شرح مختصر الصارم المسلول على شاتم الرسول - حكم من سب الصحابة ﵃
صحابة الرسول ﷺ هم خير القرون، فقد رضي الله عنهم ورضوا عنه، وواجبنا تجاههم حبهم، والكف عن مساوئهم، وترك الخوض فيما جرى بينهم من فتن، وعدم سبهم أو لعنهم، فإن من سبهم أو لعنهم أو انتقص من قدرهم فقد وقع في خطر عظيم.
[ ٨ / ١ ]
مكانة الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١] أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فإن صحابة رسول الله ﷺ هم خير الناس، وهم خير من صحب نبيًا في هذه الدنيا، بل هم الذين فضلهم الله جل في علاه على الخلق أجمعين سوى الأنبياء والمرسلين، أنزل الله عدالتهم في القرآن، وزكاهم من فوق سبع سماوات، وزكاهم النبي ﷺ، حيث يقول الله جل في علاه: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨].
وزكاهم النبي ﷺ حيث يقول: (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة) ولقد بين النبي ﷺ شرف أصحابه عندما (جاءه جبريل يسأله فقال: يا رسول الله! كيف تعدون من شهد بدرًا فيكم؟ فقالوا: هم خيارنا، فقال جبريل: وكذلك هم عندنا خيار الملائكة) فخيار الملائكة هم: الذين شهدوا بدرًا، وكذلك أصحاب رسول الله ﷺ، فإن حاطبًا بن أبي بلتعة ﵁ وأرضاه، عندما أرسل بالمكتوب ليخبر أهل مكة بأن النبي ﷺ يجهز الجيش للسير والزحف إلى مكة، أوحى الله إلى نبيه ﷺ بذلك، فأرسل عليًا والزبير فأتياه بهذا المكتوب فجاء النبي ﷺ ومعه عمر فلما رأى عمر ﵁ وأرضاه هذا المكتوب قال وكأنه الأسد الزائر: يا رسول الله! دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي ﷺ: (لا يا عمر! لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: افعلوا -أو قال: اعملوا- ما شئتم، فقد غفرت لكم) إن النبي ﷺ قد أظهر للناس أجمعين حظ ومقدار وعظمة هؤلاء الأخيار الأماجد الأكارم، الذين وصل الدين إلينا طريًا على أكتافهم، وباعوا أنفسهم وأموالهم ونساءهم وأولادهم من أجل حماية الرسول ﷺ، فقد كانوا أشد الناس تعظيمًا وتبجيلًا وتوقيرًا لرسول الله ﷺ، حتى قال عروة ﵁ وأرضاه قبل أن يسلم: والله! لقد وفدت على النجاشي وكسرى وقيصر وما رأيت أحدًا يعظم أحدًا، أو ما رأيت أصحابًا يعظمون صاحبهم؛ كما رأيت أصحاب محمد يعظمون محمدًا ﷺ، والله! ما تفل فوقعت في يد أحدهم إلا دلك بها جسده، والله! ما تكلم إلا وكأن على رءوسهم الطير، ولا أشار إلا ائتمروا بأمره -بأبي هو وأمي ﷺ.
وكان متهكمًا على أصحاب رسول الله ﷺ، ويأخذ بلحية النبي ﷺ، والمغيرة بن شعبة يضرب يده بالسيف، ويقول: أخر يدك عن لحية رسول الله ﷺ، وهو ابن أخته، فقال عروة له: أيْ غدر! ما زلت في غدرتك حتى الآن أسعى فيها للتأليف بين القبائل.
وأيضًا: قال للنبي ﷺ: ما أرى حولك إلا أوباشًا، أي: أخلاطًا من الناس لا يجتمعون على شيء، ويفرون إذا حمي الوطيس، فقال: أبو بكر كالأسد الغاضب ﵁: نحن نفر من رسول الله ﷺ، امصص بظر اللات، وهذه كلمة مشينة وشديدة، لكن النبي ﷺ أقره بذلك؛ لأنه اتهم أصحاب رسول الله ﷺ، فكان الجواب على عروة كالصاعقة.
وهذا طلحة ﵁ وأرضاه يضرب لنا أروع الأمثلة في فدائه للنبي ﷺ بروحه وهو يرشق بنباله، وأخذ السيف ينافح به عن رسول الله ﷺ، وعندما قال النبي ﷺ في غزوة أحد لما تفرق الناس عنه (من يرد عنا القوم وله الجنة؟ فقام طلحة، فقال: اجلس، فقام بعض الأنصار فقاتلوا حتى قتلوا جميعًا عن بكرة أبيهم وكانوا تسعة، فقال النبي ﷺ: ما أنصفنا إخواننا).
وفي رواية قال: (ما أنصفْنا إخواننا) وهذا له معنيان، والشاهد هو: قيام طلحة ينافح عن رسول الله، وكان رسول الله ﷺ إذا أظهر رأسه، قال طلحة: لا يا رسول الله! يأتيك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك يا رسول الله! وظل ينافح بسيفه حتى كُسِرَ في يده، وشلّت يده دفاعًا عن النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ: (دونكم صاحبكم فقد أوجب) أي: وجبت له الجنة بما فعل.
[ ٨ / ٢ ]
الواجب على المسلمين تجاه الصحابة
هؤلاء هم الأخيار صحابة رسول الله ﷺ الذين نذروا أرواحهم للنبي ﷺ رخيصة وفداءً لهذا الدين، فإذا كانت هذه المكانة العظمى لهؤلاء الأخيار التي بينها النبي ﷺ وبينها الله جل في علاه، فإن واجبنا نحو هذه الطائفة المنصورة، التي نصرت رسول الله ﷺ ما يلي: أولًا: حبهم، فإن حبهم دين ندين الله به، قال الله تعالى حاكيًا عن الذين جاءوا من التابعين بعد الصحابة: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠].
وقال النبي ﷺ كما في حديث أنس الصحيح: (حب الأنصار إيمان وبغض الأنصار نفاق) وإذا كان هذا في حق الأنصار فمن باب أولى أن يكون في حق المهاجرين، فالمهاجرون أفضل من الأنصار، والأنصار حافظوا على رسول الله، ودافعوا عنه بأموالهم وأنفسهم ونسائهم وأولادهم، وهم الذين نصروا رسول الله ﷺ بعدما جاءهم وحيدًا فريدًا.
والمهاجرون جمعوا بين الهجرة والنصرة، فقد نصروا الله ورسوله بنص الكتاب، وما هاجروا وتركوا الأموال والأنفس إلا نصرة لله، قال تعالى: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ [المائدة:٢]، فهذا فضل المهاجرين على الأنصار.
وإذا كان حب الأنصار إيمان وبغضهم نفاق فمن باب أولى أن يكون حب المهاجرين إيمان وبغضهم نفاق، وقد قال علي بن أبي طالب: (قد عهد إلي رسول الله ﷺ أنه لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق) فحب صحابة رسول الله ﷺ دين ندين الله به.
ولذلك كان الرعيل الأول من السلف في القرون الخيرية كـ ابن المبارك ومالك وغيرهما يقولون: علموا أولادكم حب صحابة رسول الله ﷺ.
وقد قال الإمام مالك وغيره: من الدين أن تعلم أولادك حب أبي بكر وحب عمر ﵄ وأرضاهما.
فالواجب على هذه الأمة أن تحب صحابة رسول الله ﷺ من كل قلبها لأمور كثيرة.
أولًا: لو لم يكن إلا لحفظ عرض النبي ﷺ لكفانا حبهم لأجل ذلك.
ثانيًا: لو لم يكن إلا أنهم قد بلغوا عن رسول الله ﷺ كل حركة وكل سكون، وكل قول وفعل، ووصل إلينا الدين عفنًا طريًا على أكتافهم، لكفى ذلك في حبهم، فالمؤمن الحق هو الذي يرى في قلبه امتلاء بحب هؤلاء الأخيار.
ومن واجب الأمة أيضًا نحو هؤلاء الأخيار: الترحم عليهم، والترضي عنهم، ولا يقال: علي بن أبي طالب ﷺ، أو اللهم صل على أبي بكر.
والصحيح: الترضي على صحابة رسول الله ﷺ، كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠] فلابد من الترضي على صحابة رسول الله ﷺ.
وهنالك أمر عظيم بين الإخوة وهو أنه عندما يذكر النبي ﷺ، فلا يسمع منهم الصلاة والسلام عليه، وهذا بخل ليس بعده بخل، وقد قال النبي ﷺ: (أتدرون من البخيل؟ البخيل: من ذكرت عنده ولم يصل علي).
وهذا العدم وجود الاحترام العالي لرسول الله ﷺ، ولصحابته الكرام فعندما يذكر أبو بكر أو عثمان لم تسمع عبارة ﵁ وأرضاه، فهذا من الأدب مع هؤلاء، وهو حق هؤلاء علينا، الترضي والترحم والاستغفار كثيرًا لهم.
الثالثة -وهي المهمة جدًا-: الكف عن الكلام في الفتن والمساوئ التي وقعت بينهم، فهذا أدب جم لا بد أن يتحلى به كل مؤمن، فلا نتكلم في هذه الفتن كثيرًا؛ فإن المسلم يُعرف بأدبه الجم مع صحابة رسول الله، وبالكف عن الكلام على مساوئ هؤلاء الأخيار، كما قال ابن كثير: هذا القتال الذي حدث بينهم قتال عصم الله سيوفنا منه، فلنعصم أو نحفظ ألسنتنا من الكلام فيه.
فلا بد أن نكف عن الكلام عن مساوئ هؤلاء الأخيار، وأن نمر عليها مرور الكرام، حتى نحق الحق ونبين أن الذي وقع بينهم وقع عن اجتهاد؛ وليس عن هوى، أو طلب دنيا، أو خلافة، أو رئاسة.
فهذا الكلام نضعه في عين من يتكلم بهذا وفي قلبه عله يرجع إلى حب صحابة رسول الله ﷺ، فلا يقع بلسان بذيء في أعراض هؤلاء الأخيار.
إن الفتنة حدثت ونجمت وظهرت بعد موت رسول الله ﷺ، وقد قال أنس: ما وارى جسد رسول الله ﷺ التراب فنفضنا التراب عن أيدينا إلا وتغيرت قلوبنا، وقد قال ﷺ: (لا يأتي زمان إلا والذي بعده أشر منه).
وقال أبو هريرة كما في الصحيح: مات رسول الله يوم مات وارتد من ارتد من العرب، وما بقي على الإيمان إلا بقايا من أهل الحجاز والمدينة ومكة، ونجمت فتنة الردة وادعاء النبوة، فأخمدها الله جل في علاه بـ أبي بكر ﵁ وأرضاه ونصر الله به الدين، ثم استقرت أركان الدولة، واستقر عرش الدولة على الدنيا بأسرها في عهد عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه.
وقد قال عمر لأصحابه -وهو الملهم المحدث-: أيكم سمع حديث النبي ﷺ عن الفتن.
فقال حذيفة: أنا يا أمير المؤمنين! فتنة الرجل في أهله وماله وولده تكفرها الصدقة والصوم والصلاة.
قال: ليس عن هذا أسأل، قال: تسأل عن الفتن التي تموج كموج البحر؟ قال: نعم، قال: مالك ولها يا أمير المؤمنين! بينك وبينها باب، قال: أيفتح أم يكسر؟ قال: يكسر، قال: إذًا لا يقوم مرة ثانية، وكسر الباب هو: قتل عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه، فادلهمت الخطوب، ونزلت البلايا والفتن على الأمة، فلم تنقطع إلى يومنا هذا.
فـ عثمان ﵁ وأرضاه تكالب عليه بعض العلوج من أهل مصر، والأوغاد والأعراب من أهل العراق والكوفة، وهجموا عليه فقتلوه مظلومًا أبيًا خليفةً، وكان قد بين له النبي ﷺ نبوءة، كما في مسند أحمد: أنهم سيطلبون منه أن ينزل عن شيء ألبسه الله إياه، فلا ينزل عن هذا الأمر، وهو الخلافة، فطلبوا منه أن ينزع يده من الخلافة فأبى عليهم فقتلوه مظلومًا ﵁ وأرضاه.
وبعد ذلك لم تقف الفتن في هذه الأمة، فجاء علي بن أبي طالب وهو يستحق الخلافة بالإجماع، وما من أحد يداني مكانة علي بن أبي طالب فكل الصحابة في عصره كـ عبد الله بن عمر وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام و> عمرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان كل هؤلاء يقولون: أفضل الموجودين هو علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه، فلما اتفقت كلمتهم على أفضلية علي على كل الموجودين، لم تستقر الخلافة لـ علي؛ لأن الفتنة نجمت بالاجتهاد، فكل قد اجتهد فمن أصاب فله أجران، ومن أخطأ فله أجر.
أما طلحة والزبير فبايعا عليًا بن أبي طالب ﵁ وأرضاه، ثم استأذنا عليًا بالذهاب إلى مكة فلما ذهبا إلى مكة، وسمعت عائشة ﵂ وأرضاها بمقتل عثمان أرادت الثأر لدم عثمان، فلم تنظر للخلافة ولا للاستقرار ولا لمقاصد الشريعة في أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
فإعدام وقتل الذين قتلوا عثمان فيه مصلحة، والشر المستطير الذي سيحدث للأمة بعد قتل قتلة الخليفة مفسدة، ودرء المفاسد أولى من جلب المصالح، لكن عائشة ﵂ وأرضاها اجتهدت اجتهادًا وقد أخطأت فيه وهي زوجة نبينا في الدنيا وفي الآخرة، ورأت طلحة بن عبيد الله والزبير فقالت لهما: إن الثأر لـ عثمان لا بد أن يقدم.
فخرجوا إلى البصرة وكان علي بن أبي طالب في المدينة، وبعث إلى عثمان بن حنيف في هذه المسألة، وبعث إليهما وسألهما: ما الذي أتى بكما؟ فقالوا: للثأر لـ عثمان فعلم علي بن أبي طالب بذلك، فجاء بجيشه إلى البصرة، وحدث الكلام بين جيش علي بن أبي طالب وبين جيش طلحة وعائشة والزبير، فقد بعث كل منهما أفرادًا من القوم، وتكلموا في هذه المسألة ثم اصطلحوا وباتوا على خير ليلة، وعلموا أن المصالح تقدم على المفاسد واتفقوا جميعًا، لكن الذين قتلوا عثمان كانوا في جيش علي وهو يعرف أنهم على خفاء في جيشه ولهم قبائل وقوة ومنعة وشوكة فقالوا: قد اتفق القوم علينا، وما من أحد قاتل إلا نحن، فقاموا بالليل فناوشوا جيش الزبير ﵁ وأرضاه فقتلوا منهم، فقام جيش الزبير وطلحة فحسبوا أن جيش علي قد غدر بالاتفاق، ثم هجم جيش الزبير على جيش علي، وحدثت المناوشة بينهما، فحسب جيش علي أن جيش الزبير قد غدر بهم، فحمي الوطيس واشتدت بساط الحرب، وقد قضى الله أمرًا كان مفعولًا، ولله في ذلك حكم.
لكن بعد أن وقعت المقتلة العظيمة، وكان أشدها وأوجها حول ج
[ ٨ / ٣ ]
حكم سب صحابة رسول الله وذكر أقسامه
وختام هذا الكتاب النافع كتاب (الصارم المسلول)، ومع حكم من سب صحابة رسول الله ﷺ: إنَّ الله جل في علاه كرم صحابة رسول الله ﷺ، وجعل لهم عنده مكانة وعظمة، فلذلك حرَّج أيما تحريج، وأغلظ أيما إغلاظ في النهي عن انتهاك حرمة صحابة رسول الله ﷺ، وقد قال ﷺ كما في الصحيح: (لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) وقد قال ذلك النبي ﷺ لأصحابه، فما بالكم بمن يأتي بعد أصحاب رسول الله ﷺ؟ وقال بعض العلماء: يوم من أيام معاوية كتب فيه الوحي أو رأى فيه وجه رسول الله ﷺ، خير من عمر بن عبد العزيز وأهل بيته أجمعين.
وقال أبو زرعة كلامًا في حق صحابة رسول الله ﷺ يكتب بماء الذهب بل بماء العين، وفيه نبراس للفرق بين الصف المؤمن والصف المنافق.
قال ﵀: إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب النبي -وأحدًا نكرة في سياق الشرط تفيد العموم، أي أحد صغيرًا أو كبيرًا- فاعلم أنه زنديق؛ لأن علامة الزندقة الولوغ في أعراض صحابة رسول الله ﷺ.
وذلك أن الرسول ﷺ حق، والقرآن حق وما جاء به حق، وإنما نقل إلينا ذلك كله صحابة رسول الله ﷺ، فقد نقلوا إلينا أحاديث النبي ﷺ والقرآن وأفعاله ﷺ، وهؤلاء يريدون أن يطعنوا في شهودنا ليبطلوا كتاب الله وسنة النبي ﷺ، وأن يجرحوا شهودنا، والجرح بهم أولى وهم زنادقة.
إذًا: إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من صحابة رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق، وأشهره بين الناس أنه على زندقة؛ لأنه تجرأ على عرض من أعراض أصحاب رسول الله ﷺ.
لا يجوز سب صحابة الرسول ﷺ لما بيَّن الله ورسوله من عدالتهم، والسب ينقسم إلى أقسام:
[ ٨ / ٤ ]
حكم من سب الصحابة برميهم بالكفر
القسم الأول: السب في الدين كمن كفر الصحابة جميعًا إلا بضعة عشر، أي: ثلاثة عشر أو أربعة عشر نفرًا هم الذين بقوا على الإسلام، وارتد الباقي، فمن قال بذلك أو لعنهم أو كفّر أبا بكر أو عمر أو لعنهما، فهذا كافر كفرًا أكبر يخرج من الملة، ومن لم يكفره فهو كافر؛ لأنه رضي بالكفر ومن رضي بالكفر كمرتكبه ومن شك في كفره فهو كافر، وهذه هي المراحل الثلاث، والدلالة على ذلك من الكتاب والسنة فيما يلي: أولًا: من سب صحابة رسول الله ﷺ في دينهم ولعنهم، أو كفرهم عن بكرة أبيهم آحادًا وأفرادًا فهذا كفره من وجهين: الوجه الأول: تكذيب لله ورسوله، ومن كذب الله ورسوله فقد كفر، فقد عدَّل الله الصحابة من فوق سبع سموات، قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨].
وقال أيضًا: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠].
وقال النبي ﷺ: (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة) وقال أيضًا: (لا يا عمر! لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم).
فهذه كلها أدلة على عدالة صحابة رسول الله من كلام الله وكلام النبي ﷺ.
أما الوجه الثاني: أنه يدخل تحت عموم قول النبي ﷺ: (من قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما) وهذا له تأويل عند الجماهير أي: فقد باء بوزره، أو باء بهذه الكبيرة، لكن في سب الصحابة ينطبق هذا الحديث على ظاهره، فمن قال لـ أبي بكر: يا كافر، فقد كفر، ومن قال لـ عمر: يا كافر، فقد كفر، ومن قال لـ عائشة: يا كافرة، فقد كفر، ومن قال لـ عثمان أو لـ علي: يا كافر، فقد كفر (ومن قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما)، وفي الرواية الأخرى قال: (إن كان كذلك وإلا حارت) أي: رجعت عليه.
أما الأقوى من ذلك: فمن لم يكفر من كفر الصحابة فهو كافر؛ لأن الراضي بالمنكر كمرتكبه، وهذا الرضا الذي يظهر لنا عنده؛ لأن النبي ﷺ ذكر أنه لا بد من الإنكار بالقلب، والإنكار بالقلب: ألا تبقى بالمكان الذي يسب فيه صحابة رسول الله، أما أن تضحك، وتقر بذلك، ولا ترد عليهم، وتجالسهم فأنت ممن قال الله تعالى فيهم: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء:١٤٠]، والمثلية هنا على حالاتها التي فندها العلماء.
وأيضًا: من شك في كفره فقد كفر؛ لأنه يشك في كفر من كذب الله، وهذا أمر معلوم من الدين بالضرورة، فمن شك في كفر من يكذب الله جل في علاه فقد كفر؛ لأن هذا من باب المعلوم من الدين بالضرورة.
[ ٨ / ٥ ]
حكم من سب الصحابة باللعن والتقبيح
أما القسم الثاني: وهو أن يسبهم ويلعنهم بالتقبيح لكن لا يتهمهم بالكفر، كأن يقول: لعنة الله على ذلك الصعلوك وهو يقصد بذلك -والعياذ بالله- قول النبي ﷺ (أما معاوية فصعلوك)، فمن لعن الصحابة أو سبهم فهل يكفر أم لا؟ قولان عند أهل العلم: القول الأول: أنه يكفر، فيخرج من الملة لعظم مكانة صحابة رسول الله من رسول الله ﷺ.
والقول الثاني وهو قول جماهير أهل العلم: إنه يستحق التفسيق والتأديب والتعزير والتبديع بذلك، لكنه لا يكفر، والتعزير يكون من قبل ولي الأمر.
وتفصيل القولين فيما يلي: القول الأول: يكفر، فما هي وجهة الكفر هنا؟ فهم ما كفروهم بل سبوهم فقالوا: أبوه كذا وأمه كذا، وهو كذا، أو لعنة الله على فلان وفلان وأبيه وأمه، وهذا فيه تكذيب لله، الذي أنزل عدالتهم وهم لا يعدلونهم، فهؤلاء ما طعنوا فيهم، بل دعوا عليهم بالشر، ونحو: اللهم أهلكهم، اللهم اطردهم من رحمتك، وهذا هو الكفر باللازم، فالقاعدة عند أهل السنة والجماعة أن لازم القول ليس بقول، فلا يحكم على صاحبه بالكفر حتى يقر هو به.
ووجهة نظر الذين كفروهم هي: أن من سب صحابة رسول الله فقد آذى رسول الله، ومن آذى رسول الله فقد كفر، قال: (فبحبي أحبوهم وببغضي أبغضوهم).
فالنبي ﷺ بين كثيرًا النهي عن عدم إيذاءه في أصحابه فقال: (لا تسبوا أصحابي) وعند ما قال لـ عمر: (هلا تركتم لي صاحبي، لا تؤذوني في أصحابي) فهذا إيذاء للنبي ﷺ بطريق لازم القول، وقد قيل: لا تسأل عن المرء، وسل عن خليله، فكيف يصاحب النبي ﷺ رجلًا ملعونًا؟ فلعن الصحابة أو سبهم إيذاء للنبي ﷺ بل انتقاص من قدره ﷺ من باب اللزوم.
ولازم القول ليس بقول حتى يقر به، فمن لعن أصحاب رسول الله ﷺ فقد آذى رسول الله وانتقص من قدره ﷺ، ولازم هذا القول يعتبر قولًا إن أقروا به، فإن لم يقصدوا إيذاء رسول الله، ولا الانتقاص من قدره، فيعتبر هذا فسقًا، وصاحبه على شفير هلكة.
وهذا هو الراجح الصحيح.
[ ٨ / ٦ ]
حكم من سب الصحابة بالتنقص لهم
القسم الثالث: هو أن يسبهم بالتقبيح فقط، كأن يقول: يأكلون كثيرًا ويشربون كثيرًا، أو يقول مثلًا: إنهم ينامون كثيرًا ويحبون النساء بمثل هذه الكلمات التي تحدث نقصًا في صحابة رسول الله ﷺ، وهذا بالإجماع لا يكفر، لكنه على شفير هلكه، بل هو فاسق؛ لأنه لم يعرف لأهل الفضل فضلهم، وقد قال النبي ﷺ: (يا أبا بكر! لا يعرف لأهل الفضل فضلهم إلا أهل الفضل).
وبهذا نكون قد ختمنا شرح الكتاب بفضل الله ﷾، ونكون بذلك قد انتهينا بفضل الله من هذا الكتاب العظيم الجليل وهو من أنفع ما كتب شيخ الإسلام، وجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيرًا، وجزاه عن نبينا خير الجزاء، وجزاه خير الجزاء عن صحابة رسول الله ﷺ.
[ ٨ / ٧ ]