أمة نبينا محمد ﷺ هي خير الأمم، وأصحابه خير أصحاب الأنبياء ﵈، وهم في الفضل والمنزلة متفاوتون، فأفضلهم الخلفاء الراشدون، وأفضل الخلفاء أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، ثم يليهم في الفضل باقي العشرة المبشرين بالجنة.
[ ١٦ / ١ ]
فضائل أمة محمد ﷺ
قال الموفق ﵀: [أمته خير الأمم، وأصحابه خير أصحاب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام].
هذا الفصل فيه ذكر لمقام النبي ﵌ وأمته، وقد سبق شيء من ذلك وهو في قوله في هذا المقام [أمته خير الأمم] وهذا مجمع عليه، وهو صريح في كتاب الله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] ولكن هذا لا يستلزم أن يكون أعيان هذه الأمة خيرًا من أعيان غيرهم، فإن هذا التفضيل إنما هو باعتبار الجنس ولا باعتبار الواحد من الأعيان، فإن في أعيان أتباع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من هو خير من أتباع محمد ﷺ.
فأمته باعتبار جنسها ومجموعها هي خير الأمم وأشرفها وأزكاها على الله تعالى، وقد بين النبي ﷺ من خصائصها وفضائلها: (أنهم يوافون نصف أهل الجنة) كما ثبت ذلك في الصحيحين في حديث أبي سعيد، وجاء من حديث عبد الله بن مسعود (أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ قال: فحمدنا الله وكبرنا، قال: أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ قال: فحمدنا الله وكبرنا.
قال: والذي نفسي بيده: إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة) وفي رواية: (شطر أهل الجنة)، فلا شك أنهم أقرب الأمم إلى ربهم.
ومن فضائلهم: أنهم أكثر الأمم دخولًا الجنة، وهم يوافون نصف أهل الجنة، وقد جاء في حديث في السنن أن النبي ﷺ قال: (إن أهل الجنة مائة وعشرون صفًا، توافي هذه الأمة ثمانون منها) فهل هذا يدل على أن النبي ﷺ هنا ذكر أنهم ثلثا أهل الجنة أم أن هذا على معنى أنهم نصف أهل الجنة؟!
من أهل العلم من قال: إن في هذا الحديث الذي رواه أهل السنن زيادة، فإن قوله: (أهل الجنة مائة وعشرون)، وهذه الأمة (ثمانون) فدل على أنهم على قدر الثلثين، وحقيقةً هذا ليس بلازم؛ لأن النبي ﷺ إنما ذكر الصفوف، وهذا الفرض (الثلثان) مبني على تساوي الصفوف في العدد، وهذا الله أعلم به.
إذًا: نقف حيث وقف النص، فيقال: إنهم نصف أهل الجنة، وأن أهل الجنة مائة وعشرون صفًا ولهذه الأمة ثمانون منها، هل هذا زيادة أو ليس بزيادة؟ هذا أمره إلى الله.
[ ١٦ / ٢ ]
أصحاب الرسول ﷺ خير الأصحاب
قال الموفق ﵀: [وأصحابه خير أصحاب الأنبياء ﵈].
أيضًا أصحاب محمد ﷺ هم أفضل أصحاب نبي، فإن للأنبياء عليهم الصلاة والسلام أصحابًا، وقد قال ﵊ كما في حديث ابن مسعود في الصحيح: (ما من الأنبياء نبي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته، ويقتدون بهديه، ثم تخلف من بعدهم خلوف) فذكر ﵊ أن كل نبي له أصحاب وحواريون.
وهذا باعتبار الجنس، وإلا ففي حديث ابن عباس الثابت في الصحيحين أن النبي ﷺ لما ذكر مقام العرض قال: (ورأيت النبي وليس معه أحد) وظاهر النص يدل على أن بعض الأنبياء لم يصدقهم أحد ولا أتباع لهم، مع أنه قال في حديث ابن مسعود: (ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب).
[ ١٦ / ٣ ]
فضل الخلفاء الراشدين
قال: [وأفضل أمته أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى ﵃ أجمعين].
أفضل أمته ﷺ هم أصحابه، وأفضل أصحابه هم الخلفاء الأئمة الحنفاء: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي.
وهكذا وصفهم المصنف بهذه الصفات ورتبهم، وسلسلتهم على هذا القدر من الترتيب هو إجماع أهل السنة والجماعة، ولم يجادل في تفضيل أبي بكر وعمر إلا الرافضة الشيعة بوجه عام، فإن من الشيعة من يُثبت شأن أبي بكر في الجملة، لكنه يفضل عليًا على أبي بكر وعمر، وهذا عليه جمهور الزيدية من الشيعة الذين يفضلون علي بن أبي طالب على أبي بكر وعمر.
فتفضيل أبي بكر على سائر الصحابة هو إجماع أهل السنة، ولم ينازع في ذلك إلا الشيعة وبعض المعتزلة الذين ليس بالضرورة أن يفضلوا عليًا أو غيره عليه، وإنما قد يقطعون مسألة التفضيل، وهذه طريقة من طرق غلاة المعتزلة: لا يرون تعيين الفاضل على المفضول.
وقوله: [ثم عمر الفاروق] سمي بذلك لأنه كان فاروقًا في الحق، وأما ما يقال: إن الله فرق به بين الحق والباطل، وأنه بعد إسلامه جاهر الناس بالدعوة
إلخ فلا شك أن إسلام عمر كان له أثر من ذلك، لكن هل هذا الاسم على هذا الوجه فيه تلازم؟
هذه مسألة ليست محررة على هذا المقدار.
وقوله: [ثم عثمان ذو النورين] وهو زوج بنتي النبي ﷺ؛ ولهذا سمي ذو النورين.
وقوله: [ثم علي المرتضى] وهذا الوصف يسير لا جدل فيه ولا غلط، فإن عليًا ممن رضي الله تعالى عنه، وهو من السابقين الأولين، فهذا مقصود المصنف بهذه الجملة، وليس هو من أوصاف الشيعة في شأن علي بن أبي طالب.
قال الموفق ﵀: [لما روى عبد الله بن عمر ﵄ قال: (كنا نقول والنبي ﷺ حي: أفضل هذه الأمة بعد نبيها: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي.
فيبلغ ذلك النبي ﷺ فلا ينكره)].
هذا فيما يظهر ليس منضبطًا من جهة الرواية، فالمحفوظ عن ابن عمر أنه يقول: [كنا نقول على عهد رسول الله: أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر] وأما أن فيه هذا التسلسل إلى آخره فلا أذكر أن هذا صحيح عن ابن عمر.
[ ١٦ / ٤ ]
التفضيل بين عثمان وعلي ﵄
وأما مسألة عثمان وعلي فلم تكن من المسائل القطعية البينة في صدر هذه الأمة؛ ولهذا كان فيها قدر من النزاع، أيهما أفضل: علي بن أبي طالب أم عثمان بن عفان؟
وهذه من المسائل التي فيها قدر من الاجتهاد، ولكن لك أن تقول: إن أمر الخلفاء الأربعة مبني على مسألتين:
المسألة الأولى: مسألة الخلافة.
المسألة الثانية: مسألة التفضيل.
أما مسألة الخلافة فالإجماع منعقد ومطرد أن الخليفة الأول: أبا بكر ثم عمر ثم عثمان ثم عليًا.
أما مسألة التفضيل بين علي بن أبي طالب وعثمان، فكان قوم يذهبون إلى أن علي بن أبي طالب أفضل من عثمان، والجمهور يذهبون إلى أن عثمان أفضل، وقوم يتوقفون.
والحق أن هذه المسألة في مبدئها لم تكن من المحكمات، فإن الذي كان مستفيضًا ومستقرًا عند الصحابة في زمن الرسول وبعده هو تفضيل أبي بكر وعمر على سائر الصحابة، مع العلم بأن أبا بكر أفضل من عمر.
أما مسألة عثمان وعلي فلم تكن من المسائل البينة المستفيضة المحكمة؛ ولهذا تنازع فيها طائفة من السلف، فكان طائفة يذهبون إلى تفضيل علي بن أبي طالب، وطائفة يذهبون إلى تفضيل عثمان، وطائفة يتوقفون.
وإذا قلت: النصوص هي الحكم، فالنصوص ليست صريحة في تفضيل أحدهما كالنصوص المستقرة في شأن أبي بكر وعمر.
وإذا قيل: إن الصحابة أجمعوا على تفضيل عثمان على علي، وقالوا: من لم يقدم عثمان في التفضيل فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار؛ لأن المهاجرين والأنصار قدموه في الخلافة، وما قدموه إلا لكونه الأفضل.
وهذا الاستدلال فيه نظر من عدة أوجه:
الجهة الأولى: أن المهاجرين والأنصار كان عندهم قدر من التردد في التقديم، والدليل على ذلك: أن عمر جعل الخلافة في ستة من الصحابة، وهؤلاء الستة كل منهم وضع حقه لواحد، فأحدهما وضع حقه لـ عثمان، والآخر وضع حقه لـ علي، فدل على أن من الصحابة الستة الكبار من كان يرى تقديم علي بن أبي طالب على عثمان.
الجهة الثانية: أنه لو كان مستفيضًا عند الصحابة التقديم لـ عثمان لكان أولى بهذا التسليم علي بن أبي طالب، وما كان له، وما كان من شأنه أنه يكابر في الحق، فلو كان مستقرًا عنده من السنة وهدي رسول الله ﷺ أن عثمان هو الأفضل وهو المقدم لما نازعه في مسألة الخلافة، فإن عليًا لم يتنازل عن الخلافة.
الجهة الثالثة: أن الأمر لما انحصر فيهما، وبدأ يشاور المسلمين في الخلافة، رأى أن أكثر المسلمين يقدمون عثمان، فهل هذا إطباق عند كل أعيانهم أم أنه أخذ الأمر بالأكثر؟
ظاهر الأمر أنه أخذ الأمر بالأكثر.
الجهة الرابعة: أن آل البيت كانوا في ابتداء الأمر ينازعون في قضية أبي بكر قبل أن يتبين لهم الحق يظن فهل يظن أن آل البيت سيقدمون عثمان على علي؟! هذا بعيد، واضح أن آل البيت كانوا يرون أن لهم الخلافة من جهة أنهم آل بيت رسول الله ﷺ.
إذًا: هذا الاستدلال ليس بمحكم؛ لأنه ليس بمستتم استتمامًا تامًا.
مسألة: أنه لو سلم جدلًا أن الصحابة أطبقوا إطباقًا كليًا على تقديم عثمان في الخلافة، فإن التقديم في الخلافة لا يستلزم التقديم في الفضل، فإن الخلافة معتبرة بالديانة والقوة، أي: حسن الأمانة الإدارية، وليست الأمانة الدينية، ولعل المسلمين كانوا يرون في عثمان من هذا الوجه أميز منه في شأن علي بن أبي طالب، وهذا لا يلزم أن يكون من جهة فضيلته الشرعية ليس مماثلًا أو مقارنًا له أو ما إلى ذلك.
إذًا: هذه المسألة ليس فيها نص محكم في تقديم عثمان على علي، ومن بابٍ أولى ليس فيها نص محكم في تقديم علي بن أبي طالب على عثمان، فهي مسألة فيها قدر من التردد، والجمهور على تقديم عثمان.
لكن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول: "وبعد ذلك استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان "، فهذا هو الذي يقال، لكن الاختلاف الأول حاصل، وهو اجتهاد باق لا ينكر على من خالف فيه -أي: من قال: إن عليًا أفضل من عثمان، وعثمان مقدم في الخلافة- فهذا اجتهاد طائفة من السلف، وإن لم يُقَل: إنه راجح، فهذه مسألة أخرى.
ولهذا فإن الصحيح في مذهب الإمام أحمد: أن من قدم عليًا على عثمان في الفضل فهذه مسألة اجتهاد لا يبدع فيها المخالف، وإن كان الإمام أحمد حكي عنه رواية أخرى بتبديع المخالف، وهذا ليس بمحكمٍ في مذهبه، بل الصواب في مذهبه ما حكيناه سابقًا وهو الذي نصره شيخ الإسلام وإن كان الجمهور من أهل السنة -وهو الذي استقر عليه أمرهم- هو التقديم لـ عثمان، وهذا هو الراجح من جهة الترجيح، لكن من خالف في ذلك لا يسمى مبتدعًا.
قال الموفق ﵀: [وصحت الرواية عن علي أنه قال: (خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر، ولو شئت لسميت الثالث)].
من هو الثالث؟ الله أعلم.
وقد ثبت عن عائشة ﵂ في الصحيح أنها كانت ترى لـ أبي عبيدة بن الجراح مقامًا، فترى أنه كان المستحق لثالث الخلفاء، فهذا فيما يظهر مقام تردد بين الصحابة ﵃، لكن المجمع عليه عند أهل السنة والجماعة أن أفضل هذه الأمة أبو بكر ثم عمر، ثم عثمان وعلي، فهؤلاء الخلفاء الأربعة هم أفضل الأمة بالإجماع وأفضل من أبي عبيدة بن الجراح، وما أشارت إليه عائشة لم يكن في مسألة التفضيل إنما كان في الخلافة، ومسألة الخلافة تختلف عن مسألة التفضيل.
وأيضًا عمر لو كان مستقرًا عنده أن ثمة تلازمًا بين الفضل وبين الخلافة لجعلها في الفاضل عنده، سواء كان عليًا أو عثمان، فما الذي جعله يجعلها في ستة؟ لأنه ليس هناك تلازم بين تفضيل المعين من جهة ديانته وبين صلاحيته أو تقديمه في مقام الخلافة، فالمقام فيه اشتراك لكن فيه امتياز.
[ ١٦ / ٥ ]
أفضل الناس بعد الأنبياء والمرسلين أبو بكر الصديق
قال الموفق ﵀: [وروى أبو الدرداء عن النبي ﷺ أنه قال: (ما طلعت الشمس ولا غربت بعد النبيين والمرسلين على أفضل من أبي بكر)].
وهذا لا شك فيه: أن أبا بكر أفضل بني آدم بعد الأنبياء والمرسلين.
قال الموفق ﵀: [وهو أحق خلق الله بالخلافة بعد النبي ﷺ؛ لفضله وسابقته، وتقديم النبي ﷺ له في الصلاة على جميع الصحابة ﵃، وإجماع الصحابة على تقديمه ومبايعته، ولم يكن الله ليجمعهم على ضلالة].
إجماع الصحابة على ذلك من المهاجرين والأنصار، والرسول ﵊ كان يستخلف أبا بكر في حياته، وكان يرد إليه كثيرًا من الأمور، وهذا صريح في أنه أهل للخلافة من بعده، فقد استخلفه في الصلاة، وفي شورى الرأي
وما إلى ذلك.
فواضح من هدي رسول الله ﵊ أن أخص الناس به أبو بكر، وجدال الشيعة في هذا الباب من المجادلة بالباطل، وآل البيت رضي الله تعالى عن صالحهم ممن كان من الصحابة أو من بعدهم ليس لهم حق من جهة الاختصاص بالخلافة، بل الخلافة معتبرة في ما اعتبره النبي ﷺ في قريش، كما قال النبي ﷺ: (الأئمة من قريش).
قال الموفق ﵀: [ثم من بعده عمر لفضله وعهد أبي بكر إليه، ثم عثمان لتقديم أهل الشورى له].
قوله: (لتقديم أهل الشورى له) هذه مسألة فيها بعض التردد، وإنه استدلال ليس بمحكم على التمام.
قال الموفق ﵀: [ثم علي لفضله وإجماع أهل عصره عليه، وهؤلاء الخلفاء الراشدون المهديون الذين قال رسول الله ﷺ فيهم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ)].
قوله: (وهؤلاء الخلفاء) أي: هم خلفاء الرسول في أمته، أما من كان من بعدهم فإذا سمي خليفة فبمعنى أنه مستخلف على المسلمين سلطانًا وملكًا، وهذا هو الفرق بين الاسمين من جهة المعنى، وإن كان بينهما اشتراك في اللفظ.
[ ١٦ / ٦ ]
معاوية أفضل من عمر بن عبد العزيز
قال الموفق ﵀: [وقال ﷺ: (الخلافة من بعدي ثلاثون سنة) فكان آخرها خلافة علي].
بقي في هذه الثلاثين بضعة أشهر فقال بعض أهل العلم: إنها في إمارة الحسن بعد أبيه.
والصواب أن هذا ليس بلازم؛ لأن النبي ﷺ حين قال: (ثلاثون سنة) لا يلزم من ذلك -في استعمال كلام العرب- أن تكون على التمام بسائر أيامها، وإنما هذا مثل ما حلف النبي ﵊ أن لا يدخل على بعض أهله شهرًا، قالت أم سلمة -كما في الصحيح-: (فلما مضى تسع وعشرون يومًا غدا عليهم أو راح، فقيل له: يا رسول الله! قال: إن الشهر يكون تسعةً وعشرين) مع أنه لم ير الهلال، إنما حلف شهرًا في عرض شهرين، فلما أمضى ما بين الشهرين تسعًا وعشرين غدا عليهم أو راح، فهذا أمر مما تسوغه اللغة.
ولهذا تعلم أن قوله: (الخلافة من بعدي ثلاثون سنة) لا يصح أن يقال: إن عمر بن عبد العزيز خليفة خامس، بل هذا من كلام بعض أهل العلم من العراقيين، وقد أنكره كبار المحققين كالإمام أحمد وأمثاله، وهو مخالف لحديث سفينة وهو حديث احتج به أحمد وغيره من أئمة السنة على معنى صحته.
المقصود: أن عمر بن عبد العزيز خليفة عادل على هدي الخلفاء، لكن القول: إنه خليفة خامس ليس بذاك، إنما خلفاء الرسول في الأمة هم هؤلاء الأربعة فقط، وإن بقي شيء من هذه الخلافة النبوية فهي إمارة الحسن بن علي بن أبي طالب، ومعاوية أفضل من عمر بن عبد العزيز، وأتم علمًا وهدىً وتقوىً
إلخ، وإن كانت من جهة مسيرة الرعية حصلت في زمن عمر بن عبد العزيز من العدل والاستقرار أكثر مما حصلت في زمن معاوية، وهذا ليس سببه معاوية، إنما سببه الأحوال التي كانت مقارنة، فـ عمر بن عبد العزيز جاء والملك مستتب مستقر
إلخ، فكان العدل فيه يسيرًا وسهلًا، بخلاف معاوية فإنه جاء لقوم بينهم تنازع، وقد نازعه أكابر القوم كـ ابن الزبير، وعبد الله بن عمر -وإن كان مستترًا بالمنازعة- والحسين بن علي جاهر بها
إلى غير ذلك، فضلًا عن المنازعة السالفة عليه من علي بن أبي طالب وكبار الصحابة، ففرق بين الحالين، ولو كان أحد أولى بالخلافة الخامسة لكان أولى بها معاوية.
ومن يقول: إن عمر بن عبد العزيز أعلم ..
فقد غلط أيضًا، فإن معاوية أفقه وأعلم من عمر بن عبد العزيز، ولا إشكال في هذا.
[ ١٦ / ٧ ]
الشهادة للعشرة بالجنة وكل من شهد له النبي ﷺ
قال الموفق ﵀: [ونشهد للعشرة بالجنة كما شهد لهم النبي ﷺ، فقال: (أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وسعد في الجنة، وسعيد في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة)].
هؤلاء هم العشرة المبشرون بالجنة، ولا يعني ذلك قصر البشارة النبوية عليهم، بل كل من شهد له النبي ﵊ يقال: إنه في الجنة؛ وهذا متفق عليه بين أهل السنة، وإن كان حصل بين الإمام أحمد وابن المديني خلاف لفظي، فإن ابن المديني كان يقول: من قال عنه النبي ﷺ إنه في الجنة أقول: إنه في الجنة، ولا أشهد.
فقال الإمام أحمد: إذا قلت فقد شهدت، فكان هناك تردد من ابن المديني في اللفظ.
قال الموفق ﵀: [وكل من شهد له النبي ﷺ بالجنة شهدنا له بها، كقوله: (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة) وقوله لـ ثابت بن قيس: (إنه من أهل الجنة)].
وأيضًا: شهادته لـ عكاشة بن محصن أنه من السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب، فهذا أمر مشهور عن طائفة من الصحابة عينهم النبي ﷺ، وأما من سكت عنه النبي ﷺ وهو من سواد الأمة من أصحابه وغيرهم فهؤلاء يتوقف في شأنهم، فيرجى للمحسن ويخاف على المسيء.
لكن ثمة مسألة حصل فيها قدر من النزاع بين أهل السنة: من استفاض ذكره والثناء عليه في الأمة من الأئمة والعلماء وأمثال هؤلاء هل يجزم أو يشهد لهم بالجنة، أم يتوقف فيهم كما يتوقف في من لم يستفض ذكره؟
هذا فيه قولان: الجمهور يرون التوقف، وأن الاستفاضة بالثناء لا تستلزم الشهادة بالتعيين، وهذا هو الصحيح.
القول الثاني: أن من استفاض ذكره يُشهد له بالجنة، ويستدلون على ذلك بقول النبي ﷺ: (من أثنيتم عليه خيرًا وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شرًا وجبت له النار) وهذا الاستدلال ليس بمحكم؛ لأن مراده ﷺ أن الثناء أو الشهادة من موجبات الموافقة للحقائق في نفس الأمر عند الله تعالى، وليس معناه: أن من أثني عليه بخير لزم أنه مشهود له بالجنة، فهذا ليس داخلًا في نص الحديث ولا تضمنه، هذا مقام آخر لم يتضمن الحديث ذكرًا له.
[ ١٦ / ٨ ]