الحمد لله وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين.
أما بعد:
فهذه رسالة «نواقض الإسلام» للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب، إمام الدعوة السلفية في القرن الثاني عشر للهجرة النبوية، وهو علم من أعلام الإسلام، وقد عرفه العدو والصديق، المؤمن والكافر؛ لأنه قام بأمر عظيم ألا وهو الدعوة إلى التوحيد، وإلى السنة في وقت دَرَس فيه كثير من معالم التوحيد في كثير من العالم الإسلامي، وفشت فيه البدع وأنواع الشرك، وإن كان العالم الإسلامي فيه علماء وصلحاء وعباد على المنهج الصحيح، وكثير منهم يعرف الحق، ويعرف أن ما عليه كثير من المسلمين من البدع والمحدثات وأنواع الشرك باطل، لكن لا يتهيأ له الدعوة إلى التغيير؛ إما لتقصير منه وفتور، أو لعوائق تعتريه عن القيام بالدعوة والصدع بحقيقة الإسلام التي يجهلها جمهور الناس وهي تخالف ما نشأوا عليه من الشرك والبدعة.
ولكن الله ﷾ قد ضمن حفظ هذا الدين، فرسالة محمد ﷺ هي الرسالة الخالدة؛ لأنه خاتم النبيين، فلا نبي بعده، ولا بد أن تبقى
[ ٧ ]
حجة الله على الثقلين إلى أن تقوم الساعة، وهذا تحقق بحفظ الله لكتابه العزيز وحفظه لسنة نبيه محمد ﷺ، فالرسول ما مات إلا وقد تلقى عنه أصحابه كتاب الله وسنته القولية والفعلية والتقريرية، وشهدوا سيرته ﷺ، وقد أمرهم بالبلاغ، ففي خطبة حجة الوداع يقول: «فليبلغ الشاهد منكم الغائب» (^١)، ويقول: «بلغوا عني ولو آية» (^٢)، وقد بلغ هو، وقام أصحابه بالبلاغ والدعوة والجهاد، كما جاهد الرسول ﷺ في سبيل الله، وقاتل الكفار حتى دخل الناس في دين الله أفواجًا، قال تعالى: ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْح (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ [النصر]، قال ابن عباس ﵄؛ لما سأله عمر ﵁ عنها: «أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَعْلَمَهُ إِيَّاهُ قَالَ مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلا مَا تَعْلَمُ» (^٣).
ثم حمل هذا الدين التابعون وتابعو التابعين ومن بعدهم على مر القرون، فلم يزل «في كل زمان فترة بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى … ويُبصرون بنور الله أهل العمى»، كما قال الإمام أحمد في خطبة كتابه «الرد على الزنادقة والجهمية» (^٤)، وجاء في الحديث المشهور «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها
_________________
(١) رواه البخاري (١٠٥)، ومسلم (١٢١٨) من حديث أبي بكرة ﵁ وغيره.
(٢) رواه البخاري (٣٤٦١) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.
(٣) رواه البخاري (٣٦٢٧) من حديث ابن عباس ﵄.
(٤) الرد على الزنادقة والجهمية ص ٥٥.
[ ٨ ]
أكثر العالم الإسلامي قد أثرت فيه الخرافة والبدعة
دينها» (^١) وهذا ما حدث، فلم يزل في هذه الأمة من يدعو إلى الله ويبين شرعه وما جاء به خاتم النبيين وإمام المرسلين صلى الله عليه وعليهم أجمعين، ومن أعلام هؤلاء الدعاة الشيخ محمد بن عبد الوهاب فقد جعل الله في قلبه همة عالية للدعوة إلى التوحيد والسنة، وبيان بطلان البدع والمحدثات والخرافات، والاعتقاد أن الأولياء أو من تُدَّعى ولايته ينفعون ويضرون ويُدعون ويُستغاث بهم؛ أحياءً أو أمواتًا.
وقد أكرم الله الشيخ محمد بن عبد الوهاب بالنهوض بهذه الدعوة، وقيض الله له الإمام محمد بن سعود رحمهما الله، فسانده على ذلك فظهرت هذه الدعوة، وانتشرت، وانتفع بها أهل هذه البلاد أولًا ثم بقية أرجاء الجزيرة، وسرت آثارها إلى العالم الإسلامي؛ شرقًا وغربًا، وشمالًا وجنوبًا، ولا نزال - ولله الحمد - نتفيأ ونتمتع وننعم بآثار هذه الدعوة، فأفضل العالم الإسلامي مجتمعًا هو هذا المجتمع - ولله الحمد -؛ لأن أكثر العالم الإسلامي قد أثرت فيه الخرافة والبدعة والشرك والقبورية، وأظهر ما يكون هذا في طائفتين:
الرافضة والصوفية.
فالصوفية القبورية يقيمون القباب والمساجد على الأضرحة ويحجون إليها ويطوفون بها ويستغيثون بمن في تلك القبور في الرخاء والشدة.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٤٢٩١) من حديث أبي هريرة ﵁؛ وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٥٩٩).
[ ٩ ]
الرافضة هم شر طوائف الأمة
دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب أثر من آثار دعوة الإمام ابن تيمية
معنى نواقض الإسلام
والرافضة هم أصل هذا الباطل، وهم أغلظ شركًا وبدعة، فهم شر طوائف الأمة؛ اجتمعت فيهم شرور سائر الفرق.
ودعوة الحق محارَبةٌ من أعداء الإسلام، فالكفار من اليهود والنصارى والمنافقين والذين في قلوبهم مرض؛ كلهم خصوم لدعوة الحق من عهد الرسول ﷺ، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب أثر من آثار تراث وعلم ودعوة الإمام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم رحم الله الجميع.
وقد مضى على الناس سنون - ولله الحمد - لا يجرأ أحد أن يتكلم في دعوة التوحيد ودعوة السنة، ولكن في السنوات الأخيرة أعلن بعض أعداء دعوة التوحيد والسنة حربًا سافرةً على هذه الدعوة، ورفعوا رؤوسهم وكشفوا عن عوارهم وباحوا بما تنطوي عليه ضمائرهم من الحقد الدفين، نسأل الله أن يرد كيدهم في نحورهم، وأن يحفظ على هذه البلاد ما أكرمها الله به من التوحيد والسنة.
وهذه الرسالة «نواقض الإسلام»، رسالة صغيرة، وقد ضمنها الشيخ ﵀ عشرة من النواقض سمَّاها «نواقض الإسلام»، وقد تناولها بعض المشايخ المعاصرين بالشرح والبيان (^١) - جزاهم الله خيرًا -.
ونواقض الإسلام هي: موجبات الكفر بعد الإسلام؛ لأنها تنقض إسلام العبد، وتصيره مرتدًا، وعند أهل العلم باب من أبواب الفقه
_________________
(١) من الشروح المطبوعة: الإعلام بتوضيح نواقض الإسلام، تيسير ذي الجلال والإكرام بشرح نواقض الإسلام، التبيان في شرح نواقض الإسلام.
[ ١٠ ]
أمم الكفر تعمل ليل نهار لصد المسلمين عن دينهم
اسمه: «حكم المرتد» والمرتد عن الإسلام قال فيه الرسول ﷺ: «من بدل دينه فاقتلوه». (^١)
والله تعالى ذكر الردة في كتابه في مواضع، قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩]، كثير من اليهود والنصارى يودون أن يردوا المسلمين عن دينهم بقدر ما يستطيعون، لكن هيهات، إلا أنهم قد يسعون في ردة بعض الناس فيستجيب لدعوتهم.
وقال تعالى في المشركين: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: ٢١٧].
فلا يزال الكفار يقاتلون المسلمين من أجل أن يردوهم عن الإسلام؛ لأن هذه هي الكرامة التي أكرم الله بها المسلمين وفضلهم بها على غيرهم، فالكفار يحسدونهم على هذه النعمة.
وقال ﷾: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاء﴾ [النساء: ٨٩]، يريدون أن يكفر المسلمون حتى يكونوا سواءً في الكفر؛ لأنه إذا ارتد المسلمون ساووا الكافرين بالكفر، وفاقهم الكافرون فيما أوتوا من الدنيا، وهذا مطلبهم، والواقع شاهد بهذا، فالآن أمم الكفر تعمل ليلًا ونهارًا - ولاسيما في هذه العصر - من أجل صدِّ المسلمين عن دينهم بشتى الطرق، وهذه غايتهم، وهي غاية إبليس؛ فغايته من الإنسان أن يكفر، وإذا لم يقوَ على هذا نزل لما دونها، وهي أن يجره إلى البدع ثم
_________________
(١) تقدم في ص ٥.
[ ١١ ]
من أقرب الطرق لإفساد المجتمعات المسلمة إفساد المرأة
إلى كبائر الذنوب، كما ذكر العلامة ابن القيم في العقبات التي يطرد الشيطان الإنسان فيها واحدة بعد الأخرى (^١).
لكن الكفار قد لا يقوون على هذا من أول وهلة، فهم يسلكون لصد المسلمين عن دينهم أقرب الطرق، فيصدونهم بما يلقون إليهم من الشهوات التي تصرفهم عن طاعة ربهم وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، والشبهات التي تحيرهم وتدخل الشك في دينهم.
وكثير من وسائل الإعلام الآن تقذف بهذا في بيوت أكثر الناس، فإنهم لا يألون المسلمين خبالًا، ويحرصون على إفساد عقائدهم وأخلاقهم.
ومن أقرب الطرق لإفساد مجتمعات المسلمين إفساد المرأة، لذا اشتد جهدهم على إفسادها وتضليلها؛ لأن المرأة إذا فسدت سرى فسادها إلى المجتمع.
واعلم أن أسباب الردة كلها ترجع إلى أمرٍ واحد هو مناقضتها للشهادتين.
فالإسلام مداره على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فالكافر إذا شهد أن لا إله إلا الله؛ ظاهرًا وباطنًا، وشهد أن محمدًا رسول الله؛ ظاهرًا وباطنًا صار مسلمًا، فإن شهد بذلك بلسانه فقط كان منافقًا، والمنافق من المسلمين في الدنيا وأحكامها.
_________________
(١) مدارج السالكين (١/ ٢٢٢).
[ ١٢ ]
شهادة أن لا إله إلا الله تتضمن الإيمان بالله في ربوبيته وإلهيته وأسمائه وصفاته
شهادة أن محمدا رسول الله تتضمن الإيمان بأنه ﷺ أرسل إلى الثقلين
الشهادتين تقتضي العلم بمعناهما والانقياد لما دلت عليه
وشهادة أن لا إله إلا الله تتضمن الإيمان بالله في ربوبيته وإلهيته وأسمائه وصفاته، فتوحيده في ربوبيته يكون بالإيمان بأنه لا رب غيره، وفي إلهيته بالإيمان بأنه لا إله سواه، ولا معبود بحق إلا هو، وفي صفاته باعتقاد أنه المنفرد في صفاته، فلا شبيه له في شيء من صفاته ﷾.
إذًا؛ شهادة أن لا إله إلا الله يناقضها الشرك بالله؛ لأنها كلمة التوحيد، كما أنها تقتضي العلم واليقين والانقياد والمحبة.
وشهادة أن محمدًا رسول الله تتضمن الإيمان بأن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم النبي العربي الأمي رسول الله إلى الثقلين: الجن والإنس، وأرسله ﴿بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون (٣٣)﴾ [التوبة].
وشهادة أن محمدًا رسول الله تقتضي تعظيم الرسول ﷺ، والإيمان بكمال خُلُقه وكمال شريعته، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، فهذه حقيقة الشهادتين.
وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله تقتضي العلم بمعناهما وحقيقتهما والانقياد لما دلت عليه.
إذًا؛ جميع أسباب الردة التي نسميها في هذه الرسالة نواقض الإسلام مدارها على مناقضة الشهادتين.
[ ١٣ ]
ويمكن حصر النواقض في أصول:
١ - الشرك.
٢ - والشك.
٣ - والإعراض.
٤ - والإباء والاستكبار.
٥ - والتكذيب.
٦ - والجحد.
٧ - والتنقص لله أو لآياته أو رسوله؛ والتنقص: الطعن في ذات الله تعالى أو في صفاته، أو الطعن في الرسول ﷺ أو فيما جاء به.
٨ - النفاق بأنواعه.
هذه هي جماع النواقض، وكلها ترجع إلى مناقضة شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فالتكذيب إما بوحدانية الله أو التكذيب بربوبيته أو التكذيب بإلهيته، أو الشك في ذلك، أو الإعراض عن دعوة الرسول بالقلب أو الإباء، فكثير من الكفار يعرف أن الرسول ﷺ حق؛ كما قال ﷾: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦]، ويعرفون صدقه، ولكن يمنعهم من الانقياد لدعوته والاستجابة له: الكبر، كما جاء في قصة هرقل عظيم الروم عندما أعلن اعترافه بنبوة محمد ﷺ، ولكنه منعه عن الانقياد والاستجابة الكبر والبخل بملكه، وكذلك المقوقس رئيس القبط أظهر الاعتراف بصدقه ﷺ، وامتنع عن
[ ١٤ ]
متابعته بخلًا بملكه مثل ما صنع هرقل فلما بلغ النبي ﷺ خبره؛ قال: «ضنَّ الخبيث بمُلكه، ولا بقاءَ لمُلكه» (^١).
والشيخ له تعبيرات جميلة ودقيقة، فتسميته رسالته ب «نواقض الإسلام»، تشابه ما في أبواب الفقه «نواقض الوضوء» التي تبطل الطهارة؛ فالإسلام فيه طهر من جهة أنه عقد بين العبد وربه، فإذا شهد الإنسان الشهادتين فقد عقد مع ربه أن يوحده وأن يعبده وأن يتبع رسوله ﷺ، وهذا أعظم العقود، وأسباب الردة نقض لهذا العقد؛ فكما أن نواقض الوضوء مفسدات تبطل الطهارة، كذلك هذه النواقض تُبطل الإسلام الذي يتضمن الطهارة الحقيقية المعنوية، فالتوحيد والإيمان طهر؛ ولهذا سمى الله المشركين نَجَس قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، والمؤمن قال فيه الرسول ﷺ: «إن المؤمن لا ينجس» (^٢).
_________________
(١) الطبقات الكبرى لابن سعد (١/ ٢٦٠)، ونصب الراية (٤/ ٤٢٢).
(٢) رواه البخاري (٢٨٠) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١٥ ]