من أعظم ما أوجبه الله على عباده أن يعرفوه سبحانه كما أخبر عن نفسه، وكما أخبر عنه نبيه محمد ﷺ، فيعرفوا أسماءه وصفاته كما وردت في النصوص بغير زيادة ولا نقصان، والقاعدة الجامعة المانعة التي تمنع العقول من التعدي في أسماء الله وصفاته هي قوله تعالى: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير).
[ ١ ]
قواعد في الأسماء والصفات
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فإن أهم العلوم وأشرفها هو علم التوحيد، والقاعدة عند العلماء: تقديم الأهم على المهم، ولا أهم من توحيد الله جل في علاه، وشرف هذا العلم ينبثق من شرف المعلوم وهو الله جل في علاه، ولا أحد أشرف من الله ﷿.
[ ٢ ]
التسليم التام لظاهر كلام الله ورسوله
يجب على كل إنسان أن يعلم: أن الله أنزل الكتاب بلسان عربي مبين؛ لكي يفقه كل عربي عن الله مراده من ظاهر كلام الله جل في علاه، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٢ - ١٩٥].
ويقول تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف:٢]، والحكمة من كونه عربيًا أن تعقلون ما يقال لكم؛ لأنه نزل بلغتكم.
إذًا: فالضابط الأول: أن نأخذ بظاهر اللفظ من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وأن نسلم لكلام الله وكلام رسوله ﷺ، فمثلًا قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]، ظاهر اللفظ أن لله يدًا، واليد عند العرب معناها اليد التي بها يكون البطش، فإذا كانت معلومة يجب علينا أن نأخذ بظاهرها، فتبقى كلمة اليد على ما هي عليه في اللغة، ولا يجوز تأويلها بالنعمة أو القدرة؛ لأن الله أنزل القرآن بلسان عربي مبين وقال: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠].
ولله ﷾ أصابع، يقول النبي ﷺ: (إن الله يحمل الأشجار على ذه،، ويشير إلى أصابعه)، وأقر النبي ﷺ اليهودي على أن لله أصابع، وجاء في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه أنه قال: (قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء) سبحانه جل في علاه.
فهنا أثبت النبي ﷺ أن لله أصابع، فالواجب علينا أن نسلم لكلامه ﷺ، ولا نؤول الأصبع بالنعمة أو القدرة.
وقال الله تعالى عن سفينة نوح: «تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا»، فالعين معلومة في اللغة العربية، ومعنى ذلك أن لله عينًا، وقد قال الله لموسى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩]، فالواجب أن يمر هذا اللفظ على ظاهره، وقال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم:٤٢] فله ﷾ ساق.
إذًا: فالضابط الأول أن نمرر قول الله على ما هو عليه بنفس المعنى العربي المبين، ومن أوّل (اليد) بالقدرة و(العين) بالرعاية فقد وقع في ما حذر الله منه بقوله: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٦٩] وقوله: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:٣٦]، ولا يجوز كذلك أن نؤول الضحك بالرحمة، ونقول: إن الله يضحك: أي يرحم، فقد جاء أحد الصحابة إلى رسول الله ﷺ عندما أخبر أن الله يضحك، فقال: يا رسول الله! ما الذي يضحك الرب؟ (قال: أن تخلع درعك) يعني: تظهر الشجاعة والصدق، (أن تخلع درعك وتدخل على العدو تقاتل من أجل الله فتقتل مقبل غير مدبر) قال: يضحك ربنا من ذلك؟ قال: يضحك ربنا من ذلك، فخلع درعه ثم قال: لن نعدم خيرًا من رب يضحك)، فقد علم ذلك الصحابي أن الله يضحك، ولازم الضحك أنه سيثيب عباده الذين ضحك لهم.
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾ [الفيل:١ - ٣].
قال محمد عبده ﵀ وغفر له زلاته -وهو من المدرسة العقلانية مدرسة الاعتزال، وهم يقدمون العقل على النقل- يقول: إن معنى طيرًا أبابيل أي الجدري، ومرة أخرى يقول: المد والجزر، فأول وحرف كلام الله، وبدلًا من أن يفسره بلسان عربي مبين جعله أعجميًا فأوله وحرفه، وكأنه بلسان حاله يقول: ربنا! ليس هذا الكلام الذي نعقله عنك بصحيح، فكأن كلام الله جل في علاه لا يعقله أحد من العرب، والله أنزله بلسان العرب.
إذًا فالضابط الأول: التسليم التام لكلام الله وكلام رسوله ﷺ.
[ ٣ ]
أسماء الله كلها حسنى
تحت هذه القاعدة فروع كثيرة، الفرع الأول: أن أسماء الله كلها حسنى، أي: بالغة في الحسن غايته، وكون أسماء الله حسنى يتضمن أمرين: الأمر الأول: أن الاسم علامة على ذات الله.
الأمر الثاني: كل اسم من أسماء الله يتضمن صفة كمال، وهذا الذي يبلغ بالاسم غاية الحسن، فأسماء الله جل في علاه كلها غاية في الحسن والكمال؛ لأنها تتضمن صفات الكمال، وإذا انضم اسم مع اسم آخر انضم كمال مع كمال، فإذا قلت: الرحمن الرحيم فهو أكمل من أن تقول: الرحمن فقط، أو الرحيم فقط.
إذًا: فأسماء الله حسنى؛ لأنها دالة على الله، ولأنها تتضمن صفات الكمال، فالكريم اسم من أسماء الله، وهو غاية في الحسن، وذلك لأمرين: أولًا: لأنه علامة على ذات الله، وثانيًا: لأنه يتضمن صفة كمال وهي الكرم.
والحي اسم من أسماء الله، كما قال الله تعالى: ﴿الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ﴾ [آل عمران:١ - ٢]، فهو اسم من أسماء الله، وهو غاية في الحسن والكمال لأمرين: أولًا: لأنه علامة على ذات الله، ثانيًا: لأنه يتضمن صفة كمال وهي الحياة، وحياته سبحانه أزلية أبدية، فهي صفة كمال، وبما أن كل أسماء الله حسنى فالدهر إذًا ليس اسمًا من أسماء الله.
فإن قيل: إن النبي ﷺ قال: (قال الله تعالى: لا تسبوا الدهر؛ فإني أنا الدهر) فكيف نقول: إن الدهر ليس اسمًا من أسماء الله؟
و
الجواب
أولًا: ننظر هل هو علامة على ذات الله أم لا؟ ثانيًا: ننظر هل يتضمن صفة كمال أم لا؟ فإذا نظرنا إلى ذلك فسوف نجد أنه ليس بعلامة على ذات الله، وإن قلنا: إنه علامة على ذات الله فهو لا يتضمن صفة كمال، فالدهر نهار وليل ليس فيه كمال، إذًا: ليس اسمًا لله جل في علاه.
وإذا طبقنا هذه القاعدة على الموجود وهل هو من أسماء الله أم لا؟ فلا بد من أمرين: الأول: هل هذا الاسم علامة على ذات الله؟ الجواب: ليس علامة على ذات الله، والثاني: هل يتضمن كمال؟ والجواب: بل يتضمن نقصًا؛ لأن كل شيء موجود له موجد؛ لذلك فالله هو الواجد الذي أوجد كل ما في الكون وليس الموجود، إذًا: فالموجود ليس اسمًا من أسماء الله.
والقديم في شرح الطحاوية أنه اسم من أسماء الله الحسنى؛ لأنه علامة على ذات الله، والأشاعرة يقولون: أخص صفات الله القدم، فلا يشترك أحد مع الله في هذه الصفة، ولكنه ليس اسمًا من أسماء الله، لأنه لا يتضمن صفة كمال؛ لأن كل قديم فهناك من هو أقدم منه، والاسم الصحيح الذي يوضع مكان القديم هو الأول.
إذًا: فأخص صفات الله الأولية؛ لأن النبي ﷺ قال: (أنت الأول فليس قبلك شيء) وهذا لا يقال في القديم؛ لأن القديم هناك من هو أقدم منه.
فهذا الضابط يجعلك تعرف هل هذا الاسم من أسماء الله الحسنى أو ليس اسمًا من أسماء الله الحسنى.
الفرع الثاني: أن أسماء الله غير محصورة بعدد معين.
الفرع الثالث: أن أسماء الله لا تثبت بالعقل وإنما تثبت بالشرع، والعلماء يقولون: أسماء الله وصفاته توقيفية، ومعنى توقيفية: الوقوف عند كلام الله وكلام رسول الله ﷺ، وهذا فيه رد على من يسمي الله بأسماء ليست موجودة في الكتاب والسنة، فالنصارى يسمون الله الأب، والأب ليس من أسماء الله جل في علاه، ولم ينزل الله به من سلطان لا في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن، فقد سموا الله بغير اسمه، وهذا إلحاد في أسماء الله، فإذا قلنا: أسماء الله توقيفية فمعنى ذلك: أن هناك آية في الكتاب تثبت الاسم، أو حديث من أحاديث النبي ﷺ، ولذلك اختلف العلماء في النور، هل هو من أسماء الله أم لا، وقد جاء حديث ذكرت فيه التسعة والتسعون اسمًا، وهو ضعيف ليس بصحيح، ولم يرد من السنة ما يثبت أن النور اسمًا من أسماء الله.
الفرع الرابع: كل اسم من أسماء الله يدل على ذاته ويتضمن صفة كمال، والصفات نوعان: متعدية ولازمة، فاللازمة كاسم الله العظيم، فإنه اسم من أسماء الله، ويتضمن صفة كمال، وهذه الصفة التي يتضمنها هي صفة العظمة، وهي صفة لازمة وليست معتدية.
والعزيز اسم لازم غير متعدي؛ لأن العزة صفة من صفات الذات، وأما الأسماء التي لها صفات متعدية فهي الأسماء التي تتضمن صفات الفعل، كالْرَّحَيمِ، فالرحيم اسم من أسماء الله غاية في الحسن؛ لأنه يتضمن صفة كمال وهي الرحمة، والرحمة صفة متعدية؛ لأن الله يرحم عباده، فهو رحيم قبل أن يخلق الخلق ويرحمهم.
[ ٤ ]
صفات الله كمال من كل وجه
هذه هي القاعدة الثالثة في صفات الله، وتحتها فروع: الفرع الأول: صفات الله كمال من كل وجه؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠]، وقال: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]، وقال ﷾: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:٤٣]، فلله جل وعلا العلو المطلق، وصفاته لها الكمال المطلق من كل وجه، كالعزة والرحمة والكرم والجود والبر والمنع والعطاء والإحسان والعطف والرأفة والعظمة والكبرياء، فكل هذه صفات كمال من كل وجه، وهناك كمال لكنه ليس من كل وجه، فهو كمال من وجه ونقص من وجه كالاستهزاء والخداع والمكر، فيوصف بها الله حين تكون كمالًا، وتنفى عنه حين تكون نقصًا، فالعبد الماكر منبوذ، ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠] لكن العبد الذي يمكر بالماكرين يكون المكر فيه من الكمال، فالله يستدرج الماكرين ويعلمهم قوته وعزته، وهذا كمال حين المقابلة، فتقول: يمكر بالماكرين، ويستهزئ بالمستهزئين، لكن لا يمكن أن تقول: إن الله ماكر أو مخادع، حاشا لله! لأن ذلك تنقص من قدر الله جل في علاه، فالصفات التي هي كمال من وجه ونقص من وجه نصف بها الله حين تكون كمالًا، وننفيها عنه حين تكون نقصًا، كقوله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠].
الفرع الثاني: صفات الله تنقسم إلى قسمين: ثبوتية وسلبية، فالثبوتية هي التي أثبتها الله في كتابه وأثبتها على لسان رسوله ﷺ في سنته، فيكون قسم ثبت في كتاب الله، وقسم ثبت على لسان رسوله ﷺ، ولا نقول: على لسان الله فنثبت لله لسانًا، بل نسكت كما سكت السلف، فإنهم لم يثبتوا لله لسانًا ولم ينفوها عنه، فلا نقول على الله ما لا نعلم قال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:٣٦].
إذًا: فالصفات الثبوتية أثبتها الله لنفسه في كتابه كقوله سبحانه: ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء:١٣٩]، وقوله ﷿: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَوَاتِ﴾ [الجاثية:٣٧]، وأثبتها له رسول الله ﷺ حيث قال: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق)، وقال: (يكشف الله عن ساقه) فالنبي ﷺ أثبت لله ساقًا، وأثبت لله كلامًا، فتكون هذه الصفات ثابتة في الكتاب والسنة.
والصفات السلبية هي التي نفاها الله عن نفسه في الكتاب، ونفاها عنه نبيه محمد ﷺ، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ [يونس:٤٤]، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦]، وقوله: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨]، وقوله: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾ [البقرة:٢٥٥]، والنبي ﷺ ينفي عن ربه النوم فقال: (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام) أي: يستحيل في حقه النوم سبحانه.
فكل صفة نقص لا بد أن ننفيها عن الله جل في علاه.
الفرع الثالث: الصفات الثبوتية تنقسم إلى قسمين: ذاتية وفعلية، ويزاد على ذلك الخبرية، والبعض يرى أن الخبرية تنزل منزلة الذاتية، والصفة الذاتية: هي التي لا تنفك عن الله بحال من الأحوال كالحياة، فإنها صفة ذاتية لا تنفك عن الله، ولا يمكن أن نقول: كان الله حيًا؛ لأن الصفة الذاتية أزلية أبدية يتصف الله بها أزلًا وأبدًا.
والصفة الفعلية هي المتجددة، فيمكن أن يفعلها الليلة ولا يفعلها غدًا، ويمكن أن يفعلها اليوم ولا يفعلها بعد غد، كالكلام فإن ربنا جل في علاه تكلم مع موسى حين جاء موسى للشجرة، لكنه سبحانه لم يكن في الأزل يتكلم وفي الآخر يتكلم، وكذلك ينزل الله في ثلث الليل ولا ينزل نهارًا، فالصفات الفعلية تتجدد، وهي متعلقة بمشيئة الله، إن شاء الله فعل وإن شاء لم يفعل، فإن شاء استوى وإن شاء لم يستو، وإن شاء تكلم وإن شاء لم يتكلم، وإن شاء أعطى وإن شاء لم يعط.
والصفات الخبرية هي التي نسميها أجزاء وأبعاض، كاليد فإنها صفة لله، وهي بالنسبة لنا أجزء، وليست جزء من الله بل صفة له، وكالعين فإنها صفة لله وهي جزء منا، والساق صفة لله وهي جزء منا كذلك.
ومن الأمثلة على الصفات الذاتية: الحياء: فإنها صفة ذاتية؛ لأن الله يستحي، فعندما يتكلم عن الجماع يقول: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء:٤٣]، قال ابن عباس: معناها: جامعتم.
ومن الصفات الذاتية: الكرم فهي فعلية؛ لأنه سبحانه إن شاء أكرم زيدًا وإن شاء لم يكرمه، لكنها في الأصل ذاتية.
الفرع الرابع: كل صفة من صفات الله فإنه يتوجه عليها ثلاثة أسئلة: السؤال الأول: هل هي حقيقة أم هي مجاز؟ السؤال الثاني: هل لها كيفية معلومة أو مجهولة؟ السؤال الثالث: هل تماثل صفات المخلوقين أم لا؟
و
الجواب
أن صفات الله لا بد أن نثبتها بلا تمثيل، ولا تشبيه، ولا تكييف، ولا تحريف، ولا تأويل.
والمماثلة: المطابقة في الصفة، كأن يقول المشبه: يد الله مثل يد محمد - أعوذ بالله -، وصفات الله تثبت بلا تمثيل؛ لقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
ومعنى التشبيه أن تقول: عين الله تقارب عين المخلوق، وحاشا لله! لأن الله صفاته لا تشبه صفات المخلوق.
ومعنى التكييف أن تقول: يد الله طولها كذا وأصبعه صفتها كذا دون أن تأتي لها بالمماثل، فتكيف لله جل وعلا هيئة وتتصور صفته في ذهنك، وهذا لا يجوز أيضًا في حق الله؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠] والإنسان يكيف الصفة إذا رأى صاحب الصفة، وهو ير الله، أو أخبره من رأى صاحب الصفة بكيفية الصفة ولم يخبرنا النبي ﷺ بكيفية الصفة، أو رأى مثيلًا لصاحب الصفة، فينظر إليه فيقول: كيفية صفتك كذا وكيفية صفة لله كذا تعالى الله عن ذلك ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
وبلا تأويل، أي: بلا تحريف.
فهذه هي القاعدة الأولى: أن يمر اللفظ على ظاهره.
[ ٥ ]
الرد على المعطلة
المعطلة قسمان: معطلة تعطيلًا كاملًا محضًا، ومعطلة تعطيلًا ناقصًا، والمعطلة تعطيلًا كاملًا هم الجهمية، وهم الذين عطلوا الاسم والصفة، فيقولون: لا سميع ولا سمع، ولا بصير ولا بصر، ولا كريم ولا كرم، ولا قدير ولا قدرة، فالمعطلة الجهمية ينفون عن الله الاسم وينفون عنه الصفة، والله يقول: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:١ - ٢]، وهم يقولون: لا رحمن ولا رحيم، ويقول: ﴿وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [سبأ:٦]، وهم يقولون: لا عزيز ولا عزة، فهم إذًا يعبدون عدمًا.
والمعطلة تعطيلًا ناقصًا هم المعتزلة، وهم الذين يثبتون لله الاسم وينفون عنه الصفة، فيقولون: الله عزيز لكن بلا عزة وسميع بلا سمع، وهذا تناقض، فلو قلت: محمد السميع فمعنى ذلك أنه يسمع الكلام ويتصف بصفة السمع، ولذلك كانت عائشة تقول: سبحان الذي وسع سمعه الأصوات كلها، فالمرأة تشكو زوجها للرسول ﷺ وأنا في ناحية المسجد يخفى علي بعض حديثها، فأنزل الله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة:١].
[ ٦ ]