شرح مختصر الصارم المسلول على شاتم الرسول - بيان ما يتضمنه الكتاب مع بيان حكم من سب النبي
إن تعظيم الرسول ﷺ واحترامه وتوفيره يعتبر من أصول الإيمان، وبالعكس فإن الاستهزاء والسب له ﷺ أو لأزواجه يعتبر كفرًا مخرجًا من الملة؛ لأن سبه ﷺ والاستهزاء به يدل على عدم احترامه وإكرامه، وهذا يعني أن عمل القلب غير موجود، فمن زعم الإيمان بسب رسول الله ﷺ فهو منافق معلوم النفاق؛ لأن أركان الإيمان عند أهل السنة والجماعة هي: قول القلب وقول اللسان، وعمل القلب وعمل الجوارح، فمن فقد أحد هذه الأركان فإن إيمانه غير صحيح.
[ ٣ / ١ ]
نبذة عن كتاب الصارم المسلول على شاتم الرسول
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فهذه نبذة قصيرة عن كتاب: (الصارم المسلول على شاتم الرسول) لشيخ الإسلام ابن تيمية، صاحب المصنفات الماتعة الذي ذب عن دين الله جل وعلا باللسان وبالسنان، لاسيما هذا المصنف الذي لم نجد له مثيلًا بحال من الأحوال، ولم نجد أحدًا تعرض لهذا الكتاب تفصيلًا بالشرح أو تعرض لمسائله بالتفصيل والرد على الذين خالفوا شيخ الإسلام ابن تيمية فيما تبناه في هذا الكتاب.
ومضمون الكتاب هو الكلام على سب الرسول ﷺ، وحكم من يسب الرسول ﷺ، سواء كان محاربًا أو ذميًا، وسواء كان مسلمًا أو ارتد ثم أسلم، فالكلام كله يدور على حكم سب الرسول ﷺ، هذا هو القسم الأول منه.
القسم الثاني: يتكلم في حد الذي يسب رسول الله ﷺ.
وقد تكلمنا عن عظم حق الرسول ﷺ على هذه الأمة، وذكرت أن من أعظم حقوق الرسول ﷺ: حفظ جنابه، وحفظ عرضه ﷺ.
[ ٣ / ٢ ]
حكم من سب رسول الله ﷺ
قد نُقل الإجماع عن أهل العلم: أن من سب رسول الله ﷺ أو استخف به، أو استهزأ به، فهو كافر ظاهرًا وباطنًا.
فمن تعدى على النبي ﷺ، أو تعدى على أمهات المؤمنين، كأن يتكلم في عائشة ﵂ وأرضاها ويغمزها كما يحدث من بعض الفسقة الفجرة الكفرة الذين يرمون عائشة ﵂ وأرضاها بالزنا، فهذا المقصود منه حقيقةً هو: الطعن في رسول الله ﷺ، أو كمن يسب النبي ﷺ صراحةً، أو يشير إلى ذلك ويلمح، فكل ذلك كفر يخرج من الملة، ولا يحتاج فيه إلى إقامة الحجة في هذا؛ لأنه أمر معلوم من الدين بالضرورة، وهذا الأمر ليس فيه ثمت تفريق بين النوع والعين، وإن كان الأصل الأصيل عند أهل السنة والجماعة هو التفريق بين النوع والعين، لكن السب والاستهزاء والاستخفاف بعرض النبي ﷺ ليس فيه إقامة حجة ولا إزالة شبهة، بل الحكم أنه كافر كفرًا يخرجه من الملة، ولو مات على ذلك فهو خالد مخلد في نار جهنم.
والدليل على ذلك: قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة:٦٥]، فهؤلاء ما استهزئوا بالنبي ﷺ صراحةً، وإنما قالوا: ما نرى أصحابنا إلا أرغب بطونًا وأجبن عند اللقاء.
فقالوا هذه الكلمات اليسيرة في نظرهم، ثم جاءوا إلى النبي ﷺ يعتذرون ويقولون: إنهم ما قصدوا ذلك، فهذه الآية تبين أن من سب الدين أو سب الرسول ﷺ، أو سب عرض النبي ﷺ فهو كافر قطعًا بدون إقامة حجة أو إزالة شبهة؛ لأن الله جل وعلا بين لنا هذا الحكم بقوله: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة:٦٥] فبعدما قالوا للنبي ﷺ (إنما هو حديث الركب، رد النبي ﷺ وهو يقرأ عليهم: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة:٦٥] «لا تَعْتَذِرُوا» [التوبة:٦٦]).
فهذه المسألة ليس فيها إقامة حجة ولا إزالة شبهة، لأن النبي ﷺ لم يستفصل منهم ولم يقل لهم: هل فعلتم ذلك وأنتم غير متدبرين هذا القول؟ هل ذهبت منكم عقولكم؟ هل تكلمتم هذا الكلام عبثًا؟ لم يفعل النبي ﷺ شيئًا من هذا، بل تلا عليهم قوله تعالى: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٦] أي: كفرهم بعدما أثبت لهم الإيمان.
وهذا نص قاطع من قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦]، وهذه آية واضحة جلية على: أنه لا يشترط في مثل هذا إقامة حجة ولا إزالة شبهة ولا تفريق بين نوع ولا عين في هذه المسألة.
وسب الرسول ﷺ يعتبر قبل نقل الإجماع عين المحادة لله؛ لأن من سب الرسول فقد سب المرسل وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ﴾ [المجادلة:٢٠]، ولا يكون أحد في الأذلين، أو في الدرك الأسفل من النار إلا الكفرة الفجرة، الذين لا سبيل لهم إلا الخلود في نار جهنم نعوذ بالله من الخذلان.
وأيضًا إن الله جل في علاه يحارب من شاقه أو شاق رسوله ﷺ.
والحكم بكفر من سب الرسول ﷺ أمر قطعي لا شك فيه، فإن قال قائل: إن بعض الناس قد تعودوا على ذلك بسبب سوء التربية فلا يعمهم الحكم، قلنا: إن هذا هو الإرجاء المحض، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية، فمن قال: بأن هذا يحتاج لاستحلال القلب فقد زل زلة منكرة، وهفا هفوة عظيمة جسيمة، فسب الرسول ﷺ لا يقال فيه: إنه سوء أدب، بل يقال فيه إنه كفر، لأنه كما قلنا يعتبر سبًا للذي بعث الرسول، وهو الله سبحانه جل في علاه.
إذًا: فهذه زلة منكرة لمن يقول: بأن سب الرسول سوء أدب، أو سب الدين هذا سوء أدب، أو سب الله جل في علاه سوء أدب، لا والله بل هو كفر بنص كلام الله جل في علاه، وأيضًا هو كفر بالإجماع، والإجماع حجة، والدليل على أن الإجماع حجة: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥]، فقوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ [النساء:١١٥]، هذا وجه الدلالة على قوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:١١٥]، وهذا وجه الشاهد، يعني: أن مشاققة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين تعتبر من المشاققة للرسول ﷺ.
وهذه الآية احتج بها الشافعي عندما جاءه رجل وقال له: أتحتج بالإجماع؟ قال: نعم، قال: ائتني بآية من كتاب الله، فدخل داره ثلاثة أيام يقرأ كتاب الله، وعاود القراءة أكثر من مرة حتى أتى بهذه الآية.
إذًا: أجمعت الأمة على كفر من يسب الرسول ﷺ، وقد نقل الإجماع: إسحاق بن راهويه والخطابي والقاضي عياض وغيرهم كثير، فقد نقلوا الإجماع على أن من سب رسول الله ﷺ فقد كفر وخرج من الملة ويستحق القتل.
بل اختلف الفقهاء فيما بينهم؛ هل إذا تاب يسقط عنه حد القتل أم لا؟
[ ٣ / ٣ ]
عقيدة الجهمية والمرجئة فيمن سب الرسول وفي الإيمان
نقول: من سب الرسول ﷺ فقد كفر، ومن قال: إنه لا يكفر بل ينتظر ليعلم هل استحل ذلك بقلبه أم لا، أو كان من سوء الأدب أو كان قالها عبثًا مع اعتقاده بالحرمة؟ فقد قال بكلام المرجئة، بل هذا كلام غلاة الجهمية؛ لأن الشبهة التي عند الجهمية والمرجئة هي: أنهم يرون أن الإيمان هو مجرد التصديق، ويستدلون على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف:١٧] يعني: بمصدق لنا، وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء:٩٠] يعني: لن نصدقك حتى تأتينا بهذه المعجزات.
قالوا: فالإيمان هو التصديق، والتصديق محله القلب، وقالوا: يصح لمن اعتقد إكرام شخص أن يهينه؛ لأنه يعتقد أنه يجب عليه أن يكرمه، فإن اعتقد هذا الاعتقاد فاعتقاده صحيح وفعله معصية، فإن كان اعتقاده قد استقر في القلب على تعظيم النبي ﷺ، ووجوب إكرام النبي ﷺ، وتقديم نفس النبي ﷺ على نفسه، واعتقد هذا الاعتقاد الجازم ووقعت منه المخالفة فهو عاص؛ لأن اعتقاده في القلب ما زال سديدًا سليمًا فلا يكفر بذلك.
وهذا الكلام خبط عشوائي، بل هو كلام باطل من كل الوجوه، ومن قال به فهو مبتدع ضال مرجئ، ولابد أن ندعوه إلى دين الله جل في علاه، وإلى القول السديد وهو قول أهل السنة والجماعة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: وهذه الزلة المنكرة جاءت لبعض العلماء الذين نظروا في قول الفقهاء لاغترارهم بكلمات خرجت من بعض المتكلمين، فظنوا أن المسألة خلافية، وأنها يقع فيها الاجتهاد، فالمصيب له أجران والمخطئ له أجر، فإذا قلنا بأن المسألة خلافية فلا إجماع، ولو قلنا: إن المسألة خلافية فلا إنكار، وهذا من البطلان بمكان، فالصحيح الراجح: أن الكتاب والسنة مع الإجماع يجزمان بكفر الذي يسب الله جل في علاه، أو يسب رسوله ﷺ.
[ ٣ / ٤ ]
الرد على الجهمية والمرجئة في مسألة الإيمان وحكم سب الرسول
والرد على الجهمية والمرجئة هين سهل بفضل الله تعالى وهو: أن نأتي بالمقدمة التي قدموها ثم نهدمها، هذه المقدمة هي قولهم: الإيمان هو التصديق، واستدلوا بالآيات السابقة، فنقول: هذه المقدمة خاطئة لا نوافقكم عليها؛ لأن الإيمان قد يتعدى بنفسه، وقد يتعدى بالباء، وقد يتعدى باللام، وفي كل موضع من هذه المواضع التي يقع فيها الإيمان له معنى من المعاني، فقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف:١٧]، نوافقكم على أن الإيمان هنا بمعنى: التصديق، ولكنه قد يتعدى بنفسه أو باللام: فإذا تعدى بنفسه فمعناه: التأمين الذي هو ضد التخويف؛ لقول الله تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش:٣ - ٤].
فقوله: «وَآمَنَهُمْ» هنا: ضد خوفهم، فهنا المقصود بالتأمين: ضد التخويف، ومن أسماء الله جل وعلا (المؤمن) أي: الذي أمّن عباده من الضلال وأمّن عباده من العذاب، أو أمّن عباده من أن يزيغ قلوبهم بعد أن ثبت الإيمان فيها، وبين لهم طريق الرشاد.
وقد جاء في الحديث: (إن الله لا يجمع لعبد أمنين ولا خوفين)، أي: لا يجمع الله لعبد في الدنيا والآخرة أمنين، فمن أمِنَه في الدنيا خوَّفه في الآخرة، ومن خافه في الدنيا أَمّنَه في الآخرة.
أما إذا تعدى الإيمان بالباء فيكون معناه: التصديق، وهذا هو الذي حصروا الإيمان كله فيه، قال الله تعالى: «قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [البقرة:١٣٦] فقوله: «قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ أي: صدقنا بالله؛ لأنه الخالق الرازق المحيي المميت؛ ولأن الله جل في علاه له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وكأن تقول: آمنت بالله، يعني: صدقت بالله؛ وأن تقول: آمنت برسول الله يعني: صدقت برسالة النبي ﷺ.
كما قال الشافعي ﵀: آمنت بالله يعني: صدقت بوجود الله، وصدقت بربوبية الله، وصدقت بإلهية الله، وأنه المستحق للإفراد بالعبادة له سبحانه جل في علاه، قال: آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله يعني: صدقت برسالة رسول الله ﷺ، وصدقت أنه أرسل من قبل الله جل في علاه، أرسله بالحق، وأنه الصادق المصدوق.
وإذا تعدّى الإيمان باللام فيكون معناه: الانقياد والاستسلام التام والخضوع، قال الله تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت:٢٦]، فهذا لا يعني: أن لوطًا لم يكن مؤمنًا بإبراهيم وأنه مرسل من ربه ثم آمن بعد ذلك، لأن لوطًا كان مؤمنًا ومصدقًا أصالةً بأن إبراهيم نبي مثله، وإنما معنى الآية: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾، أي: اتبعه على ما يريد، واستسلم لذلك، وسياق الآيات يدل على ذلك؛ لأن إبراهيم كان يدعوا الناس بأن يتبعوه فرفضوا ذلك، وما اتبعه إلا لوط.
وحتى يظهر المعنى جليًا ننظر في قول فرعون للسحرة عندما خروا سجدًا لله جل في علاه وقالوا: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه:٧٠] فقال لهم فرعون: ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ [طه:٧١] يعني: اتبعتموه وخضعتم وانقدتم له، فالآية الأولى: بينت أنهم قد صدقوا، والدلالة على ذلك: أنهم خروا سجدًا فقال لهم: صدقتم به، وفوق هذا تتبعونه على شريعته.
فإذًا: إذا تعدى الإيمان باللام فهو: الانقياد والاستسلام التام لله جل في علاه، وكذلك نقول لهم عن معنى الإيمان في اللغة: نحن لا نوافقكم على أنه محصور في معنى التصديق، بل هو يتعدى بنفسه فيكون معناه: التأمين الذي هو ضد التخويف، ويتعدى بالباء فيكون معناه: التصديق كما قلتم، ويتعدى باللام فيكون معناه: الانقياد والاستسلام والخضوع التام لله جل في علاه.
كذلك فإن الله لما مدح إبراهيم لم يمدحه على مجرد التصديق فقط، بل مدحه أشد المدح على الاستسلام، فقال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:١٣١] أي: استسلمت وخضعت وانقدت كل الانقياد لك يا رب! فكان المدح والمنة الأكثر عليه أنه استسلم استسلامًا تامًا لله جل في علاه.
فهؤلاء قد حصروا الإيمان في التصديق لغةً وشرعًا، ولذلك تراهم يأتون بالنقيض، يقولون: الإيمان هو التصديق، والكفر هو التكذيب فقط، وهم أيضًا حصروا الكفر كذلك في التكذيب فقط، ولهذا أخطأ من قال: إن الخلاف بين أهل السنة والجماعة وبين مرجئة الفقهاء الأحناف هو خلاف لفظي فقط، كما قال ذلك الطحاوي، فالخلاف هنا ليس خلافًا لفظيًا، بل هو خلاف حقيقي؛ لأنهم حصروا الكفر في التكذيب، وحصر الكفر في التكذيب من البطلان بمكان.
بل إن أهل السنة والجماعة أجمعوا أن الكفر متعدد، وأنه ليس في التكذيب فقط، فإن من تجرأ على سب الله ﷾ أو سب رسول الله ﷺ فهذا دليل على أن قلبه قد استحل إهانة ربه ﷾، أو إهانة رسوله ﷺ.
[ ٣ / ٥ ]
معنى الإيمان عند أهل السنة والجماعة
ولقد نقل الإجماع ابن عبد البر والشافعي والكرابيسي وأبو ثور وغيرهم على أن السلف يقولون: الإيمان قول وعمل ونية.
قال الشافعي: أدركت من أدركت من التابعين يقولون: أدركنا من أدركنا من التابعين والصحابة يقولون: الإيمان قول وعمل ونية، ولا يجزئ واحد من غير هؤلاء الثلاثة.
وقال ابن عبد البر: أجمع أهل السنة والجماعة على أن الإيمان هو القول باللسان والتصديق بالجنان والعمل بالأركان، هذه أركان ثلاثة للإيمان.
فنحن شرعًا نخالف من قال: إن الإيمان هو التصديق فقط، بل الإيمان قول وعمل وتصديق بالجنان، ونحن معكم في أن الإيمان أيضًا هو: قول باللسان، فمن لم يتكلم بلسانه وهو قادر فهو كافر كما سنبين، وهو عمل بالجوارح وبالقلب كما سنبين.
[ ٣ / ٦ ]
قول القلب وقول اللسان
والإيمان قول وعمل ونية، والقول قولان: قول اللسان وقول القلب، والعمل عملان: عمل القلب وعمل الجوارح، أما قول اللسان فإنه لا يدخل أحد الإسلام وهو يستطيع أن يتكلم بكلمة الإيمان إلا أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ولو اعتقد اعتقادًا جازمًا بأن الخالق الرازق المدبر هو الله، وأن المستحق للإفراد بالعبادة هو الله، ولو اعتقد اعتقادًا جازمًا بأن النبي ﷺ هو الرسول الحق وأنه الصادق المصدوق، ولم ينطق بلسانه، فإنه لا يدخل الإسلام، ولا يمكن أن يحكم له بإسلام قط، فقد قال الله تعالى: «(قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة:١٣٦]، والقول يكون باللسان، والنبي ﷺكما في الصحيحين- يقول: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا)، وفي الرواية الأخرى: (حتى يقولوا: لا إله إلا الله وأني رسول الله).
وفي الصحيح أيضًا: (لما دخل النبي ﷺ على عمه أبي طالب وعنده أبو جهل وعبد الله بن ربيعة قال له: يا عم! قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله).
ووجه الدلالة على أن القول ركن من أركان الإيمان: أن أبا طالب كان مصدقًا أن ابن أخيه كان على الحق، وأن دينه هو الدين الحق، ولكن سبب عدم إيمانه به هو مخافة المهانة بين الناس، وأن يقولوا: ترك دين عبد المطلب وأخذ بدين ابن أخيه.
فهذا التصديق الذي كان عند أبي طالب لا ينفعه يوم القيامة بين يدي الله ﷾؛ لأنه امتنع عن التلفظ بالشهادة مع قدرته على ذلك، فليس له حجة عند الله ﷾، ولذلك قال له رسول الله ﷺ: (قل لا إله إلا الله قال كلمة أحاج لك بها عند الله)، يعني: ليس لك حجة عند الله إذا لم تتلفظ بهذه الكلمة.
أما قول القلب فهو: التصديق، وغلاة الجهمية والمرجئة حصروا الإيمان في التصديق بالقلب، ونحن نقول: قول القلب هو التصديق، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر:٣٣] وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات:١٥] أي: لم يشكوا.
والنبي ﷺ يقول: (من قال لا إله إلا الله صادقًا بها قلبه دخل الجنة)، فقول القلب هو التصديق، وهذا هو أصل الإيمان.
[ ٣ / ٧ ]
عمل القلب والجوارح
أما عمل القلب فبالإجماع عند أهل السنة والجماعة أنه إذا تخلف عمل القلب -وإن وجد التصديق- فهو كافر لا يدخل الإسلام، فلو تكلم بلسانه كان منافقًا، وهذا النفاق نفاق اعتقادي يخرج به من الملة، ويكون مصيره الدرك الأسفل من النار، فمن لم ينقد لله جل في علاه ولا لأوامر الله جل في علاه فهو كافر؛ لأنه خالف تصديقه بفعله، إذا لم ينقد ولم يستسلم لله ﷾.
والاستسلام شرط وركن ركين من أركان الإيمان، وهذا بإجماع أهل السنة والجماعة، ولم يقل أحد بأن أعمال القلوب غير مرادة أو غير مأمور بها إلا المرجئة، فمن قال بذلك فقد وقع في زلات عجيبة جدًا: فسيقول بأن إبليس مؤمن؛ لأنه قال: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر٣٩]، فهو أقر بالربوبية وصدق بأن الله جل وعلا هو الخالق الرازق المدبر، لكن كفر إبليس كان كفر إباء واستكبار، وعدم انقياد واستسلام لله جل في علاه.
إذًا: عمل القلب هو الركن الركين والأصل الأصيل في الدين، فلا يصح إيمان عبد بحال من الأحوال إلا بأعمال القلوب، من الإخلاص والإنابة والتوبة إلى الله جل في علاه، كما قال الله جل في علاه: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ [الإسراء:٢٥]، يعني: في قلوبكم، ﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء:٢٥].
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)، فمحل الإيمان هو القلب.
أما عمل الجوارح فهو يرتبط بعمل القلب، ولا يمكن أن ينفك عمل الجوارح عن عمل القلب، فإن ارتباط الظاهر بالباطن ارتباط وثيق.
ولذلك فإن الله جل في علاه بين لنا هذا الارتباط، بقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة:٢٥]، فلا تجد آية ختمت بدخول الجنة إلا بعد أن اقترن الإيمان بالعمل الصالح.
وتجد النبي ﷺ يبين ذلك جليًا؛ إما نصًا وإما تلميحًا، قال ﷺ في الصلاة: (استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم).
يعني: لا تختلفوا في الظاهر فتختلف قلوبكم، وهذه دلالة على أن الظاهر يؤثر في الباطن والعكس صحيح.
هذا هو الرد على المرجئة حتى يتبين للإخوة بطلان قول من قال بأن الذي يسب الله جل في علاه أو يسب الرسول سيئ الأدب أو ليس بكافر أو ننتظر حتى نقيم عليه الحجة ونزيل عنه الشبهة.
فهذا الكلام هو كلام المرجئة، ومن قال به فهو مرجئي، ولابد أن يُناصح ويناظر.
فالصحيح الراجح كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: من قال: إن سب الرسول يحتاج إلى استحلال القلب، فهذه زلة منكرة وهفوة جسيمة عظيمة، فهذا إرجاء محض لابد أن يرد على صاحبه.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ٣ / ٨ ]