عقيدة أهل السنة في صفات الباري جل وعلا تعتبر من أخص أصولهم، فهم يؤمنون بما وصف الله به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ، مخالفين في ذلك مسلك المعطلة الذين عطلوا صفات الله وتأولوها على معان مجازية، ومخالفين -ثانيًا- مسلك المشبهة الذين يشبهون صفات الله بصفات خلقه، ومخالفين -ثالثًا- مسلك المفوضة الذين يقولون بالعمل بالألفاظ مع السكوت عن معانيها.
[ ٢ / ١ ]
عقيدة أهل السنة في صفات الباري ﷾
قال الموفق ﵀: [موصوف بما وصف به نفسه في كتابه العظيم، وعلى لسان نبيه الكريم].
أي أن الله جل وعلا له الأسماء الحسنى والصفات العلى، ولهذا كان من أخص أصول أهل السنة والجماعة في هذا الباب هو: الإيمان بما وصف الله به نفسه في كتابه، أو وصفه به رسوله ﵌.
قال الإمام أحمد: «نصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله، لا يتجاوز القرآن والحديث».
وأحيانًا يقع إشكال لدى بعض طلبة العلم في بداية الطلب؛ فإنهم تارة يقولون: يوصف الله بما وصف به نفسه في كتابه أو سنة نبيه، وتارة يقولون: الكتاب والسنة والإجماع.
وهذا ليس فيه إشكال؛ لأنه لا ينعقد الإجماع إلا تبعًا لنص، ولهذا لا فرق بين أن يقال: الكتاب والسنة، أو يقال: الكتاب والسنة والإجماع.
وقد جاءت صفات الله ﷾ في الكتاب والسنة بالنفي والإثبات؛ كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] فهذا نفي ..
﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] وهذا إثبات، ومن قواعد باب الأسماء والصفات: أن الله موصوف بالنفي والإثبات.
فإن قيل: ما الفرق بين المقامين؟
قيل: مقام الإثبات أصل ذكره في القرآن والحديث على التفصيل، وأما مقام النفي فإن الأصل في ذكره الإجمال، ولهذا فإن الله تعالى فصل ذكر الأسماء والصفات، وكذلك النبي ﷺ، وقد جاء في القرآن في هذا الباب إثبات مجمل، ونفي مفصل، لكننا نقول: إن الأصل في النفي هو الإجمال ..
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، وإنما أُجمل النفي كهذا الحرف من كتاب الله؛ لأنه أبلغ في تحقيق الكمال والتنزيه من المفصل، فإن قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] أي: ليس كمثله شيء موجود أو متخيل أو مفروض في الذهن، تعالى ﷾ عن كل شيء، فهذا عموم تام في النفي.
وكذلك فُصل في الإثبات؛ لأنه أبلغ في تحقيق الكمال، ولأنه ليس من المستحسن الاستطراد في تفصيل النفي، أو الإجمال في ذكر الإثبات، وإنما كان ذكر مجمل الإثبات لبيان شموله وتمامه، قال الله تعالى في ذكر مجمل أسمائه: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف:١٨٠] وهذا إثبات مجمل، وأما المفصل في أسماء الله، فهو كقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ﴾ [الحشر:٢٣] الآية، والصفات مفصلها كقوله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] ..
﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة:١١٩]، وكل اسم ذكر في القرآن فإنه يتضمن صفة، وهذا كله تفصيل للصفات، ومن المجمل في الصفات قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠] أي: الوصف الأكمل، وهذا إجمال في إثبات الصفات.
إذًا: الأسماء والصفات ذكرت مجملة ومفصلة، وذكرت مثبتة ومنفية، فالنفي المجمل هو الأصل، كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، والنفي المفصل قليل كقوله تعالى: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] ..
﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣]، ولهذا فإن كل نفي مفصل يتضمن ثبوتًا، وليس في القرآن ولا السنة نفي مفصل يقصد به النفي المحض، فمثلًا قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] لا يقصد به النفي المحض، بل جاء متضمنًا لثبوت الكمال: كمال الربوبية والقيومية، ولهذا كانت هذه الآية -على طريقة طائفة من مثبتة الرؤية: كأهل السنة، ومحققي الأشاعرة كـ الأشعري وغيره- دليلًا على إثبات الرؤية، فهذا هو المستعمل.
أما من حيث الإثبات فالأصل فيه هو التفصيل، ولا يثبت لله ﷾ شيء من الأسماء أو الصفات إلا ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ، فهو باب توقيفي على التفصيل، فلا يجتهد في إثبات اسم أو صفة، بل هو موقوف على تفصيل النصوص له، وأما النفي فهو في الجملة توقيفي كذلك، لكن ثمة معنىً مهم ذكره ابن تيمية ﵀، وهو أن يقال: إن الله منزه عن كل نقص؛ فهل يلزم أن هذا النقص الذي ينزه الرب عنه قد صُرح بنفيه في القرآن أو السنة؟
الجواب: لا يلزم، فصار المقام الأول: مقام الإثبات؛ لا يمكن أن نثبت لله اسمًا أو صفة ليس في الكتاب والسنة.
والمقام الثاني: مقام النفي؛ يمكن أن ينفى عن الله نقص لم يصرح بنفيه في القرآن.
ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (ولا يقتصر في باب النفي على ما ذكر تفصيلًا في القرآن أو في السنة، فإنه يسير، بل كل نقص فإنه ينفى عن الله).
فمثلًا: لا يوجد في كتاب الله تصريح بنفي الجهل، وذلك لأن ذكر العلم صفة، واسمه له ﷾ (العليم) يدل على نفي الجهل.
ومن هنا استخلص العلماء قاعدة وهي: (أن كل إثبات يتضمن نفي ضده) وهذه قاعدة مطردة؛ لأن المتقابلين يمتنع اجتماعهما في العقل، ولهذا إذا قال قائل: لِمَ لَمْ يذكر الرب ﷾ في كتابه تنزهه عن الجهل وغيره من صفات النقص؟
قيل: هذا مذكور على طريقة من التمام والبلاغة، وهو أنه ذكر إثبات المقابل، فعلم أن ضده يلزم أن يكون منفيًا عنه، ومباينًا له ﷾.
إذًا: نخلص إلى قاعدة وهي: أن باب الأسماء والصفات باب توقيفي، وأنه متحصل بالإثبات والنفي على القاعدة السالفة.
[ ٢ / ٢ ]
طريقة أهل السنة في إثبات الصفات
قال الموفق ﵀: [وكل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفى ﵇ من صفات الرحمن وجب الإيمان به، وتلقيه بالتسليم والقبول، وترك التعرض له بالرد والتأويل والتشبيه والتمثيل].
أبان الموفق ﵀ في جمله السالفة وفي شرحها فيما بعد، أن طريقته في باب الأسماء والصفات هي طريقة الأئمة، وأن كل ما جاء في القرآن أو صح عن النبي ﷺ من صفات الله، فإنه يجب الإيمان به، وتلقيه بالتسليم والقبول، وترك التعرض له بالرد والتأويل والتشبيه والتمثيل، وهذه القاعدة متفق عليها بين أئمة أهل السنة والجماعة، وحروفها التي ذكرها في هذه القاعدة هي في الجملة حروف بيِّنة.
قوله ﵀: (وكل ما جاء في القرآن، أو صح عن المصطفى ﵇) عبر ﵀ عن السنة، فقال: «أو صح» لأن في الأحاديث -كما هو معروف ومستقر- قدرًا من التردد في ثبوت بعضها، والمعتبر هنا هو ما صح عن النبي ﵌.
نقول: إن الاستدلال بالقرآن بين، وأما السنة فإن المتكلمين أوردوا كلامًا إنما نورده هنا ونناقشه لكونه دخل على بعض الأصوليين والفقهاء، بل وبعض الحفاظ المتأخرين من أهل الحديث، وهو ما يتعلق بتقسيم السنة إلى متواتر وآحاد، ثم رتبوا على هذا التقسيم فروعًا كثيرة.
والتقسيم إذا كان مجرد اصطلاح فإنه لا يمنع؛ لأنه لا مشاحة في الاصطلاح.
ولكن من أين جاء هذا التقسيم؟ وما هو مورده؟ وهل هو مجرد اصطلاح فعلًا، أم له شأن آخر؟
بعض أئمة السنة المتقدمين كـ الشافعي ﵀ يستعمل لفظ التواتر في كلامه، لكن هذا التقسيم من حيث الحد -أي: التعريف له- منزعه من نظار المعتزلة، ثم دخل على متكلمة الأشاعرة، وعلى من كتب في علم أصول الفقه، وليس غريبًا أن يدخل في كتب أصول الفقه؛ لأن أكثر من كتب في علم أصول الفقه هم من علماء الكلام؛ كـ أبي الحسين البصري في المعتمد وهو حنفي، وكـ أبي المعالي الجويني في البرهان وهو شافعي، وكـ أبي حامد الغزالي في المستصفى وهو شافعي، ومحمد بن عمر الرازي في المحصول وهو شافعي، وبعض كتب المالكية التي بنيت على علم الكلام، فكتب أصول الفقه فيها مادة كثيرة من علم الكلام، وكتابها ومؤلفوها من المتكلمين.
يقول أصحاب هذا التعريف: إن المتواتر ما رواه جماعة عن جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب، والآحاد ما عدا ذلك ..
ثم اختلفوا في هؤلاء الجماعة: كم عددهم؟ والذي عليه أكثرهم أنهم عشرة أو ما يقاربهم ..
فهب أن المتواتر ما رواه عشرة ابتداءً؛ فعليه: لا يكون الحديث متواترًا عن رسول الله ﷺ إلا إذا رواه من الصحابة عشرة، ورواه عن كل واحد من العشرة عشرة، فيكون العدد في الطبقة الثانية مائة، ورواه عن كل واحد من المائة عشرة، فيكون العدد في الطبقة الثالثة ألفًا، فهذا هو المتواتر، أما إذا لم يكن كذلك فإنه يكون آحادًا.
لقد وضع المتكلمون من المعتزلة هذا الحد، وقالوا: لا يحتج في العقائد إلا بالحديث المتواتر، وحقيقة هذه النظرية الكلامية التي ابتدعوها ومؤداها أن السنة لا يحتج بها في مسائل أصول الدين، وحقيقة الأمر أن المعتزلة أنفسهم ليسوا أهل رواية ولا أهل علم بالحديث، ولما دخل هذا الكلام على الأصوليين من المتكلمين، وشاركهم بعض أصحابهم من الفقهاء، وممن كتب من الحفاظ في مصطلح الحديث؛ بحثوا عن حديث متواتر بالشرط المذكور آنفًا، أي: رواه عشرة من الصحابة أو أكثر، وعنهم مائة أو أكثر، وعنهم ألف أو أكثر، فقالوا: ليس له إلا مثال أو مثالان أو ثلاثة، بل قال بعض الحفاظ المحققين: «إن هذا الحد ليس له مثال منضبط»، وإن أئمة الحديث -كـ البخاري وابن معين وابن المديني وأمثال هؤلاء- لم يكونوا يعتنون بضبط مثل هذا أصلًا، ولا يعدونه من مقصودهم، ولا يسمونه متواترًا.
وحتى لو فرضنا جدلًا أن عشرة أحاديث مثلًا قد انضبط تواترها على هذه الطريقة، فمعناه: أن عامة السنة لا يحتج بها.
وعليه فهذا الحد للمتواتر والآحاد -وإن كان موجودًا في كتب المصطلح، وذكره بعض الحفاظ الفضلاء؛ كـ ابن الصلاح، وابن حجر وأمثالهما- هو حد مخترع من المعتزلة، ويجب تركه وإنكاره؛ لأن مؤدَّاه الطعن في تحقيق النبي ﷺ لمسائل أصول الدين، وأنه لم ينضبط نقل الصحابة لها.
مسألة: هل المتواتر يفيد العلم، والآحاد لا يفيد إلا الظن؟
الجواب: هذه مسألة نظرية، وفيها تفصيل وخلاف، ذكره ابن حزم وابن تيمية وجماعة، ولكن الذي يصح أن يقال عنه: إنه متواتر -وهو مراد الشافعي وأمثاله من المتقدمين- هو ما اتفق المحدثون عليه، أو استفاض ذكره في السنة، واستقر قبوله عند أهل العلم؛ فهذا كله يسمى متواترًا، كحديث جبريل، فإنه حديث تُلقي بالقبول، وكحديث: (إنما الأعمال بالنيات )، فإنه غريب في مبدئه، وإن كانت الأمة قد تلقته بالقبول، وأجمع المحدثون على ثبوته.
فما استفاض ذكره من النصوص، وتوارد القبول عليه عند أئمة أهل الحديث، فهذا يسمى: متواترًا، وهذه التسمية -بهذا الاعتبار وعلى هذا التعريف- مناسبة للشرع واللغة والعقل، وأما النظرية التي وضعها المتكلمون، ودخلت على بعض المتأخرين، فهي نظرية باطلة، لا يمكن أن يعتبر بها شيء؛ لأن محصلها ترك الاحتجاج بالسنة في مسائل العقائد، وهذا هو مذهب الغلاة من أهل البدع.
[ ٢ / ٣ ]
وجوب الإيمان بنصوص الكتاب والسنة
قوله ﵀: «وجب الإيمان به» أي: بما جاء في كتاب الله أو سنة نبيه ﷺ، الإيمان بهذه النصوص وما دلت عليه، والإيمان: هو التصديق والقبول المستلزم للعمل، أو المتضمن للأعمال، وهذا هو معنى الإيمان الشرعي، وليس مجرد المعرفة فقط، فإن المعرفة تقع من غير المسلمين؛ فقد قال الله تعالى حاكيًا عن اليهود: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦] وإن سمَّى الله ﷾ اتِّباع ما بعث به نبيه ﵊ علمًا ومعرفة، إلا أن الغالب -وهو الأصل- أن هذا يسمَّى إيمانًا؛ فالإيمان إن لم يكن متضمنًا للأعمال الظاهرة والباطنة، فإنه مستلزم لها؛ إذا ما قيل: إن الإيمان من جهة أصله يسمَّى التصديق.
ولهذا فإن السلف ﵏ لما عرفوا الإيمان قالوا: هو قول وعمل، وهذا لازم من جهة الشرع، ومن جهة الدلائل فإنه لا يكون مؤمنًا بمحض التصور الذي هو المعرفة فقط، بل ولا بد أن ينقاد القلب، ويحصل بذلك أثر على الظاهر.
قوله ﵀: «وتلقيه بالتسليم والقبول» أي: لا يتعرض لتأويله، ففي إشارة إلى الرد على من اشتغل بتأويل نصوص الأسماء والصفات، فإن هذا نوع من ترك التسليم والقبول، ولهذا قال: «وترك التعرض له بالرد» وكأنه أشار بمسألة الرد إلى طعن خلق من المتكلمين فيما يسمونه من الأحاديث آحادًا، وإلا فليس من المسلمين من رد شيئًا من كلام الله أو كلام نبيه ﷺ أو طعن فيه؛ إذا بان له أنه صح عنه ﵊؛ لأن هذا الرد لا يكون إلا كفرًا وزندقة وخروجًا من الملة.
[ ٢ / ٤ ]
التأويل في اصطلاح المتكلمين
قوله ﵀: «والتأويل» أي: ترك التأويل له، والتأويل: لفظ مجمل ذكر في الكتاب والسنة على معنى الحقيقة، وذكر على معنى التفسير، وأما التأويل الذي قصد المصنف إلى إبطاله، فهو: ما اصطلح المتكلمون عليه، من صرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز لقرينة، أو صرف اللفظ عن ظاهره إلى مؤوله لقرينة أو صارف ..
وهذا هو التأويل في اصطلاح المتكلمين.
ولفظ التأويل الذي ذكر في الكتاب والسنة على غير هذا المعنى، بل على معنى الحقيقة، كقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف:٥٣] أي: حقيقته، أو يراد بالتأويل التفسير، كقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:٧] في حالة الوقف على كلمة (العلم)، ومنه قول ابن جرير وأمثاله: (القول في تأويل قوله تعالى).
ومنه قول الإمام أحمد: (ويتأولون القرآن على غير تأويله).
وقالت عائشة ﵂كما في الصحيحين-: (كان النبي ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي يتأول القرآن)، وقال سفيان بن عيينة: (السنة تأويل الأمر والنهي)، أي: تحقيقها.
فالتأويل على المعنى الشرعي: إما الحقيقة، وإما التفسير للكلام.
وأما التأويل بمعنى صرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز لقرينة فهو تعريف المتكلمين، وهو مبني على مسألة الحقيقة والمجاز.
[ ٢ / ٥ ]
مسألة الحقيقة والمجاز
هي مسألة نظَّر لها اللغويون من المعتزلة.
وقد اعتنى شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرهما بإبطال مسألة المجاز؛ لأن أصل تقسيم اللغة إلى حقيقة ومجاز إنما هو من كلام أهل اللغة من المعتزلة؛ لنصر مذهبهم الذي حارب ظاهر النصوص في تقرير مسائل الأسماء والصفات.
وظاهر من تعريف التأويل أن الكلام عندهم: ظاهر ومؤول، وحقيقة ومجاز، فكأن المعنى أن السياق من كلام الله أو كلام رسوله له معنيان: معنى ظاهر، ومعنى مؤول، أو معنى حقيقة ومعنى مجاز، وهذا كما قال شيخ الإسلام: إنه ممتنع في العقل، فإن المتكلم إذا كان مريدًا إرادة معينة وكان كلامه فصيحًا، فإنه لا يريد بكلامه في نفسه إلا معنىً واحدًا، وإذا تُردد في فهمه، أو تعدد فهم السامعين له، فهذا التردد من الفاهمين، وليس من صاحب الكلام نفسه؛ ولهذا فإن كل كلام الباري ﷾ المذكور في القرآن، أو كلام النبي ﵊، هو في مراد الله ورسوله على معنىً واحد، ولا يصح أن يقال: إن له ظاهرًا ومؤولًا، أو له حقيقة ومجازًا، فمن مثل هذا الضلال ظهرت بدع الباطنية وأمثالهم.
وإن كان المتكلمون لا يقولون: إن ثمة ظاهرًا أو باطنًا، فهذا تقسيم عند من يأخذون مبدأ الإشراق أو مبدأ التصوف أو مبدأ التسليم بالحقائق دون عرضها على العقل من غلاة الشيعة والصوفية والإسماعيلية وغيرهم.
[ ٢ / ٦ ]
إبطال القول بالمجاز
المتكلمون أصحاب النظر العقلي يقسمون كلام الله ﷾ إلى ظاهر ومؤول.
فالظاهر: هو ما يظهر من الكلام.
وأما المؤول: فهو المعنى الذي دلَّ عليه حكم العقل، وهذا تناقض؛ لأنه يلزم منه أن الظاهر لم يدل عليه حكم العقل، وهذه مسألة يطول شرحها، لكن يمكن أن نلخصها فنقول: إن هذا التقسيم من جهة الأصل بدعة في الشرع، ثم هو فوق كونه بدعة في الشرع هو ممتنع في العقل؛ لأن المتكلم إذا تكلم بكلام فإنه يريد بكلامه معنىً في نفسه، وهذا في سائر كلام بني آدم -ولله المثل الأعلى- فسائر المتكلمين إذا تكلموا فإنهم يريدون بكلامهم هذا معنىً واحدًا، ويمتنع أن يكون أحدهم مريدًا لأكثر من حقيقة، ولا سيما إذا كانت الحقائق بينها اختلاف أو تضاد، فمثلًا لو قال شخص: جاء زيد، يمتنع أن يكون أراد في نفس الوقت أنه جاء وأراد أنه لم يجئ، وكما نبه شيخ الإسلام ابن تيمية في أول الرسالة التدمرية: (أن باب الأسماء والصفات يدور بين الإثبات والنفي) أي: أنه باب خبري، ومعنى هذا: أن الخبر القرآني إما أن يراد به إثبات شيء، وإما أن يراد به عدم إثباته، فمثلًا: قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣] إما أن يراد أن الله كلمه، وإما أن يراد عدم ذلك.
إذًا: يمتنع أن المتكلم يتكلم بكلام ويريد به جملة من الحقائق بينها اختلاف وتضاد، وفوق هذا كله تكون هذه الحقائق المتضادة بعضها ظاهر وبعضها يحتاج إلى تأويل، وعليه فهذا التقسيم ممتنع أيضًا من جهة العقل.
بل الصواب عقلًا وشرعًا أن كلام الله ﷾ واحد من جهة المعنى، وأن الله أراد به معنىً واحدًا.
[ ٢ / ٧ ]
اختلاف السلف في فهم نصوص القرآن والسنة لا يدل على تقسيمها إلى ظاهر ومؤول
إذا قيل: إن في آيات القرآن وأحاديث النبي ﷺ تردد العلماء من الصحابة والتابعين وغيرهم في فهم معناها على أقوال؛ فمنهم من فهم من الآية الوجوب، ومنهم من فهم من الآية الاستحباب، أو غير ذلك، فمثلًا: قال النبي ﷺ كما في حديث أبي سعيد في الصحيح: (غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم) فهم طائفة من أهل العلم أن غسل الجمعة فرض عين، وأنه واجب لا بد منه، ويلحق الإثم بتركه، وفهم الجمهور -وهو الصحيح- أن غسل الجمعة ليس واجبًا على التعيين، وأن كلمة (واجب) لا يراد بها الوجوب الاصطلاحي.
والقصد أن العلماء اختلفوا في فهم الأدلة، فما الجواب عن هذا.
يقال: الاختلاف الذي وقع بين علماء السلف في فهم بعض آيات القرآن وبعض أحاديث الرسول ﷺ يرجع إلى ذات الكلام، بمعنى: أنهم يتفقون أن الكلام إنما يراد به معنىً واحد، فهم متفقون على أن النبي ﷺ أراد من حديثه حكمًا واحدًا؛ إما الوجوب وإما الاستحباب، لكن اختلفوا في تعيين هذا الحكم؛ فالاختلاف يرجع إلى مادتهم الاجتهادية، ولكن باب الأخبار -والذي منه باب الأسماء والصفات- ليس كباب الأمر والنهي، فباب الأخبار لا يرد عليه ذلك؛ لأنه إما أن يثبت الشيء وإما أن ينفى، فقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ﴾ [الفجر:٢٢] هذا إسناد صريح من جهة لغة العرب، ويمتنع أن يفهم أحد من لفظ المجيء إذا أضيف إلى معين أكثر من حقيقته الظاهرة؛ فإذا قال شخص -ولله المثل الأعلى-: جاء زيد، لم يتردد العقلاء في فهم هذه الجملة بأي لغة عبر بها، فهم يفهمون أن رجلًا يسمى زيدًا قد جاء مجيئًاَ يختص به ويناسبه.
إذًا: تقسيم الكلام إلى ظاهر ومؤول غلط من أصله؛ فهم بنوه على وجه زعموا أنه من اللغة، وهو: أن اللغة تنقسم إلى حقيقة ومجاز، وهذه المسألة كثر فيها الجدل، ولكن يمكن أن يلخص فيها تقرير يسير فيقال: تقسيم الكلام في القرآن والسنة إلى حقيقة ومجاز يقع على أحد وجهين؛ فإن أريد به الوجه اللفظي الاصطلاحي فهذا لا مشاحة فيه؛ فمثلًا: قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف:٨٢] من قال: إن هذا من باب المجاز في اللغة.
وأراد أن العرب تحذف المضاف وتقيم المضاف إليه مقامه، وأن هذا مما تجوزه اللغة، أو من مجازات لغتهم، وأن المراد أهل القرية، فهذه التسمية اصطلاحية.
إذًا: تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز إن كان من عوارض الألفاظ؛ فهو اصطلاح لا بأس به.
وإن كان هذا التقسيم من عوارض المعاني، فهذا هو المشكل، وهو المستعمل عند اللغويين من المعتزلة، وشاع في كلام الأصوليين وغيرهم على معنىً قالوا فيه: الحقيقة هي اللفظ المستعمل فيما وضع له، والمجاز هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له، وهذا تعريف للحقيقة والمجاز مشهور عندهم.
[ ٢ / ٨ ]
إيراد عقلي على مسألة الحقيقة والمجاز
وهذا التعريف مشكل من أوجه كثيرة، ومن أخصها أنه يتضمن أن ثمة في الكلام استعمالًا ووضعًا؛ لأنهم قالوا: الحقيقة هي: اللفظ المستعمل فيما وضع له، والمجاز هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له، وما دام ثمة استعمال وثمة وضع، فلا يمكن أن يكون هذا التعريف صوابًا أو ممكنًا إلا إذا تحصَّل الإدراك للوضع والاستعمال، وأن بينهما افتراقًا.
المستعمل هم العرب في كلامهم من الجاهليين، ومن أدرك فصيح اللغة بعدهم، وإذا كان الاستعمال هو استعمال العرب، فالوضع لمن إذا قيل: هو وضع العرب، امتنع أن ينفك الاستعمال عن الوضع، وهذه النظرية لا يمكن أن تكون صحيحة في العقل إلا إذا فرض أن ثمة وضعًا انضبط، ثم أعقبه استعمال، فإذا تناسب الاستعمال مع الوضع، سمِّي الكلام حقيقة، وإذا خرج الاستعمال عن الوضع سمِّي الكلام مجازًا، أما إذا كان الاستعمال هو الوضع، أو امتنع امتياز أحدهما عن الآخر، فإن التقسيم يكون غير ممكن في العقل.
وهذا إيراد عقلي متين على مسألة الحقيقة والمجاز؛ ولهذا فإن المعتزلة خاصة ومن شاركهم في نظريتهم في هذا التقسيم، عنوا في مقدمات كتبهم بتقرير مسألة مبدأ اللغات، وكيف بدأت اللغة، وبدءوا يذكرون أقوالًا، ومع أن هذه المسألة تكلم عنها بعض المفسرين في مثل قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة:٣١] فقيل: إنها لغة آدم، وقيل: كانت الجن تتكلم بها، وقيل: إلهام، وقيل: تعارف، وقيل غير ذلك، وهل العلم ممكن بهذه المسألة، أم لا؟ وعليه قد نقول: الراجح أن العلم بهذه المسألة غير ممكن، إلا إن جاء نص إلهي نبوي عن طريق الوحي بأن اللغة تحصَّلت بكذا وكذا، وإلا كان العلم بهذه المسألة متعذرًا.
وعليه تبقى مسألة الحقيقة والمجاز مسألة نظرية، أما إذا دخلت إلى عمق المعاني فهي مرفوضة وغلط؛ لكونها ممتنعة في العقل، وممتنعة التحصيل.
وهناك سؤال وجه إلى المعتزلة وهو قوله تعالى: (وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ) ما المقصود بذلك؟
الحذاق منهم حاولوا الإجابة عن هذا السؤال فقالوا: إن الجدار مثلًا لا يسأل، أو القرية لا تسأل، وإنما المقصود أهل القرية، نقول: هذا لا مشاحة فيه، ولا أحد من العقلاء حتى من غير المسلمين، فضلًا عن العرب الذين سمعوا القرآن يفهم خلاف هذا، فجميع العقلاء إذا سمعوا مثل هذه الآية فهموا أن المقصود أهل القرية، وأن في الكلام حذفًا.
ومحصَّل الجواب عن إشكال المعتزلة أن يقال: إن عامة ما جعلوه مجازًا هو في اللغة على أحد وجهين:
الوجه الأول: أن يكون من باب الحذف، وهذا كثير في اللغة؛ وكثيرًا ما يحذف المضاف ويقام المضاف إليه مقامه، وهذا لا إشكال فيه ألبتة، وهذا الحذف ليس خاصًا بلغة العرب، بل هو موجود في جميع ألسنة بني آدم؛ يحذفون المعلوم من الكلام اختصارًا، ولهذا قال ابن مالك في ألفيته:
وحذف ما يعلم جائز كما تقول: زيد؛ بعد من عندكما؟
وفي جواب كيف زيد؟ قل: دنف فزيد استغني عنه إذ عرف
فالمقصود: أن الحذف في الكلام شائع في جميع ألسنة بني آدم عامة، والعرب خاصة، وهو أنهم يحذفون بعض الكلمات المعلومة ضرورة، فمثلًا: إذا قال لك شخص: كيف زيد؟ أو كيف عمرو؟ فإنك تقول: صحيح أو حسن أو مريض، ولا يلزمك لغةً ولا عقلًا ولا نظرًا أن تقول: زيد صحيح؛ لأنه إنما سأل عن زيد.
وتسمية هذا الحذف مجازًا إذا قصد به -أن اللغة تجيزه- فهذا لا مشاحة فيه، وهذه هي تسمية أبي عبيدة معمر بن المثنى حين قال: وهذا من مجاز اللغة، أي: مما تجوزه اللغة، وورد مثل هذا عن الإمام أحمد أيضًا.
الوجه الثاني: هناك نظرية عقلية وهي أن العرب وغيرهم يمتنع أن يحذفوا من كلامهم ما قصدوا به الإفهام؛ بل لا يحذفون من كلامهم إلا ما كان معلومًا ضرورة، فإذا رجعنا إلى كلام الله ﷾ وكلام نبيه ﷺوالكتاب والسنة هما هدىً وبيان للناس- فما كان فيهما من حذف فهو على نسج كلام العرب؛ يلزم أن يكون المحذوف معلومًا ضرورة؛ كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف:٨٢] علم ضرورة أن المقصود أهل القرية، وهذا علم عقلي.
أما أولئك المتكلمون فإنهم فسروا قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢] من جنس قوله: ﴿وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف:٨٢] ونحن نقول: هذا ممتنع؛ لأن الاتفاق العقلي واللغوي من شرطه أن يكون المحذوف معلومًا، وهو هنا ليس معلومًا، بل المحذوف ممتنع العلم.
ومن لم يثبت مجيء الله ﷾ على ما يليق به، وقال: إن الآية ليست على ظاهرها، أو أن هذا مجاز، أو أن هذه الحقيقة ليست مرادة، والمراد هو المجاز!
يقال له: إن هذا خبر قصد تصديقه في القرآن، وإذا كان في الكلام حذف، فلا يفهم الكلام إلا إذا علم المحذوف، والعلم بالمحذوف ممتنع؛ لتعدد الإمكان؛ فإن منهم من يقول: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢] أي: جاء أمره، ومنهم من يقول: جاءت ملائكته أو رحمته، ومنهم من يقول: أي: جاء قسطاسه أو جاء عدله؛ فصار تقدير المحذوف عند المخالفين متعددًا، والذي أراده الله حقيقة هو شيء واحدٌ، وفرق بين أن يجيء جبريل، أو تجيء جملة من الملائكة، أو يكون المقصود مجيء رحمته، أو ما إلى ذلك.
إذًا ..
هناك سؤال يوجه للمخالفين: ما الذي جعل التعيين لواحدٍ من هذه المتعددات أمرًا متحققًا؟
فمن قال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢] أي: جاء أمره مثلًا، فإننا نقول له: قد يكون المقصود: جاء جبريل، وهذا على تأصيلكم؛ لأنكم جوزتم أن يكون الكلام في مثل هذه الحالة ليس على ظاهره.
فالنتيجة إذًا: أنه لما تعدد المحذوف إمكانًا، عُلم أن الكلام على ظاهره وليس فيه حذف، وأن قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢] أي: جاء هو ﷾ مجيئًا يليق بجلاله.
وذلك أن المحذوف من شرطه الضروري في جميع ألسنة بني آدم أن يكون معلومًا علمًا بيِّنًا، وعليه فليس في القرآن حذف إلا إذا استقر في فهم المخاطب ابتداءً أن في الكلام حذفًا، وإلا فإن السياقات تبقى على ظاهرها.
ولفظ "الظاهر" لم يأت ذكره في القرآن على معنى الكلام، إنما جاء في مثل قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام:١٢٠] وهذا باب آخر وهو باب العمل، ومع ذلك فلما اشتغل بعض الناس بلفظ "الظاهر" وغلوا في ذلك، قال أهل السنة: إن كلام الله وكلام رسوله قد يكون أحيانًا على غير ظاهره، فمن قال هذا من هذا الباب فلا بأس بذلك، ولكن التقسيم لكلامه ﷾ إلى ظاهر وباطن أو ظاهر ومؤول بدعة محدثة في الدين باطلة في الشرع.
الوجه الثاني من أوجه ما جعلوه مجازًا: أن يكون ذلك لفظًا مشتركًا، أي: يُستعمل في أكثر من سياق ومعنى، كلفظ اليد، فإنها تستعمل ويراد بها الصفة المتعلقة بالحي، وتستعمل اليد ويراد بها النعمة، ومع أن هناك تناسبًا بين معنى النعمة وبين معنى اليد الصفة؛ لأن النعمة إنما تعطى بهذه اليد.
فلفظ (اليد) لفظ مشترك متعدد المعنى، ولما زجر أبو بكر الصديق ﵁ عروة بن مسعود الثقفي في قصة صلح الحديبية -كما في الصحيح- قال عروة: من هذا؟ قالوا: هذا أبو بكر، فقال له عروة بن مسعود الثقفي: (لولا يد لم أجزك بها لأجبتك) أي: لولا نعمة، فهم يقولون: إنه من باب المجاز، ونحن نقول: كلا، هذا من باب الحقيقة، ولكن لو فرض جدلًا أن هذا يسمَّى مجازًا في اللغة فلا بأس.
والمقصود: أن بعض الكلمات في اللغة متعددة المعاني باعتبار السياق، لكن ليس في كلام العرب سياق واحد يحتمل جملة من معاني الخطاب، ولا يقع ذلك إلا على أحد وجهين: إما أن يكون المتكلم ليس فصيحًا، وإما أن يكون السامع ليس تام الفهم والإدراك، وعليه فالعرب تُعِّرف اليد بمعنى النعمة، لكنها تفهم أنها هي المراد من خلال السياق؛ فالسياق نفسه يدل على ذلك، فالاعتبار بالسياقات وليس بأفراد الكلمات.
[ ٢ / ٩ ]
التفويض ومخالفته لطريقة السلف
قال المصنف بعد تقريره لهذه القاعدة في الصفات: [وما أشكل من ذلك -أي: في باب الصفات- وجب إثباته لفظًا، وترك التعرض لمعناه، ونرد علمه إلى قائله، ونجعل عهدته على ناقله].
هذه المسألة من أشد ما أخذ على الموفق ﵀، وكما أسلفت فرسالته هذه ليس فيها غلط محض بيِّن، إنما فيها بعض الأحرف المحتملة، فهل هذه العبارة من المصنف تقرير للتفويض، أم لا؟
وقبل الجواب ينبغي أن يعلم أن الاعتبار دائمًا يكون بتحقيق الحقائق، وأما أن هذا المعين من الناس يقول بهذا المذهب أو لا يقول به، فهو غير مهم، والمهم أن يكون بين لنا ومعلوم أن التفويض في الصفات طريق بدعيٌ لا أصل له في كلام السلف.
فكما أن السلف ﵏ تركوا التأويل، وقالوا بوجوب البقاء على ظواهر النصوص، وأن النصوص معناها واحد، إلى غير ذلك، فإنهم تركوا قول المفوضة أيضًا، والمراد بالمفوضة: هم من زعموا أن هذه النصوص يُعمل بألفاظها وأما معانيها فليس هناك معنىً يُؤمن به، وإنما يفوض العلم بالمعنى إلى الله، وهذا مذهب غلط ومبتدع، وكما قال الإمام ابن تيمية ﵀: "إن قول المفوضة من شر أقوال أهل البدع".
[ ٢ / ١٠ ]
مسالك أهل البدع تجاه صفات الله تعالى
مذهب السلف في مقام الصفات هو الإيمان بالأسماء والصفات من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل.
وهناك ثلاثة مسالك بدعية:
المسلك الأول: مسلك المعطلة والمؤولة؛ الذين عطلوا صفات الله وتأولوها على معانٍ سموها مجازًا، كقولهم: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢] أي: جاء أمره، وقولهم: إن (استوى) بمعنى: (استولى) وهذا مذهب المعتزلة ومن وافقهم من متكلمة الصفاتية كالأشاعرة وغيرهم.
المسلك الثاني: مذهب التشبيه، وهم من شبه الله بخلقه، شبه الخلق بصفات الخالق، والمشبهة أصلهم من أئمة الشيعة، ثم دخل على بعض الأحناف أتباع محمد بن كرام.
وهذان المذهبان -أعني: مذهب التشبيه ومذهب التعطيل والتأويل- لم يشتبه على أحد من أصحاب السنة والجماعة من الفقهاء المبتعدين عن علم الكلام أنهما مذهبان مخالفان لمذهب السلف.
المسلك الثالث: مذهب المفوضة، والتفويض هو الذي اشتبه على بعض الفقهاء التاركين لعلم الكلام فقالوا: إنه قول طائفة من السلف، فظنوا أن السلف مفوضة؛ أي: أنهم يقولون: إن هذه الألفاظ يُعمل بها، وأما معناها فيسكت عنه، وهذا التفويض لا شك أنه بدعة، وهو ممتنع عقلًا، وفي تقرير هذه المسائل يجب أن يظهر التوافق بين العقل والنقل، وأنه لا تعارض بينهما.
وإنما كان التفويض ممتنعًا عقلًا؛ لأن الله ﷾ إنما أراد بهذه الأخبار التعريف به، فإذا كان معناها غير مُدرك فإن المعرفة به سبحانه لن تكون ممكنة، ولأن الله ﷾ أراد بذكر الخبر معنىً معينًا، كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١] فهذا خبر متضمن لإثبات صفة السمع صراحة، وإذا لم يكن هناك فقه وفهم للصفة، فإن العلم بهذا الخبر يكون علمًا ممتنعًا؛ فالتفويض لهذا قول متعدٍ، ولكن مع كونه بدعة أو متعذرًا في الشرع والعقل، فإن طائفة من الفقهاء المبتعدين عن علم الكلام امتدحوه، وظنوا أنه طريق للسلف أو لطائفة منهم، ولذلك يمكننا أن نقول: التأويل طريق المتكلمين ومن وافقهم أو تأثر بهم، والتفويض طريق جماعة من الفقهاء والصوفية المعظمين للسنة والأئمة، ولكنهم لم يحققوا مذهبهم.
[ ٢ / ١١ ]
تبرئة المصنف من مذهب المفوضة
مسألة: هل ابن قدامة يعتنق مذهب التفويض أم لا؟
يقال: هذه مسألة محتملة، ولكن الأظهر في طريقته ﵀ أنه لا يوافقهم، وإن كانت بعض ألفاظه المجملة قد تشعر بشيء من ذلك، والدليل على أن الموفق ﵀ ليس مفوضًا أنه جعل القاعدة في الأسماء والصفات هي الإثبات بالتسليم والقبول والإيمان، وترك التعرض لأدلة الصفات بالرد والتأويل؛ وهذا كله وغيره تقرير للإثبات المعروف عند السلف.
ثم إن هذا التقرير الذي ابتدأ به هو الذي فصَّله في رسالته هذه وفي غيرها من رسائله التي كتبها في أصول الدين؛ فقد ذكر تفصيل الإثبات للقرآن وأنه كلام الله، وتفصيل الإثبات لصفاته الأخرى ﷾، ولهذا فإنه قال: [وما أشكل من ذلك] فبهذا يُعلم قطعًا أن الموفق ليس مفوضًا، إنما المحتمل أن يكون عنده شيء من التفويض، وفرق بين من دخل عليه شيء من التفويض وبين من طريقته في الأصل طريقة المفوضة.
وعليه فما علَّقه بعض المعاصرين: من أن صاحب الرسالة يذهب إلى مذهب المفوضة، وهو مذهب مخالف لمذهب السلف لا شك أن هذا الكلام فيه مبالغة وخلط، فالحقائق يجب أن تكون معتدلة، أما أن مذهب المفوضة مخالف للسلف فنعم، لكن أن يفتات على إمام من الأئمة ويطعن فيه من باب ضبط السنة، فهذا ليس بلازم، فإنه يمكنك أن تضبط السنة من غير أن تطعن في أئمتها وحملتها.
فالإمام ابن قدامة قال: [وما أشكل من ذلك] فدل على أن جمهور الأدلة في الصفات غير مشكل، والذي هو غير مشكل لم يذكر فيه تفويضًا إنما ذكر التفويض في المشكل، فدل على أن غير المشكل عنده على معناه الحقيقي، وأن المشكل ليس قاعدة مطردة، وهذا قدر لا بد أن يُضبط.
ثم هذا المشكل الذي قال فيه المصنف ما قال، هل قصد أنه يفوض فيه تفويضًا بدعيًا؟
نقول: هذا مبني على مراده بالمشكل، وهناك واقع لا بد من اعتباره، فالمؤلف جاء بعدما غلا كثير من الحنابلة في الإثبات؛ فهذه مسألة فيها شيء من التاريخية لا بد أن يُتصور ليُفهم مراده ﵀.
والحنابلة -كقاعدة معروفة- إمامهم ﵀ كان له من الاختصاص في الرد على المعتزلة الذين هم أساطين علم الكلام أكثر مما كان لغيره بسبب مسألة فتنة خلق القرآن، وقد جاء بعد عصر الأئمة الأربعة رجلان: أبو الحسن الأشعري وهو شافعي فقهًا، وأبو منصور الماتريدي، وهو حنفي فقهًا، وهذان الرجلان ليسا ممن يعارض الأئمة، بل ممن يؤمن بمنهج أهل السنة والجماعة كمنهج عام متأصل وقد انتسبا إليه، لكنهما على طريقة علم الكلام، فأنتجا -هما ومن سار على نهجهما- هذه المذاهب التي هي ملفقة من السنة والبدعة.
ومن هنا دخل علم الكلام على كثير من الشافعية عن طريق الأشعري، كما دخل على كثير من الأحناف عن طريق الماتريدي.
وأما الحنابلة فلم يظهر فيهم علماء متكلمون ينتسبون إلى الإمام أحمد فقهًا، ولكن فيما بعد ظهر من الحنابلة -كـ أبي الحسن التميمي وكـ أبي الفضل التميمي، وأمثال هؤلاء: كـ ابن عقيل وكالقاضي أبي يعلى زمنًا من عمره- من تأثر بالكلابية والأشاعرة، وفي المقابل كان هناك قسم آخر من الحنابلة يبالغون في ضبط مذهب الإمام أحمد في الصفات والبعد عن التأويل وعلم الكلام إلى حد الزيادة، بمعنى: أنهم بدءوا يفصِّلون جملًا لم يفصلها السلف ولم يخوضوا فيها من باب تحقيق الإثبات، ومن هؤلاء أبو عبد الله بن حامد مثلًا.
فتحصل من هذا أن طائفة من الفقهاء انتحلوا علم الكلام وبعض طرق أهل البدع، وطائفة أخرى في المقابل من أصحاب الأئمة -ولا سيما من الحنابلة- كان عندهم قدر من المبالغة في الإثبات لم تُعرف عن الأئمة ﵏، فبدءوا يفصلون في أمور فيها قدر من الإجمال.
والظاهر أن ابن قدامة ﵀ كان يبتعد عن أهل هذه الطريقة، ويرى أن ما زاد عن كلام السلف والأئمة، فإنه يجب التوقف فيه، والمعاني التي يسأل عنها الناس مما زاد على تقرير السلف يفوض علمها إلى الله ﷾.
وخلاصة الكلام أن المعاني التي تكلم فيها المتأخرون من المعظمين للسنة والجماعة وطريقة السلف، تنقسم إلى قسمين:
- القسم الأول: قسم من المعاني كان مستقرًا عند السلف، وهو الذي دلت عليه ظواهر النصوص.
- القسم الثاني: قسم متكلَّف أو مشتبه من المعاني، وبعض من رام التحقيق -كابن حامد مثلًا وبعض أتباع أصحاب المذاهب الأربعة- بالغوا في إثباته، حتى وصل في بعض الأحيان إلى حد التشبيه، أي أنه إذا قيل: إن الكرامية مجسمة أو مشبهة، فليس ذلك على إطلاقه؛ فـ ابن كرام لم يكن يقصد موافقة هشام بن الحكم من الشيعة في التشبيه، بل كان يذمه ويذم التشبيه، لكنه بالغ في الإثبات حتى ارتكب بعض التشبيه؛ فكأن ابن قدامة ﵀ ينتقد الطائفتين: أهل التأويل من الحنابلة الذين تأثروا بالكلابية، وأيضًا من بالغوا في إثبات المعاني التي سئلوا عنها وكان الواجب أن يرد علمها إلى الله ﷾، وهذا هو الاحتمال الراجح، والاحتمال المرجوح: أن ثمة بعض الأحرف من الصفات مشكلة عند ابن قدامة، ويرى أنه يجوز فيها التفويض.
ولكن على كلا التقديرين لا يمكن أن يقال: إن الموفق يذهب ذهابًا تامًا مطردًا إلى مذهب المفوضة، فهذا لا شك أنه قدر من التعدي والافتئات عليه ﵀.
[ ٢ / ١٢ ]