شرح مختصر الصارم المسلول على شاتم الرسول - المقدمة
إن الناظر في اختلاف الصحابة والأئمة في بعض المسائل يجد أن مصدر هذا الخلاف هو اختلاف الناظر نفسه في آية من كتاب الله أو حديث من سنة النبي ﷺ، وقد كان السلف يردون كل الأقول التي تعارض حديث النبي ﷺ، بل كان يشنع بعضهم على بعض في أخذه لأقوال الصحابة دون قول رسول الله، حتى وصل الحال في هذا إلى السب والهجر ونحو ذلك، فمن حق رسول الله علينا: الدفاع عنه، والذود عن سنته، والحفاظ عليها بكل استطاعتنا وجهدنا.
[ ٢ / ١ ]
مكانة النبي ﷺ عند الله تعالى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١] أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: نستهل اليوم بإذن الله شرح هذا الكتاب العظيم الجليل: الصارم المسلول على شاتم الرسول لشيخ الإسلام ابن تيمية، ونشرح مختصر الكتاب لا أصله للعلامة الشيخ محمد بن مهدي بن محمد البعلي الحنبلي.
وقبل أن نبدأ فهناك مقدمتان لابد لنا أن نقدمها بين يدي هذا الكتاب، أولًا: هناك أمر عظيم يخص أعظم البشرية وأكرم رسول، وهو أن رسول الله ﷺ سيد الناس، وأعظمهم مكانة عند الله جل في علاه، وكفى فخرًا لهذه الأمة أن رسولها هو أعظم الرسل على الإطلاق.
ففي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر)، والنبي ﷺ أقسم الله بعمره، ولم يقسم بعمر ولا بحياة أحد على الإطلاق إلا بحياة النبي ﷺ لعظم حياة النبي ﷺ، ولعظم مكانة النبي ﷺ، قال الله تعالى: «لَعَمْرُكَ» يا محمد! ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر:٧٢]؛ إظهارًا لمكانة وعظم حياة النبي ﷺ، ولمكانة النبي ﷺ في الدنيا فقد أمره الله على الأنبياء بأسرهم، فإنه حينما أسري به صلى إمامًا بالرسل، وحين عرج به فرض عليه أفضل الفرائض ألا وهي: الصلاة، وقد أوحى إليه وحيًا فيه أعظم ما يكون وهو كتاب الله، ويوم القيامة يبين الله جل وعلا ويظهر كرامته ومكانته فيجعل الناس تستشفع به يوم القيامة.
إذًا: الناس سيذهبون إليه إظهارًا من الله جل في علاه لكرامة النبي ﷺ، ولا يمكن أن يبلغها أحد إلا رسول الله ﷺ، وذلك عندما يقول: أنا لها، أنا لها، ثم يأتي يسجد تحت العرش، فالله جل وعلا يوحي إليه بمحامد لم يكن يعلمها قبل ذلك، فيحمد الله بها ثم يقول له: (يا محمد! -بأبي هو وأمي- ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع)، إظهارًا لكرامة النبي ﷺ، ولا غرو ولا عجب، فما من نبي أرسله الله لقومه فمنحه فضلًا أو شرفًا أو فضيلة يتفضل بها على قومه إلا ومنحها رسول الله ﷺ.
فهذا موسى ﵇ أفضل ما فضل الله به موسى على البشر أجمعين أنه اصطفاه بكلامه وبرسالاته، كما قال آدم ﵇: (أنت موسى الذي خط الله لك التوراة بيده، واصطفاك بكلامه)، وقال الله تعالى: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف:١٤٤]، فهذه من أفضل الفضائل لموسى ﵇، وللنبي ﷺ حظ منها لمكانته عند الله جل في علاه، فإن الله كلم موسى بحجاب دون واسطة، وكلم محمدًا ﷺ بحجاب دون واسطة أيضًا؛ لأنه لما عرج به تكلم مع الله دون واسطة ودون وحي، وفرض الله عليه خمسين صلاة، ثم تكلم مع موسى فقال موسى: أمتك لا تستطيع أن تصبر على ذلك، فرجع يعاود الكلام مع الله ويكلمه الله جل في علاه.
ويوسف ﵇: من أفضل ما منح الجسد فكان من أجمل الناس، حتى إن النساء قطعن أيديهن عندما رأينه، والنبي ﷺ أوتي من الجمال مثل ما أوتي يوسف ﵇، فعندما رأى البراء النبي ﷺ قال: (نظرت إلى رسول الله -بأبي هو وأمي- ونظرت إلى القمر ليلة البدر، فلرسول الله ﷺ أجمل من القمر ليلة البدر).
ولما منح الله جل في علاه إبراهيم أبو الأنبياء الخلة، وهو أعظم الرسل على الإطلاق دون النبي ﷺهذا عند أهل التحقيق- أيضًا منح الله جل في علاه نبينا ﷺ الخلة، فقد قال النبي ﷺ: (لو كنت متخذًا من البشر خليلًا لاتخذت أبا بكر، ولكن صاحبكم خليل الرحمن)، وأما الحديث الذي رواه ابن عباس ﵁ وأرضاه: (الخلة لإبراهيم والرؤيا لمحمد)، فلا يصح عن ابن عباس، بل الخلة لإبراهيم ولمحمد ﷺ.
أيضًا: منح عيسى ﵇ أنه يبرئ الأكمه والأبرص ويحيى الموتى بإذن الله، وهذه حدثت لنبينا ﷺ كما حدثت مع عيسى ﵇.
وإظهارًا لشرف النبي وعظم مكانة النبي ﷺ عند الله جل في علاه، فإن رسول الله ﷺ أخذ خشبة وهزها -هذه لموسى وعيسى- فتحولت سيفًا معجزة من الله جل في علاه لنبينا ﷺ فأخذها، أما موسى فلم يأخذ العصا حين تحولت إلى حية، فتحولت الخشبة سيفًا في يد النبي ﷺ، وقال: (من يأخذ هذا السيف بحقه؟ فقام الزبير فقال: أنا يا رسول الله ﷺ، فسكته النبي ﷺ ولم يعطه إياه، ثم هز السيف مرة ثانية، وقال: من يأخذ هذا السيف بحقه، حتى قام أبو دجانة ﵁ وأرضاه، فأعطاه النبي ﷺ السيف)، وكان نظر النبي ﷺ دقيق جدًا، فهو يعلم أنه سيأخذه بحقه.
وأيضًا عيسى ﵇ كان يبرئ الأكمه والأبرص والأعمى، ورسول الله ﷺ في معركة سقطت عين صاحب من صحابة رسول الله ﷺ على خده، فأخذها النبي ﷺ فوضعها مكانها، فكان يرى بها أفضل من العين الأخرى، وأيضًا في قصة قتل سلام بن أبي الحقيق اليهودي لما كسرت ركبة عبد الله بن أنيس، أخذها النبي ﷺ ومسح عليها فبرئت، وهذه أيضًا لعيسى ﵇ وحباها الله لنبينا ﷺ، فكل خصال الخير كانت لرسول الله لعظم مكانته عند ربه جل في علاه.
فالأمة لها أن تفخر -ولا غرو لها- بأن رسول الله ﷺ هو سيد هذه البشرية، وأن رسول الله ﷺ هو رسول هذه الأمة، فله حق عظيم على هذه الأمة.
[ ٢ / ٢ ]
حق النبي ﷺ على أمته
حق النبي ﷺ على هذه الأمة عظيم، لكن بدون إفراط فيه أو تفريط، ومن هذه الحقوق: أولًا: الاعتقاد الجازم والإيمان الراسخ بأنه مرسل من ربه جل في علاه، قال الله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥]، فـ: (رسله) عموم يدخل فيها رسول الله ﷺ، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [النساء:١٣٦]، وقال: ﴿وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد:٢٨]، فهذا أمر من الله جل في علاه، أن تعتقد اعتقادًا جازمًا أن محمدًا ﷺ رسول من الرسل الذين أوحى الله إليهم وحيًا عظيمًا جاء به إلى البشرية.
ثانيًا: من حق النبي ﷺ على هذه الأمة بعد الإيمان برسالة محمد ﷺ، وأنه أوحي إليه من قبل ربه: أن رسالته عامة للثقلين، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]، وأيضًا قال الله تعالى: ﴿كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ:٢٨]، وقال الله تعالى على لسان النبي ﷺ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:١٥٨].
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (فضلت على الأنبياء بست -وذكر من هذه الست- وكان كل نبي يبعث في قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة)، بل لم يكتف بذلك، فلم يرسل النبي ﷺ إلى الناس فقط، بل أرسله إلى الجن أيضًا، فهو مرسل إلى الثقلين، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف:٢٩].
وفي الحديث عن ابن مسعود ﵁ وأرضاه أنه قال: (اختفى رسول الله ﷺ ذات ليلة عنهم، فبين له مكان نيران الجن وأخبره بأنه ذهب إلى الجن يتلو عليهم آيات الله جل في علاه)، فرسالته عامة، فهذا حق للنبي ﷺ، وهذا الرد القوي على اليهود والنصارى الذين يقولون: هو نبي، لكن للأميين، فأنت لابد أن تعتقد اعتقادًا جازمًا بأن الرسول أرسل إلى الجن وإلى الإنس.
ثالثًا: من حق النبي ﷺ على هذه الأمة: تصديقه فيما أخبر ﷺبأبي هو وأمي- ولِم لا وهو الصادق المصدوق؟ فقد أخبر من قبل ربه جل في علاه، وجبريل لم يكذبه وهو لم يكذب، قال ابن مسعود: أوصاني الصادق المصدوق، فهو صادق في قوله، وهو مصدوق فيما يأتيه، قال الله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٤]، يعني: لا يتكلم من هوى نفسه، ولا من تلقاء نفسه، بل هو وحي من قبل الله جل في علاه.
فوجب عليك تصديق كل خبر أسند إلى النبي ﷺ إسنادًا صحيحًا، ومن تبعات ذلك أن تعمل به.
إن النبي ﷺ كان إذا تكلم بكلمة وفي مجلسه عبد الله بن عمرو بن العاص كتب كل شيء يتكلم به النبي ﷺ فلامه أهل قريش وأكابر المهاجرين فقالوا: كيف تكتب كل كلمة عن النبي ﷺ وهو بشر يصيب ويخطئ ويغضب ويضحك ويفرح ويحزن؟ فذهب إلى رسول الله ﷺ يخبره بهذا الخبر، فقال له النبي ﷺ: (اكتب، والله ما يخرج من هنا إلا الحق، أو قال: إلا الصدق)، ما يخرج منه إلا الوحي من الله جل في علاه، حتى ولو قلنا: بأن له الاجتهاد فإن الله لا يقر رسوله ﷺ على خطأ أخطأه، وليس ببعيد عنا قول الله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى﴾ [عبس:١ - ٢]، ولما اجتهد في دعوة أكابر قريش وترك ابن أم مكتوم، فأنزل الله كلامًا يعاتبه على ذلك، ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ [عبس:١ - ٣]، فله أن يجتهد لكنه لا يقرر على خطأ، فلذلك قال له: (اكتب، والله ما يخرج من هنا إلا الصدق، أو ما يخرج إلا الحق).
ولذلك لما جاء هذا القميء البئيس وقال لرسول الله ﷺ: اعدل، فهذه قسمة ما أريد بها وجه الله، فقال النبي ﷺ: (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟!)، كيف لا تأمنوني وقد استأمنني الله جل في علاه على الوحي وأنا أبلغ عن ربي جل في علاه.
ولنعم ما فعل خزيمة بن ثابت عندما جاء أعرابي فباع للنبي ﷺ فرسًا، ثم أعطوه فيه ثمنًا أغلى من ذلك، فقال النبي ﷺ: (قد بعت لي؟ قال: لا ما بعت لك، عليّ بشاهدين -يعني: ائت بشهود يشهدون أنني قد بعت لك هذا الفرس- فقام خزيمة بن ثابت فقال: أنا أشهد أن رسول الله ﷺ قد اشترى منك)، فتعجب رسول الله ﷺ منه، فما كان هناك ثمة أحد يجلس بين رسول الله ﷺ وبين الأعرابي في البيع والشراء؟ فقال له: (يا خزيمة! كيف تشهد على شيء لم تره أو تشهده، فقال له: يا رسول الله! أصدقك في خبر السماء ألا أصدقك في خبر البيع والشراء، فقال له النبي ﷺ: شهادة خزيمة بشهادة رجلين)، وكانت منقبة عظيمة لـ خزيمة؛ لأنه أدرك أن رسول الله ﷺ لا ينطق عن الهوى بحال من الأحوال.
رابعًا: من حق النبي ﷺ على هذه الأمة: تعظيم النبي ﷺ في وقتنا هذا، وتعظيم سنته وحملتها، إذا رأيت رجلًا يحمل سنة النبي ﷺ رأيت نورًا في وجهه لقوله: (نضر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها)، فيحترم ويعظم ويوقر يحترمه ويعظمه ويوقره توقيرًا لرسول الله ﷺ.
فمن حق رسول الله على هذه الأمة: تعظيم النبي وتوقيره والأدب الجم معه ﷺ، قال الله تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح:٩]، (تسبحوه) خاصة بالله جل في علاه، (تعزروه وتوقروه)، هذه تدل على نصرة النبي ﷺ، وتعظيمه ومحبته، وأن تجعل محبة النبي ﷺ فوق محبتك لنفسك ولغيرك.
[ ٢ / ٣ ]
صور من حب النبي ﷺ
قال النبي ﷺ كما في الصحيحين: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما).
وفي الصحيح أيضًا عن النبي ﷺ قال: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده ونفسه والناس أجمعين، فقام عمر فقال: يا رسول الله! أنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي! قال: لا يا عمر -يعني: لم تستكمل الإيمان الواجب في قلبك حتى الآن- قال: الآن يا رسول الله! قال: الآن يا عمر -أي: استكملت الإيمان الواجب-).
فقال النبي ﷺ: (لا يؤمن)، وهذا نفي قاطع: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده ونفسه والناس أجمعين) وصور المحبة وتقديم النبي ﷺ على النفس صور عظيمة جدًا، وقد ضرب أروع الأمثلة لذلك صحابة رسول الله ﷺ، وهم بهذا يبينون لنا التطبيق العملي لقول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [التوبة:١٢٠].
[ ٢ / ٤ ]
أبو بكر الصديق
فهذا أبو بكر ﵁ وأرضاه -إن صحت القصة، وفي السير يتسامح في الأسانيد- عندما دخل الغار أخر رسول الله؛ لأنه يعلم أن رسول الله ﷺ هو الشمس التي تنير الدنيا؛ فدخل الغار أولًا فسد كل فوهة أو فتحة في الغار فلم يجد شيئًا غير ثيابه فسد بها، ثم وجد فتحة واحدة لا تسدها ثيابه فسدها برجله، فجاءت حية فقرصته قرصة كاد يموت منها، ودموعه تنزل على خد رسول الله ﷺ، كل هذا حفاظًا على رسول الله ﷺ، يقدم نفس رسول الله ﷺ على نفسه.
وأروع من ذلك عندما رحل معه براحلته وهو يتقدم أمام رسول الله ثم يكون خلفه، ثم عن يمنيه ثم عن يساره ﷺ، فمن رآه قال: هذا رجل مجنون! كيف يتقدم ثم يتأخر، ثم يأتي يسارًا ثم يمينًا؟ لِم يفعل ذلك؟!! وكأنه لن يجد جوابًا لفعل أبي بكر إلا قولًا واحدًا هو: نفس رسول الله تقدم على نفسي، فبه الإسلام وأنا ليس بي شيء، فيقدم نفس رسول الله ﷺ على نفسه.
[ ٢ / ٥ ]
طلحة بن عبيد الله
وهذا طلحة ﵁ وأرضاه طلحة الخير، ففي غزوة أحد عندما تخلف الرماة عن أمر رسول الله ﷺ، وكاد المشركون أن يظفروا برسول الله، وأن يقتلوه قام النبي ﷺ وقال: (من يصد القوم عنا وهو رفيقي في الجنة)، فقام طلحة الخير، فقال: لا، فأجلسه رسول الله ﷺ، ثم قام رجل من الأنصار، فقال: أنا يا رسول الله! فقاتل حتى قتل، وهو ينافح عن رسول الله، ويقدم نفس رسول الله على نفسه.
فهذه هي المحبة الصادقة، وهذا هو التعظيم والتوقير الصادق.
ثم بعد ذلك يقول النبي ﷺ: (من يصد القوم ويكون رفيقي في الجنة)، فيقوم طلحة والنبي ﷺ يقول له: (اجلس، ليس الآن) حتى مات الأنصار عن بكرة أبيهم، فقال النبي ﷺ: (ما أنصفنا إخواننا)، وفي رواية أخرى: (ثم قام طلحة ينافح عن رسول الله ﷺ ويحميه ﷺ ويحتضنه، ويقول: لا ترفع رأسك يا رسول الله لئلا يأتيك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك يا رسول الله! ثم قاتل حتى كسر سيفه فألقاه، وأخذ ينافح عن رسول الله، ويدفع عن رسول الله السيوف التي تنهال عليه حتى شلت يده، فقال لـ أبي بكر وعمر عندما أتيا: (دونكم صاحبكم فقد أوجب) أي: أوجب الجنة بما فعل، لما قدم نفس رسول الله على نفسه.
[ ٢ / ٦ ]
سعد بن أبي وقاص
ولما قال النبي ﷺ: (من يحمي رسول الله؟! قام سعد مدججًا بسلاحه، وقال: أنا يا رسول الله! حتى أنزل الله جل في علاه: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧])، فهو حق عظيم لرسول الله ﷺ على هذه الأمة، فإن لم نجد جسد النبي ﷺ بيننًا فسنة النبي ﷺ تعظم وتوقر وتفدى بالأنفس، كما أن النبي ﷺ لو كان حيًا بين أظهرنا لوجب علينا أن نفديه بأنفسنا فكذلك سنته لها نفس المكانة، وحملة سنة النبي ﷺ لهم مكانة، فهم ورثة رسول الله ﷺ.
[ ٢ / ٧ ]
الأدب مع رسول الله
ومن أروع الأمثلة في الأدب تلك التي ضربها الصحابة أدبًا مع رسول الله، حتى تتأدب أنت مع رسول الله، وإذا قيل لك: قال رسول الله! فما عليك إلا أن تطأطئ رأسك متأدبًا مع سنة النبي ﷺ، ولا تعارض بعقلك بحال من الأحوال، بل تقول: سمعت وأطعت، وتتبنى قول الشافعي: آمنت بالله، وبما جاء عن الله، على مراد الله، وآمنت برسول الله، وبما جاء عن رسول الله، على مراد رسول الله ﷺ.
وقد ضرب لنا الصحابة أروع الأمثلة في الأدب مع رسول الله، فقبل غزوة الحديبية عندما ذهب النبي ﷺ، قبل أن يأتي عروة بن مسعود الثقفي، لما بعث النبي ﷺ عثمان ليحاور القوم أشيع بينهم أنه قد قتل، فقام النبي ﷺ تحت الشجرة فبايع على الموت، فأخذ يبايع على الموت والتف الصحابة حول رسول الله ﷺ، فقام معقل بن يسار -انظروا إلى الأدب- وأخذ غصن الشجرة فجعلها فوق النبي ﷺ ليستظل به رسول الله ﷺ، ولا يكل ولا يمل أدبًا مع رسول الله.
وهذا الذي فعله أبو بكر حتى يعلم الناس أن هذا هو رسول الله، وأن هذا هو صاحب رسول الله ﷺ، فكانوا يتأدبون مع رسول الله أعظم الأدب، فعندما كان في صلح الحديبية قام عروة ينظر في الناس، وينظر في رسول الله، فيجلس رسول الله ﷺ ويأخذ عروة بلحية النبي ﷺ فيلعب بها، وهو يريد أن يترفق ويتلطف مع رسول الله، لعله يستجيب لقوله، ويقول: يا محمد! أرأيت أحدًا قبلك عصف بقومه، أرأيت أحدًا قتل أباه، أو قتل أخاه، أو قتل ابنه مثلما تفعل أنت، أرأيت إن كانت الأخرى، والله إني ما أرى حولك إلا أوباشًا من الناس يفرون عنك عند اللقاء، فقام المغيرة -وكان ابن أخته- فأخذ غمد السيف، وضرب بها على يديه أدبًا مع رسول الله، وهو يقول له: انزع يدك عن لحية رسول الله ﷺ، وأبو بكر لما سمع عروة وهو يقول: (أوباشًا من الناس) يعني: أخلاطًا سيفرون عنك، قال الكلمة الفظيعة التي لم ترد على لسان أبي بكر بحال من الأحوال إلا في هذا المحل أدبًا وتعظيمًا لمكانة رسول الله ﷺ من الصحابة، قال: نحن نفر عن رسول الله! امصص بظر اللات! وأقر النبي ﷺ ذلك، قال تعالى: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء:١٤٨]، وهذه مظلمة عظيمة جدًا لأصحاب رسول الله، قال: نحن نفر عن رسول الله! امصص بظر اللات! فـ عروة يقول من القائل بهذا القول؟! قالوا: أبو بكر، فقال: لولا يد لك عندي -يعني: نعمة وكرامة لك عندي- لأجبتك.
فالشاهد: قال عروة بعدما رجع إلى قريش، قال: أذعنوا لهذا الرجل، والله إني قد وفدت على كسرى وقيصر والنجاشي وما رأيت أحدًا يعظمه أصحابه كما يعظم أصحاب محمد محمدًا، والله -هنا الشاهد- ما تنخم نخامة فوقعت في يد أحدهم إلا دلك بها جسده ووجهه، ووالله ما توضأ إلا ورأيتهم يتقاتلون على وضوئه؛ تعظيما وأدبًا وتوقيرًا لرسول الله ﷺ وجنابه، ووالله ما رأيته يأمر بالأمر إلا وهم يبتدرون لا يتقاعسون.
يبتدرون لامتثال أمر رسول الله ﷺ توقيرًا وتعظيمًا وأدبًا لمكانة النبي ﷺ، وهذا عظم حق رسول الله ﷺ على هذه الأمة.
فكل واحد منا يسأل نفسه، من عظم رسول الله حق تعظيمه؟ هل تأدب مع رسول الله حق الأدب؟ هل وقر رسول الله حق توقيره؟ والتوقير كما قلت في زماننا يكون مع سنة النبي ﷺ.
فما نرى الآن إلا أوباشًا من الناس يقدمون قول الفقيه وقول الشيخ على قول رسول الله ﷺ، يربطون الناس بالأشياخ الأحياء ولا يربطونهم بالشريعة الغراء التي تحيا إلى أبد الدهر، حتى يأذن الله جل وعلا بخراب الدنيا.
هل وقرنا سنة النبي ﷺ؟ هل قدمنا قول النبي ﷺ على قول أي أحد؟ هل عملنا بما قاله ابن القيم وما أروع ما قاله: العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول فقيه فإذا قلت لأي إنسان منهم: قال رسول الله! يقول لك قال الشيخ الفلاني كذا! وكأنه يعظم الشيخ ولا يعظم سنة النبي ﷺ، ويوقر الشيخ ولا يوقر شريعة النبي ﷺ، فما هذا التيه والتخبط الذي عشناه؟ ما هذا إلا سوء أدب مع سنة النبي ﷺ.
[ ٢ / ٨ ]
وجوب التحاكم إلى رسول الله في حياته وإلى سنته بعد وفاته
ومن حق النبي ﷺ على هذه الأمة: اتباع النبي ﷺ وتعظيم السنة والتمسك بها، والعمل بها، والتحاكم إلى رسول الله ﷺ، واعلم أنك كلما تنازعت في شيء فلا يحل لك هذا الشيء إلا رسول الله ﷺ، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩]، ولم يجعل طاعة أولي الأمر مستقلة بل تابعة لطاعة رسول الله وطاعة رب رسول الله ﷺ.
قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٢]، وانظر ودقق النظر وتدبر في كتاب الله جل في علاه، قال: (لعلكم ترحمون) قال ابن عباس: (لعل) في القرآن قاطعة، يعني: لا بد أن تتحقق، فهي ليست للرجاء، بل هي متحققة، والله جل وعلا يبين لكم أن تحقق الرحمات يكون باتباع رسول الله، قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ» [آل عمران:١٣٢] يعني: إذا أطعتم الرسول ﷺ سترحمون.
وأيضًا قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣]، يعني: ستبطلون أعمالكم إن لم تتبعوا رسول الله ﷺ، فأناط التسديد والتوفيق والرحمات بطاعة رسول الله ﷺ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣] يعني: بعدم اتباع النبي ﷺ، وبمخالفة رسول الله ﷺ.
وقال الله تعالى مبينًا أن طاعة الرسول هي طاعة الله ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠].
وأيضًا يقول الله جل في علاه مبينًا عظم مكانة اتباع النبي ﷺ من هذا الدين، وقد زعم قوم أنهم أحبوا الله فاختبرهم الله بآية المحنة، كما قال الحسن: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران:٣١].
فعلامة محبة الله جل في علاه: اتباع السنة، فإذا رأيت الرجل يذكرك بربك، ويزعم أنه يعمل لله، ولم يتبع النبي ﷺ، فاعلم أنه كاذب -ليس مطلقًا- في بعض أقواله، كيف والله جل في علاه قد أناط علامة المحبة باتباع رسول الله؟ (قل إن كنتم) شرطية قاطعة ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١]، وهذه بالمفهوم: إن لم تتبع رسول الله ﷺ فلست محبًا لله جل في علاه، وهذه الآية قاطعة للظهور، قاصمة لكل رجل يدعي محبة الله أو يدعي التدين وهو لا يتبع رسول الله، بل يعانده صلى الله ﷺ ويحادده ﷺ، وكثير من أهل التصوف الآن يزعمون محبة آل البيت، ويتغنون بمحبة رسول الله ﷺ، وهم يخالفون النبي ﷺ في أصل الأصول وهو أهم ما يكون في هذه الدنيا وفي هذه الشريعة ألا وهو صحة العقيدة في الله جل في علاه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١].
بل أناط الله جل في علاه الإيمان بالتحاكم لرسول الله ﷺ، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾ [الأحزاب:٣٦]، فنفى الإيمان، فلا يمكن أن يكون مؤمنًا من لم يعمل بهذه الآية ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦]، فإذا قيل لك: قال رسول الله في المسألة فاضرب قول أي أحد عرض الحائط، وخذ بقول النبي ﷺ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦].
قال تعالى: «فَلا وَرَبِّكَ»، وهذه الآية من أقوى ما يكون، وهي زاجر ورادع شديد لكل من لا يتحاكم إلى رسول الله ﷺ أو يتحاكم إلى كتاب الله جل في علاه: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، هذه الآية من أقوى الآيات في الحث على الاتباع والتحاكم لله ولرسوله، وفيها أمور ثلاثة: قال الله تعالى: «فَلا وَرَبِّكَ»، وهو قسم فيه مؤكدات ثلاثة «فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ» حتى: جعلها للغاية، فالتحكيم ليس فقط هو الذي يدل على الإيمان، بل لابد من أمور أخرى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥].
السؤال
لقد أقسم الله بربوبيته على نفي الإيمان عمن لم يتحاكم إلى شرعه فهل لا يؤمن حتى يحكم الشرع لله أم لا يؤمن حتى تتوفر أمور أخرى؟
الجواب
هناك قاعدة قعدها شيخ الإسلام ابن تيمية: أن الحكم إذا أنيط بعلل أو بشروط لا يكون متحققًا إلا بتوفر الشروط، ولو غاب شرط واحد لا يتحقق الحكم، إذًا: قول الله تعالى: (لا يؤمنون) نفى الإيمان، «حَتَّى يُحَكِّمُوكَ» هذا أول شرط حتى يكون الإيمان متواجدًا في القلب: (يحكموك) فلا بد أن تتحاكم لله ولرسوله، قال الله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠] يعني: إلى كتابه وإذا قال (إلى الله) يتضمن ذلك إلى الرسول لأنه مبلغ عن الله، وإذا قلنا: (إلى الله) يعني: إلى كتاب الله، وكتاب الله قد أمرنا باتباع النبي ﷺ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧].
قال: ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥]، صغير أو كبير، دقيق أو جليل، وحتى في البيوت نحن نقول للمرأة مع زوجها: إن أردت الخير فاجعلي الشرع حاكمًا بينك وبين زوجك، ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩]، ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠].
فلنعم البيت الذي يقام على الشرع! ولنعم البيت الذي يتحاكم فيه الزوج مع الزوجة بشرع الله جل في علاه، ولنعم التربية إن كانت على سنة النبي ﷺ، وإن كان الخلل موجودًا، لكن رأس الأمر عند الرجل والمرأة والأولاد والأصدقاء والإخوان هو: أن مردنا إلى الله ورسوله فهو أهم شيء، أما الآن فالمرد إلى الأهواء أو الخبراء، والصحيح: أن المرد لابد أن يكون لله وللرسول.
قال تعالى: ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥].
هذا الشرط الثاني.
قال: (ثم لا يجدوا في أنفسهم) فلو وجد امرؤ وهو يتحاكم لله ولرسوله الحرج، نقول له: الإيمان قد انتفى من صدرك.
فالشرط الثالث هو: التسليم العام، فلابد بعد أن تحركم بشرع الله ألا لا تجد في صدرك حرجًا، وأن تسلم تسليمًا كاملًا.
وما أروع هذا المثل وإن كان الحديث ضعيف لكن نستأنس به: فقد اختصم رجل يهودي مع منافق، فقال له اليهودي: تعال معي يفصل بيننا رسول الله، فذهبا إلى رسول الله، فحكم لليهودي؛ لأن الحق كان مع اليهودي، فلم يرضَ المنافق بحكم رسول الله ﷺ، وقال: لا أرضى! قال اليهودي: ما ترتضي بحكم رسول الله؟ قال المنافق: لا، إلا أن أذهب إلى أبي بكر، فذهبا إلى أبي بكر فحكم فوافق حكمه حكم النبي ﷺ، فحكم لليهودي فقال: والله لا أرضى، قال: ولا ترضى بـ أبي بكر؟ قال: ولا أرضى إلا أن نذهب إلى عمر بن الخطاب، فذهبا إلى عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه فقصا عليه القصة، فقال: عمر أو ترضى بحكمي؟ قال: أرضى بحكمك؟ فدخل فاستل سيفه ففصل عنقه من جسده قال: هذا حكم الله! قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩]، وقال: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠]، ولو صح هذا الحديث لقلت: قد اجتهد عمر، وعلم أن من لم يرضَ بحكم رسول الله فهو كافر، لكن لابد أن تقام الحجة وترفع الشبهة، ويبدو أن عمر كان يرى أن هذا الأمر معلوم من الدين بالضرورة، قال الله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ [النساء:٦٥].
[ ٢ / ٩ ]
صور من تحاكم الصحابة لرسول الله
وما أروع تمسك صحابة رسول الله بسنة النبي ﷺ، وتقديم قول رسول الله على كل شيء، وتقديم فعل رسول الله وإقراره على كل رأي وهوى! إن الله أوحى إلى نبيه أن يبلغ الأمة بأسرها أن تعض على سنته بالنواجذ، فقال كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: يا رسول الله! ومن يأبى؟! -أي اندهشوا من هذا الذي يأبى أن يدخل الجنة- قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى).
وقال ﷺ: (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله)، بل ارتقى إلى قول أكثر من ذلك، قال: (من أطاع أميري فقد أطاعني)، ومن أطاع رسول الله فقد أطاع الله جل في علاه، (ومن عصى أميري فقد عصاني)، ومن عصى رسول الله فقد عصى الله جل في علاه.
فهو يؤسس أصلًا لا بد من العمل به.
وأيضًا صح عنه ﷺ في مسند أحمد ورواية في سنن أبي داود: قوله (لا ألفين أحدكم على أريكته شبعان، يأتيه الأمر من أمري فيقول: ننظر في كتاب الله!)، فلا يحق له أن يفعل ذلك، فما علمنا كيفية الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر إلا من سنة النبي ﷺ، وفي رواية الحاكم قال: (لا ألفين أحدكم شبعان على أريكته يأتيه الأمر من أمري فيقول: ننظر في كتاب الله، فما وجدناه حلالًا أحللناه، فقال النبي ﷺ: ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله، وما أحل رسول الله كما أحل الله).
وفي المسند من حديث العرباض بن سارية قال: (وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة، فقلنا: يا رسول الله! كأنها موعظة مودع فأوصنا، فقال النبي ﷺ: إنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)، وفي رواية للنسائي قال: (وكل بدعة في النار).
لذلك وعى الصحابة الدرس عن رسول الله، وتمسكوا بسنة النبي ﷺ فقادوا وسادوا، وكانت لهم الريادة المطلقة؛ لأنهم حكَّموا رسول الله، وقول رسول الله، وسنة رسول الله ﷺ في كل دقيق وجليل، في كل صغير وكبير.
[ ٢ / ١٠ ]
أبو بكر الصديق
هذا أبو بكر ﵁ وأرضاه عندما أراد أن يقاتل مانعي الزكاة عقد مجلس الشورى، فقام عمر بن الخطاب، والذي لا بد أن يناصره قام مخالفًا له، وأعلن المخالفة الصريحة لـ أبي بكر، فقال: كيف تقاتل قومًا قالوا: لا إله إلا الله، ورسول الله ﷺ يقول: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله -وقد قالوها-)؟ وهنا أبو بكر ﵁ وأرضاه يعلن السنة النبوية، قال: (والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة؛ فقد سوى الله بينهما، ولذلك أيد قول أبي بكر أبو هريرة ﵁ برواية عن النبي ﷺ، فقد قال رسول الله ﷺ: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة؛ فإن فعلوا ذلك -من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة- عصموا مني دماءهم وأموالهم)، ومفهوم المخالفة: أنهم إن لم يفعلوا كل ما ذكر فإنهم لن يكونوا معصومي الدم ولا المال؛ ولذلك قاتلهم أبو بكر، وقال عمر بن الخطاب: (والله لقد وجدت أن الله جل في علاه شرح صدر أبي بكر للقتال فوافقت على ذلك).
أيضًا: فرسول الله ﷺ جيَّش الجيوش وجعل عليها أسامة ليرد على الروم، بل وجعل أسامة -انتصارًا لأبيه زيد ﵁ وأرضاه- أميرًا على هذا الجيش وهو لم يبلغ العشرين من عمره، فقام عمر بن الخطاب وقام المهاجرون والأنصار يقولون لـ عمر: كيف يؤمر هذا الصبي على هذا الجيش العرمرم، فقال عمر نكلم أبا بكر ألا ينفذ جيش أسامة، فقال أبو بكر: إن رسول الله ﷺ قد رفع لواء الجيش، فوالله! لو جرت الكلاب بأرجل أمهات المؤمنين لأنفذت جيش أسامة؛ وهذا لأنه يرى الخير كل الخير فيما رفعه رسول الله ﷺ، ويرى الخير كل الخير في العض بالنواجذ على سنة النبي ﷺ.
وجاءت الجدة تسأل أبا بكر ﵁ وأرضاه عن ميراثها، فقال: (لا أعرف لك في كتاب الله شيئًا، ولا أعرف في سنة النبي ﷺ شيئًا، لكن أسأل أصحاب رسول الله، فإن كان قد أعطاك رسول الله ﷺ شيئًا أعطيناك إياه).
وهذا قمه الاتباع والتحري لسنة النبي ﷺ، فقد جهل هذه السنة، لكنه أراد أن يتعلمها من أصحاب رسول الله ﷺ، فعقد مجلس الشورى، فشهد المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة أن رسول الله أعطى الجدة السدس، فأعطاها أبو بكر السدس، تحريًا لسنة النبي ﷺ.
[ ٢ / ١١ ]
عمر بن الخطاب
وعمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه، فقد كان يتحرى دائمًا سنة النبي ﷺ ولا يحكم إلا بها، أرأيت في مرض موته عندما قالوا له: (استخلف! قال: إن استخلفت فقد استخلف من هو أفضل مني يريد أبا بكر، وإن لم أستخلف فلم يستخلف من هو خير مني يريد رسول الله ﷺ.
فكانت سنة النبي أوفق له من سنة أبي بكر، مع أن سنة أبي بكر سنة متبعة، لكن سنة النبي ﷺ كانت أريح لقلب عمر بن الخطاب فقال: هو في هؤلاء الستة ولم يستخلف صراحة.
وأيضًا عمر بن الخطاب لما سئل عن الجنين في بطن أمه يقتل خطأ فما فيه من دية؟ فما كان عمر يعلم، فعقد مجلس الشورى حتى قالوا له: إن رسول الله حكم في الجنين بغرة، فأخذ به وحكم بسنة النبي ﷺ.
فهؤلاء قوم تحروا سنة النبي ﷺ، فلا يسيرون يمينًا ولا يسارًا، ولا يتقدمون ولا يتأخرون إلا بسنة، عملًا بقول الثوري، ولنعم ما قال الثوري ولنكتب في صدورنا هذا القول بماء الذهب: لا تحك رأسك إلا بأثر.
[ ٢ / ١٢ ]
عثمان ﵁
وهذا عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه، عندما عز عليه معرفة سنة النبي ﷺ في المرأة التي مات عنها زوجها أين تعتد؟ قال: أتحرى، ولا أتحرى إلا سنة النبي ﷺ، ولا أتكلم برأيي في هذه المسألة، فكانت السنة في المسألة حديث فريعة بنت مالك أخت أبي سعيد الخدري: أنه مات عنها زوجها، فأمرها -هنا وجه الشاهد- رسول الله أن تعتد في بيتها، فأبلغ محمد بن مسلمة عثمان بن عفان، فقال: أحكم بسنة النبي ﷺ.
فلا غرو ولا عجب، فإن هؤلاء القوم يعلمون أن النجاة في سنة النبي ﷺ، كما قال السيوطي: علمنا أن النجاة في التمسك بسنة النبي ﷺ.
إذًا: فالهلاك كل الهلاك في التمسك بأقوال الفقهاء والضرب بسنة النبي ﷺ عرض الحائط.
[ ٢ / ١٣ ]
علي بن أبي طالب يتبع السنة ويخالف عثمان
وهذا علي بن أبي طالب يخالف عثمان من أجل سنة النبي ﷺ، وقد كان عثمان يتم الصلاة في منى، وكان عثمان في المدينة، فعليه إذا سافر إلى الحج أن يقصر الصلاة، وكان النبي ﷺ يقصر في منى، فيصلي الظهر في وقته والعصر في وقته قصرًا دون الجمع، فتأول عثمان بأن له بيتًا في مكة فكأنه من المقيمين، فقال: أتم، فقام ابن مسعود يصلي خلفه، وقال: الخلاف شر كله، ثم قال: وسنة النبي أن يقصر، وأعلنها أمام الناس.
أما موقف علي بن أبي طالب فهو عندما قال عثمان: لا متعة في الحج، يعني: لا تعتمر ثم تحل ثم تحرم بعد ذلك بالحج، فقال علي بن أبي طالب أمام البشر أجمعين، وهذه الحالة لها تأويل؛ لأن المفروض أن تنصح ولاة الأمور إذا أردت أن تنصحهم سرًا أو بالكتابة لا علنًا، لكن عليًا بن أبي طالب له الوجاهة أمام الناس، وهو يعظم سنة النبي ﷺ والناس يعظمونها كما يعظمون عثمان بن عفان، فقام في منى أمام الناس جميعًا، وقال: لا والله لا أترك سنة رسول الله لقول أحد كائنًا من كان، ولو كان أمير المؤمنين، ولو كان عثمان ذا النورين.
فقال: لبيك اللهم بعمرة متمتعًا بها إلى الحج، عملًا بسنة النبي ﷺ.
وقد سب علي بن أبي طالب ابن عباس، وأغلظ له في القول، فإن ابن عباس كان يقول بالمتعة للمضطر، ويفتي بها للمضطرين، فقام علي بن أبي طالب فقال لـ ابن عباس: إنك رجل تائه، أمام البشر، يقول ذلك في ابن عباس حبر الأمة، وبحر العلوم والتفسير، لكن عليًا بن أبي طالب جعل الفاصل بينه وبين ابن عباس ليست الخلافة، ولا لأنه أمير المؤمنين، لكنه يلقمه الحجر بسنة النبي ﷺ.
قال علي بن أبي طالب: يا ابن عباس! إنك رجل تائه، إن رسول الله قد حرم زواج المتعة.
وهذا الذي فعله عبد الله بن الزبير أمام الملأ لما كان أميرًا على مكة في خلافته لما بويع، فقد قال: وانظروا إلى الشدة من أجل الحفاظ على السنة، لتعلموا عظم حق سنة النبي ﷺ عليكم، قام خطيبًا في الناس، فقال: ما لي أرى أقوامًا قد أعمى الله بصيرتهم كما أعمى أبصارهم، وكان ابن عباس قد عمي في آخر حياته، فقال له ابن عباس: ما لي أراك جلفًا أعرابيًا غليظًا، فقال له ابن الزبير: افعلها إن شئت وسترى كيف أرجمك أمام الناس؛ لأن النبي ﷺ قد حرم المتعة، فكيف تفتي أنت فتوى خلاف سنة النبي ﷺ؟ انظروا كيف تكون الشدة والغلظة من أجل الحفاظ على سنة النبي ﷺ.
وهذا الذي اعتبر به الذهبي وكثير من المحققين في شدة مسلم على البخاري في مسألة المعاصرة؛ لأن مسألة المعاصرة ومسألة اللقيا حصل بينهما تفريق عند بعض العلماء، فاشتد مسلم جدًا في مقدمة صحيحه على البخاري وعلى علي بن المديني لِم يقولون باللقيا ويتركون المعاصرة؟ فالعلماء قالوا: اشتد مسلم على البخاري مع أن البخاري شيخه بل هو أجل شيوخه.
قال الذهبي: وكان في مسلم حدة، فاحتد على البخاري، حتى إنه لم يروِ له رواية واحدة في صحيحه.
قالوا: ويعتذر لـ مسلم أنه أراد الحفاظ على سنة رسول الله ﷺ، ولو كان البخاري جبل الحفظ، وأمير المؤمنين في الحديث، وله المنة عليه بأن علمه علل الحديث، مع ذلك حفاظًا على السنة يقول صراحة كما قال ابن القيم: شيخ الإسلام حبيب إلينا والحق أحب إلينا منه.
[ ٢ / ١٤ ]
ابن عمر يسب ولده لمخالفته الحديث
وانظروا إلى ابن عمر ﵁ وأرضاه، وما أروع ما قاله وفعله ابن عمر عندما سرد حديث النبي ﷺ: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)، فقام ابنه فقال له: والله لمنعهن، إذًا يتخذنه دغلًا، فقال له حفاظًا على السنة: لعنة الله عليك.
هذه كلمة ليست بالهينة، هذه الكلمة معناها: أنه يدعو عليه أن يطرد من رحمة الله جل في علاه، وانظروا إلى الحفاظ على سنة النبي ﷺ ماذا فعل بأصحاب رسول الله؟ هذه الشدة لفلذة كبده، يقول لابنه: لعنة الله عليك.
وفي بعض الروايات: أن ابن عمر لم يكلم ابنه هذا إلى أن مات، حفاظًا على سنة النبي ﷺ، قال ابن عمر: لعنة الله عليك، أقول لك: قال رسول الله، وتقول: نمنعهن.
[ ٢ / ١٥ ]
عبد الله بن مغفل يهجر ابن عمه لمخالفته الحديث
وهذا أيضًا عبد الله بن المغفل المزني ﵁ وأرضاه، فقد كان يروي حديث النبي ﷺ: (نهى النبي ﷺ عن الخذف، فقال: إنه لا يصيد صيدًا ولا ينكأ عدوًا، وإنما يكسر السن، ويفقأ العين)، فلما قال ذلك لابن عمه وجده في اليوم التالي يفعل ما كان يفعله، قال: أقول لك نهى رسول الله ﷺ عن الحذف وتحذف، والله الذي لا إله إلا هو لا ساكنتك مرة أخرى، أو قال: لا كلمتك حياتي، حفاظًا على سنة النبي ﷺ.
وهذا أبو هريرة ﵁ وأرضاه، فقد كان يروي حديث النبي ﷺ: (أنه كان يتوضأ مما مست منه النار)، فقام ابن عباس فزعًا فقال: أنتوضأ من الحميم.
الآن: لو جاء الماء الساخن على جسدي أو شربت ماءًا ساخنًا أتوضأ منه؟ أنتوضأ من الحميم؟ قال أبو هريرة: وهو أروى الناس عن رسول الله ﷺ، والذي حفظ حديث النبي ﷺ، ويعلم أن النجاة في سنة النبي، قال: يا ابن أخي! إذا رويت لك حديثًا عن النبي فلا تضرب له الأمثال.
ولا تدخل عقلك بحال من الأحوال، بل قل: آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله.
[ ٢ / ١٦ ]
ابن عباس يغلظ على من يأخذ بقول أبي بكر وعمر في متعة الحج ويدع قول الرسول
وهذا ابن عباس نفسه ﵁ وأرضاه كان يقول بوجوب متعة الحج، والصحيح الراجح: أنها سنة وليست بواجب، لكنه كان يقول بوجوب المتعة ويقول: هي سنة نبيكم، فقام رجل فقال: أبو بكر لا يقول بذلك، وعمر لا يقول بذلك، فاشتد غضب ابن عباس وقال: أوشكت السماء أن تمطر عليكم حجارة، أقول لكم: قال رسول الله، وتقولون قال أبو بكر وعمر! إن سنة رسول الله ﷺ تقدم على قول أي أحد، وابن عمر حدث له نفس الأمر في مسألة المتعة، فقد راجعوه بعدما قال بها، وقالوا: إن عمر يخالفك ويقول بعدم المتعة، فقال: أمرنا باتباع النبي وما أمرنا باتباع عمر، يعني: عند المخالفة.
[ ٢ / ١٧ ]
سالم يخالف أباه ويتبع السنة
وهذا سالم بن عبد الله بن عمر ﵃ أجمعين قال: بأن من السنة أن يتطيب المرء قبل أن يحرم، وأن يتطيب بعد الإحلال، فقالوا له: إن ابن عمر ينهى عن التطيب عند الإحرام، ويقول: ليتني تطيبت بالزفت والقار خير لي من أن أتطيب وأصبح محرمًا ينضح مني ريح الطيب، فقال سالم بن عبد الله معلنها صراحة: أمرنا باتباع رسول الله، وما أمرنا باتباع ابن عمر ﵁ وأضاه، يعني: عند المخالفة، وكل ذلك حفاظًا على سنة النبي ﷺ.
[ ٢ / ١٨ ]
ابن مسعود يشتد على أبي موسى لمخالفته السنة
وابن مسعود كان يشتد على أبي موسى الأشعري عندما خالف حكمه حكم رسول الله ﷺ لما سألوه في المرأة التي ماتت عن بنت وبنت ابن وأخت، فقالوا: ورث يا أبا موسى؟! فقال: البنت لها النصف والأخت لها الباقي تعصيبًا.
فقالوا لـ ابن مسعود: يا أبا عبد الرحمن قد أفتى أبو موسى بكذا، قال أقول بقوله؟ قد ضللت إذًا وما أنا من المهتدين.
انظروا إلى شدة الإنكار على أبي موسى، قال ابن مسعود: بل أحكم فيها بما حكم رسول الله ﷺ: للبنت النصف، ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين، والباقي للأخت تعصيبًا.
ولذلك لما تعامل الصحابة مع سنة النبي ﷺ بهذا التعامل العظيم، وحافظوا على سنة النبي ﷺ اقتدى بهم من جاء وراءهم، فاقتدى بهم التابعون وفعلوا ذلك.
[ ٢ / ١٩ ]
أربعة مواقف لبعض العلماء في المحافظة على السنة
وأسرد لكم أربعة مواقف لعلمائنا تبين كيف حافظوا على السنة، وكيف أسسوا هذا الأساس، وهذا الأصل الأصيل لهذه الأمة؛ لأن فلاحها ونجاحها وقيادتها وريادتها وسيادتها لن تكون إلا بالعض بالنواجذ على سنة النبي ﷺ.
[ ٢ / ٢٠ ]
موقف مالك ﵀
فهذا الإمام مالك جاءه رجل وقال يا إمام! كم حج النبي ﷺ؟ قال: حجة واحدة هي حجة الوداع وأحرم من ذي الحليفة.
فقال رجل: أأحرم من بيتي أم من قبل ذي الحليفة؟ قال: لا تفعل.
قال: لم لا أفعل؟ قال: ترى نفسك فعلت أمرًا قصر عنه رسول الله ﷺ؟ أخشى عليك الفتنة.
قال: وما الفتنة؟ قال: قول الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣]، فلذلك نهاه أن يفعل فعلة يرى فيها أنه قد تقدم بين يدي رسول الله ﷺ.
[ ٢ / ٢١ ]
موقف أحمد بن حنبل ﵀
وهذا أحمد بن حنبل قال: لا تأخذ عني ولا عن مالك ولا عن الشافعي، وخذ من حيث أخذوا، يعني: خذ الإسناد، خذ حديث النبي ﷺ.
[ ٢ / ٢٢ ]
موقف أبي حنيفة ﵀
وهذا أبو حنيفة يقول: لو خالف قولي قول رسول الله ﷺ، فخذوا قول رسول الله، واضربوا بقولي عرض الحائط.
ولذلك قال ابن عبد البر في مسألة الصرف التي خالف فيها ابن عباس وقال بجواز ربا الفضل، قال ابن عبد البر: لا حجة لـ ابن عباس، بل لا حجة لأحد من أصحاب رسول الله ﷺ مع قول رسول الله ﷺ؛ فقول رسول الله يقدم على قول كل أحد.
[ ٢ / ٢٣ ]
موقف الشافعي ﵀
ولذلك الشافعي ﵁ وأرضاه ناصر السنة دخل عليه إسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل، وكان إسحاق بن راهويه قد قال لـ أحمد: نترك ابن عيينة يقول: حدثني فلان عن فلان، ونجلس إلى هذا الحدث، فقال أحمد بن حنبل: لو فاتك العلم من عند هذا الرجل لن تجده عند غيره، فلما جلسا في مجلس الشافعي تكلم الشافعي في مسألة ديار مكة، هل تسكن؟ هل تباع؟ هل تشترى؟ هل تمتلك؟ -وهذا خلاف فقهي عريض- قال الشافعي: تمتلك ديار مكة، واستدل بحديث النبي ﷺ عندما دخل مكة فاتحًا، فقيل له: (أتدخل في ديار عبد المطلب أو قيل: في ديار أبي طالب؟ قال: وهل ترك لنا عقيل من دار).
قول النبي ﷺ (وهل ترك لنا عقيل من دار)؛ لأن عقيلًا كان كافرًا آنذاك وورث أباه أبا طالب، وأخذ وامتلك هذه الدور ثم باعها، ولذلك قال النبي ﷺ مقرًا لبيع عقيل: وهل ترك عقيل من دار، أو من ديار؟ فقال له إسحاق بن راهويه: حدثني فلان عن فلان عن فلان عن عائشة: أنها ما كانت ترى ذلك، يعني: لا ترى سكن مكة، ولا ترى أن مكة تمتلك.
ولو قلنا بهذا القول الآن، لقلنا: إن كل هذه القصور التي تدور حول مكة لا يجوز أن يأخذوا عليها فلسًا، وعليه فإنك إذا ذهبت أكبر وأعظم قصر وجلست فيه فستقول: الأجرة حرام هنا؛ فقد حرمت دور مكة أن تمتلك، وهذا قول الحنابلة، وعلماء الحجاز حنابلة خالفوا جميعًا عن بكرة أبيهم؛ لأنهم قالوا: ديار مكة لا تمتلك.
فقال إسحاق: رأيت عائشة تذهب إلى هذا، وحدثني فلان عن فلان عن فلان عن أبي الزبير أو قال عن ابن الزبير: أنه ما كان يرى ذلك، وحدثني فلان عن فلان عن فلان عن ابن عباس: أنه كان لا يرى ذلك، فقال له الشافعي مؤدبًا: من أنت؟ فقال: إسحاق بن راهويه، قال: أنت فقيه خراسان؟ قال: يزعمون ذلك -الكلام هذا في كتب التراجم- فقال له مؤدبًا: ليتني بك طفلًا صغيرًا أعرك أذنه، أقول لك: قال رسول الله! وتقول: قالت عائشة، وقال ابن الزبير، لا قول لأحد مع قول رسول الله ﷺ، وحق لهم أن يلقبوا الشافعي بناصر السنة، ولذلك لما كان جالسًا في مجلسه ودخل السائل يسأله، ويقول: يا إمام! هذه المسألة ما تقول فيها؟ فقال مجيبًا أحد طلبة الشافعي قال: قال فيها رسول الله كذا، فقال له: يا إمام! وانظروا فالجهلة في كل العصور متوافرون بفضل الله! تقول له: قال رسول الله! فيقول: لكن الشيخ قال كذا، فلا يمكن أن يترك قول الشيخ بحال من الأحوال؛ فقال: يا شافعي! تقول بهذا القول؟ فقال الشافعي: ولنعم ما قال، قال: أرأيتني خرجت من كنيسة، أرأيت في وجهي زنارًا، ما لي لا أقول بقول رسول الله! يقول لك قال رسول الله! فكيف لا أقول بما قال به رسول الله ﷺ.
ولنعم ما قال الشافعي، ولنعم ما نصر به سنة النبي ﷺ، فحق النبي ﷺ على هذه الأمة حق عظيم.
ولقد أردت أن أقدم هذه المقدمة بين يدي الصارم المسلول على شاتم الرسول لتعرفوا عظم حق النبي ﷺ وكيف أن حق النبي ﷺ هضم من بعد قرون الخيرية الثلاثة إلى يومنا هذا، فإن الناس الآن لا يعظمون رسول الله ولا يوقرونه؛ لأنهم لا يعظمون سنة النبي ﷺ، بل يحاربون من يتقدم بين يدي شيوخهم فلا تكاد تجد أحدًا يقول: لا آخذ إلا بقول الرسول ﷺ.
أردت أن أقدم هذه المقدمة لأبين عظم حق شريعة الله جل في علاه، وعظم حق رسول الله ﷺ، وعظم حق سنة النبي ﷺ.
وهذا الكتاب -كما قلت- له مختصران: فقد اختصره الدكتور صلاح الصاوي، واختصره أيضًا البعلي الحنبلي، لكن اختصار البعلي أوفر حظًا وأدق من اختصار الدكتور صلاح، وقد حظيت والحمد لله بهذه النسخة، وأصل الكتاب أكبر من ذلك، وشيخ الإسلام ابن تيمية سنقدم له مقدمة نبين فيها حقه علينا.
فقد كان في المسألة الواحدة يأتي بحوالي خمسة عشر آية، أو بسبع آيات، وبكل الأحاديث التي تخص هذه المسألة، فجاء البعلي فهذب هذه المسائل، ويأتينا مثلًا في المسألة الواحدة بحجج ثلاث من الكتاب ومن السنة؛ حتى يختصر على طلبة العلم.
[ ٢ / ٢٤ ]