شرح مختصر الصارم المسلول على شاتم الرسول - بيان حكم المسلم الذي يسب رسول الله
لقد رفع الله من مكانة النبي ﷺ، وجعله سيد الأولين والآخرين، وجعل له حمى لا يجوز لأحد أن يقتربه أو يمس رسول الله بأذىً قولي أو فعلي تصريحًا أو تعريضًا، ولذا أجمع العلماء على: أن من سب الرسول ﷺ أو انتقص منه أو طعن في عرضه فإنه يكون مرتدًا بذلك، كافرًا كفرًا مخرجًا من الدين، وحكمه القتل ولا كرامة، والأدلة على ذلك كثيرة من القرآن والسنة المطهرة.
[ ٤ / ١ ]
الأدلة الواردة من القرآن في ثبوت ردة من سب رسول الله
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: أيها الإخوة الكرام! ما زلنا مع الكلام على هذا الكتاب الماتع الجليل كتاب: مختصر الصارم المسلول، وأصل الكتاب لشيخ الإسلام ابن تيمية، والمختصر للفقيه البعلي.
وقد تحدثنا في الأسبوع الماضي عن حكم من سب رسول الله ﷺ، وحد من سب رسول الله ﷺ، وتكلمنا عن الحكم وعن الحد وقلنا: إن الذي يسب رسول الله له حالتان: الحالة الأولى: أن يكون مستأمنًا أو ذميًا أو معاهدًا، وقد شرحناه في الأسبوع الماضي وبينا الأدلة على حده؛ لأنه أصلًا كافر في الأصل، وهل ينتقض عهده أو تنتقض الذمة أو ينتقض الأمان الذي أخذه بعد دخوله البلاد الإسلامية بسب الرسول ﷺ أم لا؟ بينا الأسبوع الماضي هذا الكلام، وبينا أن هناك خلافًا بين العلماء، وأتينا بالأدلة على الراجح منها.
الحالة الثانية: أن يكون الساب مسلمًا، فإذا سب رسول الله ﷺبأبي هو وأمي- فحكمه الكفر، وأنه ارتد عن دين الله بذلك، وهذا بإجماع من يعتد بإجماعه، وقلنا: خالف في ذلك المرجئة فقط، حيث قالوا: لا بد أن ننظر في استحلال قلبه، فإن استحل بقلبه يكفر، وإن لم يستحل لا يكفر، ويكون فعله كبيرة من الكبائر، وهذا قول المرجئة نعوذ بالله من الخذلان! أما إجماع الصحابة وإجماع أهل السنة والجماعة فمفاده: أن الذي يسب رسول الله ﷺ يخرج من الملة ويكفر بذلك، وحده القتل، والأدلة على ذلك كثيرة من الكتاب والسنة، ومن إجماع الصحابة، بل ومن النظر، واليوم إن شاء الله سنتناول الكلام على الأدلة من الكتاب والسنة على أن من سب رسول الله ﷺ يخرج بذلك من الملة ويصير مرتدًا.
[ ٤ / ٢ ]
قوله تعالى: (لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم)
أولًا: الأدلة الواردة من كلام الله جل في علاه، وسنقسم الأدلة إلى صريح ومستنبط: فمن الأدلة الصريحة: قول الله تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة:٦٤] ثم قال بعد ذلك: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦]، وهذا صريح؛ لأن الله جل وعلا أخبر أنهم كفروا بعدما آمنوا، وأقر أنهم على إيمان، فكفروا وخرجوا من الملة بذلك، ولذلك قالوا: (يا رسول الله! والله ما كنا إلا نلهو)، يعني: أنهم ما قصدوا الاستهزاء، ولا قصدوا السب والأذى، ومع ذلك قال شيخ الإسلام: فهذه الآية تدل دلالة واضحة على أن الذي يسب رسول الله ﷺ سواء هازلًا أو جادًا أو قاصدًا فإنه يكفر بذلك، ولذلك هم قالوا: ما قصدنا الاستهزاء؛ فقال الله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ * ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦] وهذا الكفر الذي وقعوا فيه هو حكمهم، وذلك أنهم ارتدوا عن دين الله جل في علاه، والحد في ذلك هو القتل، وأغلظ ما وقعوا فيه من الردة هو سب الرسول ﷺ، ولذلك يقول النبي ﷺ كما في الصحيحين: (من بدل دينه فاقتلوه) ومن سب رسول الله فقد بدل دينه لقول الله تعالى: «قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ» فمن بدل دينه حكمه القتل.
وكذلك ورد في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، وذكر من الثلاث: التارك لدينه المفارق للجماعة) والذي يسب الرسول ﷺ قد ترك دينه بنص كلام الله جل وعلا، قال تعالى: «قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ»، وأيضًا هو مفارق للجماعة لأنه ليس من أهل الإسلام، فمن سب النبي ﷺ، أو استهزأ بالنبي ﷺ، أو آذى رسول الله ﷺ فحكمه الكفر بنص الآية، وحده القتل بنص حديث النبي ﷺ.
[ ٤ / ٣ ]
مفهوم قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي)
الصنف الثاني من الأدلة: صنف مستنبط ليس فيه دلالة صريحة، لكن الدلالة فيه بالمفهوم ومنه: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات:٢]، ثم قال معللًا لم لا يرفعوا أصواتهم على صوت النبي ﷺ: «أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ» [الحجرات:٢]، وحبوط العمل وجه الدلالة من الآية، فحبوط العمل يدل على الكفر؛ لأنه لا يحبط عمله إلا من كفر بالله جل في علاه، والدلالة على ذلك من كتاب الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:٢]، فجعل حبوط العمل لأنهم رفعوا أصواتهم فوق صوت النبي ﷺ، فحبوط العمل يدل على الكفر، والدلالة على ذلك آيات من كتاب الله وليست آية واحدة.
قال الله تعالى مبينًا حبوط العمل: «أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ» يعني: لئلا تحبط أعمالكم، كأن الآية تفسر بأن الذي يرفع صوته على النبي يحبط عمله، ولذلك جاء في الآثار: (كاد الخيران أن يهلكا) وهما: أبو بكر وعمر، قال أحدهما: لـ الأقرع بن حابس والثاني يقول: ول فلانًا وعلت الأصوات عند النبي ﷺ؛ فأنزل الله هذه الآية: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾ [الحجرات:٢] فلا يمكن أن يحبط عمل الإنسان بحال من الأحوال إلا بالكفر، ولذلك قلنا: إذا راءى المرء في عمل معين فإنه يحبط هذا العمل فقط، لكن الأعمال كلها لا يمكن أن تحبط إلا بالكفر، والدليل على ذلك من كتاب الله قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥] إذًا: فالشرك ينبئ بحبوط العمل، وهناك آية أخرى تثبت أن حبوط العمل لا يكون إلا بالكفر، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢١٧] فدل ذلك أن الردة تحبط العمل.
وفي آية أخرى يقول تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣]، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهْ﴾ [المائدة:٥] ففيها الدلالة على أن حبوط العمل يستلزم الكفر؛ لأن العمل لا يمكن أن ينهار ويلغى جميعه إلا بالكفر، فقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة:٥]، وهذا في الذي يرفع صوته فوق صوت النبي ﷺ، أو يرفع صوته في حضرة النبي ﷺ، فهذا يعتبر من سوء الأدب فإن الله جل في علاه حذر الصحابة أن تحبط أعمالهم بهذا العمل، فإذا كان رفع الصوت يحبط العمل فمن باب أولى أن سب الرسول ﷺ يكون سببًا للردة وحبوط العمل، ويسمى هذا قياسًا جليًا.
فمن سب رسول الله ﷺ ومات في لحظتها فهذا الذي كتب الله عليه الخلود في نار جهنم وقد حبطت أعماله كلها.
[ ٤ / ٤ ]
قوله تعالى: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة)
كذلك من هذه الآيات: قول الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣]، وما من أحد إلا وهو يخالف أمر الله وأمر الرسول ﷺ بالمعصية، لكن لما كانت مخالفة أمر النبي ﷺ تؤدي -بالإصرار عليها- إلى الفتنة صارت بمعنى الكفر، والفتنة فسرها فحل السنة وإمامهم الإمام أحمد حيث قال: أتدرون ما الفتنة؟ الفتنة: الكفر، أو قال: بالإصرار على المخالفة: «أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ»، والفتنة كما قال أحمد: الشرك.
فإذا كان هذا بمخالفة الأمر والإصرار عليه فكيف بالسب والإيذاء؟ وهذا أيضًا نوع من أنواع القياس الجلي، فإن كانت الفتنة ستصيب من خالف أمر رسول الله ﷺ وأصر على المخالفة لأمر رسول الله بعد العلم بأن هذا هو أمر الرسول -فإن الله جل وعلا حذر من الفتنة يعني: أن يقع في الشرك من خالف أمر رسول الله ﷺفمن باب أولى من سب رسول الله ﷺ ووقع في عرضه أن يقع في هذه الفتنة، وهي الشرك، ويصير مشركًا بذلك.
[ ٤ / ٥ ]
قوله تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم)
كذلك من أصناف الآيات: قول الله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥]، ونحن نتكلم عن المسلم، كل هذه الآيات في المسلم، والآيات التي سبقت كانت في المعاهد أو الذمي؛ لأن هذا قد أسلم ودخل الإسلام وفي دائرة الإسلام له ما لنا وعليه ما علينا، يقول الله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، فاشترط الله جل في علاه للإيمان في القلب وعدم انتفائه أولًا: أن يتحاكم إلى رسول الله ﷺ؛ لأن المنافق كما بين الله جل في علاه في سورة النور إذا دعي إلى الله ورسوله أعرض ولم يسلم لله ولرسوله، فيبين الله جل في علاه أن من أسباب ثبوت الإيمان في القلب أن يتحاكم في المتنازع فيه إلى الله والرسول أو إلى الرسول ﷺ، ثم بعد أن يتحاكم لا يجد في صدره حرجًا بحال من الأحوال، ثم يسلم تسليمًا، فإذا انتفى واحد من هذه الثلاثة فلا إيمان في القلب، فإن تحاكم ولم يرض ولم يسلم أو وجد في صدره حرجًا فلا إيمان في القلب، فإن لم يسلم ويرض فلا إيمان في القلب، ولذلك قال بعضهم في هذه الآيات الكريمات: إن سبب نزول هذه الآية أن رجلًا ذهب إلى رسول الله ﷺ وكان من المنافقين، وكان بينه وبين يهودي مخاصمة فقال اليهودي: نذهب إلى محمد يحكم بيننا، فذهبا إلى رسول الله فحكم النبي ﷺ بينهما؛ فلم يرض المنافق ورضي اليهودي، فقال المنافق: والله لا أرضى حتى نذهب إلى أبي بكر فذهبا إلى أبي بكر فحكم بما حكم رسول الله ﷺ؛ فلم يرض المنافق حتى ذهب إلى عمر فقص عليه القصة: أنه تحاكم إلى رسول الله وتحاكم إلى أبي بكر ولم يرض هذا المنافق؛ فقال: ترضى بحكمي؟! فقال: نعم.
فدخل عمر بن الخطاب - وهذا الحديث فيه ابن لهيعة وفيه ضعف في إسناده لكن يستأنس به وهو شاهد للآية- دخل ﵁ وأرضاه فأخذ السيف فاستله فضرب عنق المنافق، ووجه الدلالة من هذا الحديث: أن من لم يرض بحكم رسول الله يكفر، فإن صح الدليل فإن النبي ﷺ لم ينكر عليه، فهذه الآية مبينة لنا تبيينًا واضحًا على أن من سب رسول الله أو آذى رسول الله ﷺ فإنه يكفر بذلك وحده القتل، ما وجه الدلالة من هذه الآية؟ وجه الدلالة من الآية: أن من سب رسول الله فقد كفر، قال الله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥] فالقياس الجلي فيها أن الله نفى الإيمان عمن لم يتحاكم إلى رسول الله ﷺ، ونفى عنه الإيمان إذا تحاكم ولم يرض، ونفى عنه الإيمان إن لم يسلم، فما بالكم بمن سبه وهو ليس بمتحاكم ولاراض ولا بمسلم، بل هو متسخط متكبر على رسول الله ﷺ؟!
[ ٤ / ٦ ]
قوله تعالى: (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن)
كذلك من الآيات التي تدل على كفر من سب رسول الله ﷺ.
قول الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ [التوبة:٦١] وفي آخر الآيات قال: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة:٦٣]، فهذه الآيات تدل على أن الإيذاء محادة لله ولرسوله، والمحادة لرسول الله ﷺ كفر بين، والدليل على ذلك قول الله تعالى: «وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ» وسنبين الإيذاء في آيات أخرى، فقد أخبر الله تعالى مبينًا أن إيذاء النبي محادة لله ولرسوله، ونحن بصدد الكلام عن عرض الرسول ﷺ بأبي هو وأمي، فالمحادة لرسول الله من الإيذاء وقد رتب الله عليها الوعيد الشديد بنار جهنم، وأن العذاب الأليم فيه الخلود، وهذا الخلود لا يكون إلا بالكفر.
وهناك آية أيضًا صريحة جدًا في هذه المسألة وهي: قول الله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة:٢٢] ووجه الدلالة من الآية نفي الإيمان: «لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ» يعني: فليس في قلوبهم إيمان الذين يوادون من حاد الله ورسوله، ففيها الدلالة على أن من حاد رسول الله كفر؛ لأنه نفى الله عنه الإيمان.
وهناك آية أكثر وضوحًا من هذه في نفس السورة، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ﴾ [المجادلة:٢٠]، ولا يكون في الأذلين ولا في الدرك الأسفل إلا من كفر، فوجه الدلالة على أن المحادة لرسول الله ﷺ يستحق صاحبها، أن يكون في الأذلين لكفره بذلك، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا﴾ [التوبة:٥٨]، هذه أيضًا من الآيات التي تدل على كفر من حاد رسول الله ﷺ.
[ ٤ / ٧ ]
قوله: (ومنهم من يلمزك في الصدقات)
كذلك من الآيات أيضًا: أن الله بين أن من يؤذي رسول الله فهو من المنافقين، والنفاق دلالة على الكفر في القلب أو الكفر في الباطن، فالذي يؤذي رسول الله ﷺ كافر ظاهرًا وباطنًا، فمن هذه الآيات قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة:٥٨]، فكان الكلام والحديث في السياق سباقًا ولحاقًا عن المنافقين وكأن الله يقول: سأجري لك من صفات المنافقين: أنهم يلمزونك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منهاإذا هم يسخطون، فيسخطون ويتكلمون عليك في غيبتك؛ لأنك لم تعطهم؛ ولأنهم من المنافقين، فالسياق في هذه الآيات في قول الله تعالى: «وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ» هو في المنافقين، واللمز معناه: الطعن، كأنهم يقولون: إنه يقبض يده، ويبخل علينا، فهم يطعنون في رسول الله، فيلمزك بالصدقات أي: يطعن فيك، فالطعن هذا من صفات المنافقين، والمنافق نفاقًا اعتقاديًا كافر كفرًا يخرج من الملة.
كذلك التحاكم إلى غير رسول الله ﷺ من النفاق، ومن الممكن أن نستدل على هذا بالآية التي صدرنا بما الباب وهي: قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:٦٠]، فهؤلاء الذين يتحاكمون إلى الطاغوت إذا قلت لهم: تعالوا إلى رسول الله أعرضوا، كما بين الله في السورة الأخرى، ففيها دلالة على: أن النفاق الذي في القلب يكون كفرًا مخرجًا من الملة.
يقول الله تعالى في المنافقين: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب:٦١] فهذه آية صريحة جدًا في أن المنافق الذي يسب رسول الله ﷺ، أو يطعن في رسول الله ﷺ، أو يلمز أو يغمز رسول الله ﷺ أنه كافر؛ لأن الله بين أنهم في نار جهنم خالدين فيها، وحده القتل لقول الله تعالى: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ فحدهم القتل.
فهذه أقسام ثلاثة من الآيات -بإيجاز- التي تثبت أن المسلم الذي يسب رسول الله ﷺ أو يؤذي رسول الله ﷺ يكفر بذلك، وتعتبر ردة، وحده القتل.
[ ٤ / ٨ ]
الأدلة الواردة من السنة في ثبوت ردة من سب رسول الله ﷺ
[ ٤ / ٩ ]
حديث: (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء)
أما من السنة فأحاديث كثيرة منها: أولًا: الأحاديث التي جاء فيها التصريح: الحديث الصحيح: (لما قسم النبي ﷺ الغنائم جاء رجل غائر العينين، فقال: يا محمد! اعدل.
فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله! دعني أضرب عنق هذا المنافق) فهذا حديث فيه دلالة على أن من سب رسول الله ﷺ أو آذى رسول الله ﷺ فإنه يكفر بذلك وحده القتل.
ووجه الدلالة: أن هذا كفر، فهو لمز لرسول الله ﷺ فقوله: (اعدل يا محمد) معناه: لست عادلًا، ولذلك النبي ﷺ قال: (ويحك).
وفي رواية قال: (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟!).
وفي رواية قال: (ويحك ومن يعدل إن لم أعدل أنا؟).
وأيضًا في رواية ثالثة ستأتي أنه قال: (إذًا: لم يعدل أحد) أي: فإن لم يعدل رسول الله فمن يعدل بعده؟ لن يعدل أحد، فهذا غمز لرسول الله ﷺ، وهذا الغمز يدل على كفره ونفاقه بدليل قول عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فأين وجه الدلالة؟ وجه الدلالة: أنه لما قال عمر: (يا رسول الله! دعني أضرب عنق هذا المنافق، قال رسول الله ﷺ: لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه).
وفي الرواية الأخرى: لما قام خالد وقال: (دعني أضرب عنق هذا المنافق، قال: لعله يصلي، قال: إنه يفعل ذلك رياءً؛ فقال: ما أمرنا أن نشق عن قلوب الناس) لكن الدلالة الواضحة عندنا في هذا الحديث: أن عمر لما قال: دعني أضرب عنق هذا المنافق أقره النبي ولم ينكر عليه، لكن النبي ﷺ لم يرض بقتله لعلة أخرى، وهذه العلة ستكون بإذن الله في شرح الكلام على أن من سب الرسول ﷺ بعد موته هل يمكن أن يعفى عنه بعد التوبة أم لا؟ وهل يقتل أم لا يقتل؟ فالنبي ﷺ عفا عنه وله أن يعفو عنه؛ لأن هذا حق للرسول فعفا عنه وأسقط حقه، وهذه لا تكون أبدًا إلا في حياة النبي، ائتونا بشخص يخلف النبي ويقول لنا: إن النبي ﷺ عفا عمن سبه ﷺ؟! لن تجده بحال من الأحوال، فالعفو في حال حياة النبي ﷺ يكون من النبي ﷺ.
فقال: لا.
لمصلحة أعظم من قتله، وهي عدم تنفير الناس من الدخول في الإسلام أفواجًا، ولذلك قال: (لا، لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه).
[ ٤ / ١٠ ]
قصة ابن أبي السرح وإهدار رسول الله لدمه
كذلك من السنة التي تدل على أن الذي يؤذي رسول الله ﷺ بالتنقص من قدره ومقامه يكفر: ما حدث في غزوة حنين -وهذا الحديث أيضًا فيه ضعف- ففي غزوة حنين أيضًا: (قام رجل إلى النبي ﷺ عندما أعطاه فقال له: لا أحسنت ولا أجملت)، وفي رواية قال: (ولا عدلت) يعني: لا عدلت في قسمة الغنائم.
(فأهدر النبي ﷺ دمه)؛ لأنه وقع في رسول الله ﷺ، وهذه واضحة الدلالة وأنا لم أذكرها أولًا لضعفها، فجئنا بها استئناسًا.
كذلك فمن الأدلة من السنة: قصة ابن أبي السرح، وهذا قصته عجيبة فـ ابن أبي السرح قريب لـ عثمان بن عفان كان قد أسلم، وكان يكتب لرسول الله ﷺ الوحي، وكان النبي ﷺ ينزل عليه القرآن على سبعة أحرف، فكان يقول له: اكتب: تبينوا، فيكتب في الآية: تثبتوا، وهي تقرأ تبينوا، وتقرأ تثبتوا، ويقول اكتب: سميعًا عليمًا، فيكتب: سميعًا بصيرًا، فكان يكتب ذلك ويكتم هذه الكتابة، ثم بعد ذلك ارتد عن دين الله جل في علاه -نعوذ بالله من الخذلان- وبعدما ارتد قال: والله لا يدري محمد ما أكتب، فأنا الذي أكتب له هذا، فأدخل على الآيات ما لا يعرفه محمد، فكان يأمره أن يكتب مثلًا: سميعًا عليمًا فيكتبها: سميعًا بصيرًا، ولذا زعم لقريش أن محمدًا لا يدري ما يقول، يقول: وكنت أدخل عليه بعض الكلام كأنه يلقن النبي ﷺ فيتلقن - حاشا لله! - وهذا انتقاص من قدر رسول الله، لكن كيف يكون هذا انتقاصًا من قدر رسول الله ﷺ؟! هذا فيه انتقاص للنبي ﷺ من ثلاثة وجوه: الوجه الأول: فيه تكذيب لرسول الله ﷺ فهو عندما يقول: أنا الذي أكتب والنبي ﷺ يقول: (اكتب والله! ما يخرج منه -أي: فيه- إلا الحق والصدق).
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤]، وكان النبي ﷺ ينتظر الوحي في كل سكناته وحركاته وكلماته، فمعنى قوله: أنا أدخل عليه أو أكتب له فيتلو على الناس ما أدخلته عليه، دليل على أنه ليس بوحي، فكأنه يعرض بأن الرسول ﷺ كذاب، حاشا لله وحاشا لرسوله ﷺ بأبي هو وأمي.
الوجه الثاني: التشكيك في حفظ النبي ﷺ، فكأنه إذا جاءه الوحي لم يضبطه وضبطه الثاني فأكمل.
الثالث: يستلزم من ذلك نفي نبوة النبي ﷺ.
فهذه ثلاثة وجوه فيها تنقيص لرسول الله ﷺ، فلذلك أهدر النبي دمه وأمر بقتله، فلما دخل رسول الله ﷺ بأبي هو وأمي مكة وعلى رأسه المغفر أمر بقتل ابن أبي السرح، لكن ابن أبي السرح كان ذكيًا فذهب إلى عثمان ﵁ وأرضاه وكان قريبًا له، فجاء عثمان يستشفع، انظروا إلى هذه القصة الرائعة التي تبين لكم أن النبي ﷺ إذا أهدر دم أحد لا يرجع فيه، ومع ذلك وفاؤه يمنعه من أن يقتل، فقد دخل عثمان ليشفع لـ ابن أبي السرح ويقول: يا رسول الله بايع ابن أبي السرح والنبي ﷺ يعرض عنه، فهو لا يريد المبايعة، فيقف عثمان ملحًا على رسول الله والرسول ﷺ يعرض عن ابن أبي السرح ولا يريد أن يبايعه؛ لأنه فعل أمرًا فيه منقصة لرسول الله ﷺ وهدم لشرع الله جل في علاه، وهدم لدين الإسلام كلية، ولذا نحن نقول: طلبة العلم الذين يرفعون شعار الدين وينشرونه بين الناس الغيبة فيهم أشد بكثير من الغيبة في عوام الناس؛ لأن الغيبة في العلماء معناه أن تسقط قدر العلماء بين العامة فيسقط الشرع بذلك؛ لأنهم حملة الشرع، فما بالكم بالذي أتى بالشرع نفسه؟ فإن الانتقاص من قدره انتقاص من كلية الشرع، فلذلك ما أراد النبي ﷺ أن يبايع ابن أبي السرح حتى ألح عليه عثمان وجاءه ابن أبي السرح فبايعه النبي ﷺ، لكن بعدما بايعه عاتب صحابته الكرام فقال: (أما كان فيكم رجل رشيد؟ أما قام أحدكم ليقتله؟!) فانظروا النبي ﷺ الذي وصفه الله جل في علاه أنه بالمؤمنين رءوف رحيم ما أراد أن يرحم ابن أبي السرح، وأراد قتله، لأن هذا قد كتب في اللوح المحفوظ، لكن لم يفقه الصحابة ذلك، وقد قدر الله كونًا أن يعفى عن ابن أبي السرح، ولعل في قلبه من الإيمان شيء، فقبله الله جل في علاه وما استفاق أحد من الصحابة ليقتله؛ ولذلك عاتبهم الرسول ﷺ بلهجة شديدة قال: (أما كان فيكم من رجل رشيد يقوم فيقتله عندما رآني لا أبايعه؟ قالوا: يا رسول الله! لو أومأت لنا).
يعني: غمزت بعينيك.
فقال: (ما كان لنبي أن تكون له خائنة الأعين) وهذه أمانة ليس بعدها أمانة لهؤلاء المغفلين الذين يقدحون في رسول الله ﷺ، فقال: (ما كان لرسول أن تكون له خائنة أعين).
فكتب الله وقدر كونًا أن يحيا هذا الرجل على الإسلام، ويموت على الإسلام، فالحمد الله الذي أنجاه الله من نار جهنم.
[ ٤ / ١١ ]
قصة ابن خطل وإهدار النبي ﷺ لدمه
- كذلك من هذه الأحاديث: قصة ابن خطل، وهي قصة رائعة جدًا تثبت لك أنه لا هوادة بحال من الأحوال مع من سب رسول الله ﷺ، ابن خطل هذا كان مسلمًا، فمر ذات مرة في الصحراء مع صحابي من صحابة رسول الله ﷺ وعندهم إبل الصدقة، فقد بعثهم النبي ﷺ ليجمعوها، فأمر ابن خطل الصحابي -وكان من وجهاء مكة- أن يصنع له طعامًا فأبى، فليس عبدًا عنده ولا أسيرًا، فأبى أن يصنع له طعامًا فماذا كانت النتيجة؟ قام فقتل صاحب رسول الله ﷺ، ثم أخذ إبل الصدقة؛ فخشي على نفسه، وقال: محمد لن يتركني - بأبي هو وأمي ﷺفرجع إلى مكة وارتد، ثم بعد ذلك أخذ يهجو رسول الله وينتقص من قدره، واتخذ جاريتين تغنيان بهجاء رسول الله ﷺ، وتغنيان بالسب في رسول الله ﷺ بأبي هو وأمي، فدخل النبي ﷺ مكة وأمر بقتله.
أولًا: حديث ابن أبي السرح هل فيه دلالة على الكلام على المسلم؛ لأننا الآن بصدد الكلام على المسلم؟ ثانيًا: هل يصح هذا الحديث أن يستدل به على مسألة المسلم؟ وهل القتل الذي أمر به النبي ﷺ للردة أم لا؟ يعني: أمر النبي ﷺ بقتل ابن أبي السرح هل هو لردته؟ فإن كان لردته فهل يكون دليلًا على أن الذي يسب النبي ﷺ يقتل أم شيء فوق ذلك؟.
ابن أبي السرح كان مسلمًا، فارتد وتكلم على رسول الله ﷺ، فهل أمر النبي ﷺ بقلته جزاء للردة أم لشيء فوق الردة؟ ابن خطل ارتد وكان أحرى بنا أن نأتي بالكلام على هذا الحديث في الكلام على المرتد، لكن هنا ابن خطل لما سب رسول الله ﷺ ذهب، ولما علم أنه ﷺ دخل مكة تعلق بأستار الكعبة، وهذا إشارة إلى الإسلام، فقالوا لرسول الله: إنه تعلق بأستار الكعبة؛ فقال النبي ﷺ: (إن وجدتموه قد تعلق بأستار الكعبة فاقتلوه) فقاموا فقتلوه، وجه الدلالة من هذا الحديث: أنه إذا كان مسلمًا وارتد فيمكن من مقاصد الشريعة أن النبي ﷺ يتسامح معه ويعرض عليه التوبة؛ لأن من مقاصد الشريعة تشوف الإسلام لإسلام الكافر، فإن كان الإسلام متشوفًا لإسلام الكافر فـ ابن خطل إن رجع عن دينه فالإسلام متشوف أيضًا لإسلامه، ومع ذلك النبي ﷺ لم يعطه هذه الفرصة، وقتله تغليظًا عليه؛ لأنه انتقص من قدر رسول الله ﷺ.
فالسبب الرئيسي الذي جعل النبي ﷺ يأمر بقتل ابن خطل مع عدم التجرؤ من الصحابة على القتل في الحرم؛ لأن القتل في الحرم ممنوع، بل بين النبي ﷺ في فتح مكة أنها ما أحلت له إلا ساعة واحدة من نهار، ومع ذلك قال فيه النبي ﷺ: (لو تعلق بأستار الكعبة فاقتلوه).
وهذا لعظم الجرم حيث أنه قد أساء إلى رسول الله ﷺ، وانتقص من رسول الله ﷺ.
نكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
[ ٤ / ١٢ ]