الإيمان عند أهل السنة قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالجوارح والأركان، وقد خالف في ذلك كثير من الفرق فضلوا وأضلوا، ومن الإيمان الواجب على العبد الإيمان بالغيب، فهو من أركان الدين العظيمة الدالة على صدق المؤمنين، ويدخل في الإيمان بالغيب الإيمان بأشراط الساعة، وحياة البرزخ، والبعث والنشور، ونحو ذلك مما يتعلق باليوم الآخر.
[ ٥ / ١ ]
مسائل الإيمان
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فصل: والإيمان قول باللسان وعمل بالأركان وعقد بالجنان، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥] فجعل عبادة الله تعالى وإخلاص القلب وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة كله من الدين.
وقال رسول الله ﷺ: (الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) فجعل القول والعمل من الإيمان، وقال الله تعالى: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران:١٧٣] وقال: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا﴾ [الفتح:٤]، وقال رسول الله ﷺ: (يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه مثقال برة أو خردلة أو ذرة من الإيمان) فجعله متفاضلًا].
[ ٥ / ٢ ]
حقيقة الإيمان عند أهل السنة
هذا الفصل جعله المؤلف في حقيقة الإيمان وفي مسائله، فذكر حد الإيمان بالتعريف المفصل عند السلف، ذلك أن السلف عرّفوا الإيمان بتعريفين: مجمل ومفصل، فالتعريف هنا هو التعريف المفصل الذي يشمل جميع معاني الإيمان: (القول باللسان)، وهو النطق بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، والنطق بأركان الإيمان ومسائل الدين الأخرى.
ثم قال: (وعمل بالأركان) أي: بالجوارح الظاهرة، ويدخل فيها اللسان؛ لكن عمل اللسان خص لكثرة النزاع فيه فيما بعد.
فعمل الأركان عمل اليد وعمل الرجل، وعمل الأعضاء للسجود والركوع، وعمل الإنسان في أعمال البر التي يعملها بجوارحه، كل ذلك يسمى عملًا بالأركان.
(وعقد بالجنان) وهو تصديق القلب.
وبعضهم يبدأ التعريف بالتعريف الأخير فيقول: (الإيمان عقد بالجنان) يعني تصديق القلب الجازم، لأن العقد هو التصديق الجازم، والجنان هو القلب، (وقول باللسان وعمل بالأركان).
وبعضهم يقول: تصديق القلب وعمل الأركان وقول اللسان.
وكل ذلك جائز ولا مشاحة في الاصطلاح وفي الترتيب هذا هو التعريف المفصّل.
هناك تعريف مجمل كان يقول به أكثر السلف الأوائل قبل أن يكثر الخوض في مسائل الإيمان وفي تعريفه، كانوا يقولون: الإيمان قول وعمل.
ويكتفون به؛ لأن هذه الكلمة جامعة لقول اللسان، وعمل القلب وعمل الجوارح والأركان والأعضاء، لكنهم فصّلوا وجاءوا بهذه الأركان الثلاثة: القول والعمل والتصديق لما كثر الخوض في الإيمان وتعريفه خاصة من قبل مرجئة الفقهاء الذين سايروا بعض أهل الأهواء في مفهوم الإيمان، ذلك أن السلف ما كانوا يبحثون هذه المسائل لأنهم كانوا بإجماع يرون أن الإيمان هو مجموع هذا الدين سواء الأمور القلبية الاعتقادية وهو ما يسمى عمل القلب، أو نطق اللسان، أو عمل الأعضاء، كل ذلك ما كان السلف يتنازعون بأنه من الإيمان، لا في عهد الصحابة ولا التابعين ولا تابعي التابعين.
[ ٥ / ٣ ]
ظهور الإرجاء
وفي عهد التابعين وتابعيهم ظهر الإرجاء وذلك في آخر المائة الأولى بعد سنة (٨٠ هـ) فظهر قول المرجئة بإزاء قول القدرية، فزعموا أن الإيمان هو التصديق وأنه لا يزيد ولا ينقص، ولا يجوز الاستثناء فيه، وأن الإيمان لا يشمل الأعمال إنما هي من لوازم الإيمان، وهؤلاء هم مرجئة الفقهاء، وهم بخلاف مرجئة الجهمية الغلاة فإنهم كفرة وهم الذين يقولون: الإيمان مجرد المعرفة ولا يلزم العمل أبدًا، فمن آمن وصدّق وعرف الله دخل الجنة، وهو مؤمن مطلقًا، وإيمانه كإيمان جبريل، ولا يدخلون العمل في مسمى الإيمان ولا يجعلونه من لوازمه، بل يرون أن من عرف الله وصدّق بما جاء به الرسل جملة فهو مؤمن حتى وإن اقترف الآثام والمعاصي، بل وإن اقترف الكفر، ولو ترك جميع أعمال الإسلام فلم يصل ولم يصم ولم يحج فهو عند المرجئة مؤمن، فهذا إرجاء الغلاة وليس هو المقصود هنا، إنما المقصود إرجاء الفقهاء، وهو كما أنه بدعة إلا أنه قال به بعض الأئمة وبعض أهل العلم الذين لهم اعتبارهم؛ لكن قولهم شاذ وخارج عما أجمع عليه السلف.
إذًا: فالمرجئة يقولون إن الإيمان هو التصديق، ويرون أن الأعمال من لوازم الإيمان وليست من الإيمان، والسلف ردوا على هذه المقولة بردود كثيرة.
[ ٥ / ٤ ]
زيادة الإيمان ونقصه
اتفق علماء الأمة بعد ذلك على أن الأعمال من الإيمان، ومن ثم فإن الإيمان يزيد وينقص بالأعمال القلبية وبأعمال الجوارح.
وبعض أهل العلم قال: إن الإيمان يزيد وينقص بالأعمال الظاهرة، لكن هذا والله أعلم يرد عليه ما يرد، فإن الراجح أن الإيمان يزيد وينقص بجميع الأمور القلبية والعملية الظاهرة، بدليل أن الشك ينقص الإيمان، والشك قلبي، فعلى هذا فإن كل ما يعتري العبد من الأمور القلبية والأمور العملية فإن كان يزداد به خيرًا زاد إيمانه، وإن كان فيه ريب أو شك أو معصية، أو هم بمعصية أو نحو ذلك ينقص به إيمانه.
إذًا فيزيد بالطاعة سواء كانت قلبية أو عملية، وينقص بالعصيان سواء كان قلبيًا أو عمليًا.
[ ٥ / ٥ ]
أدلة دخول الأعمال في مسمى الإيمان
ثم ذكر الآية وذكر بعدها وجه الاستدلال، فجعل عبادة الله تعالى وإخلاص القلب وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة كله من الدين وهذه الأمور تشمل الأمور القلبية وأمور الجوارح، فإخلاص القلب أمر يتعلق بالتصديق ويتعلق بعقد الجنان، وإقام الصلاة يتعلق بالأعمال الظاهرة، كما أنه يتعلق بالأعمال الباطنة وهو الخشوع فالخشوع قلبي وهو يزيد الإيمان، وهناك خشوع للجوارح وهو يزيد الإيمان، وكذلك حركة أعمال الجوارح تزيد الإيمان، وكذلك إيتاء الزكاة.
إذًا فالدين ليس الأمور القلبية فقط، بل حتى الأعمال الظاهرة.
ثم ذكر الحديث: (الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) وهو عمدة أدلة أهل السنة على أن الإيمان يزيد وينقص، وأن الأعمال تدخل في مسمى الإيمان، وقد أفرد الأئمة للأدلة على ذلك كتبًا تعد بالمجلدات، ومن أفضلها لطالب العلم كتاب تعظيم قدر الصلاة للمروزي، وكذلك كتاب الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية.
في هذا الحديث ذكر ما يدل على أن الإيمان شعب تعد عددًا، وذكر من هذه الشعب بعض الأعمال القلبية، وما يجمع بين الأعمال القلبية وأعمال الجوارح، وما هو من أعمال الجوارح، وكلها سماها الرسول ﷺ إيمانًا، فقال: (الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله) وشهادة أن لا إله إلا الله تشمل المعنى القلبي، وتشمل قول اللسان، وقول الجوارح، فالمعنى القلبي هو الإقرار، وقول اللسان هو النطق، وعمل الجوارح هو عمل اللسان الذي هو الحركة، أعني حركة اللسان بلا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فلذلك قال أهل العلم: إن الإنسان الذي يذكر ربه بقلبه ولسانه يعد أعظم أجرًا من الذي يذكر ربه بقلبه فقط، ولذلك ردوا على أوائل الصوفية ومتأخريهم الذين زعموا أن الأعمال القلبية أفضل من أعمال الجوارح، بل الأفضل هو ما يجمع بينهما، فيجمع بين خضوع القلب لله ﷿ وخشوعه والمحبة له والخوف والرجاء منه، ويجمع مع ذلك العمل الذي أمر الله به.
ثم قال: (وأدناها) أي أدنى شعب الإيمان، (إماطة الأذى عن الطريق) وإماطة الأذى أمر عملي، ولذلك فإن عمل هذه الشعبة يزيد في الإيمان، وتركها ينقص الإيمان؛ لأنها جزء من البضع والسبعين شعبة، فجعل القول والعمل من الإيمان.
[ ٥ / ٦ ]
أدلة زيادة الإيمان
ثم ذكر ما يدل على أن الإيمان يزيد وهو قوله تعالى: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران:١٧٣]، وكذلك قوله ﷿: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا﴾ [الفتح:٤]، وقال رسول الله ﷺ: (يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه برة أو خردلة أو ذرة من الإيمان) والبرة والخردلة والذرة من الأمور المحسوسة مُثّل بها الإيمان تمثيلًا، ذلك أنه في يوم القيامة يوزن الإيمان كله القلبي منه والعملي، ويكون له وزن تتحرك به الموازين خفة وثقلًا، وهذا دليل على أن أصله يزيد وينقص حتى وإن كان قلبيًا، فجعله متفاضلًا يفضل بعضه بعضًا من حيث الوزن، ومن حيث القدر، ومن حيث الأجر ولو كان كما يقول المرجئة على مستوى واحد لما تفاضل الناس فيه.
المرجئة يزعمون أن الإيمان في قلوب المؤمنين على مستوى واحد، ذلك أنه عندهم مجرد التصديق، فعلى هذا يستوي إيمان أفضل الخلق مع أدنى الخلق، ولا يزيد ولا ينقص، وهذا خطأ ينافيه الجزاء على هذه الأمور الإيمانية، فالجزاء إنما هو مبني على مثاقيل الإيمان، والإيمان يزيد وينقص، بمعنى: يثقل ويخف في الدنيا والآخرة، هذا أمر.
الأمر الآخر: أنه ذكر شيئًا من مسائل الإيمان هنا، وترك أشياء بناء على أنها تدخل بالتبع، ذكر تعريف الإيمان وهو أنه القول باللسان والعمل بالأركان والعقد بالجنان، وقلت إن السلف كان يختصرون هذا التعريف بقولهم: الإيمان قول وعمل، والقول هو قول اللسان، والعمل عمل القلب وعمل الأعضاء، وذكر أيضًا الزيادة والنقصان.
[ ٥ / ٧ ]
الاستثناء في الإيمان
هناك مسائل أخرى تدخل، وهي مسألة الاستثناء في الإيمان، فإن السلف قالوا بأنه يجوز للمؤمن أن يستثني؛ لأنه يعلّق الإيمان على المصير، والمصير عند الله ﷿، فيقول: أنا مؤمن إن شاء الله، وكلمة (إن شاء الله) لا تعني أنه متردد في الإيمان كما يظن المرجئة، إنما تعني أنه مؤمن تحقيقًا في تعبيره عن إيمانه، وتعليقًا لأمر الغيب على ما قدر الله ﷿ في سابق علمه فقوله: أنا مؤمن إن شاء الله، بمعنى: إن كان الله ﷿ شاء لي هذا الإيمان.
فإن شاء الله ليست استثناء مما في النفس أثناء النطق، إنما هي استثناء بمشيئة الله العامة التي لا يخرج عنها أحد، والتي هي غيبية، فلذلك الإنسان إذا سئل هل أنت مؤمن؟ فله أن يقول: أنا مؤمن، ويتركها بلا استثناء، وله أن يستثني والاستثناء أولى، فإن قال: أنا مؤمن فيقصد التعبير عما يشعر به أثناء السؤال، لا أنه يجزم بمصيره، فالمصير عند الله ﷿، لكنه يتفاءل ويرجو من الله كما يرجو سائر المؤمنين، وإن استثنى فهو الأولى من أجل أن يعلق رجاءه بالله ﷿.
[ ٥ / ٨ ]
مسائل السمعيات والأخبار
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل: ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ، وصح به النقل عنه فيما شاهدناه أو غاب عنا نعلم أنه حق وصدق، سواء في ذلك ما عقلناه أو جهلناه ولم نطلع على حقيقة معناه.
مثل حديث الإسراء والمعراج، وكان يقظة لا منامًا، فإن قريشًا أنكرته وأكبرته ولم تكن تنكر المنامات.
ومن ذلك أن ملك الموت لما جاء إلى موسى ﵇ ليقبض روحه لطمه ففقأ عينه فرجع إلى ربه تعالى فرد عليه عينه.
ومن ذلك أشراط الساعة].
[ ٥ / ٩ ]
الإيمان بالأمور الغيبية
هنا بدأ في تفصيل بعض ما يسمى بالسمعيات وأمور الغيب، وكلها داخلة في الإيمان إجمالًا وداخلة في أركان الإيمان تفصيلًا، السمعيات كلها منها ما يدخل في الإيمان بالله ﷿، كمسائل الصفات والرؤية فالرؤية لها جانبان: دخولها فيما يتعلق بالإيمان بالله ﷿ وصفاته، وتدخل في مسائل القيامة والجنة.
بعضها متعلق بالإيمان بالله ﷿ في أسمائه وصفاته وأفعاله، وبعضها متعلق بالإيمان بالكتب، وبعضها متعلق بالإيمان بالرسل، وبعضها متعلق بالإيمان بالملائكة، وبعضها متعلق بالإيمان باليوم الآخر، وبعضها متعلق بالإيمان بالقدر، وبعضها متعلق بجملة هذه الأمور وداخل في الإيمان بالغيب.
أركان الإيمان كلها من أمور الغيب، لكن الغيب يشمل الأركان المنصوص عليها، ويشمل أمورًا أخرى لم يرد النص عليها في حديث أركان الإيمان والستة، وأركان الإيمان إجمالًا تشمل جميع قضايا الغيب والسمعيات والخبريات التي وردت إما بالقرآن أو بالسنة الصحيحة.
فعلى هذا فإن أمور الغيب والسمعيات هي القضايا الأصولية العامة، ويتفرع عنها أمور أخرى قطعية ثبتت في القرآن وثبتت في السنة، كما سيأتي في التفسير شيء منها.
[ ٥ / ١٠ ]
ضوابط في موقف المؤمن من الغيبيات
إذًا هذه الأمور داخلة في باب الإيمان بالغيب، وداخلة في باب السمعيات، وداخلة في باب الأخبار، يعني ما أخبر الله به وما أخبر به النبي ﷺ فيما صح عنه.
والسمعيات أي: ما سُمع من الوحي في كتاب الله أو ما صح عن رسول الله ﷺ، والغيب لأنها غائبة عن مدركات العقل وكل هذه الأمور تُضبط بالضوابط التالية.
أولًا: أنه يجب الإيمان -بمعنى الجزم والتسليم- بكل ما أخبر به النبي ﷺ، وصح به النقل عنه، سواء في القرآن أو في صحيح السنة.
ثانيًا: أن هذه الأمور يجب الإيمان بها سواء ما شاهدناه وما غاب عنا.
فما شاهدناه هو كالأمور التي تحققت بعد موت النبي ﷺ، فقد جاء عن النبي ﷺ وجاء أيضًا في القرآن أمور كثيرة شاهدناها فيما بعد في الواقع، سواء كانت من أشراط الساعة أو مما أخبر الله به من الأمور الغيبية التي تحقق أكثرها.
وما غاب عنا هو كالأمور التي لم تحدث بعد من أشراط الساعة ونحوها، أو من الأمور التي تتعلق باليوم الآخر، والتي لا يمكن لأحد أن يطّلع عليها إلا إذا قامت قيامته الصغرى، أو قامت القيامة الكبرى للجميع ومما أخبر به النبي ﷺ خبره بفتح فارس والروم، وخبره بأنها ستخرج نار وهي نار الحرة التي أحرقت ما كان شرق المدينة، وخيره عن المتنبئين الكذّابين حيث ذكر بعضهم بأسمائهم وبعضهم بأوصافهم إلى آخره.
ثالثًا: أن نعلم أن ما ورد حق وصدق.
معنى (حق) أنه سيحدث وسيكون على ما أخبر به النبي ﷺ، فليس خبر الله ﷿ وخبر النبي ﷺ عن الأمور الغيبية مجرد توهمات أو تخيلات أو أمثال تضرب إنما هي حق وصدق لا بد أن تكون وأن تقع، سواء أدركت هذا عقولنا أو لم تدركه.
رابعًا: أنه لا بد من الإيمان بهذه الأمور سواء في ذلك ما عقلناه أو جهلناه.
(ما عقلناه) أي: ما فهمناه، وأدركته عقولنا بأي نوع من أنواع الإدراك، كالتسليم الفطري والبدهيات العقلية، التي يسلم بها العقل السليم، فمثلًا البعث تعقله عقول أكثر الناس الذين هم على الفطرة السليمة جملة لا تفصيلًا فالعقول السليمة والفطر المستقيمة تدرك ضرورة البعث حتى لو لم تعرف تفاصيله، فكل عاقل ينظر إلى هذه الحياة الدنيا وما فيها من مصائب وابتلاء، وما فيها من أحوال الناس، وتفاوت هذه الأحوال من تفاضل بعضهم البعض وما يحدث بينهم من تظالم، وما يحدث بينهم من فروق في الحظوظ وفي الأعمار والأرزاق والأقدار، وأن بعضهم يموت في هذه الدنيا ولم يستكمل نصيبه وقد يموت مظلومًا، وآخر قد استكمل نصيبه وهو يموت ظالمًا، فكل عقل يدرك أنه لا بد من حياة أخرى يكون فيها مقتضى العدل والمساواة بين الخلق، فهذا مما عقلناه، أي: فهمته العقول.
أو يُفهم أنه يُمكن أن يكون حسب مدارك العقول، فإن العقول تتفاوت، فبعض المسائل الغيبية إذا وردت على بعض الناس قالوا: هذا ممكن أن يكون، وإذا وردت على ناس آخرين قالوا: هذا أمر لا يدركه عقل.
إذًا: من أدرك أو استطاع أن يسلم بمبدأ هذا الذي ورد، أو من لم يستطع كلهم يجب أن يكونوا على مستوى واحد من الإيمان، وهو التسليم بأن ذلك حق وصدق سواء فهمناه أو جهلناه.
وغالب أمور الغيب مما هو مجهول، والذي يُعقل منها يُعقل إجمالًا لا تفصيلًا، ولو عُقلت تفصيلًا ما كانت من أمور الغيب، لا سيما الكيفيات فإنها لا يمكن أن تُعقل، إنما تُعقل بمعنى أن يُدرك العاقل بأنها يمكن أن تكون بمقتضى حكمة الله ﷿ وقدرته.
قوله: (ولم نطلع على حقيقة معناه)، يعني على الكيفية، ذلك أن الحقيقة على نوعين: حقيقة بمعنى ثبوت الشيء والإقرار به، فهذا يجب أن يؤمن به كل مسلم، وكل ما ورد من الغيبيات فله حقيقة، ويجب أن نجزم أن له حقيقة وليس تخييلًا أو أمثالًا تُضرب، أو توهمات أو ألغازًا، إنما هي حقائق، فهذا الجانب من الحقيقة يجب أن نؤمن به.
وجانب آخر من الحقيقة وهو الكيفية، فهذا مما لا تدركه العقول إذًا بعض أهل العلم ينفي الحقيقة ويقصد به نفي الكيفية، وبعضهم يثبت الحقيقة ويقصد به الإيمان بأصل الشيء، وأنه على معنى صحيح على مراد الله ﷿، وأن الله ﷿ ما أخبرنا بأمر إلا وهو حق، وليس مجرد خيالات ولا ألغاز ولا تصويرات وهمية كما يظن كثير من الفلاسفة والعقلانيين.
[ ٥ / ١١ ]
الإيمان بالإسراء والمعراج
ثم ذكر من ذلك أمثلة قال: (مثل حديث الإسراء والمعراج).
الإسراء والمعراج من معجزات النبي ﷺ، والإسراء هو انتقال النبي ﷺ مع جبريل على البراق من مكة إلى بيت المقدس، والبراق دابة تُشبه الفرس، ركبها النبي ﷺ، ومعنى الإسراء هو السير ليلًا.
وفي بيت المقدس رأى الأنبياء وصلى بهم، ثم عُرج به إلى السماء، والعروج هو الصعود والارتقاء في الدرجات، فالنبي ﷺ عُرج به إلى السماء مع جبريل ﵇.
وقد تضمن الإسراء والمعراج أمورًا غيبية كثيرة يجب الإيمان بها، مثل أن النبي ﷺ رأى الأنبياء في بيت المقدس وصلى بهم، وأنه كان يصحبه جبريل وكان ركب دابة من الدواب ما بين البغل والفرس، وأنه صعد إلى السماء يقظة وليس منامًا؛ لأنه لو كان منامًا ما كان محل إنكار ولا محل تحد؛ فالحلم أمر يستوي فيه الناس، لكن النبي ﷺ ذهب يقظة بجسمه وروحه، وهذا معنى كونه معجزة.
فالنبي ﷺ في المعراج صعد إلى السماء الدنيا واستفتح وفُتح له، ورأى فيها ما رأى من الأنبياء وغيرهم، وكذلك في السماء الثانية، وقد رأى فيها ما رأى من الأنبياء وغيرهم، وفي السماء الثالثة، والرابعة، والخامسة، والسادسة، والسابعة، وما بعد السابعة إلى سدرة المنتهى حتى سمع صريف الأقلام التي تُكتب بها مقادير الخلق، وقد ارتقى ﷺ هذا المرتقى العظيم الذي لم يرتقه أحد بعده ولا قبله، وكان من خصائصه ﵊، وكلم ربه، وفُرضت عليه الصلوات الخمس على النحو الذي ذُكر في الحديث الذي فيه فُرضت أولًا خمسين، ثم بقي النبي ﷺ يصعد بين ربه وبين موسى ﵇ يطلب منه التخفيف، حتى خففت إلى خمس صلوات، وأنه رأى من آيات ربه الكبرى العظمى ما لم يحط به أحد من الخلق إلا ما أقدر الله ﷿ النبي ﷺ عليه.
إذًا الإسراء والمعراج حق وكل ما فيه كان يقظة لا منامًا، وهو من معجزاته ﷺ.
[ ٥ / ١٢ ]
الإيمان بقصة لطم موسى لملك الموت
وذكر المؤلف من أمور الغيب قصة ملك الموت مع موسى حين نزل ليقبض روحه، وأن موسى لطمه ففقأ عينه، فرجع إلى ربه هذا الحديث وغيره من الأحاديث التي فيها ذكر بعض التفاصيل الغيبية من الأمور التي ابتلي بها ضعفاء الإيمان وأهل الشك والريب وأهل الأهواء، فكان من سماتهم إنكار مثل هذا الحديث، ذلك أنهم يعرضون هذه الأمور على عقولهم، فكأنهم قالوا: لا يُعقل أن موسى يضرب ملك الموت وهو أعظم منه وأكبر وجاء ليقبض روحه، ثم إنه لا يُعقل أن يكون ملك الموت على هيئة رجل ثم تفقأ عينه إلى آخر تلك الأمور التي ابتلاهم الله بها فلم يفلحوا نسأل الله السلامة.
فجاء هذا من باب الابتلاء للعباد، وهو أيضًا خبر حق وصدق على أصله كما أخبر به النبي ﷺ، فإن ملك الموت جاء إلى موسى فتمثل له بصورة رجل بإذن الله وبقدرة الله، وأن موسى ضربه، وموسى صاحب غيرة وقوة في الحق، فضربه ففقأ عينه، ولما علم بعد ذلك أنه ملك الموت سلّم له واختار قبض روحه ليلقى ربه ﷿ كما هو معروف، مع أن الله ﷿ خيّره بين أن تُقبض روحه أو يقبض قبضة في شعر الثور ويُعطى بقدرها من السنين عمرًا، لكنه اختار لقاء ربه.
فهذا من الأمور السمعية التي يُبتلى بها العباد، وهي حق وصدق، وهي التي يختبر بها إيمان الناس، فمن آمن بمثل هذه الأمور وصدّق فهو من المؤمنين بالغيب الذين مدحهم الله ﷿ وامتازوا عن غيرهم، وإن شك أو ارتاب أو أثار الإشكالات فإنه إنما يرتد ريبه وإشكاله عليه نسأل الله السلامة.
[ ٥ / ١٣ ]
أشراط الساعة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومن ذلك أشراط الساعة، مثل خروج الدجال ونزول عيسى بن مريم ﵇ فيقتله، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج الدابة، وطلوع الشمس من مغربها، وأشباه ذلك مما صح به النقل.
وعذاب القبر ونعيمه حق، وقد استعاذ النبي ﷺ منه وأمر به في كل صلاة، وفتنه القبر حق، وسؤال منكر ونكير حق.
والبعث بعد الموت حق، وذلك حين ينفخ إسرافيل ﵇ في الصور: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ [يس:٥١]، ويُحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلًا بهمًا، فيقفون في موقف القيامة حتى يشفع فيهم نبينا ﷺ، ويحاسبهم الله ﵎، وتنصب الموازين، وتنشر الدواوين، وتتطاير صحائف الأعمال إلى الأيمان والشمائل: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ [الانشقاق:٧ - ١٢].
والميزان له كفتان ولسان يوزن به أعمال العباد: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٢ - ١٠٣].
ولنبينا محمد ﷺ حوض يوم القيامة ماؤه أشد بياضًا من اللبن وأحلى من العسل، وأباريقه عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا.
والصراط حق يجوزه الأبرار ويزل عنه الفجار].
هذه الأمور كلها داخلة في الإيمان بالغيب، وهي جزء مما بدأ به من مسائل الإيمان والغيب والخبريات والسمعيات، فأشراط الساعة وما يتعلق بها داخل في أمور الغيب، وفي أصول الإيمان.
فأول ما ذكر أشراط الساعة لأنها مقدمات القيامة، ولذلك بعض أهل العلم يلحق أشراط الساعة بالإيمان باليوم الآخر، وبعضهم يلحقها بالسمعيات الأخرى ويقول: إنها مقدمات للآخرة وهي جزء من الدنيا، وعلى أي حال فهي -كما سميت- أشراط للساعة، يعني علامات لليوم الآخر، أي: علامات نهاية الدنيا وبداية الآخرة، فهي من حيث إنها علامات تلحق بيوم القيامة، ومن حيث زمنها تلحق بأمور الحياة الدنيا.
أشراط الساعة هنا لم ترتب حسب ورودها أو حسب تسلسلها الزمني، مع أن أهل العلم اختلفوا اختلافًا كبيرًا في ترتيبها وأيها يبدأ وأيها ينتهي وما بين ذلك.
[ ٥ / ١٤ ]
خروج الدجال ونزول عيسى ابن مريم ﵇
أول أشراط الساعة: خروج الدجال، والمقصود بـ الدجال شخص يمخرق ويدّعي أنه رب أو أنه الله، ثم يُفتن به الناس ما عدا المؤمنين المصدقين الذين اعتصموا بالله تعالى وبسنة رسوله ﷺ، وهم الفرقة الناجية.
يُفتن به الناس لأنه يسلط على الخلق بأن يكون معه ما يفتن، فتسخّر معه السحاب والمطر، ويكون معه ما يشبه الجنة وما يشبه النار، يعد من أطاعوه واتبعوه بجنة يراها الناس الذين يُفتنون معه، وهي في الحقيقة تئول بهم إلى النار، وكذلك معه نار يهدد بها من لم يتبعه، ويلقيهم فيها وهي تئول بهم إلى الجنة.
ويفتن الناس به من حيث إنه يتسع رزق من يطيعه وتمطر له الأرض وينبت له النبات، وغير ذلك من الأمور التي تجعل من لم يعرف حقيقة الدجال ولم يكن مؤمنًا حقًا يُفتن به فيهلك.
ثم إنه يمر الأرض جميعًا ما عدا مكة والمدينة، ويتبعه المفتونون حتى من أهل مكة والمدينة، ذلك أنه إذا أقبل على مكة والمدينة لا يتمكن من دخولهما؛ لكنها ترتجف فيخرج من في قلبه ريب وشك نسأل الله السلامة.
وهو أعور، وعليه علامة الكفر كما ورد عن النبي ﷺ في الحديث الصحيح أنه مكتوب على جبينه أو على وجهه: (ك ف ر) يعني كافر، قد يكون هذا فعلًا بالحروف يقرأ وقد يكون بعلامات يعرفها أهل الفراسة من أهل الإيمان، فالله أعلم، لكن لا شك أنه حق.
وحينما يُفتن به الناس يبقى المؤمنون أهل الحق لا يؤمنون به وينجيهم الله من فتنته، ويحدث لأحد المؤمنين قصة معه، وذلك أنه يُنكره ويحذّر منه، فيحاول أن يلقيه أو يعذّبه فلا يتمكن أول الأمر، ثم مرة أخرى يحاول أن يلقيه في ناره فيقذف به فيدخل الجنة.
وقد ورد أنه يخرج من المشرق من أرض العراق وما وراءها من أرض أصفهان، وهي الآن تقع في أجزاء من إيران، وربما يدخل في وصفها أجزاء من العراق، ويخرج معه سبعون ألفًا من يهود أصفهان عليهم الطيالسة.
ثم ينتهي به المقام إلى الشام، فينزل عليه عيسى بن مريم فيؤيد المسلمين المؤمنين الذين يقاتلون الدجال، ويكون معهم في ذلك الوقت المهدي، ثم يهزم عيسى الدجال ويقتله.
وحين ينزل عيسى ﵇ من السماء ينزل بين ملكين على المنارة البيضاء في المسجد شرقي دمشق، ويبقى عيسى كما جاء في بعض النصوص ٤٠ سنة، وقيل أقل من ذلك.
هذه هي العلامة الأولى: خروج الدجال.
والثانية: نزول عيسى.
[ ٥ / ١٥ ]
خروج يأجوج ومأجوج
والثالثة: خروج يأجوج ومأجوج: ويأجوج ومأجوج شعب من شعوب بني آدم كما ورد في الحديث، وكما يدل عليه ظاهر الآية، ذلك أن ذا القرنين مر على الأرض جميعًا ومر على جميع الشعوب، ومنهم يأجوج ومأجوج كما ورد في الآية وفسّره كثير من السلف، وكما ورد في أحاديث النبي ﷺ.
أما ما ذكر من أن وصفهم كذا وكذا وأنهم ينبتون من الأرض فهي حكايات وخرافات لم يصح منها شيء.
فالراجح أنهم شعب من شعوب هذه الأرض الله أعلم بهم، وإن كان الأغلب أن مواطنهم شرق آسيا أو شمال شرق آسيا، والله أعلم.
ويأجوج ومأجوج يأتون إلى أرض العرب من كل حدب، ويحدث لهم من الآيات ما يحدث، من ضمنها أنهم يكون لهم نكاية أول الأمر ويضيقون على المؤمنين، وأنهم يشربون ماء بحيرة طبرية، وينتهي ماءها حتى يمر منهم أناس فيقولون: قد كان فيها ماء، وأنهم أيضًا إذا انتهوا من هزيمة من حولهم يرمون السماء بزعمهم أنهم يرمون الله ﷿، فتأتيهم حجارة أو تأتيهم آثار رميهم فيها دم، وهذا من باب الابتلاء لهم.
المهم أنه حينما يضيقون على المسلمين يدعو الله عيسى بن مريم والمؤمنون يدعون ربهم ويلجئون إليه أن يرفع عنهم هذه المصيبة، فيأتي الموت على يأجوج ومأجوج جميعًا فيموتون، ثم يؤذون الناس بروائحهم، فيدعو الله عيسى والمؤمنون معه بأن يرفع عنهم هذا البلاء، فتأتي طير فتحمل جثثهم وتبعدهم عن المؤمنين.
ويأجوج ومأجوج أيضًا من أشراط الساعة الكبرى التي أعدت للحديث، وهي الثالثة.
[ ٥ / ١٦ ]
خروج الدابة
والرابعة: خروج الدابة: والدابة غاية ما يقال إنها حيوان يدب، وتقيم الحجة على الناس وتبين لهم أنهم لا يؤمنون بآيات الله ﷿ كما ورد في ظاهر الآية، لكن ما صفة هذه الدابة؟ ماذا تعمل في الناس؟ هذا أمر لم يثبت فيما أعلم فيه شيء تفصيلي.
[ ٥ / ١٧ ]
طلوع الشمس من مغربها
والخامس: طلوع الشمس من مغربها: فالشمس تطلع من المغرب بدلًا من أن تطلع من المشرق، وإذا طلعت لم ينفع نفس إيمانها لم تكن آمنت من قبل.
وذلك أنها إذا طلعت أيقن كل بشر من الكفار والملحدين والمرتدين والمعاندين بالحق، لكنه في ذلك الوقت لا ينفعهم؛ لأن أمور القيامة بدأت وانتهى وقت التكليف والاختيار ولم يبق إلا ما لا يفيد فيه الإيمان بعد ذلك.
فلذلك قال كثير من أهل العلم: أن طلوع الشمس من مغربها هو آخر آيات الساعة وعلاماتها.
قول المؤلف: (وأشباه ذلك)، يقصد مثل الدخان الذي يظهر في السماء، وقد ورد في سورة الدخان، وقيل إن هذا الدخان مر وانتهى، وقيل إنه لم يأت بعد.
[ ٥ / ١٨ ]
النار التي تسوق الناس إلى أرض المحشر
والسابع: النار التي تحشر الناس إلى بيت المقدس أو إلى الشام.
هذه النار تخرج من قعر عدن من جنوب جزيرة العرب، ثم تزحف على الناس ويهربون منها جهة الشمال، حتى تحشرهم إلى أرض المحشر، ويكونون هم آخر الخلق الذين تقوم عليهم الساعة.
ومكمل العشر ثلاثة خسوف، وذلك أنه ورد في بعض الأحاديث أن آيات الساعة عشر، منها ما ورد في الأحاديث مما سبقت الإشارة إليه، وثلاثة خسوف: واحد بالمشرق، وواحد بالمغرب، وواحد بجزيرة العرب.
الله أعلم ما هذه الخسوف، لكن ربما يكون من أسبابها منابع البترول، وهذا تخرص وليس مبنيًا على علم، لكن أهل العلم أحيانًا يستجيزون تحري بعض الأمور من باب أن لها قرائن، لا من باب الجزم بها.
فأقول: من القرائن ما يدل على أن هذه الخسوف هي المنابع الرئيسية للبترول والله أعلم وهذا ظن والظن لا يغني من الحق شيئًا! قال: (وأشباه ذلك مما صح به النقل)، يعني مما صح في الكتاب والسنة.
[ ٥ / ١٩ ]
عذاب القبر ونعيمه
وذكر من ذلك عذاب القبر ونعيمه، وعذاب القبر وارد ومتواتر في النصوص لا مجال للكلام فيه، وهو عذاب حقيقي كما ورد في النصوص، يكون فيه ضرب، ويكون فيه إيذاء وإيلام لروح الإنسان وجسمه، هذا بالنسبة لمن يُعذّب.
كما أنه يدخل في ذلك الأمور التفصيلية التي وردت في النصوص من شكل الضرب للمعذبين نسأل الله السلامة، كل ذلك حق وإن كان لا يخضع لموازين الناس في الدنيا، فأهل القبور يحصل لهم ما يحصل من الأمور التي وردت دون أن نقيس ذلك بموازين الدنيا زمانًا ومكانًا وأحوالًا، وكذلك النعيم نسأل الله أن يجعلنا جميعًا ممن ينعمون في قبورهم نعيم القبر حق جملة وتفصيلًا، فالمؤمن ينعّم ويرى منزله في الجنة، ويؤانسه عمله، ويرى ما يسعده، وتأتيه الملائكة بما يفرحه، ويُفسح له في قبره مد بصره، إلى آخر ذلك من الأمور الغيبية التي لا بد أن نؤمن بها ولا نخضعها للمقاييس المادية التي جعلت كثيرًا من العقلانيين والفلاسفة وأهل الريب والشك يطعنون في أحاديث نعيم القبر وعذابه؛ لأنهم يقولون نرى القبور بعضها بجنب بعض ما بينها إلا بضعة أشبار، بل ونجد آلاف القبور في مكان واحد، فلا يمكن أن يتأتى مع هذا العذاب والنعيم نقول: هذه مقاييسكم في الدنيا، وعذاب القبر ونعيمه يخضع لأمور الآخرة.
فهذه الأمور غيبية لا حق للإنسان أن يفصّل فيها بأكثر مما ورد، ويجب أن يسلم بها كما جاءت لأنها متعلقة بقدرة الله ﷿، وقدرته لا حد لها، ومتعلقة بخبر الله وخبر الله لا يجوز أن يناقش على وجه التشكيك.
وقد استعاذ النبي ﷺ من عذاب القبر، وأمر بالاستعاذة منه في كل صلاة.
وفتنة القبر حق، وهي السؤال وما يستتبعه من عرض العمل عليه، وكون الإنسان يأتيه عمله ويقول له ما يقول، يرى منزله في الجنة إن كان من أهل الجنة، ويرى منزله من النار إن كان من أهل النار نسأل الله أن يعافينا من النار.
والسؤال ثابت قطعًا من الملكين، لكن منكر ونكير يتوقف ثبوتهما على ثبوت الحديث، والراجح أن الحديث في تسمية منكر ونكير صحيح، وعلى هذا فإن السؤال ووجود الملكين اللذين يسألان كل إنسان في قبره مقطوع به، لكن تسمية الملكين بمنكر ونكير هو الذي ورد في حديث لم يوصله بعض أهل العلم إلى درجة الصحة، فمن هنا قال: نؤمن بالملكين لكن لا يلزم أن نؤمن باسم الملكين منكر ونكير.
والصحيح والراجح أن الحديث ثابت في اسمهما، أما ثبوت الملكين فهو أمر قطعي.
والملكان يسألان الإنسان عن دينه، وعن نبيه، وعن عمله، وعن ربه، وعن أمور أخرى تتعلق بالدين، وذلك حق لا شك فيه.
وكل إنسان يتعرض للحياة البرزخية، أي لفتنة القبر، وسؤال منكر ونكير، حتى ولو لم يدفن في الأرض، فعذاب القبر ونعيمه ثابت، وأحوال القبر ثابتة لكل ميت من بني الإنسان سواء مات ودفن في الأرض، أو أكلته الطير، أو سحقته السواحق، أو ذرته الريح، أو أحرقته النار فكان رمادًا، أو اندمج في بطون الوحوش أو بطون الأسماك أو غيرها، فإنه لا بد أن يتناوله عذاب القبر ونعيمه بقدرة الله ﷿، لا يسلم من ذلك أحد.
[ ٥ / ٢٠ ]
مواقف يوم القيامة
والبعث بعد الموت هو أول المرحلة الأولى من أحوال يوم القيامة، ذلك أن الحياة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: الحياة الدنيا.
القسم الثاني: الحياة البرزخية وهي داخلة في اليوم الآخر.
القسم الثالث: البعث وما بعده.
ثم قال: (ويحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة)، المعنى أنهم ليس عليهم ألبسة وليس عليهم أحذية.
و(غرلًا) أي: ليسوا بمختونين.
و(بهمًا) يعني مجردين من كل شيء، والملك يومئذ لله لا شيئًا يملك.
وحين يُنفخ في الصور، والنفخ كما هو معلوم على مرحلتين: النفخ الأول: يموت فيه كل شيء ولا يبقى إلا وجه الله ﷿.
النفخ الثاني: يكون به حياة الناس من قبورهم ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨] والنفخ في الصور نفخ حقيقي مادي مسموع، بوسيلة وهو الصور، والصور آلة شبهها العلماء بالقرن أو أنها قرن، والقرن في وصفه عند أهل العلم أنه كالمكبّر عندنا الآن أي الآلة التي تكبر الصوت، والنافخ هو إسرافيل ملك من ملائكة الله ﷿ الذين يوكل الله بهم هذا الأمر، فإسرافيل ملك ينفخ النفخة الأولى وينفخ النفخة الثانية.
[ ٥ / ٢١ ]
الحشر والحساب
ثم قال: (ويحاسبهم الله ﷿).
ففي الحشر يُبعثون من قبورهم ويتجهون كلهم إلى المحشر، فيجتمعون في مكان واحد وفي صعيد واحد، وهو قاع صفصف لا ترى فيه عوجًا ولا أمتًا، ليس فيه مرتفع ولا منخفض، ثم يُحشرون مدة طويلة، ويسمى هذا الحشر الموقف، يُحشرون خمسمائة عام وقيل ألف عام.
وفي الحشر يحدث لهم من أهوال يوم القيامة ما لا يطاق، فتدنو منهم الشمس حتى تكون فوق رءوسهم، ويلجمهم العرق، ويضيقون بالحشر من طول مدته، لكن يتفاوت الحشر بين الناس، فالمؤمنون لا يشعرون بهوله كما يشعر الكفار وإن كان المؤمنون أيضًا يتفاوتون، ومنهم من يكون في ذلك الوقت في ظل الله ﷿ يوم لا ظل إلا ظله، ومنهم من لا يشعر بأهوال الحشر فيروى ويُسقى ويُطعم ويُظل بفضل الله ﷿ نسأل الله أن يجعلنا جميعًا كذلك، ومن المؤمنين من يشعر بالحشر، فهم على درجات، فالمقصر يشعر به أكثر، والإنسان الذي يعمل أكثر يشعر بشيء من الراحة، أما الكافر والمنافق فهو الذي يُعاني شدة الحشر، والجميع يعانون من ذلك.
ففي الحشر يُحشر الناس زمنًا طويلًا ولا يجرئون أن يدعوا ربهم بأن يفصل بينهم لأنهم يرون الله ﷿ في ذلك المقام وقد غضب غضبًا لم يغضب مثله قبله ولن يغضب مثله بعده، فيبحثون عمن يشفع لهم أمام الله ﷿، فيذهبون كما هو معلوم إلى آدم فيعتذر وإلى نوح فيعتذر، وإلى إبراهيم، وإلى موسى، وإلى عيسى كلهم يعتذرون إلا أن عيسى يقول لهم: اذهبوا إلى محمد؛ فإنه عبد قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتي العباد جميعًا إلى محمد ﷺ فيطلبون منه الشفاعة عند الله ﷿، فيقول: أنا لها، فيأتي فيسجد تحت العرش سجودًا طويلًا ويلهمه الله ﷿ من المحامد ما لم يكن يعرفه من قبل، فيقول البارئ ﷿: يا محمد ارفع رأسك، وسل تُعط، واشفع تشفّع، ثم يطلب الشفاعة من الله ﷿ فيفصل الله بين الخلائق، فمن هنا يبدأ الحساب، والحساب هو مناقشة كل إنسان بمفرده يكلمه الله ﷿ بواحًا ليس بينه وبينه حجاب، ويحاسب الخلائق جميعًا حساب رجل واحد، وكل إنسان يظن أن الله لم يحاسب غيره في ذلك الوقت، فيناقشه الحساب.
[ ٥ / ٢٢ ]
نصب الموازين
ثم بعد ذلك تُنصب الموازين وهي موازين حقيقية لها كفة، وقيل إنه ميزان، إنما قيل (موازين) لأن هذا الميزان يزن للجميع فيُعتبر بالنسبة للجميع موازين إشارة إلى المصدر لا إلى الآلة، وقيل إنها موازين كثيرة متعددة، والأرجح والله أعلم أنه ميزان واحد، فيكون بالنسبة للجميع موازين.
وتنشر الدواوين والسجلات، ثم بعد ذلك تتطاير الصحف، كل واحد يأخذ صحيفته، أما الدواوين فقد كُتب بها جميع ما عمله الإنسان، وهي نتيجة ما كان يكتبه الكرام الكاتبون على العبد، فيعرف كل إنسان ماذا عمل ويحاسب عليه، ثم بعد ذلك تأتي الشهادات، وهي الصحائف التي فيها نجاة الناجين وهلاك الهالكين، فكل إنسان يأخذ صحيفته، فمنهم من يأخذ صحيفته بشماله ومنهم من يأخذ صحيفته من وراء ظهره، ومنهم من يأخذ صحيفته بيمينه.
والميزان له كفتان ولسان كما ورد في النصوص، وهذا رد على أفراخ الفلاسفة وأفراخ العقلانيين قديمًا وحديثًا من الذين زعموا أن الميزان أمر معنوي وليس بحقيقي، وأنه يعني العدل.
[ ٥ / ٢٣ ]
حوض النبي ﷺ والصراط
ثم قال: (ولنبينا محمد ﷺ حوض).
يدل السياق على أن الشيخ يرى أن الحوض قبل الصراط، وهو الذي يراه كثير من أهل العلم.
وهو حوض وصف بأن ماءه أشد بياضًا من اللبن وأحلى من العسل، وأباريقه عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا.
والصراط حبل على متن جهنم يمر به الناس، فمن كان من أهل النجاة نجا، وأهل النجاة يتفاوتون، فمنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كأجاويد الخيل، أي الخيل الجيدة السريعة، ومنهم من يمر ركضًا، ومنهم من يمر مشيًا، ومنهم من يمر زحفًا، ومنهم من يتكردس في نار جهنم، وهم المنافقون والكفار والذين أراد الله ﷿ لهم أن يُعذبوا من أهل الكبائر.
قال: (يجوزه الأبرار)، بمعنى يتجاوزونه ويمرون به، (ويزل عنه الفجار) بمعنى أنهم يتكردسون في نار جهنم.
[ ٥ / ٢٤ ]
الإيمان بالشفاعة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ويشفع نبينا ﷺ فيمن دخل النار من أمته من أهل الكبائر، فيخرجون بشفاعته بعد ما احترقوا وصاروا فحمًا وحممًا] بمعنى أنهم بعد أن يُعذّبوا زمنًا حسب تقدير الله ﷿ ومشيئته يشفع لهم النبي ﷺ فيدخلوا الجنة.
ذكر الشفاعة وهي شفاعة النبي ﷺ لأهل الكبائر من أمته، وهذه قطعية متواترة، أنكرتها الخوارج والمعتزلة وكثير من الفرق التي سارت على نهج هاتين الفرقتين، ومنها على سبيل المثال طوائف الآن من المفكرين ومن العصرانيين، ومنها الإباضية، فإنها تُنكر الشفاعة لأهل الكبائر إلى يومنا هذا رغم تواترها في النصوص نسأل الله العافية من هذه الآراء الباطلة، وأن أهل الكبائر يدخلون الجنة بعد أن يُعذّبوا في النار ما شاء الله ﷿ أن يُعذّبوا، والشفاعة لأهل الكبائر شاملة لغير هذه الأمة أيضًا، فكل نبي يشفع لأهل الكبائر من أمته.
ثم قال: [ولسائر الأنبياء والمؤمنين والملائكة شفاعات].
أي: شفاعات متعددة وليست شفاعة واحدة، بمعنى أن هناك أنواعًا من الشفاعات وأنواعًا من الشفعاء، فالنبي ﷺ له شفاعات كثيرة منها المقام المحمود الذي ذكرته، وهو الشفاعة لأهل الموقف بأن يفصل الله بينهم، ثم شفاعته ﷺ لطوائف من أهل الجنة تُغلق أمامهم أبوابها، فيشفع لهم بأن تُفتح لهم أبوابها، وشفاعته ﷺ لأهل الكبائر، وقد ذكرتها، وشفاعته ﷺ لأناس استحقوا النار عند الحساب ألا يدخلوها، وشفاعته ﷺ لبعض أهل الجنة أن يزاد لهم من نعيمها ويرتقوا في درجاتهم، وشفاعته لعمه أبي طالب بأن يخفف عليه من عذاب النار.
وكذلك الأنبياء والملائكة لهم شفاعات في المؤمنين، بمعنى أن الشفاعة لا يمكن أن تشمل أهل النفاق والشك والكفار الخلّص، ولا تكون إلا للمؤمنين من أهل الكبائر أو من دونهم ممن يستحق شفاعة ما، ممن لم يكن من أهل الكبائر، أو دخل الجنة لكن قد يُشفع له في زيادة نعيم ونحو ذلك.
إذًا الشفاعة لا تكون إلا للمؤمنين، ولا تكون أيضًا إلا برضا الله ﷿ عن المشفوع له، وإذنه للشافع بأن يشفع.
الشافعون: هم الرسل والأنبياء والمؤمنون والملائكة.
وقد ورد أن للقرآن شفاعة لصاحبه بأن يرتقي في درجات الجنة حينما يقال له: اقرأ وارق، وورد أن القرآن يؤانس صاحبه في القبر، وورد أن القرآن له شفاعات الله أعلم بها.
وورد أن الصيام له شفاعة، وورد أن أطفال المسلمين الذين يموتون قبل سن البلوغ إذا احتسبهم والدوهم فإنهم يشفعون لهم، وهذا ثابت في الحديث عن النبي ﷺ.
[ ٥ / ٢٥ ]
الإيمان بالجنة والنار
ثم ذكر الجنة والنار، وأنهما مخلوقتان، أي الآن، والله أعلم بكيفية ذلك؟ وأين تكونان؟ لكن لا شك أن الجنة فوق وأن النار في أسفل سافلين، وأن الجنة أيضًا تزادن للمؤمنين وتُغرس بأعمالهم، وأن النار فيها من الخلق من دخل فيها أو يردها الآن مثل فرعون وقومه، فإنهم يردون النار بكرة وعيشًا؛ نسأل الله السلامة قال المؤلف ﵀: [والجنة مأوى الأولياء والنار عقاب للأعداء].
هذا فيه رد على كثير من غلاة الفلاسفة وغلاة المتصوفة، وغلاة الباطنية الذين يزعمون أن الجنة تكون فيما بعد مأوى للجميع لا فرق بين مؤمن وكافر، أو يزعمون أن الجنة لطوائف معينة من البشر، أو أن كل البشر لا بد أن يكونوا من أهل الجنة، حتى زعم بعضهم أنه يتحكم في الجنة والنار يدخل فيها من يشاء ويحرم منها من يشاء.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأهل الجنة فيها مخلدون].
بمعنى أنهم باقون في نعيمها أبدًا، وكذلك أهل النار مخلدون باقون في عذابها أبدًا إلا من شاء الله خروجه من أهل النار، وهم أهل الكبائر أو الذين تشملهم رحمة الله ﷿، كما ورد في الحديث الصحيح أن الله ﷿ حينما يقول: شفع النبيون وشفع الملائكة، ثم يقول: ولم يبق إلا رحمة أرحم الراحمين، فيقبض قبضة بيده من أهل النار من أناس لم يعملوا خيرًا قط، فيكونون من أهل الجنة برحمة الله، وفي هذا إشارة إلى أن الله ﷿ يفعل في عباده ما يشاء، وليس لهم أن يقرروا مصائر العباد بأهوائهم إلا ما ورد في الكتاب والسنة.
ثم قال: [ويؤتى بالموت في صورة كبش أملح فيذبح].
هذا فيه دليل قاطع على أن أهل النار لا يموتون، وأن أهل الجنة لا يموتون.
[ثم يقال: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت].
والحديث كما ترون رواه البخاري ورواه مسلم، والأحاديث في ذلك كثيرة.
[ ٥ / ٢٦ ]
الأسئلة
[ ٥ / ٢٧ ]
وجود الدجال وقبول التوبة بعد خروجه
السؤال
هل الدجال موجود؟ وهل تقبل التوبة بعد خروجه، أي لو إنسانًا آمن به ثم تاب؟
الجواب
فالتوبة تُقبل ما لم تطلع الشمس من مغربها أو يغرغر الإنسان، أو بمعنى أنه يبدأ مرحلة الموت وينتهي من الحياة، فما لم تبلغ الروح الحلقوم فإن الإنسان له توبة، وما لم تطلع الشمس من مغربها فله توبة حتى ولو بعد الدجال على القول بأن خروج الدجال -وهو الراجح- قبل طلوع الشمس من مغربها.
أما هل الدجال موجود؟ فهذه مسألة خلافية لا تزال من مشكلات المسائل، بعض أهل العلم يقول: الدجال غير موجود، بدليل أنه يخرج آخر الزمان، والنبي ﷺ ذكر في حديث أنه لن تبقى بعد مائة سنة في وقته نفس حية، فقالوا: يدخل في ذلك نفس الدجال لو كان حيًا لمات، وبعضهم قال: إنه من علامات الساعة ولا يخرج إلا عند الساعة، وإنه الآن في عداد غير الموجودين.
وبعضهم قال: الدجال موجود لكنه يتشكل، والنبي ﷺ أخبر به، فإنه أخبر به في شكله الأخير الذي يكون فيه الخروج على آياته التي ذُكرت، أما قبل ذلك فإنه شيطان من شياطين الإنس أو شياطين الجن، أو من ذرية إبليس والله أعلم، أو خلق آخر يتشكل وربما يُبتلى به الخلق كما يبتلون بالشياطين، واستدلوا لذلك بأدلة منها قصة الجسّاسة، فقالوا: إن فيها إشارة إلى أن الدجال مربوط في جزيرة من البحر، وأنه يتحين الفرصة ويسأل عن الأخبار.
وقالوا أيضًا: إنه تشكل مرة أخرى على صورة ابن صياد في عهد النبي ﷺ وأراد الله أن يبتلي به الصحابة، لكن الله وقاهم من شر فتنته، فلم يحدث منه ما يضر بعقيدتهم، وكثير من الصحابة يرون هذا الرأي، أنه ابن صياد تشكل من باب الابتلاء واستدلوا على هذا بأدلة كثيرة، وقالوا: إنه ربما يموت أو ربما يموت ثم يخرج مرة أخرى، أو أنه يختفي ويتشكل بحال أخرى كتشكل الشياطين، وأنه يخرج عند قيام الساعة على النحو الذي ذُكر في الأحاديث، وأن قول النبي ﷺ: (لا تبقى نفس منفوسة بعد المائة سنة) ونحو ذلك، لا يشمل من استثني مثل عيسى ﵇ والدجال، قالوا: وهذا الحديث يعني المخاطبين من أهل جزيرة العرب ومن حولها ولا يعني جميع الخلق وجميع النفوس.
المهم أن الذين قالوا إن ابن صياد هو الدجال يرون أن الدجال لا يزال حيًا وأنه يتشكل، وأنه أحيانًا يكون محبوسًا في البحر، وأحيانًا يظهر للناس على شكل رجل يُفتن به الناس، إلى أن يخرج على هيئة الدجال المعروف عند قيام الساعة.
ولقولهم هذا أنه حي شواهد، منها ما حدث لـ ابن صياد مع ابن عمر من سوء التفاهم، فـ ابن عمر ضرب ابن صياد في إحدى سكك المدينة، فانتفخ وحدث منه حال أزعجت الناس وأرهبتهم حتى كاد أن يسد السكة، فذهب الناس وشكوا الحال لـ حفصة بنت عمر فاستدعت أخاها وقالت: يا عبد الله أتريد أن تخرجه علينا، أما علمت أن النبي ﷺ قال: إنه يخرج في غضبة يغضبها؟ فما قال: نعم هو هذا، ولا قال: ليس هذا هو الدجال، ولا قال: هذا الخبر ليس بصحيح، بل صدّقه.
وكثير من الصحابة كانوا يرون أنه هو الدجال فتنوا به وأن الله عصمهم من فتنته وهناك أدلة وقرائن أخرى كثيرة، وبعضهم قال: لا، إنه يقال له الدجال بمعنى أنه دجال من الدجالين.
[ ٥ / ٢٨ ]
معنى القول بأن الأعمال من لوازم الإيمان
السؤال
ما معنى قول مرجئة الجهمية إن الأعمال من لوازم الإيمان؟
الجواب
هؤلاء ليسوا مرجئة الجهمية، مرجئة الجهمية لا يقولون الأعمال من لوازم الإيمان، والذين يقولون الأعمال من لوازم الإيمان مرجئة الفقهاء، وإذا كنت قد قلت مرجئة الجهمية فهذه زلّة مني، أو سبق لسان فالذين يقولون الأعمال من لوازم الإيمان مرجئة الفقهاء وهم غير مرجئة الجهمية، أما مرجئة الجهمية فإنهم لا يدخلون الأعمال في الإيمان أبدًا، ويرون أن الإيمان التصديق، والعمل لا أثر له لا في خير ولا في شر، وهؤلاء يسمون غلاة المرجئة.
[ ٥ / ٢٩ ]
حكم وعظ الناس بعد دفن الميت
السؤال
هل يصح أن يوعظ الناس بعد دفن الميت استدلالًا بالحديث؟
الجواب
نعم يجوز وعظ الناس لكن بقدر، أي أنه لا يأخذ الوعظ ترتيبات خطابية وأن يقوم خطيب وراء خطيب، وجمهرة أو استعمال مكبرات إنما يوعظون بكلمات معدودات لا يكون لها شيء من الإجراءات التي ربما تكون وسيلة لعمل البدع، والجنائز دائمًا من وسائل انتشار البدع، بإضافة الأعمال حولها مما لم يُشرع في السنة، وأعظم من ذلك الكلمات التي تُلقى عند انتظار الجنازة في المساجد، هذا في الحقيقة يُخشى أن يكون بداية البدع، فلا ينبغي أن تُستغل تجمعات الناس للصلاة على الجنازة للخطابة والكلام، فإن هذه بدايات البدع؛ لأنه يأتي يوم من الأيام يقول الناس: ما دام فلان اجتُمع له وتكلم الشيخ الفلاني عند جنازته، إذًا صاحبنا من الأموات أولى وله حق علينا، فيستدعون الشيخ فلانًا والواعظ فلانًا فتبدأ مسألة المآتم التي حدثت في البلاد الأخرى إذًا فينبغي سد هذا الباب إلا الوعظ المحدود الذي ورد مثله عن النبي ﷺ، على نحو ما ورد بلا زيادة مع الاحتياط الشديد؛ لأن الناس الآن توفرت لديهم الوسائل، ممكن أن يأخذ بشكل أوراق ومنشورات أو مكبرات أو حفلات خطابية إلى آخره، فينبغي لطلاب العلم أن يتنبهوا فلا يُترك الوعظ إطلاقًا ولا يُفتح الباب على مصراعيه.
[ ٥ / ٣٠ ]
معنى ورود يأجوج ومأجوج من كل حدب وصوب
السؤال
القول بأن يأجوج ومأجوج ينبتون من الأرض خرافات لا أصل لها، وما معنى قولك من كل حدب وصوب؟
الجواب
من كل حدب أي: من كل جهة، يردون أثناء الحدث الذي يحدث لهم عند قيام الساعة من كل جهة، ومن كل مرتفع وكل منخفض.
أما أنهم لا يستنبتون من الأرض فنعم، لأنهم شعب من الشعوب من ذرية آدم والله أعلم.
[ ٥ / ٣١ ]
حياة البرزخ للذين تقوم عليهم الساعة
السؤال
هل الذين تقوم عليهم الساعة في أرض المحشر في الشام يكون لهم حياة برزخية؟
الجواب
نعم، أن لهم حياة برزخية لأنه يوجد بين الحياة الأولى والأخرى زمن، وبين النفختين زمن.
[ ٥ / ٣٢ ]
أنواع الناس في أخذ الصحف في أرض المحشر
السؤال
هل الناس في أخذ الصحف على ثلاثة أنواع أو على نوعين؟
الجواب
الناس من حيث مصائرهم على نوعين: الناجون: وهم الذين يأخذون الصحف بأيمانهم نسأل الله أن يجعلنا جميعًا كذلك.
والهالكون: وهم على صنفين: صنف يأخذ صحيفته بشماله، وصنف من وراء ظهره، والله أعلم أن الذي يأخذه من وراء ظهره هو المنافق والمعاند والكائد للحق وأهله، أي: الذي يُنكر الحق مع قيام الحجة عليه.
فإذًا هم من حيث السعادة والشقاوة صنفان، ومن حيث نوع الأخذ ثلاثة أصناف.
[ ٥ / ٣٣ ]
وصف الله تعالى بأنه كتب بيده
السؤال
هل يصح أن أقول اللفظة التالية: أن من صفات الله أنه كتب بيده؟
الجواب
هذا فعل من أفعال الله وليس من صفاته، نعم اليد صفة من صفات الله ﷿ تُثبت له كما يليق بجلاله، أما الكتابة باليد فقد ورد عن الله ﷿ أنه كتب كذا بيده كما كتب الصحف وكتب التوراة، فعلى هذا يكون إضافة الكتب إضافة فعل من أفعال الله ﷿ ليست إضافة صفة، واليد صفة.
[ ٥ / ٣٤ ]
قرائن القول بأن الخسف يكون في منابع البترول
السؤال
ما هي القرائن التي ذكرتها في أن الخسف يكون في منابع البترول؟
الجواب
على أي حال أنا قلت لكم هذا كلام لا يعول عليه، إنما هو مجرد ظن والظن لا يغني من الحق شيئًا، لكن عرفنا من بعض أهل العلم أنهم قد يلتمسون بعض الأمور أو بعض الدلائل التي تجعلهم قد يقولون بقول ولا يجزمون به.
أما القرائن فإن الإشارة إلى أن الخسوف في ثلاثة أماكن واضحة أن المقصود بها الأماكن التي تشمل أقصى الشرق وأقصى الشمال، وأقصى الغرب وأقصى الشرق والوسط، وإذا تأملنا منابع البترول وجدناها في هذه الأماكن الثلاثة، والمنابع كما يذكر كثير من المختصين الآن قد تؤثر على الأرض فيما بعد إذا كثر استنفاذ البترول من الأرض، وأُخذت كميات ضخمة هائلة.
[ ٥ / ٣٥ ]
عذاب القبر لقوم فرعون
السؤال
هل الآية الواردة في قوم فرعون: ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر:٤٦] تدل على عذاب القبر؟ وما هي وجه الدلالة؟
الجواب
طبعًا ورد في الحديث صحيح أنهم يعذبون في قبورهم، وأن هذا نوع من عذاب القبر لهم.
[ ٥ / ٣٦ ]
مصطلح السمعيات
السؤال
أليس السمعيات مصطلح من مصطلحات علماء الكلام، فمعلوم أن الرازي يقسم العقيدة إلى إلهيات ونبوات وسمعيات، ويظهر لي أن مصطلح السمعيات لا دليل عليه؟
الجواب
نعم، من حيث إنه مصطلح يلتزم أو يُعتقد ليس بذلك، لكنه مصطلح متعارف عليه في إطلاقه على الأمور التي وردت في النص في القرآن والسنة، ولا مشاحة في الاصطلاح، والسلف أطلقوه بعد شهرته على الأمور الغيبية لأنه وصف صادق عليها، وكونه يوافق مصطلحات المتكلمين فهذا لا يضر إذا كان المصطلح صحيحًا وليس عليه غبار؛ لأنه حتى عند المتكلمين مفهوم السمعيات مفهوم يوافق ما جاء به الشرع، فإذًا: لا حرج في إطلاقه.
[ ٥ / ٣٧ ]
رؤية النبي ﷺ ربه في حادثة المعراج
السؤال
هل رأى النبي ﷺ ربه في حادثة الإسراء والمعراج؟
الجواب
نعم رأى ربه؛ لكن الراجح أنها رؤية قلبية بفؤاده كما ثبت عن ابن عباس وكثير من الصحابة، وأن النبي ﷺ لما سئل: هل رأيت ربك؟ قال: (نور أنى أراه) في حين أنه أثبت رؤية ربه في أحاديث أخرى في المعراج، وفي النوم حينما قال: (رأيت ربي البارحة)، ولذلك ما ورد عن الصحابة وعن السلف من إنكار الرؤية ينصرف إلى إنكار الرؤية البصرية، وما ورد من ثبوت الرؤية يصرف إلى الرؤية القلبية.
[ ٥ / ٣٨ ]
استخدام عبارة (تحقيقًا لا تعليقًا)
السؤال
هل يجوز لأحد أن يستخدم هذه الجملة: تحقيقًا لا تعليقًا، أم أن لها شروطًا؟
الجواب
أي: كأن يقول: المسلمون سينتصرون إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا، فهذا جزم بوعد الله وبالنصر مثلًا، وهذا كلام من عندي، لكن هو جعل السؤال مجملًا: هل يجوز لأحد أن يستخدم هذه الجملة: (تحقيقًا لا تعليقًا)؟ والجواب: حسب المقام، أما دائمًا فلا، أما إذا كان المقام يقتضيها كأن يؤكد على أمر عنده يقين به لكن لا بد من الاستثناء فيه فيجعل الاستثناء استثناءً راجعًا إلى مشيئة الله لا إلى وعده، فيقصد به الجزم بوعد الله، وتعليق المشيئة على الله ﷿، فهذا لا مانع منه لكن بشرط ألا يكون استعمالها دائمًا، لأن فيه نوع تأل على الله ﷿.
[ ٥ / ٣٩ ]
موت إسرافيل
السؤال
في النفخ الأول في الصور هل يموت إسرافيل؟ وإن كان يموت فمن الذي ينفخ النفخة الثانية؟
الجواب
يظهر من النصوص أنه يموت، ويحيا بإذن الله ثم ينفخ النفخة الثانية، وذلك كله راجع إلى قدرة الله ﷿، على أي حال ما عندي في هذا ما أتذكره من النصوص، لكن عموم النصوص تدل على أنه يموت، وأن الله ﷿ يحييه فينفخ في الصور.
[ ٥ / ٤٠ ]
من هم الذين يخرجون من النار
السؤال
الذين يقبضهم الله ﷿ ويخرجهم من النار هل فيهم كفار؟
الجواب
الله أعلم، وهذه من الأمور المشكلة عند أهل العلم؛ لأنه ورد أن منهم من لم يعملوا خيرًا قط، فبعض أهل العلم فسّرها بأنهم لم يعملوا خيرًا ولم يعملوا كفرًا أيضًا، أي أنهم لم يعملوا خيرًا قط لكن ليسوا من الكفار والمشركين، إما أن يكونوا من أهل الفترة، أو من أمثال الذين لا تقوم عليهم الحجة في الدنيا كالمخرف أو المعتوه.
وبعضهم قال إن هذا يشمل من يتوب ويسلم ثم يموت قبل أن يعمل خيرًا قط، مع أن هذا حكمه حكم المسلم، فلا شك أنه من أهل الجنة.
لكن قد يكون ممن لم يسلم لكنه ترك الكفر والشرك ثم لم يهتد بالإيمان.
وقيل: بل هذا أمر راجع إلى مشيئة الله ﷿، وقد يشمل ذلك الكفار الخلّص، والله على كل شيء قدير، ليبين لعباده أنه يفعل ما يشاء، وأنه لا يتألى عليه أحد.
[ ٥ / ٤١ ]
حكم الاستثناء في الإسلام
السؤال
هل يجوز الاستثناء في الإسلام؟
الجواب
لا؛ لأن الإسلام عمل الاستثناء يكون في الإيمان، مع أن بعض أهل العلم قال: إن حكم الإيمان وحكم الإسلام واحد، يقول: أنا مسلم إن شاء الله أو مؤمن إن شاء الله، لكن الغالب أن الإسلام لا يرد فيه الاستثناء؛ لأنه أمر ظاهر، أما الإيمان فأغلبه متعلق بالأمر الباطن، فلذا أغلب الاستثناء إنما يكون في الإيمان.
[ ٥ / ٤٢ ]
استثناء الشفاعة لأبي طالب من بين الكفار
السؤال
يقول المؤلف: (ولا تنفع الكافر شفاعة الشافعين)، وقد ذكرت الشفاعة لأبي طالب وهو كافر؟
الجواب
نعم، لا تنفع الكافر شفاعة الشافعين، أما ما ورد في حق أبي طالب فهو مخصوص به وليس لغيره، لذلك قال بعض أهل العلم: إنه لا يجوز أن نقول: إن من شفاعة النبي ﷺ أنه يشفع لبعض أهل النار، وإنما نقول: يشفع لعمه أبي طالب، وهذا هو الراجح.
[ ٥ / ٤٣ ]
الفرق بين العرض والحساب
السؤال
ما هو الفرق بين العرض والحساب؟
الجواب
الفرق بين العرض والحساب، أن الحساب جزء من العرض، والعرض أشمل من الحساب، فالعرض يشمل الوقوف والحساب، أما الحساب فهو بعد الوقوف.
[ ٥ / ٤٤ ]
سماع أهل القبور من يزورهم ويدعو لهم
السؤال
هل أهل القبور يسمعون من يزورهم ويدعو لهم؟
الجواب
من يأتي القبور فيسلم عليهم يردون ﵇ ويسمعونه، أما من يدعو لهم خارج القبور فإنهم لا يسمعونه، إلا أنه ورد أشياء محدودة لا تدل على استمرار سماعهم لما يفعل غيرهم، أما من يزورهم فإنهم ترد عليهم أرواحهم ويردون ﵇ ويسمعون ما يقول.
[ ٥ / ٤٥ ]