى؛ لأن الشمس إذا طلعت من مغربها فإنه لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل.
[ ١٦ / ١٢ ]