يعتقد أهل السنة والجماعة أن الله تعالى موصوف بصفة الكلام كما دل على ذلك الكتاب والسنة وأقوال السلف، وأنه سبحانه يتكلم بحرف وصوت مسموع، وأن كلامه متعلق بإرادته ومشيئته، فهو يتكلم بما شاء وكيف شاء ومتى شاء، ويعتقدون أن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود.
[ ٧ / ١ ]
إثبات صفة الكلام لله تعالى
قال الموفق ﵀: [ومن صفات الله تعالى: أنه متكلم بكلام قديم].
أهل السنة يقولون: إن الله ﷾ موصوف بهذه الصفة، وأنه يتكلم بحرف وصوت مسموع، وأن كلامه متعلق بمشيئته وإرادته، فهو يتكلم متى شاء بما شاء كيف شاء، كما يعتقد أهل السنة أن القرآن كلام الله حقيقةً وليس مجازًا.
كما أن دلائل اتصاف الرب ﷾ بالكلام متواترة في القرآن.
فإن قيل: كيف يحصلون هذا؟
قيل: لأن كل آية نداء في القرآن يجعلونها دليلًا على إثبات الكلام؛ وذلك لأن المنادي لا بد أن يكون متكلمًا، فقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)، (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ)، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) هذه الآيات نداء، فيجعلونها من أدلة إثبات الكلام، وكذلك آيات القول: (وَقَالَ رَبُّكُمْ) فإذا أضيف القول إليه سبحانه دل على أنه متكلم، إلى أمثال ذلك.
وقد خالف أهل السنة في هذه العقيدة الأشاعرة فقالوا: إنه معنى قائم بالنفس، ويرد عليهم بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣].
فدل على أن الله تعالى تكلم بهذا الكلام بعد مجيء موسى لميقات ربه، وموسى حادث بعد أن لم يكن، وهذا الميقات متأخر عن زمنٍ سَلَفَ، إلى أمثال ذلك.
فمع أن كلامه سبحانه أزلي، فهو مع ذلك متعلق بالإرادة والمشيئة.
قوله: [بكلام قديم] هذا مما أخذه بعضهم على المصنف، أنه يقول عن الله: إنه متكلم بكلام قديم.
وهذا مأخذ لفظي، فلو أن المصنف عبر بما هو أجود منه لكان حسنًا.
أما أنه يقال: إن كلامه هنا غلط بيِّن، وأنه من كلام أهل البدع ومصطلحاتهم معانيهم وما إلى ذلك، فهذا فيه تكلف، فإنه ﵀ قال: [متكلم بكلام قديم]، أي: أن كلامه أزلي، وأراد بذلك الرد على بعض أهل البدع الذين يقولون: إن كلامه حادث بعد أن لم يكن، يريدون بذلك تعطيل أو تأويل صفة الكلام.
وكلام الله صفة من صفاته بدلائل الكتاب والسنة، وبدليل العقل.
أما دليل العقل؛ فلأن الله هو الإله المعبود فضلًا عن كونه الرب المدبر للكون يلزم منه أن يكون، متكلمًا، ولو لم يكن متكلمًا لما صح كونه ربًا، ولا صح كونه إلهًا، هذا دليل عقلي.
أما دلائل الكتاب والسنة، فهي أكثر من أن تحصر في هذا المقام، ومنها على سبيل المثال: قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ [الأعراف:١٤٨].
فكان الرد عليهم دليلًا شرعيًا وعقليًا في نفس الوقت، وهو قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ﴾ [الأعراف:١٤٨]، وهذا نقض عقلي لألوهية العجل، فدل على أن الإله الحق لا بد أن يكون متكلمًا.
ولهذا فإن دلائل القرآن في الصفات وغيرها بعضها خبري وبعضها عقلي؛ فالخبر المحض كقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وأما الدليل الخبري من جهة كونه قرآنًا؛ ولكنه سياق عقلي، كمثل آية العجل، وكمثل قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ [إبراهيم:٢٤].
فإذا ذكر هذه السياقات فهي أتم الأقيسة يقينًا في العقل، وهي الأمثلة المضروبة في القرآن ..
﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [الروم:٢٨] إلى غير ذلك.
[ ٧ / ٢ ]
معنى سماع كلام الله
قال الموفق ﵀: [يسمعه منه من شاء من خلقه، سمعه موسى ﵇ منه من غير واسطة].
قوله: [من غير واسطة]، هذا رد على من قال: إن موسى سمع العبارة، أو خلق فيه الإدراك للمعنى الأزلي، كما يقول
ابن كلاب]، وأمثاله، ممن يجعلون الكلام معنىً في النفس.
قال الموفق ﵀: [وسمعه جبريل ﵇، ومن أذن له من ملائكته ورسله، وأنه سبحانه يكلم المؤمنين في الآخرة ويكلمونه، ويأذن لهم فيزورونه].
حديث الزيارة ليس من الأحاديث المنضبطة في الصحة، إنما المنضبط هو لقاؤه ﷾ ورؤيته وكلامه للمؤمنين، فهذه مذكورة في القرآن وصحيح السنة بينة منضبطة.
وأما حديث الزيارة فقد جاء في المسند وغيره؛ ولكنه ليس من الأحاديث المنضبطة.
[ ٧ / ٣ ]
بعض الأدلة النقلية على إثبات صفة الكلام
قال الموفق ﵀: [قال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]، وقال سبحانه: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف:١٤٤]، وقال سبحانه: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٥٣]، وقال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى:٥١]، وقال سبحانه: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ [طه:١١ - ١٢]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه:١٤]، وغير جائز أن يقول هذا أحدٌ غير الله].
أي: وهذا الكلام يمتنع أن يكون المتكلم به غيره ﷾؛ لأن الله نسبه لنفسه مباشرة، فقال: (أَنَا رَبُّكَ)، (أَنَا الله)، (إِلَّا أَنَا).
قال الموفق ﵀: [وقال عبد الله بن مسعود: (إذا تكلم الله بالوحي، سمع صوته أهل السماء) روى ذلك عن النبي ﷺ، وروى عبد الله بن أنيس عن النبي ﷺ أنه قال: (يحشر الله الخلائق يوم القيامة عراةً حفاةً غرلًا بهمًا، فيناديهم بصوت يسمعه مَنْ بَعُدَ كما يسمه مَنْ قَرُبَ: أنا الملك، أنا الديان) رواه الأئمة واستشهد به البخاري.
وفي بعض الآثار: أن موسى ﵇ ليلة رأى النار، فهالته ففزع منها، فناداه ربه: يا موسى! فأجاب سريعًا استئناسًا بالصوت، فقال: لبيك، لبيك، أسمع صوتك ولا أرى مكانك، فأين أنت؟ قال: (أنا فوقك، وأمامك، وعن يمينك، وعن شمالك)، فعلم أن هذه الصفة لا تنبغي إلا لله تعالى، قال: كذلك أنت يا إلهي، أفكلامَك أسمع، أم كلامَ رسولك؟ قال: (بل كلامي يا موسى)]:
هذا الأثر ليس صحيحًا من جهة السند، ولا يحتاج إلى ذكره؛ لأن هذا بيِّن في القرآن في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣].
فكونه حصل السؤال والجواب، وأدرك موسى هذا الجواب دليل على أنه سمع كلام الرب ﷾، ولا يلزم منها التصحيح لمثل هذا الأثر، الذي لم يصح عن النبي ﷺ.
وكذلك هو بيّن في قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]، وقوله: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ﴾ [طه:١٤].
[ ٧ / ٤ ]
القرآن كلام الله
قال الموفق ﵀: [ومن كلام الله سبحانه: القرآن العظيم، وهو كتاب الله المبين، وحبله المتين، وصراطه المستقيم، وتنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين، على قلب سيد المرسلين، بلسان عربي مبين، منزل غير مخلوق، منه بدأ، وإليه يعود].
القرآن كلام الله: وهذا اصطلاح شرعي صريح، كقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦].
قوله: (مُنَزَّل): وهذا أيضًا لفظ شرعي صحيح، وقد ذكر الله تعالى أن كتابه منزل في غير سورة من القرآن، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان:٣]، وقوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥] إلى غير ذلك.
قوله: (غير مخلوق): هذا الحرف ليس في الكتاب ولا السنة، وإنما قاله السلف نفيًا لبدعة الجهمية.
قوله: (منه بدأ): هذه الجملة بحرفها ليس لها ذكر في النصوص، وقد وصف بها السلف القرآن وأرادوا بها أنه كلام الله حقيقةً، (منه بدأ)، أي: أنه هو الذي تكلم به حقيقةً بحرف وصوت، وليس كلامًا لجبريل ولا لغيره من الملائكة.
قوله: (وإليه يعود): هذا فسر بأكثر من تفسير، من أخصها: أنه يُرفع من صدور الرجال في آخر الزمان، حين يترك العمل به، فلا تبقى منه آية.
[ ٧ / ٥ ]
وصف كلام الله وفضله وبعض أحكامه
قال الموفق ﵀: [وهو سور محكمات، وآيات بينات، وحروف وكلمات، من قرأه فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات، له أول وآخر، وأجزاء وأبعاض].
قوله: [له أول وآخر]: هذا رد على الأشاعرة وأمثالهم الذين قالوا: إن الكلام واحد، وإنه معنىً يقوم في النفس.
قوله: [وأجزاء وأبعاض ] إلخ: هذا من التفصيل الذي ليس بلازم؛ فإنه كان يكفي أن يقال: إن له أولًا وآخرًا، أو نحو ذلك من التعبيرات التي يكتفى بها.
قال الموفق ﵀: [متلو بالألسنة، محفوظ في الصدور، ومسموع بالآذان، مكتوب في المصاحف، فيه محكم ومتشابه، وناسخ ومنسوخ، وخاص وعام، وأمر ونهي، ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨]، وهذا هو الكتاب العربي الذي قال فيه الذين كفروا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ [سبأ:٣١].
وقال بعضهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥]، فقال الله سبحانه: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر:٢٦].
وقال بعضهم: هو شعر، فقال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس:٦٩]، فلما نفى الله عنه أنه شعر، وأثبته قرآنًا، لم يبق شبهة لذي لب في أن القرآن هو هذا الكتاب العربي الذي هو كلمات وحروف وآيات، لأن ما ليس كذلك لا يقول أحد: إنه شعر.
وقال ﷿: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:٢٣]، ولا يجوز أن يتحداهم بالإتيان بمثل ما لا يُدرى ما هو، ولا يُعقل.
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ [يونس:١٥]، فأثبت أن القرآن هو الآيات التي تتلى عليهم.
وقال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٧ - ٧٩] بعد أن أقسم على ذلك].
قوله: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٩] هل الضمير يعود على القرآن أم يعود على الكتاب المكنون وهو اللوح المحفوظ؟
هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم.
والصحيح أن الخلاف في مسألة لزوم الطهارة من الحدث في مس المصحف ليس فرعًا عن الخلاف في هذه الآية، فإن كثيرًا من السلف جعلوا الضمير في قوله: ﴿لا يَمَسُّهُ﴾ [الواقعة:٧٩] يعود على الكتاب المكنون؛ وهو اللوح المحفوظ، وهذا هو الصحيح في تفسير الآية، ومع ذلك فإن هؤلاء يذهبون إلى أنه لا يجوز للمحدث أن يمس القرآن.
إذًا ..
الخلاف في مسألة مس المحدث للقرآن، ليس فرعًا عن تفسير الآية.
وفي الجملة فالذي عليه الجمهور -وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم- أن القرآن لا يجوز مسه للمحدث، بل لا بد له من الطهارة.
وذهب طائفة كـ ابن حزم والشوكاني إلى جواز مسه للمحدث حدثًا أصغر، ومستند قول الجمهور هو حديث عمرو بن حزم أن النبي ﷺ كتب له كتابًا وفيه: (وأن لا يمس القرآن إلا طاهرًا) وهذا كتاب محفوظ صحيح، قال الإمام أحمد: لا شك أن النبي ﷺ قد كتبه له، فهو كتاب معروف منضبط، وفيه مسائل كثيرة جرى الفقهاء من الأئمة على العمل بها، وبذلك تثبت صحة مستندهم.
[ ٧ / ٦ ]
معنى الحروف المقطعة في القرآن
قال الموفق ﵀: [وقال تعالى: ﴿كهيعص﴾ [مريم:١]، ﴿حم﴾ [الشورى:١] * ﴿عسق﴾ [الشورى:٢]،وافتتح تسعًا وعشرين سورة بالحروف المقطعة]
قوله: [بالحروف المقطعة] كقوله: ﴿الم﴾ [البقرة:١] وأمثالها، اختلف في المراد بهذه الحروف والصحيح أن معناها أن يرد أمر العلم والحكمة بها إلى الله؛ لأنه لا يستطاع تفسيرها من جهة مفاد كلمات العرب، وكلمة: (الم) ليس لها مفهوم عند العرب إذا انطقت مقطعة، وإنما يعرفون كلمة مثل: قام، أو جاء، أو ما إلى ذلك، أما (الم) فهذه ليست حروفًا معروفة عند العرب بمعنى، وإنما هي حروف مجتمعة -وإن كانت حروفًا عربية- ابتدأ الله بذكرها في القرآن لحكمة أرادها ﷾، ولهذا لم يقف عندها الصحابة ﵃ على هذا الوجه من الإشكال.
[ ٧ / ٧ ]
تدبر القرآن وإعرابه
قال الموفق ﵀: [وقال النبي ﷺ: (من قرأ القرآن فأعربه، فله بكل حرف منه عشر حسنات، ومن قرأه ولَحَن فيه، فله بكل حرف حسنة) حديث صحيح، وقال ﵊: (اقرءوا القرآن قبل أن يأتي قوم يقيمون حروفه إقامة السهم لا يجاوز تراقيهم، يتعجلون أجره ولا يتأجلونه)، وقال أبو بكر وعمر ﵄: [إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه]، وقال علي: [من كفر بحرف منه فقد كفر به كله] واتفق المسلمون على عد سور القرآن، وآياته، وكلماته، وحروفه.
ولا خلاف بين المسلمين في أن من جحد من القرآن سورة، أو آية، أو كلمة، أو حرفًا متفقًا عليه، أنه كافر، وفي هذا حجة قاطعة على أنه حروف].
يُنهي المؤلف ﵀ هذه المسألة بهذا التقرير، وهو إبانة لكون القرآن هو كلام الله ﷾، وهذا كما سلف أنه متواتر في الدلائل الشرعية، وفي إجماع السلف الصالح ﵏.
[ ٧ / ٨ ]