رؤية الله ﷿ من المسائل العقدية التي أثبتها أهل السنة والجماعة وأنكرها المبتدعة مع تواتر الأحاديث فيها، ومن المسائل العظيمة التي يختلف فيها أهل السنة مع المبتدعة مسألة القضاء والقدر، فإن أهل السنة يتبعون منهج السلف في ذلك، والمبتدعة من القدرية وغيرهم ينكرون القدر ويدعون أنهم خالقو أفعالهم بأنفسهم، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
[ ٤ / ١ ]
رؤية الله ﷿
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل: والمؤمنون يرون ربهم في الآخرة بأبصارهم، ويزورونه ويكلمهم ويكلمونه، قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣].
وقال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]، فلما حجب أولئك في حال السخط دل على أن المؤمنين يرونه في حال الرضا وإلا لم يكن بينهما فرق.
وقال النبي ﷺ: (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته) حديث صحيح متفق عليه، وهذا تشبيه للرؤية بالرؤية لا للمرئي بالمرئي، فإن الله تعالى لا شبيه له ولا نظير].
هذا المقطع اشتمل على عدة مسائل من مسائل العقيدة الكبرى: المسألة الأولى: مسألة الرؤية، والرؤية المقصود بها نوعان من الرؤية: النوع الأول: ما يسمى بالرؤية العامة وهي رؤية الخلائق لربهم يوم القيامة في المحشر.
النوع الثاني: الرؤية الخاصة، وهي رؤية المؤمنين لربهم في الجنة بأبصارهم.
[ ٤ / ٢ ]
أنواع الرؤية في المحشر
الرؤية الأولى العامة تحدث على ثلاث مراحل، وهي في المحشر كلها: المرحلة الأولى: رؤية الخلائق جميعًا لربهم ﷿ على ما يليق بجلاله سبحانه، وهذه الرؤية تكون للمؤمنين رؤية غبطة ولذة وسرور وتنعم، وتكون للكافرين والمنافقين رؤية حسرة وندم، فلا يتمتعون بهذه الرؤية ولا يسرون بها، بل إن رؤيتهم ليست كرؤية المؤمنين.
المرحلة الثانية: يراه المؤمنون والمنافقون، لكن -كما قلت- تكون هذه الرؤية للمؤمنين رؤية تنعم ورؤية سرور وغبطة، وتكون للمنافقين حسرة وندمًا، لأنهم خادعوا الله في الدنيا، فخادعهم في الآخرة.
وفي هذه المرحلة من الرؤية يراه فيها المنافقون دون بقية الكافرين، وفيها زيادة نكاية بالمنافقين؛ لأنهم كانوا يخادعون الله ويخادعون المؤمنين في الدنيا، فأراد الله ﷿ أن يطمعهم ليترقبوا النجاة، وتتعلق بها نفوسهم، ثم تنقطع عنهم بعد ذلك ويحجبون عن الله ﷿ بعدما أملوا، فيكون هذا أبلغ في عقوبتهم وفي حجبهم عن ربهم ﷿، وهذا جزاء لهم كما كانوا يخادعون الله في الدنيا، ويخادعون المؤمنين نسأل الله السلامة.
المرحلة الثالثة: يراه المؤمنون دون أن يراه الكفار ولا المنافقون.
وهي تؤخذ من عموم أدلة كثيرة استنبطها منها أهل العلم، منها ما هو في الصحاح، ومنها ما هو دون لذلك، لكن أكثرها صحيح.
فمن مجموع النصوص استنبط العلماء هذه الأنواع الثلاثة من الرؤية، وهي رؤية جميع الخلائق لربهم في المحشر، ثم رؤية المنافقين والمؤمنين، ثم رؤية المؤمنين لربهم فقط، وكل ذلك في المحشر، هذه كلها تسمى رؤية عامة.
واختلف أهل العلم في نوع هذه الرؤية، هل هي رؤية بصرية أو رؤية قلبية، وما حقيقتها، كل ذلك لا يزال أمر غيب، والله أعلم به، لكنها تختلف عن رؤية المؤمنين لربهم في الجنة، وهي رؤية خاصة.
[ ٤ / ٣ ]
الرؤية الخاصة بالمؤمنين
أما الرؤيا الخاصة بالمؤمنين فهي أنهم يرون ربهم ويتمتعون بهذه الرؤية ويتنعمون بها، إكرامًا من الله ﷿، نسأل الله أن يجعلنا منهم.
وهو النعيم الذي ذكره الله ﷿ زائدًا عن نعيم الجنة، وهي الزيادة المذكورة في قوله سبحانه: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦].
وفي قوله ﷿: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥].
وقوله سبحانه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣].
فرؤية المؤمنين لربهم في الجنة بأبصارهم رؤية مقطوع بها، وهي من أركان العقيدة الكبرى وأصولها العظمى الثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، وقد وردت في إقرارها وبيانها وإثباتها الآيات التي شرحها النبي ﷺ وفسرها بذلك، ثم النصوص الأخرى التي هي الأحاديث الصحيحة المتفق عليها، وهي متواترة كما أجمع على ذلك أهل الحديث، أهل السنة والجماعة، كما أنها صريحة في إثبات الرؤية من وجوه: أولها: أن النبي ﷺ أجاب فيها عن سؤال صريح عن الرؤية، ذلك لأن النبي ﷺ لما تحدث لصحابته عن أمور الجنة ونعيمها قالوا: (هل نرى ربنا يوم القيامة؟) أو (في الجنة) كما في بعض النصوص.
(قال: نعم).
الثانية: أن النبي ﷺ قرر ذلك بإثبات الرؤية العينية فقال: (إنكم سترون ربكم عيانًا) وهذا في الحديث الصحيح.
ثم أثبتها بطريقة ثالثة لا تقبل الجدل ولا التأويل ولا التمحل ولا الرد، قال: (كما ترون الشمس والقمر ليس دونهما سحاب).
فلا يستطيع عاقل وهو مبصر أن ينكر الشمس أو طلوع الشمس في رابعة النهار ليس دونها سحاب.
ثم أثبت ذلك بطريقة رابعة وقال: (لا تضامون) وفي رواية: (لا تضامّون) وكلها بمعنى إثبات الرؤية.
ومعنى (لا تضامون) لا يضيم ولا يجحد بعضكم رؤية بعض، ذلك أن الإنسان لو أنه أنكر عليه الشيء الثابت اعتبر هذا ضيمًا بالنسبة له، فلو أن أحدنا خرج في النهار والشمس طالعة، وقال للناس: الشمس طالعة، فقال أحد الناس: لست بصادق؛ لاعتبر هذا ضيمًا، وإنكارًا لأمر تشهد به العيون والعقول والأفئدة، ويشهد به الناس جميعًا.
كما أن قوله: (لا تضامّون) أي: لا تتزاحمون، من وضوح الرؤية وجلائها، ومن عظمة الباري ﷿ لا يحتاج الناس إلى أنهم يتزاحمون لرؤيته يوم القيامة، ولا يحتاج المؤمنون إلى أن يتزاحموا لرؤيته في الجنة.
قال: (وهذا تشبيه للرؤية لا للمرئي) ويقصد بذلك أننا حينما شبهنا رؤية الله ﷿ برؤية الشمس في رابعة النهار، والقمر في ليلة البدر، فهذا يعني أنه لا مجال لإنكار رؤيتهما، من حيث الوضوح والتأكيد والجزم.
إذًا: التشبيه هنا تشبيه بالوضوح والجزم، لا تشبيه المرئي وهو الله ﷿ بالمرئي وهو الشمس والقمر، من حيث إن الله ﷿ ليس كمثله شيء، لكن شبهت الرؤية بالرؤية من حيث وضوحها والجزم بها والقطع بها وعدم إنكارها، وأنه لا يسع أحدًا من الناس أن يجادل في ذلك، كما لا يمكن لأحد من الناس أن ينكر طلوع الشمس في رابعة النهار ليس دونها سحاب، ولا أن ينكر طلوع القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب، فكذلك ليس لأحد أن ينكر رؤية الله ﷿ من قبل المؤمنين بأبصارهم في الجنة يوم القيامة.
نسأل الله أن يمتعنا جميعًا بذلك.
فإن الله تعالى ليس له شبيه ولا نظير.
[ ٤ / ٤ ]
مسألة الزيارة
المسألة الثانية: مسألة الزيارة: وهذه مسألة اختلف فيها أهل العلم، هل تثبت الزيارة أو لا تثبت، واختلافهم مبني على اختلاف في نصوص الأحاديث التي ذكرت في الزيارة إن ثبتت، ثم لو ثبتت عند بعض أهل العلم فعلام تحمل، هل هي بمعنى الرؤية أو أمر زائد عن مجرد الرؤية؟! الظاهر والله أعلم أن أكثر الروايات التي وردت بالزيارة لا يقطع بصحتها.
ومع ذلك فالأمر لا يزال يحتاج إلى مزيد بحث، فلعلي في درس قادم آتيكم بالنتيجة إن شاء الله.
كثير من أهل العلم أشار إلى الزيارة، لكن هل هي على ما ورد في بعض النصوص الضعيفة، أو على ما ورد في نصوص أخرى صحيحة بمعنى الزيادة، وهل الزيارة بمعنى الرؤية أو هي أمر زائد على الرؤية؟! كل ذلك يحتاج إلى مزيد بحث، وقد أورد كثير من أهل العلم هذه المسألة كما قلت، لكن أغلب الروايات والأحاديث التي أوردوها فيها ضعف.
[ ٤ / ٥ ]
مسألة تكليم الله للمؤمنين
قوله: (ويكلمهم ويكلمونه) هذه مسألة ثالثة، وهي مسألة التكليم.
وهذه فيها إثبات أن الله ﷿ يتكلم بمشيئته، وأن كلامه سبحانه يكون متى شاء، تكلم في الدنيا وكلم بعض خلقه، ويتكلم يوم القيامة فيكلم الناس جميعًا، وينادي سبحانه بصوت يسمعه من قرب كما يسمعه من بعد، وأنه أيضًا يكلم كل إنسان بمفرده، ويناقشه الحساب.
فتكليم الله ﷿ لعباده أمر ثابت قطعًا، وأنه يتكلم ﷿ متى شاء.
قوله: (ويكلمونه) هذا أمر معلوم، ويقصد بذلك يوم القيامة، فإنه ورد في النصوص القاطعة أن العباد يكلمونه ويكلمهم، وأن هناك نوعين من التكليم: تكليم عام لجميع العباد يكلمونه ويكلمهم، وتكليم خاص وهو تكليم المؤمنين لربهم في الجنة يوم القيامة، وهو تكليم فيه تنعم وسرور وغبطة.
ثم أورد الآية: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، وهي في إثبات الرؤية قطعًا، لأن السلف فسروها بذلك، وأجمعوا على تفسيرها به.
وما ورد عن بعض السلف من تفسير آخر فإنما هو نوع تفسير باللوازم، لا يخرج عن التفسير القاطع أن المقصود بها الرؤية.
وكذلك الآية التي بعدها، ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]، هي صريحة في إثبات الرؤية من حيث إنها دلت على أن الكافرين يحجبون عن ربهم، نسأل الله العافية والسلامة.
وهذا دليل قاطع على أن هناك فئة لا يحجبون عن ربهم، فإذا كان الكافرون يحجبون عن ربهم، فهناك فئة أخرى وهم المؤمنون لا يحجبون عن ربهم؛ لأن الله ﷿ ذكر هذه الآية على سبيل الوعيد للكافرين، فدل دلالة قاطعة على أن هناك ما يطمع به الخلق ويعتبرونه من النعيم ويرجونه، وهو الرؤية لله ﷿، فينقطع هذا الرجاء عن الكافرين جزاء لهم على كفرهم، ويبقى بالضرورة لفئة أخرى وهم المؤمنون جزاء لهم على إحسانهم، وتفضلًا من الله ﷿ وإحسانًا، لأنه إذا احتجب عن الكافرين فلا بد أن يراه المؤمنون، لذلك قال السلف: لو لم يكن المؤمنون يرونه، لما صار لاحتجابه عن الكافرين معنى، ولا صار لتهديدهم بالاحتجاب أي معنى.
[ ٤ / ٦ ]
النعيم الخاص بالمؤمنين
المسألة الرابعة: فيما يتعلق بالنعيم عمومًا: وهو أن الله ﷿ اختص عباده المؤمنين بنعيم زائد عن نعيم الجنة، وزائد عن نوع الأفعال التي يفعلها تجاه الخلق جميعًا، من ذلك الرؤية الخاصة، ومن ذلك الزيارة إن ثبتت، ومن ذلك التكليم الخاص الذي فيه إنعام وإحسان؛ لأن التكليم العام وتكليم مناقشة الحساب لا يكون فيه إنعام، بل في الغالب أن العبد يكون أمام ربه خائفًا وجلًا، لكن التكليم الخاص للمؤمنين فيه مزيد إكرام.
وهذه الأمور كلها مرتبطة بقدرة الله ﷿ ومشيئته وإرادته، بمعنى أنه لا ينبغي لأحد أن يسأل: كيف يرى المؤمنون ربهم، وكيف يكلم الله عباده في القيامة؟ فهذا سؤال لا يجوز أن ينشأ أصلًا، فضلًا عن الجواب عليه، وهذه قاعدة عامة في جميع مسائل العقيدة الغيبية، لا يسأل عنها بكيف، وإذا سأل سائل جاهل أعلمناه بأن هذا السؤال لا يجوز.
وفي حجب الكفار عن ربهم قال أهل العلم: إن الكفار محجوبون عن الله بعد العلم، بل بعضهم استدل بقوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] على الرؤية العامة، فقال: إنه بعد أن أطمعهم في رؤيته احتجب عنهم، فالرؤية الأولى لا يستفيدون منها؛ لأنهم رأوا ربهم في المحشر في هول وفي فزائع وشدائد يوم القيامة، ثم إنهم رأوا ربهم وهم وجلون خائفون، فما كانوا تمتعوا بالرؤية ولا استمتعوا بها، بل كانت رؤيتهم رؤية المنكسر الحسير الذي لا يستفيد من هذه الرؤية، لكنهم طمعوا بعد ذلك برؤية فاحتجب الله عنهم، على نحو ما ورد في ظاهر الآية، فالآية ليس فيها دلالة على نفي الرؤية العامة، بل العكس هو الصحيح، ومع ذلك فإن بعض أهل العلم قال: إنهم محجوبون عن الرؤية البصرية، الذين يقولون أن رؤية الناس في المحشر لربهم يوم القيامة رؤية قلبية، يقولون: النفي هنا للرؤية البصرية، لكن -كما قلت- الظاهر وما ذكره كثير من أهل العلم أن الله ﷿ احتجب عنهم نوعين من الاحتجاب: نوع عن نوع الرؤية التي يراه بها المؤمنون، ونوع آخر وهو الاحتجاب بعد الطمع في الرؤية حينما رأوا ربهم في المحشر كما ورد في صحيح البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري وحديث أبي هريرة الطويل.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومن صفات الله تعالى أنه فعال لما يريد، لا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته، وليس في العالم شيء يخرج عن تقديره، ولا يصدر إلا عن تدبيره، ولا محيد لأحد عن القدر المقدور، ولا يتجاوز ما خط في اللوح المسطور، أراد ما العالم فاعلوه، ولو عصمهم لما خالفوه، ولو شاء أن يطيعوه جميعًا لأطاعوه، خلق الخلق وأفعالهم، وقدر أرزاقهم وآجالهم، يهدي من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بحكمته، قال الله تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣].
وقال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩].
وقال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢].
وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢].
وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥].
وروى ابن عمر أن جبريل ﵇ قال للنبي ﷺ: (ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، فقال جبريل: صدقت) انفرد مسلم بإخراجه].
[ ٤ / ٧ ]
مسائل القدر
في هذا الفصل بين المؤلف ﵀ مسائل عديدة من مسائل القدر، بعضها متعلقة بمراتب القدر، وبعضها فروع عنها، وبعضها في مسائل أخرى مهمة، نأخذها على النحو التالي:
[ ٤ / ٨ ]
المسألة الأولى: ارتباط القدر بصفات الله وأسمائه وأفعاله
المسألة الأولى: ارتباط القدر بصفات الله ﷿ وأسمائه وأفعاله: فإن أمور القدر مرتبطة بأسماء الله ﷿ وبصفاته وأفعاله، من حيث إن الله ﷿ بكل شيء عليم، وأنه على كل شيء قدير، وأنه سبحانه فعال لما يريد، وأنه سبحانه بيده مقاليد السماوات والأرض، وأنه ﷿ الخالق البارئ المصور، وأنه يهدي من يشاء ويضل من يشاء سبحانه، وأنه يريد بكم اليسر ولا يريد بكم العسر، وأنه سبحانه بيده الملك إلى آخر الأسماء والأفعال والصفات التي ترتبط ارتباطًا مباشرًا بالقدر.
لذلك أشار الشيخ ﵀ إلى ارتباط القدر بالأفعال وبالصفات، فقال: (ومن صفات الله ﷿ أنه الفعال لما يريد).
وهذه القاعدة مفرق طريق بين أهل السنة وبين كثير من أهل الأهواء والبدع من أهل الكلام، خاصة الذين ورثوا قواعد الجهمية والمعتزلة من أهل الكلام المنتسبين للأشاعرة والماتريدية، فإن عامة تأويلاتهم التي خالفوا فيها السلف مبنية على إنكارهم لأفعال الله ﷿، ذلك أنهم يزعمون أن الله ﷿ لا يحدث منه فعل، وكل صفاته وأسمائه أزلية، غير قابلة للحدوث ولا التجدد، فلذلك أنكروا كل شيء يدل على الأفعال، وسموها بأسماء موهمة وملبسة، كأن يقولوا: حلول الحوادث به، أو حلول الأفعال به، أو نحو ذلك من الأمور التي تلبس على طلاب العلم، فيظنون أن قولهم حق، وما علموا أن الله ﷿ ليس كمثله شيء، وأنه سبحانه فعال لما يريد، وأن أفعاله مرتبطة بمشيئته، وهذا هو الفرق بين فهم السلف المرتبطة بالنصوص، وفهم الخلف المرتبط بالقواعد الفلسفية، فالسلف يربطون أفعال الله ﷿ بمشيئته، فما شاء الله ﷿ كان وما شاء لم يكن، وأنه فعال لما يريد.
أما أولئك فإنهم لا يربطون الأفعال بالمشيئة، بمعنى أنهم ينكرون أنه يكون لله ﷿ مشيئة تتعدى إلى الأفعال، إنما يجعلون المشيئة مشيئة أزلية لا تجدد فيها ولا حدوث، ويقولون إن الله ﷿ فعله خلقه في أفعاله، وهذا مصدر الضلالة عندهم.
السلف لا ينكرون أن الله ﷿ يخلق في خلقه ما يشاء، فيكون هذا الخلق من فعل الله، لكنهم يقولون إن لله ﷿ إرادة ترتبط بالمشيئة، ومشيئة ترتبط بالأفعال، والعكس كذلك، أفعال الله ترتبط بالمشيئة، والمشيئة ترتبط بالإرادة، والمشيئة ترادف الإرادة كما هو معروف، فعلى هذا ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، بما في ذلك أفعاله التي تتعلق بذاته سبحانه وبصفاته وأسمائه، كاستوائه على العرش، ونزوله، ومجيئه، وسخطه، ورحمته، وغضبه، ونحو ذلك، كلها مرتبطة بمشيئة الله، وأن الله فعال لما يريد، ليس فقط لأفعال العباد بل لأفعاله سبحانه.
هذه المسألة الأولى.
[ ٤ / ٩ ]
المسألة الثانية: (لا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته)
بمعنى أنه لا يحدث في هذا الكون شيء بما في ذلك أفعال العباد أو أفعال المكلفين وأفعال الملائكة والجن والإنس، فالملائكة مسخرون لا يعصون الله، لكن الجن الإنس فيهم العاصون، فالله ﷿ خلق جميع أفعال العباد بما فيها أفعال العصاة وأفعال المطيعين كما سيأتي.
[ ٤ / ١٠ ]
المسألة الثالثة: لا يخرج شيء عن تقدير الله تعالى
المسألة الثالثة: (وليس في العالم شيء يخرج عن تقديره، ولا يصدر إلا عن تدبيره).
هذا فيه إشارة إلى الرد على الذين زعموا أن العبد مستقل بفعله، أو أن العبد مستقل ببعض أفعاله عند طائفة منهم، فإن الله ﷿ لا يخرج عن تقديره شيء، ولا يصدر شيء إلا عن تدبيره سبحانه، بما في ذلك أفعال العباد جميعها، خيرها وشرها.
[ ٤ / ١١ ]
المسألة الرابعة: لا محيد عن القدر المقدور
المسألة الرابعة: (ولا محيد عن القدر المقدور) بمعنى أن ما قدره الله ﷿ على العباد لا يمكن أن يحيدوا أو يخرجوا عنه، فلو اجتمع الخلق كلهم إنسهم وجنهم على أن ينفعوا أحدًا ما أراد الله له نفعًا لم ينفعوه، ولو اجتمعوا كلهم على أن يضروا أحدًا ما أراد الله له ضرًا لم يضروه.
كل ما يحدث من خير وشر، ومن نفع وضر، فبتقدير الله السابق سبحانه.
وقوله: (لا محيد عن القدر المقدور) بمعنى أن الإنسان إذا وقع القدر فلا ينبغي له أن يتصور أنه من الممكن أن يتفادى هذا القدر، وفرق بين القدر وبين الآثار المترتبة على القدر، فالقدر نفسه لا ينبغي للإنسان أن يتحسر على حصوله، فإن فاته خير فليقل: قدر الله وما شاء فعل، وإن أصابه ضر فليقل: قدر الله وما شاء فعل.
هذا بالنسبة للقدر نفسه، أما آثار القدر التي هي بكسب الإنسان وفعله فإنه محاسب عليها، كالأمور التي تتعلق بالأمر والنهي، والطاعة والمعصية، فإن الإنسان مسئول عنها؛ لأن الله ﷿ علق القدر في الأمر والنهي على أفعال العباد، بمعنى أنه جعل أفعال العباد مناط التكليف ومناط الحساب والجزاء.
[ ٤ / ١٢ ]
المسألة الخامسة: مراتب القدر
المسألة الخامسة: (ولا يتجاوز ما خط في اللوح المحفوظ)، وهذه إشارة إلى المرتبة الثانية من مراتب القدر، وهي الكتابة، بمعنى كما أن الله ﷿ علم كل شيء، وهذه المرتبة الأولى، ما كان وما يكون وما هو كائن كيف يكون، كل ذلك علمه الله ﷿.
تأتي الدرجة الثانية وهي الكتابة، كل شيء علمه الله ﷿ وقدره وأراده فلا بد أن يكون مكتوب في اللوح المحفوظ قبل وقوعه.
المرحلة الثالثة أشار إليها في وسط الكلام وهي التقدير والمشيئة، فالله علم كل شيء ثم كتبه ثم قدره وشاءه.
والمرحلة الرابعة: الخلق، فإن الله خلق كل شيء، وهذه آخر مراتب القدر.
[ ٤ / ١٣ ]
المسألة السادسة: أنواع الإرادة
المسألة السادسة: قوله: (أراد ما العالم فاعلوه) وهذا يعني أن أفعال العباد بما فيها أفعال العقلاء والمكلفين مرادة لله ﷿ خيرها وشرها، لكنها إرادة عامة، ليست إرادة خاصة؛ لأن الإرادة على نوعين: إرادة عامة بمعنى الخلق والتدبير والتقدير العام بالعلم والإيجاد وغير ذلك، والله ﷿ لا يخرج شيء عن إرادته، سواء أفعال الجمادات أو أفعال العباد، وأفعال العباد سواء منها ما هو بإرادتهم أو ما لم يكن بإرادتهم.
والنوع الثاني وهو الإرادة الخاصة، هذه الإرادة هي التي فيها تفصيل، وهي التي التبس أمرها على القدرية وعلى كثير من ضعاف الفقه في الدين وضعاف العقيدة، فأحيانًا يحملونها على الإرادة العامة، وأحيانًا ينكرونها، وأحيانًا ينكرون بعض الإرادة العامة إلى آخره، بسبب عدم فهمهم لنوع الإرادتين، فالإرادة الأولى العامة يدخل فيها كل شيء من الخير والشر والضر والنفع، فكل شيء بإرادة الله.
والنوع الثاني وهو الإرادة الشرعية الدينية، وهي أن الله ﷿ أراد الخير من عباده، وأحبه منهم، ولم يرد الشر منهم وكرهه منهم.
إذًا: الإرادة الخاصة نوعان: نوع يريده الله ويحبه، ونوع لا يريده الله ولا يحبه، فالله يريد الخير شرعًا ولا يريد الشر، فيحب الخير ويحب فعله ويحب فاعله، ويكره الشر ويكره فعله ويكره فاعله.
إذًا: الله من حيث الإرادة الخاصة يريد الخير ولا يريد الشر، كما قال ﷿: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥].
[ ٤ / ١٤ ]
المسألة السابعة: التقدير الخاص للعباد
المسألة السابعة: قوله: (ولو عصمهم لما خالفوه، ولو شاء أن يطيعوه جميعًا لأطاعوه).
هذه الجملة متعلقة بالتقدير الخاص للعباد، أي أن الله ﷿ يهدي من يشاء فضلًا منه ونعمة، ويضل من يشاء عدلًا منه وحكمة، وأن الله ﷿ جعل هذا الأمر ابتلاءً، وهذا هو محط الابتلاء والتكليف، وهو أن الله ﷿ غني عن خلقه، ولو شاء لعصمهم جميعًا فما عصوه وكانوا كلهم كالملائكة، لكن لله فيما قدره وشرعه حكمة، وله في ذلك غاية هي منتهى الحكمة وحسن التدبير، فتحقيق الابتلاء للعباد أمر مراد لله ﷿، وهو من كمال حكمته، ومن مقتضيات الابتلاء أن الله ﷿ قدر على بعض العباد الضلال، وقدر لبعض العباد الهداية، ثم إنه لم يكن ذلك على سبيل القسر والجبر كما يقول الجبرية، بل على سبيل الاختيار.
[ ٤ / ١٥ ]
المسألة الثامنة: تقدير الهداية والضلال بناء على الأفعال
المسألة الثامنة: قوله: (خلق الخلق وأفعالهم، وقدر أرزاقهم وآجالهم، يهدي من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بحكمته).
هذه المسألة لها جانبان: جانب سيأتي الكلام عنه وهو أن الله ﷿ حينما أمر أمر بما يستطاع، وأمر بناء على البيان وإقامة الحجة، وكذلك النهي، وهذا سيأتي تفصيله.
لكن هناك جانب أول لهذه المسألة، وهو أن الله ﷿ حينما قدر هذه المقادير على العباد، خاصة ما يتعلق بالهداية والإضلال، قدر ذلك بناء على ما هم فاعلوه، بمعنى أن الله ﷿ علم بسابق علمه أن فلانًا من الناس سيعمل الخير ويجزى عليه، وعلم سبحانه بسابق علمه أن فلانًا من الناس سيعمل الشر ويجزى عليه.
كما أشار بهذه المسألة إلى المقادير الخاصة لأفراد العباد، وهو أن الله ﷿ قدر لكل إنسان أجله، ورزقه، وأفعاله، وهدايته أو ضلاله، وذلك عند نفخ الروح فيه، وكل ذلك راجع إلى حكمة الله ﷿؛ لأن الخلق خلق الله، والله يفعل في خلقه ما يشاء.
ثم ذكر هذه الأدلة العامة الدالة على عموم المشيئة وعموم الإرادة، فقوله ﷿: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، بمعنى أنه لا ينبغي للعبد أن يسأل عن أفعال الله ﷿، لا على سبيل الاعتراض، ولا على سبيل طلب المغيب، أو على سبيل طلب الكيفيات، قد يسأل بحثًا عن الحكمة أو بحثًا عن الجواب الذي يشكل في ذهنه، أما أن يسأل سؤال المتعنت، أو سؤال المشكك، أو سؤال المعترض على فعل الله ﷿، أو سؤال الطالب للكيفية، أو المتطلع إلى الغيب، فهذا السؤال بدعة، بل هو ذنب عظيم، فالله ﷿ ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، ومن أفعاله سبحانه كونه قدر هذه المقادير على العباد، وأضل من شاء، وهدى من شاء، كل ذلك من أفعال الله، فلا يسأل الله ﷿ لماذا أضل الكثيرين، ولماذا هدى المهتدين؛ لأن هذا أمر خارج عن دائرة التكليف كما سيأتي.
هذا الأمر خارج عن دائرة التكليف، والذي يدخل في دائرة التكليف أمر معلوم عند كل العقلاء، سيفصله المؤلف بعد قليل.
ومن ذلك قوله ﷿: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]، هذا دليل على عموم الخلق وعموم المشيئة، وعموم الإرادة.
وكذلك: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢]، هذه الآية دالة على عموم الإرادة والخلق والمشيئة، وكذلك قوله ﷿: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢]، هذا دليل على عموم الخلق وسبق العلم والتقدير والمشيئة.
وكذلك قوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام:١٢٥]، يظن بعض الناس أن هذه الآية دليل على الإرادة الشرعية، وهي دليل على الإرادة الكونية والمشيئة العامة، ولا تدخل في الإرادة الشرعية؛ لأن الله ﷿ من حيث الإرادة الشرعية يريد الخير ويريد اليسر، ولا يريد الشر ولا العسر، يريد الهدى ولا يريد الضلال لكن الآية دليل في الإرادة العامة والمشيئة العامة.
كذلك في الحديث ذكر مسألة أنكرها كثير من القدرية، قال (وبالقدر خيره وشره) هذا فيه دليل على أن الله ﷿ خلق كل شيء وقدره، بما في ذلك الخير والشر، لا يخرج الشر عن تقدير الله كما تزعم طوائف من الوثنية القديمة، والقدرية التي قلدتها، وثنية كثير من الديانات الهندية واليونانية والمجوسية والصابئة وغيرها، بل وطوائف من النصارى يزعمون أن الله ﷿ لم يقدر الشر ولم يعلمه، ولم يكن داخلًا في مشيئته ولا في فعله سبحانه، وهذا خطأ؛ لأنهم خلطوا بين الإرادتين، حينما جاءتهم النصوص بأن الله لا يريد من عبده الكفر أو لا يريد منه المعصية، ظنوا أن معنى ذلك أنه لا يشاؤه ولا يقدره، والصحيح أنه بمعنى لا يرضاه ولا يحبه ولم يشرعه.
إذًا: القدر خيره وشره كله من الله من حيث المشيئة العامة والتقدير العام، أما من حيث فعل الإنسان فإن الشر إنما يفعله الإنسان بإرادته، فلذلك إذا زال عقل الإنسان لم يحاسب على أفعاله التي يفعلها وإن كانت شرًا.
[ ٤ / ١٦ ]
ما يحاسب عليه الإنسان من الأفعال
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال النبي ﷺ: (آمنت بالقدر خيره وشره وحلوه ومره).
ومن دعاء النبي ﷺ الذي علمه الحسن بن علي يدعو به في قنوت الوتر: (وقني شر ما قضيت).
ولا نجعل قضاء الله وقدره حجة لنا في ترك أوامره وفعل نواهيه، بل يجب أن نؤمن ونعلم أن لله الحجة علينا بإنزال الكتب وبعثة الرسل، قال الله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥].
ونعلم أن الله سبحانه ما أمر ونهى إلا المستطيع للفعل والترك، وأنه لم يجبر أحدًا على معصية، ولا اضطره إلى ترك طاعة، قال الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦].
وقال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦].
وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٧]، فدل على أن للعبد فعلًا وكسبًا يجازى على حسنه بالثواب وعلى سيئه بالعقاب، وهو واقع بقضاء الله وقدره].
هذا المقطع هو ثمرة الكلام عن القدر، وفيه تفصيل المسألة التي أشرت إليها سابقًا، وهي مسألة الدائرة التي يحاسب عليها الإنسان في أمور المقادير والأفعال، وذلك أن مقادير العباد وأفعالهم على درجتين: الدرجة الأولى: غيبية لا دخل للإنسان فيها، لا من حيث العلم بها تفصيلًا وبكيفياتها، ولا من حيث الجزاء والتكليف ونحو ذلك مما يتعلق بالمكلفين.
فهذه الدرجة ينبغي أن لا يعلق بها الإنسان أفعاله لا من حيث فعل الخير والشر، ولا من حيث المصير والجزاء.
والدائرة الثانية هي محط النظر والتكليف، وهي التي ينبغي أن يتأملها الإنسان، ويتأمل نصيبه فيها، وما يجب عليه وما لا يجب أن يفعله.
أما الدائرة الأولى فهي أن الله ﷿ علم كل شيء، وكذلك أن الله كتب كل شيء، هذا أمر يجب أن يعلم ولا نتطلع إلى أكثر من العلم به جملة، فلا نتطلع إلى الكيفيات، ولا ننشئ على ذلك الأسئلة ولا الإيرادات، وليس لذلك علاقة مباشرة بتكليف العباد.
كذلك كون الله ﷿ هدى من شاء من عباده وأضل من شاء، وكون الله ﷿ كتب على كل إنسان أموره المتعلقة به من حيث عمره وأجله ورزقه وعمله على جهة التفصيل، كل ذلك يجب الإيمان به ولا نتطلع إلى أكثر من ذلك، وليعلم أن هذه الأمور لا ينبني على الإيمان بها إلا مجرد التسليم لله ﷿، ومعرفة حكمته وعظمته وجلاله سبحانه، والاستدلال على عظيم أسمائه وصفاته وأفعاله.
وأيضًا لا يتطلب من الإنسان أكثر من أن يخضع لله ﷿ ويسلم التسليم المطلق؛ لأنها أمور قدرت وانتهت من ناحية، والناحية الثانية منها محجوبة، الإنسان لا يعرف تفاصيلها أو مصير الأفراد فيها.
أما الدائرة الثانية فهي التي فيها التكليف وقامت بها الحجة، وهي: أولًا: كون الله ﷿ أعطى المكلفين عقولًا يميزون فيها بين الخير والشر جملة، وبين الهدى والضلال جملة، وبين الحسن والقبيح جملة.
ثانيًا: أن الله ﷿ أقام الحجة على العباد بإرسال الرسل وإنزال الكتب وتبيين الشرائع التي فيها الأوامر والنواهي والحلال والحرام، وفيها كيف يعبد الله الإنسانُ، وفيها الوعد والوعيد، ثم بعد ذلك الله ﷿ حينما بين ذلك كله أقدر الإنسان على فعل الخير وأمره به، ووعده عليه وعدًا حسنًا، وأقدره على فعل الشر ونهاه عنه وتوعده عليه.
والدائرة الأخيرة: أن كل عاقل يدرك هذه الأمور ويعرف أنه يستطيع أن يفعل الخير، ويستطيع أن يفعل الشر، فلذلك قال الله ﷿: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان:٣].
وكذلك بين الله ﷿: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩]، بمعنى المشيئة التي تتعلق بأفعال العباد، لا المشيئة التي تتعدى إلى أفعال الله ﷿.
وبناء على هذا فإن الإنسان إذا فكر في هذه الدائرة تفكير المتأمل المتعظ الباحث عن الحق، فإنه لا بد أن يهتدي، لكن إذا فكر في الدائرة الأولى وهي دائرة الغيب بأكثر مما ورد في النصوص؛ فإنه في الغالب لا يصل إلى نتيجة إلا مزيدًا من الشكوك والأوهام، والأمور التي قد لا يتخلص منها.
فعلى هذا فإن على المسلم أن يفرق بين الدرجتين أو بين المرحلتين، أعني بين المسألة الغيبية التي مبناها على التسليم ولا نزيد عما جاء فيها من النصوص، والدرجة الثانية وهي مناط التأمل والتفكير والتدبر، ومحاولة الوصول إلى طريق السلامة، فإنه لا محيد للإنسان، الذي يريد النجاة أن يفكر في أن الله ﷿ أرسل الرسل، فيبحث عن الحكمة في ذلك، وعن الفائدة في ذلك، وأن الله أنزل الكتب، وبين الشرائع، وأحل الحلال وحرم الحرام، وأعطى الإنسان القدرة وهداه النجدين، وأن مصيره مرتبط بإرادته في هذه الأمور وبفعله، فلذلك أي إنسان لا يستطيع أن يختار الطريق المستقيم، إما لزوال
[ ٤ / ١٧ ]
الأسئلة
[ ٤ / ١٨ ]
معنى قوله تعالى: (يحفظونه من أمر الله)
السؤال
الأخ يسأل عن قوله ﷿ عن الملائكة: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد:١١]؟
الجواب
يعني: يحفظونه بأمر الله، فحفظهم له كائن من أمر الله.
[ ٤ / ١٩ ]
أنواع التقدير وعدم تناقضها
السؤال
ورد في حديث ابن مسعود: (أخبرنا الصادق المصدوق ﷺ أن الله كتب أرزاق البشر عند بلوغهم أربعة أشهر) فذكر أنه قدر أرزاق البشر قبل خلقهم، وسمعت حديثًا أن الأرزاق توزع وتقسم وقت الفجر إلا النائم يفوته الرزق.
فكيف نجمع بين هذه الأدلة؟
الجواب
ليس هناك تناقض، التقديرات من الله ﷿ تأتي على درجات، منها التقدير العام المطلق في علم الله ﷿، ومنها التقدير العام المطلق فيما كتبه الله ﷿ في اللوح المحفوظ، ومنها التقدير العام المطلق فيما أراده الله وشاءه، ومنها التقدير الخاص الذي يتعلق بصحيفة كل إنسان، وهو تقدير يرجع إلى العمر كله.
ومن التقدير ما يتعلق بأعمال العباد وتدبير الكون في السنة كلها، وهذا يحدث في ليلة القدر من كل سنة، وهناك تقدير يتعلق بأسبوع، وهناك تقدير يتعلق باليوم، وهناك تقدير عام وتقدير خاص في اليوم والأسبوع وغير ذلك.
كما أن أعمال العباد منها ما يرفع في وقته كالصلاة، وهناك من أفعال العبد ما يرفع في اليوم مرتين، فملائكة الليل وملائكة النهار يتعاقبون، هؤلاء يستلمون الإنسان وأفعاله ويكتبونها ويرفعونها في الصباح وأولئك في المساء، وهناك تقدير في الأسبوع مرتين، وهكذا وهذه كلها لا تخرج عن التقدير السابق، إلا أن ذلك من بديع حكمة الله وتقديره لملكه سبحانه، فلا تعارض بين هذه النصوص، فالتقدير اليومي لا يخرج عن التقدير الأسبوعي، والأسبوعي لا يخرج عن التقدير السنوي، والتقدير السنوي لا يخرج عن التقدير العمري، والتقدير العمري لا يخرج التقدير العام.
[ ٤ / ٢٠ ]
تعليق على ما كتبه أحد محققي اللمعة
في بعض النسخ تعليق يحتاج إلى شيء من التنبيه، نسخة من اللمعة التي كتب عليها مكتبة دار البيان، ومكتبة المؤيد، تحقيق عبد القادر بدران وتخريج بشير محمد عيون.
هنا تعليق في الصفحة الثامنة على موضوع مر في الأسبوع الماضي يتعلق بكلام الله ﷿ وما ورد في النصوص من الإشارة إلى الحرف والصوت، وكذلك عند الكلام على حديث النزول: (إن الله ينزل إلى السماء الدنيا) (إن الله يرى في القيامة) وما أشبه هذه الأحاديث، قال فيها الإمام أحمد: نؤمن ونصدق بها لا كيف ولا معنى.
فهذه قاعدة عامة، (لا كيف ولا معنى) بمعنى: لا نتحكم في المعنى على جهة التفصيل، لكن كثيرًا من المتكلمين يقصد بالمعنى إثبات الصفة، ومن هنا يلتبس الأمر، ولذلك جاء التعليق ملبسًا.
نفي المعنى تحته احتمالان: قد يقصد به نفي الكيفية، وهذا صحيح، وقد يقصد به نفي إثبات الحقيقة لصفات الله وأفعاله، وهذا لا يجوز؛ لأن الإثبات هو مقتضى النصوص.
فإذا قصد بالمعنى حقيقة الصفة فهذا أمر يجب إثباته، وإذا قصد بالمعنى الكيفية فهذا أمر لا يجوز الخوض فيه ولا السؤال عنه، فلذلك قال في الهامش رقم (٣): أي لا نقول كيف هي، ولا نقول معناها كذا وكذا.
وهذا كلام مجمل فيه صواب وفيه غلط، نعم، لا نقول كيف هي، لكن قوله: (لا نقول معناها كذا وكذا)، إن قصد عدم إثبات الحقيقة أو إثبات الصفة، فليس هذا صحيحًا، وإن قصد ألا نتحكم في كيفيتها، أو لا نتصور فهذا صحيح يقر عليه.
ثم إنه أشار في نفس التعليق إلى أمر فيه خلط، فذكر أن هذا ما عليه السلف، وذهب إليه المحققون من الخلف، وهذا ليس بصحيح، فالخلف لم يثبتوا ما أثبته السلف، وإذا أثبتوا أو قالوا بعض الكلمات التي توافق كلمات السلف فلهم مراد آخر يدل عليه تفصيلهم إذا فصلوا، فلا يوافق على أكثر كلامه.
قال: ومنهم كبار علماء الأشاعرة.
وهذا ليس بصحيح؛ لأن كبار علماء الأشاعرة خالفوا السلف خاصة في هذه المسائل التي أشار إليها وهي النزول والكلام والمجيء، ورؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة.
كما أن كلامه يفهم أن السلف ردوا على المعتزلة بأن الكلام لله هو الكلام النفسي، وهذا خطأ، فهذا كلام الأشاعرة، والأشاعرة أرادوا أن يوفقوا بين منهج السلف ومنهج المعتزلة، وإلا فأهل السنة يبدعون من قال إن كلام الله هو الكلام النفسي أو معنى قائم بالنفس؛ لأنه كلام جديد محدث، وهو خوض في الكيفية بغير علم، لأن الله ﷿ يثبت له ما أثبته لنفسه من غير خوض في التفاصيل وكلمة (كلام نفسي) نفاها السلف وما أثبتوها.
ثم استدل ببيت لا صحة له: إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا وهذا كلام يتعلق بأفعال البشر، ثم هذا الكلام ليس دليلًا على المقصود هنا، وكذلك قوله: (ما قصدوا إلا التمثيل من حيث الحرف والصوت)، هذا فيه نظر يحتاج إلى تفصيل إلى آخر كلامه، وأكثره كلام الأشاعرة وليس من كلام السلف، فلننتبه له.
[ ٤ / ٢١ ]
معنى قوله ﷺ: (إنكم ترون ربكم كما ترون القمر)
السؤال
ذكر النبي ﷺ في حديث: (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر) فهل رؤية الله في الجنة مثل رؤية القمر في الدنيا؟
الجواب
قال أهل العلم: إنه تشبيه للرؤية بالرؤية من حيث التأكيد والوضوح وعدم الإنكار، وليس تشبيهًا للمرئي بالمرئي بأي وجه من وجوه المشابهة، لا من حيث البعد ولا المسافة إلى آخره من المعاني التي تعرف في المخلوق، بما في ذلك ما يعرف عن الشمس والقمر من أوصاف مادية وغيرها، فإنها لا ينبغي أن يفهم منها المشابهة لأوصاف الله ﷿ وأفعاله، فينبغي أن يبعد هذا المعنى.
ذكر السائل كلامًا آخر لا ينبغي، وأرجو من السائل إذا بقي عنده إشكال أن يسأل سؤالًا خاصًا، لأن مثل هذه الأسئلة لا تثار على العموم.
[ ٤ / ٢٢ ]
دخول مشيئة العبد تحت مشيئة الله
السؤال
درسنا في المرحلة المتوسطة أن مشيئة العبد داخلة في مشيئة الله، فهل هذا الصحيح؟
الجواب
نعم، فمشيئة العبد لا تخرج عن مشيئة الله ﷿، قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠].
[ ٤ / ٢٣ ]
الفرق بين السلف والخلف
السؤال
ما الفرق بين السلف والخلف؟
الجواب
هذا مصطلح في العقيدة يقصد به أن السلف أهل السنة والجماعة العاملون بمقتضى النصوص، والذين لا يخرجون عن هدي النبي ﷺ وصحابته في العقيدة وفي العمل.
والخلف هم الذين خلفوهم على غير هذا النهج، فأسسوا مذاهب وبدعًا جديدة في الأسماء والصفات والأفعال وفي أمور القدر وسائر أمور الاعتقاد.
وكل من خالف السلف في أصل من أصول العقيدة فهو من الخلف، ويبدأ من ظهور الفرق، فالخوارج من الخلف، والشيعة من الخلف ثم القدرية والجهمية والمعتزلة، ثم متكلمة الأشاعرة والماتريدية.
وكل من كان على نهج السلف فهو من السلف، وإن كان معاصرًا حيًا بين الناس إلى يوم القيامة، ومذهب الخلف هو مذهب أهل البدع إلى يوم القيامة.
[ ٤ / ٢٤ ]
عدم انحصار مفهوم الخلف في العصاة وحدهم
السؤال
هل الخلف هم العصاة؟
الجواب
لا، العصاة إن كانوا في عقيدتهم على مذهب أهل السنة والجماعة، فهم يدخلون في أهل السنة والجماعة، لكن يسمون عصاة، ويسمون فسقة.
[ ٤ / ٢٥ ]
الاحتجاج على المعاصي بأن الله هو الهادي
السؤال
ما الرد على من يزعم أن الله ﷾؟
الجواب
سبحان الله! لن أقرأ السؤال، إنما أقرر ما يريده السائل؛ لأن السؤال نفسه فيه إشكال.
الله ﷿ هو الهادي بمعنى أنه يهدي العباد، فهو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء، لكن الاحتجاج بهذه الكلمة على المعاصي لا يجوز، حينما يفعل الإنسان شيئًا من المعاصي ثم يقول: الله هو الهادي، هذا ليس باحتجاج صحيح؛ لأن الله ﷿ أعطى الإنسان عقلًا وبين له بالشرع ما يقيم عليه الحجة.
[ ٤ / ٢٦ ]
مصير القرآن يوم القيامة وعلى من تقوم الساعة
السؤال
ما مصير القرآن يوم القيامة؟ وعلى من تقوم الساعة؟
الجواب
ورد في النصوص أنه يرفع من الصدور ومن المصاحف قبل قيام الساعة، وذلك عند قيام أشراط الساعة الكبرى، أما ما دام هناك من يعمل بالحق ويقيم السنة فلا يرفع القرآن، لكن إذا بدأت مشاهد القيامة وأشراط الساعة الكبرى، وترك الناس العمل بكتاب الله ﷿ رفعه الله حفظًا له.
والساعة تقوم على شرار الخلق كما ورد في الحديث الصحيح، وذلك أن من آخر ملاحم يوم القيامة أن الله ﷿ يبعث ريحًا تقبض أرواح المؤمنين، فلا يبقى إلا شرار الخلق، وعليهم تقوم الساعة.
[ ٤ / ٢٧ ]
مقدار يوم القيامة
السؤال
كم عدد أيام يوم القيامة؟
الجواب
مقدار أشراط الساعة لا يعلمها إلا الله ﷿، أما يوم القيامة فله مقادير وليس مقدارًا واحدًا، أما الحشر فهو خمسمائة عام.
أما يوم القيامة كله فهو فيه المطلق وفيه المقيد، إن قصد بالقيامة مصير الناس بعد الحساب والجزاء فهذا أمر أبدي لا انقطاع له، فالنار لا انقطاع لها، والجنة لا انقطاع لها ولا لنعيمها، لكن ما بين ذلك ورد وصفه بأنه خمسمائة عام، وورد أنه ألف عام، وورد وصفه بأنه خمسون ألف سنة، وكل ذلك ينطبق على جزء من يوم القيامة، فالحشر خمسمائة عام، وما بعد الحشر من بعض المشاهد ألف عام، والمشاهد كلها خمسون ألف سنة.
والله أعلم بما بين ذلك من المقادير.
[ ٤ / ٢٨ ]
الفرق بين القضاء والقدر
السؤال
هل هناك فرق بين القضاء القدر؟
الجواب
فرق بعض أهل العلم، والراجح أنه لا فرق بينهما.
فالقضاء يرادف القدر، والقدر يرادف القضاء.
[ ٤ / ٢٩ ]
معنى قول الله تعالى: (إنا كل شيء خلقناه بقدر)
السؤال
ما معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]؟
الجواب
هذه الآية تدل على عموم خلق الله ﷿ وعموم مشيئته، وعموم إرادته، وأن الله ﷿ فعال لما يريد، وأنه خلق كل شيء بحكمة، وأنه لا يخرج عن خلق الله شيء من أفعال العباد ولا أفعال غيرهم.
(بِقَدَرٍ) أي: بتقدير، كما أنها تعني بحكمة، كما أنها تعني بميزان وعدل.
فكل ذلك يدخل في معنى القدر، بمعنى أنا خلقنا كل شيء بعلم سابق وتقدير سابق وبإرادة ومشيئة سابقة، وكذلك بحكمة، وبموازين، فهذا كله يدخل بمعنى الآية.
[ ٤ / ٣٠ ]
قول لشيخ الإسلام وابن القيم في محاجة آدم وموسى
السؤال
ما قول شيخ الإسلام في قصة موسى وآدم ﵈ في حجة القدر؟ وما هو قول ابن القيم ﵀؟
الجواب
أقوال ابن القيم وشيخ الإسلام ابن تيمية لا تخرج عن مذهب السلف، وإن كان هناك أقوال تدخل في تفاصيل القصة.
وإلا فمجمل القصة وهو ما يتعلق بأن الله ﷿ قدر على آدم ما قدره، وأن آدم عوقب على فعله، فهذا الإجمال، وهو على النحو التالي: أن موسى عتب على آدم، لتسببه في إنزال بني آدم إلى الأرض، فلما عتب عليه صارت بينهما محاجة على النحو التالي: وهو أن آدم ﵇ احتج بأن هذا مقدر من الله ﷿، وحجته تتمثل فيما يلي: أولًا: أن آدم كان احتجاجه بالقدر بعد ما انقضى كل شيء، وأن آدم فرق بين الذنب وبين الجزاء على الذنب وسبب الذنب، فسبب الذنب والجزاء عليه أمر انتهى، يعني تقديره من الله ﷿ والجزاء عليه، أمر انتهى.
وبقيت المعصية وما ترتب عليها، وقد احتج بها آدم على موسى؛ لأنه لما قدر الله عليه ذلك وفعل ما فعل ندم وتاب، ولما تاب تاب الله عليه، إذًا: فمن حيث الذنب فإن الذنب غفر له، فلا يكون لموسى على آدم حجة.
أما من حيث الجزاء على الذنب بالمصيبة التي صارت، فهذا أمر انتهى لا مجال للجدال فيه؛ لأنا علمنا أنه من سابق تقدير الله وسابق مشيئته العامة، فلا داعي للكلام فيها.
فمن هنا حج آدم موسى، وهذا الإطار العام أو الكلام العام لم يخرج عنه كلام ابن القيم وابن تيمية في العموم، لكن هناك تفصيلات تدخل في هذه الجزئيات قد يختلف فيها أهل العلم.
[ ٤ / ٣١ ]
الرد على احتجاج العصاة بالقدر
السؤال
قد يحتج كثير من العصاة بالقدر بقوله: لو شاء الله أراد لي الهداية، ولو أراد الله لي الهداية لهداني، فالله يقول: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦]، كيف نرد على مثل هؤلاء؟
الجواب
هؤلاء يرد عليهم بمثل اعتراضهم، أولًا: نادر من الناس من يرد بهذا الرد، وثانيًا: ما أكثر من يرد هازلًا وليس جاهلًا، فلذلك ينبغي أن يؤخذ الأمر معه بجد، ويعلم.
الأمر الثالث: وهذا قليل جدًا، وهو أنه قد يكون هناك إشكال عند الشخص، ويقول لو كتب الله لي الهداية لاهتديت ولما عصيت، فيقال له: لا، الحجة عليك قائمة، والدليل على هذا تصرفاتك الأخرى، فإنه لو قيل لك: ألق بنفسك في هذه النار المضرمة أو في هذه البئر أو في هوة سحيقة، ستقول: لا، ولن تقول: كتب الله علي أن أتردى، هذا لا يمكن.
ولو أنك خيرت بين أمرين: أحدهما لك فيه مصلحة محققة، والآخر فيه مفسدة محققة من أمور الدنيا، لاخترت المصلحة المحققة، والآن لو ضربك أحد ضربًا مبرح من دون سبب، ثم قال: هذا قدر الله لاعترضت عليه، كل هذا يقال للإنسان، فإذا عرف بعقله أن هذا لا يجوز، فإنه في الغالب يعود، أما إذا كان يسأل عن عناد فالعناد له علاج آخر.
[ ٤ / ٣٢ ]
الدعاء يرد القضاء
السؤال
ورد عن رسول الله ﷺ أنه لا يرد القضاء إلا الدعاء؟
الجواب
حديث: (لا يرد القضاء إلا الدعاء) حديث صحيح، ورد بأسانيد كثيرة منها الصحيح ومنها الضعيف، لكن ورد بأسانيد صحيحة منها ما هو في مستدرك الحاكم: (أن القضاء والدعاء يلتقيان بين السماء والأرض، فيعتلجان فيغلب الدعاء القضاء)، ونصوص أخرى تدل على ذلك، منها نصوص صريحة ومنها نصوص يفهم منها هذا الأمر بالمعنى، وليس هناك تناقض؛ لأن الله ﷿ قدر الدعاء وقدر لهذا الدعاء أن يغلب القدر، فهذا من حكيم صنع الله ﷿ وعظيم قدرته، وبديع صنعه سبحانه أن يجعل الأسباب تدفع الأسباب، مثل المرض والدواء، فجعل الله الدواء دافعًا للمرض، وكل ذلك من تقدير الله ﷿، فالقضاء بتقدير الله، والله ﷿ جعل هذا القضاء من سابق علمه أن لا يحدث ولا يقع بسبب أنه جعل الدعاء سببًا في رده، هذا فيما يظهر للخلق والله ﷿ فعل ذلك كله لحكمة، وهو غني عن خلقه سبحانه.
[ ٤ / ٣٣ ]
تكليم الله للبشر
السؤال
يقول رسول الله ﷺ: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان) فهل سيكلم كل فرد من البشر؟
الجواب
نعم، ورد في الأحاديث الصحيحة أن الله ﷿ سيكلم كل فرد بمفرده، ويحاسب العباد جميعًا حساب رجل واحد في مقام واحد.
[ ٤ / ٣٤ ]
المقصود بالأشاعرة والمعطلة والمرجئة والقدرية والجبرية
السؤال
ما المقصود بالأشاعرة والمعطلة والمرجئة والقدرية والجبرية؟
الجواب
هذه فرق، فالمعطلة هم الذين ينكرون أسماء الله وصفاته وأفعاله أو بعضها، وهم جهمية ومعتزلة، وبعضهم أشاعرة، وبعضهم ماتريدية، كلهم يسمون معطلة.
والمرجئة هم الذين يقولون بأن الإيمان هو التصديق بالقلب، والأعمال لا تدخل في مسمى الإيمان، ومن هؤلاء بعض الفقهاء ككثير من الأحناف، ويوجدون في الأشاعرة والماتريدية، ويوجدون في الجهمية والمعتزلة وسائر الفرق.
والقدرية هم الذين يقولون بأن لا قدر، إما أن ينكروا علم الله السابق بأفعال العباد، أو يزعموا أن الله ﷿ لم يقدر الشر من أفعال العباد، ولم يخلقه، إنما العباد هم الذين خلقوا الشر من أنفسهم، وأن الله لم يعلم به إلا عندما فعلوه، هذا كله يسمى قدرية.
ومن القدرية الذين يحتجون بالقدر على المعاصي، ومن القدرية الذين يقولون بأن الإنسان مجبور على أفعاله.
وكذلك الجبرية هم الذين يقولون إن الإنسان مجبور على الأفعال ليس له اختيار ولا حرية، ومن هنا لا ينبغي أن يحاسب ما دام مؤمنًا إلا إذا كفر بخلقه، وهؤلاء هم جبرية الجهمية، وهذه الفرق تتداخل، فبعض الفرق فيها كل هذه الصفات.
أما الأشاعرة فهم الذين يؤولون بعض صفات الله ﷿، هذا الضابط الأول فيهم، وإلا فلهم آراء أخرى، لكن غالب أمور العقيدة يوافقون فيها أهل السنة، وإنما يخالفونهم في بعض مسائل القدر، ويخالفونهم في التفصيل في الرؤية، يخالفونهم في مسألة أفعال الله ﷿، ويخالفونهم في بعض الصفات، وأول مخالفة لهم وأعظمها أنهم يؤولون بعض صفات الله ﷿، بل أكثرها، ولهم مخالفات أخرى في العقيدة لكن عامة أمور العقيدة يوافقون فيها السلف.
والمفوضة نوع من المعطلة؛ لأن التعطيل أنوع، والتفويض نوع من التعطيل، بل هو أشد أنواع التعطيل، لأن مفهوم التفويض هو أن يقول: لا أثبت شيئًا ولا أنكر شيئًا، بل أفوض الأمر، وهذا ليس تفويضًا، هذا كأنه يعتبر كلمات الله جوفاء ليس لها معنى ولا حقيقة، وهذا تفويض خطير يؤدي إلى التعطيل، وهو نوع من التعطيل.
[ ٤ / ٣٥ ]
نسبة السيئات إلى العبد في بعض الآيات
السؤال
ورد في آيات كثيرة نسبة السيئات إلى العبد، مثل قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:٧٩]، فما هو المقصود بمثل هذه الآيات؟
الجواب
المقصود بمثل ذلك السيئة التي يقترفها العبد بإرادته وقد عرف أنها ذنوب منهي عنها، فيقع فيها بإرادته، فإنه مسئول عنها، أما السيئة بمعنى التقدير فهي من تقدير الله.
إذًا: السيئة لها وجهان، وجه كونها مقدرة، فهذه لا تخرج عن تقدير الله ﷿، ووجه فعلها من العبد الذي علم أنها سيئة ثم ارتكبها، فلا شك أنه يعاتب عليها ويقال: هي من نفسك، ومن ذلك العقوبات على السيئات التي تنسب إلى العباد؛ لأنهم أخذوا جزاء بسبب ما ارتكبوه من ذنوب أو تقصير في حق الله.
[ ٤ / ٣٦ ]
بيان من هو المرئي في قوله تعالى: (ولقد رآه بالأفق المبين)
السؤال
في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [التكوير:٢٣]، من هو المرئي هنا؟
الجواب
اختلف السلف هل المرئي هو جبريل، أو المقصود به رؤية النبي ﷺ لربه.
والكلام فيها طويل.
[ ٤ / ٣٧ ]
الحداثة والحداثيون
السؤال
ما المقصود بالحداثة ومعناها؟ وهل يوجد ناس حدثيون، فكيف نعرفهم؟
الجواب
الحداثة مصطلح جديد على اتجاه قديم، فالحداثة هي الزندقة، أو هي الباطنية، لكنها في الآونة الأخيرة أخذت أشكالًا موهمة، بمعنى أنه صار للحداثة وجهان: وجه أدبي لغوي، ووجه عقدي باطني.
الحداثيون الكبار باطنية زنادقة، والحداثيون المقلدون يأخذون الشكل الآخر من الحداثة، وهو مسألة الألفاظ والأدب فيها، ومسألة التمويه على الناس من خلال الأساليب الأدبية وغيرها، وبين الأمرين خلط يحتاج إلى مزيد بحث، وتمييز الصنفين بعضهم عن بعض.
فالاتجاه واحد وهو أن الحداثة الأدبية تخدم الحداثة العقدية خدمة جليلة عظيمة، وتروج الزندقة باسم الأدب، وتروج الانحراف الخلقي والفساد في الأرض باسم الأدب وباسم الحرية الشخصية وباسم التحديث والحداثة، المهم أن الحداثة في حقيقتها الزندقة والباطنية، لكن قد يدخل في الحداثة تيارات أدبية تخدم الحداثة من حيث تشعر أو لا تشعر، فمن هنا يجب أن نفهم حقيقة الحداثيين من خلال الكتب التي كتبت فيهم، وبدأت الآن تتوفر بحمد الله.
[ ٤ / ٣٨ ]
الجمع بين سبق القدر والدعاء بجلب الخير ودفع الشر
السؤال
يقول النبي ﷺ: (اللهم! إني أسألك خير هذه الليلة وخير ما بعدها، وأعوذ بك من شرها وشر ما بعدها).
لم السؤال وقد قدر الله الخير والشر من قبل؟
الجواب
هذا داخل فيما سبق، لأن الله ﷿ جعل الدعاء سببًا لكسب الخير ولدفع الشر، فعلى الإنسان أن يبحث عن الأسباب ومنها الدعاء.
[ ٤ / ٣٩ ]
حكم قول: أمر الله من ساعته
السؤال
ما حكم هذه العبارة السائدة عند العوام، أمر الله من ساعته؟
الجواب
لا بأس بها، وهم يقصدون بها أن الأمر يؤخذ بسعة علم الله وحكمته ورحمته، فهي من العبارات التي تحمل على المحمل الحسن؛ لأن أغلب الذين يطلقونها يقصدون بها المعنى الحسن.
[ ٤ / ٤٠ ]