بعد أن عرضنا الدليل من القرآن والسنة وكلام سلف الأمة والتابعين لهم بإحسان قديما وحديثا على مشروعية الإخبار عن الله بدون شرط التَّقَيُّدِ بما جاء في القرآن والسنة، نعرض في هذا الفصل بعض الإعتراضات على هذا البحث والرد عليها، فكما قيل:
الضد يظهر حسنه الضد - - - - - - - - - وبضدها تتميز الأشياء
الإعتراض الأول:
قد يقول قائل: قد يكون هناك ضعف في بعض الآثار التي ذكرتها في هذا البحث
نقول وبالله تعالى التوفيق:
لن يؤثر صحة الآثار على نتيجة هذا البحث، فعلى فرض ضعفها كلها فلم يقل أحد من السلف أن ابن عباس أوغيره من الصحابة رضوان الله عليهم أو من بعدهم من أئمة السلف كقتادة ومجاهد والطبري والشافعي وغيرهم قد خالفوا هدي النبي ﷺ إذ أخبروا عن الله بدون التَّقَيُّدِ بالقرآن والسنة وهذا إجماع منهم على جواز ذلك.
وإلا فهل يُعْقَلُ أن يترك السلف الصالح ومن تبعهم بإحسان هذه الألفاظ الكثيرة جدا في الكتب قديما وحديثا دون إنكار منهم؟ فهم إما أنهم علموا أن هذا خطأ فلم ينكروا وكتموا؟ أو جهلوا أصلا المسألة ولم يعلموها وخفي الحق على جميعهم؟ أم أن الصحيح الذي لا يستريب فيه مسلم أنهم علموا أنه يجوز الإخبار عن الله وبدون التَّقَيُّدِ بما جاء في القرآن والسنة.
[ ٣٥ ]
الإعتراض الثاني:
قد يقول قائل: قد يُخْبِرُ عن الله من لا علم له باللغة العربية مما قد يتضمن نقصا في حقه سبحانه، وعليه فيُفْتَحُ الباب لمن له علم ولمن لا علم له.
نقول وبالله تعالى التوفيق:
إن كان الشخص لا يعلم ما يليق بالله وما لا يليق، فأوجب الله علينا أن نسأل أهل الذكر إن كنا لا نعلم فقال سبحانه فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ [النحل: ٤٣] .
وعليه، فمن لا علم له بأن اللفظ متضمن للنقص أم لا فعليه قبل أن يتلفظ به أن يسأل أهل العلم.
ونضرب مثالا يوضح ذلك:
فقد يقول قائل: لو ربنا عايز يرزقني فسيكون الأمر كذا.
أقول: قول القائل بأن الله سبحانه " عايز " لا تجوز؛ لأن أهل العلم يقولون أن العوز من الاحتياج والله غني عن العالمين فهي متضمنة للنقص في حق الله.
لذلك فإننا قيدنا ما ذكرناه في الإخبار بألا يتضمن نقصا في حق الله سبحانه والذي يبين ذلك أهل العلم.
الإعتراض الثالث:
قد يقول قائل: إن سلمنا بجواز هذه القاعدة فعلينا أن نلتزم بما جاء عن السلف بالألفاظ التي ثبتت عنهم فيما أخبروا به عن الله.
نقول وبالله تعالى التوفيق:
أولا: يجب التسليم بوجود الإجماع من السلف على جواز ذلك لما أوردناه من أدلة في الفصل الثاني لا أن ذلك من باب التَّنَزُّلِ في المحاورة والكلام.
ثانيا: أن إجماع السلف لم يُقَيَّد بألفاظ معينة للإخبار بها عن الله وهم أعلم بالكتاب والسنة منا، فإن قَيَّدْتَ ما لم يُقَيِّدْه السلف فيلزمك ما لزم من أنكر جواز الإخبار أصلا وهو ما بينته في الفصل الأول، والله أعلم بالصواب
[ ٣٦ ]
الإعتراض الرابع:
فإن قال قائل: قد ثبت إجماع ينقض هذا الكلام من أصله والإجماع عند المسلمين حجة
فقد جاء في كتاب الإقناع في مسائل الإجماع لابن قطان الفاسي طـ دار الفاروق الحديثة:
قال المصنف صـ ٣٧:
فأما ما أجمعوا عليه أنه من صفات الذات فنحو وصفنا له بأنه قديم.
وقد عزاه المحقق إلى كتاب الاستذكار لابن عبد البر ٨ / ١٥١ رقم ١٠٨٤٠.
قال المصنف صـ ٣٩:
فإن قيل: فهل ورد لفظ التوقيف بأنه - سبحانه - موجود في الكتاب أو السنة؟ قيل هو إجماع الأمة وإجماع الأمة إحدى الطرق في اثبات أسمائه.
نقول وبالله تعالى العصمة من الزلل والتوفيق إلى الرشد:
يُفْهَمُ من كلام ابن قطان ﵀ أن الإجماع حجة في اثبات أسماء الله، وأن الله يُوصَفُ بالقدم ونجيب على ذلك فنقول:
أولا: الرد على القول بأن الإجماع حجة في اثبات أسماء الله
إطلاق القول بأن " إجماع الأمة إحدى الطرق في إثبات أسمائه سبحانه " فيه نظر؛ لأنه مخالف لمذهب السلف ونتوقف قليلا عند هذه النقطة لأهميتها فنقول وبالله تعالى التوفيق والهدى:
يعتبر الإجماع حجة في دين الإسلام سواء في الأمور العلمية الخبرية - الإعتقادات - أوالمسائل الفقهية العملية، لكن هناك بعض المسائل العلمية الخبرية التي لا يمكن إثباتها تفصيليا من خلال الإجماع مجردا عن نصوص الكتاب والسنة، بل لا بد من النص من الكتاب والسنة على هذه المسألة بعينها إذ لا يكون الإجماع مستقلا في ذلك بل يذكر إعتضادا.
فالإجماع في المسائل الخبرية الغيبية التي لا دخل للعقل ولا للاجتهاد فيها لا يعتبر دليلا منفصلا عن الوحيين، ولكن قد يدل الإجماع بشكل إجمالي عليها، وسنضرب أمثلة على ذلك
فيما يلي:
في باب الأسماء والصفات:
أجمع المسلمون على أن الله متصف بصفات الكمال ومنزه عن النقائص، لكن تفصيل هذه الصفات فلا بد من وجود نص بذلك.
في باب الإيمان بالملائكة:
هل يمكن القول بأن الإجماع قد ثبت بوجود الملائكة مستقلا عن النص سواء جاء النص بذلك أم لا؟ أم أن الإجماع قد ثبت بعد ورود النص بذلك.
في باب الرسالات والنبوات:
[ ٣٧ ]
أجمع المسلمون على أن الله قد أرسل الرسل وأنزل الكتب على سبيل الإجمال والذي يمكن أن يدرك بالعقل، أما تفصيل ذلك فلا بد من النص من قرآن وسنة.
في باب اليوم الآخر والبعث والنشور:
أجمع المسلمون على أن الله يبعث الناس إلى يوم القيامة ليجازي كلا بعمله كما سبق على سبيل الإجمال والذي يمكن أن يدرك بالعقل، لكن تفصيل النعيم والعذاب لا بد فيه من النص.
الرد على ذلك القول من خلال الأدلة العقلية في ضوء القرآن والسنة:
يدل العقل على أن الإجماع لا يمكن به إثبات شيئا تفصيليا من الأمور الغيبية بدون النص من القرآن والسنة وذلك من وجوه:
الأول:
أجمع أهل السنة أن الله سبحانه سمى نفسه بأسماء ووصف نفسه بصفات لم يزل ولا يزال أبدا متسمي بها ومتصفا بها، فهل قال أحدهم أن إثبات ذلك أو نفيه متوقف على ثبوت إجماع بها من عدمه؟.
فإن قال قائل: لا نقول ذلك، بل نقول أن الإجماع وسيلة من وسائل العلم بالأسماء والصفات فنقول وبالله تعالى التوفيق:
الثاني:
أجمع المسلمون أن النبي محمد ﷺ أعلم الناس بالله وأشدهم له خشية
فهل جهل النبي ﷺ شيئا من أسماء الله أو صفاته فلم يعلمها، وبالتالي لم يقم بالتأله لله بمقتضى ذلك الاسم أو تلك الصفة، وجاءت الأمة من بعده فعلمت ذلك فقامت بعبودية لم يقم بها نبيها؟ لا يستريب مسلم عاقل في فساد هذا.
الثالث:
نفى الله عن النبي ﷺ علم الغيب إلا ما أعلمه سبحانه، فلم يثبت النبي ﷺ لله صفة أو اسما إلا بما أوحاه إليه ربه.
[ ٣٨ ]
الرابع:
وُزِنَ أبو بكرالصديق ﵁ بالأمة فرجح، ووزن عمر بالأمة فرجح، وهذا الرجحان في العلم والعمل، وأشرف العلم هو العلم بأسماء الله وصفاته فهل ورد عن أحدهما نص بسند صحيح أو حتى عن غيرهما من الصحابة بإثبات اسما أو صفة لله لم تأت في القرآن ولا السنة؟ فيما نعلم حتى الآن أن الإجابة: لا، وما ثبت عنهم هو من باب الإخبار عن الله.
فهل تعلم الأمة أمرًا من الدين متعلقا بأسماء الله وصفاته بعد أن جهله الصحابة؟ فالصحابة إما أن علموا وكتموا، أو جهلوا فلم يعلموا؟ وكلاهما باطل.
فبقي أنه لم يثبتوا اسما أو صفة لله خارج الكتاب والسنة.
الخامس:
ثبت الإجماع عن السلف بالجهل بكيفية صفات الله الثابتة بالنَّص، فكيف يتم إثبات صفة غير منصوص عليها أصلا في القرآن والسنة؟ .
السادس:
ثبوت الاسم أو الصفة توقيفي؛ لأنه يترتب على ذلك عبوديات لله من دعاء وحلف وغير ذلك، والعبادات توقيفية فلا بد من وجود نَص.
فهل قال أحد من أهل السنة: أن الإجماع قد ثبت على فرض طاعة معينة أو نهي عن معصية معينة بدون نص من قرآن أو سنة؟
والجواب: لا، فكيف نُثْبِتُ اسما لله أو صفة بذلك الإجماع؟
أننا لا نسلم بأن مذهب السلف هو اثبات الاسم لله أو الصفة خارج الكتاب والسنة بل مذهبهم المنقول عنهم التقيد بالكتاب والسنة في هذا الباب خاصة، وقد سبق أن ذكرناه في الباب الأول ونضيف إليه ما يلي:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى ١١ / ٢٥٠:
" واجمع سلف الأمة وأئمتها على ان الرب تعالى بائن من مخلوقاته يوصف بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل، يوصف بصفات الكمال دون صفات النقص "
[ ٣٩ ]
وقال أيضا في العقيدة الأصفهانية (١) ١ / ٢٤ – ٢٥:
" فالذي اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها أن يوصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل ".
قال ابن بطال كما نقل الحافظ ابن حجر في (فتح الباري ١٣ / ٥٦٧):
" أجمعت الأمة على أن الله تعالى لا يوصف بأنه شخص لأن التوقيف لم يرد به ". انتهى
إذًا فما ذكره الشيخ ابن قطان ﵀ بأن الإجماع إحدى طرق إثبات أسماء الله وصفاته هو قول مردود بما ثبت من الإجماع من السلف على اشتراط النص من القرآن والسنة في ذلك.
ثانيا:
أما ما ذكره الشيخ ابن قطان بأن الله موصوف بالقدم وأن الإجماع منعقد على ذلك فالرد على ذلك من وجوه:
الأول:
راجعت ما عزاه المحقق إلى مصدر هذا الإجماع من كتاب الاستذكار فلم أجده.
الثاني:
يجب اثبات أن هذا الإجماع غير مُنْتَقِضُ وثابت عن السلف حتى نُسَّلِم لذلك، لكن هذا الإجماع مُنْتَقِض فقد اختلف العلماء في كون القديم ثابت كاسم لله أم لا.
جاء في هامش شرح القواعد المثلى طـ دار الآثار صـ ٧٥: قال شيخ الاسلام في كتاب الصفدية ٢ / ٨٥:
وقد تنازع الناس في القديم هل يجعل من أسماء الله؟ فذهبت طائفة كابن حزم إلى أنه لا يسمى قديما بناء على أن الأسماء توقيفية، ولم يثبت هذا الاسم عن النبي ﷺ.
قال ابن أبي العز في شرح العقيدة الطحاوية ١ /٧٩ / ٨٠ طـ مؤسسة الرسالة:
_________________
(١) العقيدة الأصفهانية لشيخ الإسلام ابن تيمية الناشر: مكتبة الرشد - الرياض الطبعة الأولى، ١٤١٥ تحقيق: إبراهيم سعيداي.
[ ٤٠ ]
وقد أدخل المتكلمون في أسماء الله تعالى القديم وليس هو من الأسماء الحسنى فإن القديم في لغة العرب التي نزل بها القران: هو المتقدم على غيره فيقال: هذا قديم للعتيق وهذا حديث للجديد، ولم يستعملوا هذا الإسم إلا في المتقدم على غيره لا فيما لم يسبقه عدم كما قال تعالى: " حتى عاد كالعرجون القديم " والعرجون القديم: الذي يبقى إلى حين وجود العرجون الثاني فإذا وجد الجديد قيل للأول: قديم، وقال تعالى: " وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم " أي متقدم في الزمان، وقال تعالى: " أفرأيتم ما كنتم تعبدون * أنتم وآباؤكم الأقدمون " فالأقدم مبالغة في القديم، ومنه: القول القديم والجديد للشافعي رحمه الله تعالى وقال تعالى: " يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار " أي يتقدمهم ويستعمل منه الفعل لازما ومتعديا كما يقال: أخذت ما قدم وما حدث، ويقال: هذا قدم هذا وهو يقدمه، ومنه سميت القدم قدما لأنها تقدم بقية بدون الإنسان.
وأما إدخال القديم في أسماء الله تعالى فهو مشهور عند أكثر أهل الكلام وقد أنكر ذلك كثير من السلف والخلف منهم ابن حزم، ولا ريب أنه إذا كان مستعملا في نفس التقدم فإن ما تقدم على الحوادث كلها فهو أحق بالتقدم من غيره، لكن أسماء الله تعالى هي الأسماء الحسنى التي تدل على خصوص ما يمدح به، والتقدم في اللغة مطلق لا يختص بالتقدم على الحوادث كلها فلا يكون من الأسماء الحسنى وجاء الشرع بإسمه الأول وهو أحسن من القديم؛ لأنه يشعر بأن ما بعده آيل إليه وتابع له بخلاف القديم والله تعالى له الأسماء الحسنى لا الحسنة.
[ ٤١ ]
الثالث:
إن سلمنا بصحة هذا الإجماع وثبوته وعدم انتقاضه، فتوجيهه أنه يُخْبَرُ به عن الله بأنه قديم كما ورد عن بعض علماء السلف، لا أن ذلك من باب اثبات الأسماء التي يترتب عليها عبوديات لله، والتي يلزم فيها ورود النص بذلك لهذه العلة والله تعالى أعلم.
الإعتراض الخامس:
فإن قال قائل:
قد تكون هناك بعض الأحاديث الضعيفة التي جاءت فيها بعض الألفاظ التي تكلم بها السلف في الإخبار عن الله لاعتقادهم أن النبي ﷺ وصف الله بها دون علمهم بضعف هذه الأحاديث.
مثال:
عن أنس قال: رسول الله ﷺ " إذا أراد الله إنفاذ قضائه وقدره سلب ذوي العقول عقولهم حتى ينفذ فيهم قضاؤه وقدره فإذا مضى أمره رد إليهم عقولهم ووقعت الندامة " أخرجه الفريابي وضعفه الألباني برقم ٣٢٢ في ضعيف الجامع
الجواب عن ذلك وبالله تعالى التوفيق والهدى:
أولا:
نسأل: هل خفي على كل الأمة ضعف بعض هذه الأحاديث بحيث اجتمعت الأمة على الضلالة والخطأ، ولم يوجد من يُبَيِّنُ ضعفها، ويَعْتَذِر لمن أخبر عن الله بهذا اللفظ؟
ثانيا:
أننا إن سلمنا ذلك في بعض الألفاظ، فهناك ألفاظ أخرى لم تأت في حديث صحيح ولا ضعيف وثبتت عن السلف الإخبار بها، فلا يُنْتَقَضُ هذا الحكم بمثل هذه المعارضة ولله الفضل والمِنَّة.
[ ٤٢ ]
الإعتراض السادس:
فإن قال قائل:
ذكر فضيلة الدكتور محمد بن خليفة بن علي التميمي في كتابه القيِّم (الصفات الإلهية تعريفها وأقسامها) ما يخالف هذا الكلام، وأن التَّقّيُّدَ بما جاء في القرآن والسنة في الإخبار عن الله فيها قولان عن السلف وليس كما زعمت أن الإجماع منعقد منهم على الجواز، وما يلي نص كلامه حفظه الله:
أما باب الإخبار فالسلف لهم فيه قولان:
القول الأول:
أن باب الإخبار توقيفي، فإن الله لا يُخْبَرُ عنه إلا بما ورد به النص، وهذا يشمل الأسماء والصفات، وما ليس باسم ولا صفة مما ورد به النص كـ (الشييء) و(الصنع) ونحوها وأما مالم يرد به النص فإنهم يمنعون استعماله (١) .
القول الثاني:
إن باب الإخبار لا يشترط فيه التوقيف، فما يدخل في الإخبار عنه تعالى أوسع مما يدخل في باب أسمائه وصفاته، كـ (الشيء) و(الموجود) و(القائم بنفسه)، فإنه يخبر به عنه ولا يدخل في أسمائه الحسنى وصفاته العليا، فالإخبار عنه قد يكون باسم حسن، أو باسم ليس بسيِّئ، أي باسم لا ينافي الحسن، ولا يجب أن يكون حسنًا، ولا يجوز أن يخبر عن الله باسم سيِّئ (٢) فيخبر عن الله بما لم يرد إثباته ونفيه بشرط أن يستفصل عن مراد المتكلم فيه، فإن أراد به حَقًّا يليق بالله تعالى فهو مقبول، وإن أراد به معنى لا يليق بالله ﷿ وجب رده (٣) . انتهى كلام الدكتور محمد بن خليفة التميمي - حفظه الله ورفع قدره في الدنيا والآخرة -.
مما سبق من كلام الدكتور محمد التميمي حفظه الله يتضح ما يلي:
الإجماع الذي ثبت عن السلف دون إنكار منهم هو جواز التعبيرعن مرادفات لأسماء الله وصفاته وأفعاله في القرآن والسنة أو ما يُفْهَمُ من سياق آي القرآن، مثل (خاطب الله، حكى الله، نزه الله نفسه)، فإن هذا من المترادفات في اللغة ولا تتضمن نقصا بحال، وهو ما تبين من خلال النقولات القليلة التي نقلتها من كتب السلف من لدن الصحابة ومملوءة في كتب علماء السنة قديما وحديثا، وشيخ الإسلام نفسه الذي نُقِلَ عنه الخلاف في هذه المسألة نجد كتبه مملوءة بذلك النوع من الإخبار والذي لا خلاف فيه بين السلف على جوازه.
_________________
(١) انظر رسالة في العقل والروح (٢/٤٦-٤٧) .
(٢) بدائع الفوائد (١/١٦١)، مجموع الفتاوى (٦/١٤٢-١٤٣)
(٣) رسالة في العقل والروح (٢/٤٦-٤٧)
[ ٤٣ ]
إذن فمن اشترط من السلف في الإخبار عن الله التَّقَيُّدَ بما جاء في القرآن والسنة لا يدخل فيه هذا النوع لعدم وجود نقل يدل على إنكارهم لما أثبتناه بجواز ذلك.
الألفاظ التي تتصمن معنى صحيحا مفهوما من القرآن والسنة والتي ليست بمترادفات لأسماء الله ولا صفاته ولا أفعاله كـ (البائن من خلقه أو الذات)، فيُحْمَل عليها اختلاف أهل السنة في جوازها أوالمنع منها كما نقل فضيلة الدكتور عن شيخ الإسلام، وكما رجح (١) أن جمهور أهل السنة على جوازها ما دامت تتضمن معنى صحيحا.
ولكن بعض هذه الألفاظ قد جاءت في إجماع السلف كإجماعهم (أن الله مستو على عرشه بائن من خلقه) فهذا إجماعهم على جواز الإخبار بهذه اللفظة، وإن كانت لم تجئ في قرآن ولا سنة بل لأنها تتضمن معنى صحيحا مفهوما من القرآن والسنة، وللرد على اعتقادات باطلة في حق الله، ولا تتضمن نقصا في حق الله.
وطبقا لأصول التلقي عند أهل السنة أن إجماع السلف يكون حقا بلفظه ومعناه ولو قلنا غير ذلك لترتب عليه تجهيل السلف بأنهم يذكرون في إجماعهم ألفاظا بها خطأ شرعي لا يجوز استخدامها، ولو كان في الإخبار بهذه اللفظة خلاف فقد جاء إجماعهم بجوازها فمن منع منها فهو محجوج بهذا الإجماع وغيره بما جاء فيه من ألفاظ كهذه.
أما الألفاظ المجملة مثل (التحييز، والجسم، والمُمَاسة) وما شابه ذلك من الكلام، فلا يستريب مسلم عاقل فضلا عن ذي علم من المنع في إطلاقها على الله؛ لأن ذلك من القول على الله بلا علم، ولأن في إطلاقها ما لا يليق بشأن الله والتي تتضمن نقصا في حقه، والتي لم يذكرها السلف الصالح في كلامهم بل ثبت عنهم المنع منها.
_________________
(١) لمن أراد الاطلاع على بقية كلام الشيخ فليراجع رسالته في الصفات ولم يتم نقل بقية كلامه مع نفاسته خشية الإطالة، ولأن بعضه يحتاج إلى توضيح فنقلت الشاهد من كلامه في باب الإخبار
[ ٤٤ ]