عقيدة أهل السنة في صفات الله: أن الله تعالى موصوف بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، ويعتقدون أن آيات الصفات آيات محكمة يجب الإيمان بما دلت عليه من الصفات، وأنها صفات حقيقية لله تعالى تليق بجلاله سبحانه، ويثبتون ما دلت عليه من المعاني اللائقة بالله تعالى، وعليه فمن نسب إلى السلف أنهم يفوضون معاني الصفات فقد أخطأ عليهم، إنما كانوا يفوضون كيفية الصفات لا معانيها.
[ ٣ / ١ ]
هل آيات الصفات من المحكم أو المتشابه؟
قال الموفق ﵀: [اتباعًا لطريقة الراسخين في العلم، الذين أثنى الله عليهم في كتابه المبين بقوله ﷾: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧]].
ألحق المصنف بعد ذلك ذكر ما يتعلق بالمحكم والمتشابه، وقد ذكر الله ﷾ أن القرآن كله محكم، وذكر أنه متشابه، وذكر أن منه آيات محكمات وأخر متشابهات.
فأما إحكامه العام فهو ضبطه واستقامة معناه، وأنه حق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
وأما تشابهه العام، فالمراد به أن بعض القرآن يُصدِّق بعضًا ويشبه بعضًا، كما تقول: هذه المسائل أشباه؛ لما بينها من التوافق والاشتراك.
وأما المحكم الخاص والمتشابه الخاص المذكوران في سورة آل عمران في الآيات التي ذكرها المصنف هنا، فهما محل خلاف بين المفسرين.
مسألة: هناك جملة من المتكلمين اعتبروا آيات الصفات هي المتشابه، ومنهم -وهم قلة من المتكلمين- من جعل آيات الصفات من المتشابه، وفرق بين الطريقتين، فأما من قصر التشابه على آيات الصفات فهم المتكلمون من أهل البدع، وأما من قال: إن آيات الصفات من المتشابه، فكلامه أيضًا لا أصل له، فآيات الصفات لا يجوز أن تُعد من المتشابه، وابن قدامة هنا وَهِمَ ﵀، لكن هذا الوهم ليس عقديًا، وإنما هو وهم تفسيري؛ لأنه لم يجعله مطردًا في سائر الصفات، إنما يقول: إن المشكل يكون متشابهًا فقط، والمتشابه يجب تفويضه إلى الله اعتمادًا على هذه الآية.
والصحيح أن آيات الصفات من المحكم، وليست من المتشابه، وإنما المتشابه ما أشكل أو تردد معناه، وعليه فقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:٧] إذا كان الوقف على ذلك، فإن المتشابه: هو ما يمكن طائفة من أهل العلم فهمه، ويكون من جنس قول النبي ﷺ في حديث النعمان: (الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس).
وأما إذا كان الوقف على قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] وقوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:٧] ابتداء جملة خبرها: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧] فإن المتشابه حينئذٍ يراد به: الحقائق الغيبية التي اختص الله ﷾ بعلمها، كحقيقة العذاب والنعيم، وكحقائق كيفية صفاته ﷾، فهذه لا يعلمها إلا الله، وهي شيء مجهول للمخاطبين.
ثم قال المصنف ﵀: [وقال في ذم مبتغي التأويل لمتشابه تنزيله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] فجعل ابتغاء التأويل علامةً على الزيغ، وقرنه بابتغاء الفتنة في الذم، ثم حجبهم عما أمَّلوه، وقطع أطماعهم عما قصدوه بقوله سبحانه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧]].
لم يقصد المصنف بهذا الكلام أن سائر آيات الصفات هي من المتشابه الذي يفوض عن معناه، والدليل على أنه لم يرد ذلك: أنه فصَّل في رسالته هذه -كما فصل في غيرها- ذكر الأسماء والصفات ومعانيها
وما إلى ذلك، ولهذا لما ذكر الإمام ابن تيمية الحنابلة قال: "إنهم ثلاثة أقسام:
قسم يميل إلى شيء من طرق المتكلمين كبعض التميميين كـ ابن عقيل وأمثاله.
وقسم يبالغون في الإثبات ويزيدون فيه، كـ أبي عبد الله بن حامد ".
ثم قال: "وقسم من أصحابنا محققون لطريقة الأئمة كـ أحمد وغيره، وطريقته هي طريقة أهل الحديث المحضة؛ كالشيخ أبي محمد "، ويقصد بالشيخ أبي محمد الموفق ابن قدامة صاحب هذه الرسالة، فحكم شيخ الإسلام عليه حكم عادل، ولهذا لو كان الموفق مفوضًا لما فات شيخ الإسلام ذلك، ولا سيما أن هذه الرسالة: "اللمعة" قد وضع ابن تيمية نفسه رسالته "الواسطية" على نسجها، ومن يتأمل رسالة الموفق ورسالة الإمام ابن تيمية، يجد تشابهًا بينًا بين الرسالتين، حتى أنه كرر بعض الأحرف، ورتب بعض المسائل على نفس المنوال.
وكذلك العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀، فإنه بعدما علّق على قول ابن قدامة: "وجب إثباته لفظًا" قال:"
والمصنف ﵀ إمام في السنة، وهو أبعد الناس عن مذهب المفوضة وغيرهم من المبتدعة، والله أعلم".
اهـ.
[ ٣ / ٢ ]
عقيدة الإمام أحمد في آيات الصفات
ثم قال المصنف ﵀: [قال الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل في قول النبي ﷺ: (إن الله ينزل إلى سماء الدنيا)، وإن الله يرى في القيامة، وما أشبه هذه الأحاديث: نؤمن بها ونصدق بها لا كيف ولا معنى، ولا نرد شيئًا منها، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق، ولا نرد على رسول الله ﷺ].
هذا الكلام نسبه الموفق للإمام أحمد ﵀، وإن ما ينسبه الحنابلة -أو غيرهم ممن ينسبون إلى أئمتهم هذا الكلام أو مثله- يكون على وجهين: فتارة يكون الكلام نصًا، وتارة يكون الكلام فهمًا، وفي مذهب الإمام أحمد خاصة إشكال في نقل أصحابه عنه في العقيدة، وهذا الإشكال مُحصَّله أن جملة من الحنابلة فهموا مذهب الإمام أحمد في الصفات على حسب علمهم ومداركهم، ثم صار بعضهم يلخص فهمه وينقله على أنه من قول الإمام أحمد، ومن هؤلاء -كما ذكر ذلك الإمام ابن تيمية - أبو الحسن التميمي من الحنابلة؛ فقد صنَّف كتابًا في عقيدة الإمام أحمد، وجعل هذا الكتاب على لسان الإمام أحمد، فجعل يقول: وكان أبو عبد الله يقول ..
ثم يأتي بجمل من فهمه هو، ويقول: وكان أبو عبد الله يذهب إلى كذا وكذا مما يراه هو، ولم ينقل ذلك بالرواية عن كبار أصحاب أحمد: كـ حنبل وعبد الله وصالح وأمثال هؤلاء، إنما هو فقه فقهه التميمي، فنقله على لسان الإمام أحمد محاكاة، والتميميون من الحنابلة في الجملة متأثرون بالكلاَّبية، بمعنى: أنهم يؤولون صفات الأفعال، ولهذا لما ذكر قول الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢] قال: وكان أبو عبد الله يقول: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢] أي: جاء أمره؛ فهذه الرواية من فقه التميمي في كلام الإمام أحمد، وكذلك الإمام البيهقي وهو شافعي لكنه يميل إلى طريقة الأشاعرة، وقد صنَّف في مناقب الإمام أحمد، فلما ذكر عقيدته نقل هذا الكلام، وجاء من هو أدرى بهذه الأمور ونقلها كما هي؛ كـ ابن كثير في البداية والنهاية؛ فإنه لما ترجم للإمام أحمد روى عن البيهقي أن الإمام أحمد كان يقول: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢] أي: جاء أمره، وهناك أغلاط عند أبي الحسن التميمي أكثر من هذا في نقله لعقيدة الإمام أحمد، فإن مسألة المجيء قد يكون لها استثناء؛ لأن حنبل بن إسحاق روى عن الإمام أحمد أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢] جاء أمره، لكن جمهور تلامذة الإمام أحمد غلَّطوا حنبلًا في هذا؛ لتواتر النقل عن أحمد في إثبات الصفات الفعلية.
والمقصود من هذا: أن هذا النقل الذي نقله ابن قدامة ليس نصًا عن الإمام أحمد، إنما هو فهم فهمه بعض الحنابلة عن الإمام أحمد فنقلوه.
والإشكال في هذا النقل هو في قوله: (ولا معنى)، وأحسن ما يُجاب به عن ذلك أن يقال: إن هذا فهم فهمه طائفة من الحنابلة عن الإمام أحمد فقالوه، وهذا الفهم يكون بحسب قائله؛ فإن كان قائله محققًاَ عارفًا، فقد يكون توسع العبارة، وأراد بالمعنى: أي الذي اخترعه المتكلمون على معاني الصفات، أي: ولا معنى يخالف الظاهر.
وإن كان القائل بذلك مفوضًا أو ممن يميل للتفويض، فقد أراد بذلك المعاني الظاهرة، وهذا غلط على الإمام أحمد، وتقويل له بما لم يقله.
وينبغي لطالب العلم ألا يقف عن الأشياء التي لا تحتاج إلى وقوف، والإمام أحمد قد انضبط في مذهبه أنه يثبت الصفات الفعلية، وهو من أشهر الأئمة في هذا؛ فهو بريء من مادة التفويض للمعاني جملة وتفصيلًا، فهذا الذي نُقل عنه، ليس نصًا عنه بإسناد منضبط، إنما هو فهم فهمه بعض أصحابه، قد يكون ابن قدامة أو غيره، وعليه لا ينسب إليه هذا التقرير، كما أن هذا لا يدل على أن ابن قدامة يفوض تفويضًا عامًا كما سبق تقرير ذلك، ولهذا نقل عن الإمام أحمد مسألة النزول في هذا النص، وأنها مما يُؤمن به من الصفات.
[ ٣ / ٣ ]
عقيدة المصنف في صفات الباري جل وعلا
- قال الموفق ﵀: [ولا نصف الله بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، ونقول كما قال، ونصفه بما وصف به نفسه، لا نتعدى ذلك، ولا يبلغه وصف الواصفين، نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعت].
قوله هذا فيه تبرئة واضحة له من التفويض: (ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعت) ولو كان الموفق مفوضًا لما أمكنه أن يقول هذا.
[ ٣ / ٤ ]
مذهب السلف تفويض الكيفية لا المعنى
قال الموفق ﵀: [ولا نتعدى القرآن والحديث، ولا نعلم كيف كُنْه ذلك إلا بتصديق الرسول ﷺ وتثبيت القرآن].
قوله: (ولا نعلم كيف كُنْه ذلك) وهذا النص براءة له من التفويض أيضًا؛ لأنه علَّق التفويض العام بالكيف لا بالمعنى، وجعله مطلقًا وليس خاصًا بشيء مشكل؛ أي: أن المصنف لما ذكر التفويض العام، التزمه بالكيف، قال: (ولا نعلم) أي: ونفوض، فماذا يفوض؟ هل يفوض المعاني؟ كلا؛ لأنه قال: (ولا نعلم كيف كُنْه ذلك)، فهو إذًا التزم التفويض العام في الكيفية، وهذا هو مذهب السلف كما قال الإمام مالك: "والكيف مجهول".
[ ٣ / ٥ ]
إثبات المراد لله ورسوله في نصوص الصفات دليل على إثبات المعنى
قال الموفق ﵀: [قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي: آمنت بالله وبما جاء عن الله، على مراد الله، وآمنت برسول الله، وبما جاء عن رسول الله، على مراد رسول الله].
من شرف هذه الرسالة أن مؤلفها نقل فيها عن جملة من أئمة السلف؛ كنقله عن الإمام أحمد ﵀ فيما سلف، وإن كان سبق الإشارة إلى أن النقل السالف عن أحمد ﵀ ليس بالضرورة أن يكون من منصوصه، وفي الجملة فهو فهم فهمه أصحابه فعبروا به عنه.
وهذا النقل عن الإمام الشافعي هو أيضًا نقل فاضل على ما فيه من الإجمال، فإن الجملة التي قالها الشافعي ﵀ هي متحققة ابتداءً عند سائر أهل العلم، وليس فيها مادة من الاختصاص، فإنه قال: (آمنت بالله وبما جاء عن الله -أي: مما أنزله على نبيه ﷺ - على مراد الله، وآمنت برسول الله ﷺ وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله).
وهذه الجملة من الجمل المسلمة ابتداءً عند سائر الأئمة، وإنما ذكرها الشافعي ونقلها من نقلها عنه من أصحاب السنة والجماعة من الفقهاء والمصنفين في أصول الدين؛ لما فيها من الإشارة إلى ترك التأويل، ومخالفة طريقة أهل التأويل من المتكلمين، الذين تأولوا نصوص الصفات، فكأن هذا هو وجه إيرادها.
والشافعي ﵀ لا يقرر بكلامه هذا وجهًا من أوجه التفويض لمعاني الصفات، كما زعم بعض الفقهاء من أصحاب الشافعي وبعض أصحاب أحمد، أن الشافعي بهذه الجملة يذهب إلى شيء من التفويض.
وكما أسلفت فإن مسألة الصفات أشكلت على كثير من الفقهاء، حتى أنه ما من إمام من الأئمة الأربعة إلا ونسب إليه بعض أصحابه أو غيرهم شيئًا من التفويض، فـ أحمد نسب إليه قوله السالف في التفويض، والشافعي نسب إليه هذا القول ونحوه، ومالك ﵀ لما قال جملته المعروفة: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة)، نسب إليه شيء من التفويض.
وكذلك الجمل المأثورة عن بعض المتقدمين من السلف كقولهم: (أمروها كما جاءت بلا كيف).
وهذه جملة مروية عن مكحول، والزهري، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، والأوزاعي ..
وغيرهم.
فهذه الجمل إذا تأملتها لا ترى فيها شيئًا من التفويض، بل قول الشافعي ليس فيه ذكر للتفويض بوجه، وإنما فيه تقرير لكونه ﵀ يذهب إلى أن الإيمان على مراد الله ورسوله.
بل يصح أن نقول: إن هذه الجملة ترد على المفوضة؛ لأن الشافعي ﵀ بين أنه آمن بها على مراد الله، وعلى مراد رسول الله، فظهر أن لله ولرسوله مرادًا من جهة المعنى في هذه النصوص، وإذا كان له ﷾ مراد، ولرسوله مراد في خطابه، لزم أن هذا المراد مما يمكن فقهه وفهمه ووعيه.
وكذلك قولهم: (أمروها كما جاءت بلا كيف) أيضًا فيه براءة من التفويض، وليس قولًا في التفويض؛ لأن قولهم: (أمروها كما جاءت) دليل على أنها تؤخذ على ظاهرها في المعاني المقتضية لها في لسان العرب.
وقولهم: (بلا كيف) إنما نفوا العلم بالكيفية، وكونهم خصصوا الكيفية بنفي العلم دليل على أن المعنى من جهة أصله يكون معلومًا.
[ ٣ / ٦ ]
منهج السلف وأئمة الخلف عدم تأويل آيات الصفات
قال الموفق ﵀: [وعلى هذا درج السلف وأئمة الخلف ﵃، كلهم متفقون على الإقرار والإمرار والإثبات، لما ورد من الصفات في كتاب الله وسنة رسوله، من غير تعرّض لتأويله].
قوله: [من غير تعرض لتأويله] أي: التأويل الذي أحدثه المتكلمون، وهو: صرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز، أو صرف اللفظ عن الظاهر إلى المؤول، فهذا هو التأويل البدعي الذي أحدثه المتكلمون من المعتزلة وغيرهم في باب الأسماء والصفات.
[ ٣ / ٧ ]