صفات الحق والحمد والحلم لله ﷿ ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، فمن أسماء الله الحسنى: الحق والحميد والحليم، وقد تعبد النبي ﷺ ربه بهذه الصفات، وظهرت آثارها جلية في حياته، وتبعه على ذلك أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين.
[ ٩ / ١ ]
ثبوت صفة الحق لله تعالى بالكتاب والسنة والإجماع
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ما زلنا مع صفات الله الجليل، وأثر هذه الصفات في إيمان العبد الذي يتعبد لله بهذه الصفة التي اعتقدها اعتقادًا جازمًا.
إن صفة الحق صفة جليلة، وصفة كمال وجلال وبهاء وعظمة لله جل في علاه، وصفة الحق صفة ذاتية ثبتت لله جل في علاه في الكتاب والسنة وإجماع أهل السنة، ومعنى هذه الصفة: هو الحق في وجوده وفي كونه جل في علاه، وهو الحق في وعده وفي قوله، وهو الحق في لقائه، وهو الحق في ثوابه، وهو الحق في عقابه ﷾، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ [الحج:٦]، وقال جل في علاه: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [طه:١١٤].
وفي السنة كما في الصحيح عن ابن عباس ﵁ وأرضاه: (أن النبي ﷺ كان يقول في قيام الليل: وأنت الحق، وقولك الحق)، ووجه الدلالة من ذلك: أن اسم الله جل في علاه الحق، ويتضمن صفة الحق، والعبد الذي يعتقد بهذه الصفة اعتقادًا جازمًا، فإنها تؤثر في سويداء قلبه، وتؤثر في أعماق إيمانه، فالمتعبد بهذه الصفة يصدق بوجود الله، فهو يتعبد لربه سبحانه وهو موجود، وهو يصدق بوعد الله جل في علاه، ويصدق بلقاء الله، ويحمله ذلك على أن يصدق بأنه سيقف أمام الله جل في علاه ويحاسبه على كل صغيرة وكبيرة، ويحاسبه على النَّفَس وعلى الكلام، وعلى الضحك، وعلى النوم، وعلى النفقة، وعلى كل عمل دقيق أو جليل، فيصدق بأنه سيقف بين يدي ربه ليس بينه وبينه ترجمان، وهذا التصديق يحمله على المسارعة في الخيرات؛ لأنه مصدق بأنه سيلقى وعد الله حقًا.
وأيضًا المتعبد لله بهذه الصفة الجليلة يعلم بأن الله حق يحب الحق، فلا يتكلم إلا بالحق، ولا يفعل إلا الحق، ولا يناصر إلا الحق، ولا يؤدي غضبه أو عاطفته إلى أن يحيد عن الحق، فقد قال النبي ﷺ في دعائه كما في الصحيح: (اللهم إني أسألك كلمة الحق في الغضب والرضا)، فلا يحمله الغضب على أن يحيد عن الحق، ولا يميله الحب أو العاطفة عن الحق، فهو دائمًا متكلم بالحق، ويناصر الحق، ويسعى للحق حيثما كان، ويعلم أن الله جل في علاه يرتب لأهل الحق حق اليقين في الجنات، وقد قال النبي ﷺ: (سيد الشهداء حمزة ورجل تكلم بكلمة الحق عند سلطان جائر فقتله)، فهو بتصديقه بموعود الله، وبتصديقه بهذه الصفة يحب الحق، ويناصر الحق، ويسعى للحق، وهو بذلك يستحضر كيف تعبد الصحابة الكرام بهذه الصفة لله جل في علاه، فإن النبي ﷺ يحب الحق، ويتكلم بالحق، ويناصر بالحق، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [النساء:١٣٥]، فلابد من كلمة الحق حتى لو على نفسك أو على الوالدين والأقربين.
[ ٩ / ٢ ]
تعبد النبي ﷺ والصحابة لله بصفة الحق
وانظروا إلى رسول الله ﷺ كيف يعرف أن ربه الحق، وأن الله يحب الحق، وأن صفة الحق للحق، فهو يدافع عن الحق ويناصر الحق، جاء أسامة بن زيد ﵁ وأرضاه حب رسول الله ﷺ يشفع في المرأة المخزومية التي سرقت، فثار النبي ﷺ للحق، وأراد أن يناصر الحق، وما كان ﷺ يغضب لنفسه قط إلا أن تنتهك حرمات الله، فينتصر للحق، فقال ﷺ لـ أسامة: (أتشفع في حد من حدود الله؟ والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) انتصارًا للحق، وغضبًا للحق.
وهكذا كان الصحابة الذين الذين تربوا على يد رسول الله ﷺ يتعبدون بهذه الصفة الجليلة لله، ويعلمون أن مناصرة الله تعبدًا بصفة الحق للحق ﷾، وانظر إلى أبي بكر ﵁ وأرضاه وهو يناصر الحق أمام الفاروق الذي فرق الله به بين الحق والباطل، يقوم عمر بن الخطاب ويعارض أبا بكر فيقول: أتقاتل قومًا يقولون: لا إله إلا الله؟ وقد قال النبي ﷺ: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإن قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم)، هو يرى أن هذا هو الحق فيناصره، والمناصر للحق لا يضيع الحق، لكن المتخاذل عن الحق لم يتعبد الله بهذه الصفة، بل سيضيع الحق بسببه، وأنه لم يتعبد لله بهذه الصفة، وأبو بكر أرق الأمة وأرحم الأمة بالأمة ومع ذلك كان أبو بكر مناصرًا للحق، ويعلم أن الحق يحب الحق، فقال لـ عمر بن الخطاب: أجبار في الجاهلية خوار في الإسلام، أردت قوتك تأتيني بضعفك وخورك وجبنك، والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة وبين الزكاة، والله لو منعوني عناقًا أو عقالًا كانوا يؤدونه لرسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه، مناصرة للحق، فإن النبي ﷺ علم أصحابه كيف يتعبدون بهذه الصفة لله جل في علاه، حتى إن عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه جلد ابنه فلذة كبده من أجل أن ينصر حدًا من حدود الله جل في علاه، عملًا بهذه الصفة الجليلة، وأيضًا علي بن أبي طالب كان يناصر الحق حتى ولو كان ذلك على أمير المؤمنين، فـ عثمان بن عفان الحج كان ينهى عن المتعة في الحج، والمتعة: أن يتمتع بالعمرة إلى الحج، أي: يعتمر ثم يتحلل ثم بعد ذلك يهل بالحج، فكان عثمان ﵁ وأرضاه ينهى عن المتعة، فقام له علي فقال له: أتنهى عن المتعة وتعلم أن رسول الله ﷺ قد أمر بها؟ والله لأقومن بسنة رسول الله ﷺ، ولأخالفن من خالف رسول الله ﷺ كائنًا من كان، لبيك اللهم بعمرة متمتعًا بها إلى الحج.
فهذا يل على تعبد الصحابة ﵃ وأرضاهم بهذه الصفة العظيمة الجليلة، صفة الحق ومناصرته، أما المتخاذلون الذين يتخاذلون عن الحق فهؤلاء قد جهلوا صفات ربهم، فضيعوا الحق، وضيعوا التعبد لله بهذه الصفة، فهم آثمون وأيضًا هم عند الله جل في علاه على مذمة عظيمة؛ لأنهم لم يتعبدوا بصفة الحق، ولم ينصروه، فهذه ثلاثة آثام يقع فيها الذين يتخاذلون عن الحق.
[ ٩ / ٣ ]
ثبوت صفة الحمد لله تعالى بالكتاب والسنة والإجماع
الحمد صفة ثبوتية ذاتية ثبتت لله جل في علاه بالكتاب وبالسنة وبإجماع أهل السنة، قال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة:٢٦٧]، وجه الدلالة من الآية: أن الله سمى نفسه الحميد، وهذا الاسم يتضمن صفة كمال، وهي صفة الحمد.
وقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥].
وفي السنة جاء في الحديث المتفق عليه الذي علم فيه النبي ﷺ ابن مسعود والصحابة كيف يصلون عليه، قال النبي ﷺ في آخره: (إنك حميد مجيد)، وهذه أيضًا تسمية لله في علاه تتضمن هذه الصفة، ومعناها: هو المحمود على كل حال ﷾، وهذه الصفة صفة كمال وجلال وبهاء وعظمة، فإن الله يحمد على صفات الكمال والجلال والقوة والجبروت والعزة، ويحمد عباده جل في علاه على القليل من العمل بفضل منه ونعمة، فهو يحب العبد الشاكر، ويحمد العبد الشاكر، ويحمد عمل العبد القليل فيثيبه عليه، وأحب عباد الله إلى الله الذين يشكرون، كما بين الله جل في علاه مادحًا نوحًا: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء:٣]، وقال عن إبراهيم ﵇: ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾ [النحل:١٢١]، فإن الله يحب العبد الشكور، ولذلك جاء في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله يحب من أحدكم إذا أكل أن يحمد الله على ذلك، وإذا شرب أن يحمد الله على ذلك) فإن الله يحب ذلك من العبد؛ لأنه محمود ويحمد ويحب هذه الصفة، ولذلك المتعبد لله بهذه الصفة يقول: علي أن أحمد الله، وأتدبر نعائم الله، فأشكر ربي وأثني الثناء على المنعم ﷾، والشكر يدخل مع الحمد إذا انفرد أحدهما عن الآخر، فيحمد الله جل في علاه على كل نعمة، وأجل النعائم التي لا بد للإنسان لزامًا أن يحمد الله عليها: نعمة الإسلام، ثم نعمة الإيمان، ثم نعمة العلم، ثم نعمة الجهاد، ثم نعمة النفقة، ثم نعمة الطاعة، هذه النعائم التي تحتاج إلى الحمد.
[ ٩ / ٤ ]
فوائد حمد الله ﷾
والحمد له فوائد عظيمة جليلة: منها أولًا: العبد الذي يحمد ربه جل في علاه يحمده الله؛ لأنك إذا ذكرت ربك بالحمد ذكرك هو بالثناء في الملأ الأعلى.
ثانيًا: إن الحمد يحفظ لك النعائم، حيث قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الأنفال:٥٣] يعني: لا يحمدون الله جل وعلا عليها.
ثالثًا: أن مع حمد الله على هذه النعائم تزداد هذه النعائم، قال الله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧]، فإن النعائم تزداد بالحمد وبالشكر لله جل في علاه.
[ ٩ / ٥ ]
تعبد النبي ﷺ والصحابة بصفة الحمد لله تعالى
ولقد استشعر النبي والصحابة حقيقة هذه الصفة فتعبدوا الله ﷿ بها وجعلوها واقعًا مشاهدًا عندما اعتقدوا هذه الصفة في قلوبهم وتعبدوا بها لله جل في علاه، فرسول الله ﷺ عبد قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، إلا أنه بقي يحمد الله ويشكر الله جل في علاه ليل نهار، وكان يشكر الله قولًا باللسان واعتقادًا بالجنان وعملًا بالأركان، فكان يقوم الليل كله، وتقول عائشة: (يا رسول الله! لم تصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول النبي ﷺ: أفلا أكون عبدًا شكورًا)، وكان النبي ﷺ يحمد الله ويعمل بما أمر الله به من الحمد، وكان ﷺ يقول: (من لم يشكر الناس لا يشكر الله) جل في علاه، فالمعتقد أن النعم التي أتته هي من قبل الله يعتقد أن الله قد سبب أسبابًا لهذه النعم التي آتاه إياها، فهذه الأسباب لا بد أن تشكر، والذي يجحد بهذه الأسباب لزامًا لا بد أن يجحد بالمسبب؛ ولذلك قال رسول الله ﷺ: (من لم يشكر الناس لا يشكر الله) جل في علاه، وهذا طبقه النبي ﷺ حتى نأتسي به ﷺ، بل طبقه مع الكافر قبل المسلم، فقد كان النبي ﷺ يشكر صنائع الكافر قبل أن يشكر المسلم، فلما رجع النبي ﷺ إلى مكة مغتمًا حزينًا حين طرده أهل الطائف دخل في جوار المطعم بن عدي فأخذ المطعم بن عدي السيف وأخذ أولاده وقال: إن محمدًا في جواري، فاشترط عليه كفار قريش أن يتعبد ربه في سره ولا يكشف لهم ما يتعبد به، فشكر له النبي ﷺ ذلك وهو كافر، فقال في أسرى يوم فتح مكة: (لو كان المطعم حيًا وكلمني في هؤلاء النتنى لدفعتهم إليه) شكرًا له، بل أرقى من ذلك وأوجب وأقوى من ذلك عندما تتدبر هذه الصفة الجليلة لله جل في علاه، وذلك حين يشكر الله المرء إذا أحسن للكلب أو أي حيوان آخر، فإن الله يحمد عباده على حسن صنيعهم مع العجماوات، فهذه بغي من بني إسرائيل تزني كل ليلة وتضاجع رجلًا، وتأكل من فرجها، وتأتي ما يغضب الله سبحانه، فكانت مرة في صحراء وبلغ منها العطش مبلغه فوجدت بئرًا فنزلت فيها وشربت، ولما خرجت رأت كلبًا يلهث، قالت: إن العطش بلغ من هذا الكلب ما بلغ مني، فنزلت فسقت الكلب فشكر الله لها فغفر لها، فانظروا حمد الله جل في علاه لعباده، كذلك العباد لا بد أن يحمدوا الله على ذلك.
وانظروا كيف يطبق النبي ﷺ التعبد بهذه الصفة عندما يحمد أبا بكر ﵁ وأرضاه على حسن صنيعه معه، وكان النبي ﷺ يقول: (سدوا كل خوخة إلا خوخة أبي بكر فإنه أتاني بأهله وماله)، فهذا شكرٌ لـ أبي بكر على ما صنع مع رسول الله ﷺ، انظروا كيف يشكر الله أبا بكر ﵁وإن كان في إسناد هذا الحديث نظر، والراجح فيه الصحة والله تعالى أعلى وأعلم- فقد جاء في الحديث: (أن النبي ﷺ جلس، وجلس أمامه أبو بكر ﵁ وأرضاه عليه ثياب خلقة رثة، فجاء جبريل فقال: يا محمد! ألق السلام على أبي بكر وقل له: إن ربك يلقي عليك السلام وهو عنك راض، فهل أنت راض عن الله؟) جل في علاه، يعني: عن أفضال الله عليك بعدما أنفقت مالك عن بكرة أبيه في الدعوة إلى الله جل في علاه، فهذا شكر الله لـ أبي بكر؛ إذ يرسل جبريل ﵇ من فوق سبع سماوات ليلقي السلام ويبين الرضا عن أبي بكر ﵁ وأرضاه، حمدًا لحسن صنيع هذا العبد.
وكما قلت: لا بد لنا أن نتدبر هذه الصفات الجليلة ونتعبد لله بها، فعلى العبد كل حين وكل آن أن يحمد الله ليل نهار على لسانه الذي يذكر به الله جل في علاه، وعلى أذنه التي يسمع بها كتاب الله جل في علاه وأحاديث النبي ﷺ، وعلى يده التي يكتب بها أحاديث النبي ﷺ أو القرآن أو يبطش بها في الحق، وعلى بصره الذي لا ينظر به إلا إلى ما يرضي الله جل في علاه، وإن نعائم الله تتنزل على العبد تترا فلابد أن يشكر العبد ربه ويتعبد لله بهذه الصفة الجليلة صفة الحمد لله جل في علاه.
[ ٩ / ٦ ]
ثبوت صفة الحلم لله تعالى بالكتاب والسنة والإجماع
صفة الحلم صفة ذاتية ثبوتية، قد ثبتت لله في الكتاب وفي السنة وبإجماع أهل السنة، أما في الكتاب فقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء:٤٤]، وأيضًا في دعاء الكرب في الحديث المتفق عليه بين البخاري ومسلم: (لا إله إلا الله العظيم الحليم)، فهذه نصوص على أن صفة الحلم ثابتة لله، والاسم يتضمن صفة كمال، فالحليم يتضمن صفة الحلم: ومعنى الحلم هو: الذي لا يعجل بالعقوبة ﷾، فإنه يملي للعباد ولا يهمل؛ لأنه إذا أخذ لم يفلت، فهو يملي للعباد، ويفتح لهم أبواب التوبة والأوبة والرجوع إليه ﷾، فإنه حليم، وانظروا إلى حلم الله جل في علاه المتدفق على عباده المؤمنين والكافرين، ترون أعجب ما ترون من حلم الله جل في علاه بعد علمه، إذ يرى الذين يعيثون في الأرض فسادًا فيحلم عليهم ويفتح لهم أبواب التوبة، بل يرضى منهم التوبة والأوبة والرجوع إليه، قال النبي ﷺ كما في الصحيحين: (ما رأيت أحدًا أصبر على أذى من الله، يسبونه، وينسبون له الولد، وهو مع ذلك يطعمهم ويسقيهم ويرزقهم ويعافيهم) جل في علاه.
أيضًا انظر إلى الذين يعيثون في الأرض فسادًا، ويسومون أهل الإسلام سوء العذاب، والمؤمن الموحد المخلص لله جل في علاه أفضل عند الله من الكون بأسره، أفضل من السماء والأرض والجبال والأنهار والجنات، بل شرف المؤمن أشرف عند الله من شرف الكعبة، فقد جاء عن ابن عباس بسند صحيح أنه كان يطوف بالكعبة ويقول: أنت الكعبة شرفك الله وعظمك، وحرمك، وعظمة دم المرء المسلم عند الله أشرف منك وأعظم منك.
بل جاء عن النبي ﷺ مرفوعًا: (إن حرمة دم المسلم عند الله أعظم من حرمة الكعبة)، وأيضًا: جاء عن النبي ﷺ كما في سنن الترمذي بسندٍ صحيح أنه: (لو تمالأ أهل الأرض وأهل السماء على دم امرئ مسلم -يعني: ظلمًا- أكبهم الله في النار ولا يبالي)، من عظم حرمة دم المسلم عند الله جل وعلا، وأنتم ترون الآن دول أهل الكفر يسومون أهل الإسلام سوء العذاب، والله بحلمه يتدارك أهل الإسلام، وبحلمه يفتح أبواب التوبة لهؤلاء الكفار، وانظروا إلى قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [البروج:١٠] أي: يريدون ردهم عن التوحيد، فقد حفروا الأخاديد وأججوها نارًا، وقذفوهم فيها، ورغم ذلك فإن الله تعالى يقول في هؤلاء الكفار: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج:١٠]، والشاهد: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ [البروج:١٠]، (ثم) هنا: للتراخي، بعدما حفروا الأخاديد وأججوها نارًا وأقحموا الناس فيها يقول الله ﷿ لهم: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ [البروج:١٠] فعلى الرغم من شناعة هذه الأفعال يفتح الله لهم باب التوبة ويقول: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج:١٠]، فاعلموا أن حلم الله جل في علاه يتدارك الكافرين قبل أن يتدارك المؤمنين، فما بالكم بحلم الله على المؤمنين.
[ ٩ / ٧ ]
تعبد النبي ﷺ والصحابة الكرام بصفة الحلم
والعبد إذا أراد يتعبد لله بهذه الصفة فعليه أن ينظر إلى من سبقه بالتعبد بها ليعلم كيف يتعبد لله بهذه الصفة، فرسول الله ﷺ ضرب لنا أروع الأمثلة في ذلك، فقد علم أن الله حليم يحب الحلم؛ لأن الله جل في علاه يحب صفاته، ويحب أن يرى أثر هذه الصفات على العبد المؤمن الذي اعتقدها لله جل في علاه، فلذلك كان النبي ﷺ يعلم بأن الله حليم ويحب كل حليم، وانظروا إلى حلم رسول الله ﷺ مع بيته أولًا، فقد كان حلم النبي ﷺ مع أزواجه يضرب به المثل، فكان ذات مرة عند عائشة ﵂ وأرضاها وكانت نوبتها فأرسلت زينب ﵂ وأرضاها بقصعة فيها طعام في نوبة عائشة، فغارت عائشة، وغيرة النساء معلومة، حتى قال الإمام مالك: إن المرأة إذا غارت قذفت، وإذا قذفت لم تحد؛ لأن الغيرة تغلب على العقل، وكان رسول الله ﷺ جالسًا ومعه أصحابه، فالمجلس فيه أصحاب رسول الله وفيه المعظم رسول الله ﷺ أكرم الخلق على الله، بينما هم كذلك إذ تخرج عائشة ﵂ وأرضاها قبل الحجاب، وتأخذ قصعة الطعام فتلقي بها فتكسرها، فقال النبي ﷺ: (غارت أمكم غارت أمكم، إناء بإناء وطعام بطعام)، انظروا إلى حلم النبي ﷺ مع زوجاته وهو بذلك يتعبد لله بهذه الصفة الجليلة بعدما اعتقدها اعتقادًا جازمًا لله جل في علاه، وكان النبي ﷺ يشتهي عسلًا، فكان في كل يوم في العصر يذهب إلى زينب فيجلس يسامرها ويحب أن يأكل عندها العسل، فغارت عائشة فقالت: يذهب إلى زينب ويجلس، لم يجلس؟ فعرفت أنه يأكل عندها العسل، فذهبت إلى سودة، وكانت عائشة شديدة الرأي عليهن؛ لأن عائشة كانت لها الحظوة عند رسول الله ﷺ، فكن يخشين عائشة، يعني: إن خالفنها تألم عليها رسول الله، كن يعتقدن ذلك، ورسول الله ﷺ لا يعلم، فهو يتعامل مع كل امرأة بحسن خلقه، فذهبت عائشة إلى سودة، وسودة أكبر منها سنًا بمراحل فقالت: إذا دخل عليك فقولي له: أكلت مغافير؟ ونزلت على رأي عائشة، ثم ذهبت حفصة وقالت لها الشيء نفسه، وكان النبي ﷺ يكره أن يشتم منه رائحة لا تقبل، وهذه سنة سنها الرسول ﷺ لكل إنسان يحاول قدر الإمكان أن يكون على رائحة طيبة، فدخل النبي ﷺ على حفصة فقالت: يا رسول الله! كأنها تشمئز، ما هذا؟ أكلت مغافير؟ فالنبي ﷺ يقول: (والله ما أكلت مغافير ما أكلت إلا عسلًا)، فذهب إلى سودة فقالت: ما هذا يا رسول الله! أكلت مغافير؟ ثم دخل على عائشة فقالت عائشة ﵂ وأرضاها: ما هذا يا رسول الله! ما هذه الرائحة؟ أكلت مغافير؟ فقال: (والله ما أكلت مغافير بل أكلت هذا العسل)، فأقسم بالله ألا يأكل العسل، وهذا حلم رسول الله ﷺ مع أزواجه، فهو لم ينهر امرأة منهن، بل منع نفسه مما يشتهي حتى لا يقال له: أكلت مغافير، فأنزل الله جل في علاه على النبي ﷺ قوله: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم:١].
وانظر إلى سعة حلم النبي ﷺ عندما جاءته الوفود وجاءه أعرابي جلف لا يعرف كيف يتعامل مع أكرم خلق الله على الله، فجبذه بردائه ﷺ، حتى ظهر ذلك في صفحة عنق النبي ﷺ، فقال له: أعطني من مال الله ليس من مالك ولا من مال أبيك، فأراد الصحابة قتل هذا الأعرابي والنبي ﷺ يبتسم له ويكتب له عطاء.
وقد علمنا أبو بكر ﵁ وأرضاه الحلم، وابنته كذلك، وكان ذلك في حادثة الإفك وقد تولى كبره المنافق العربيد عبد الله بن أبي ابن سلول وخاض فيه من خاض، ومرضت أم المؤمنين شهرًا، وكان النبي ﷺ يدخل عليها -وبكل حلم- ويقول: (كيف تيكم؟) ويتركها ويسير، فلما علمت بحادثة الإفك دخل عليها رسول الله وهي تبكي فقال: (يا عائشة! إن كنت قد ألممت بالذنب، فاستغفري ربك فإنه غفور رحيم، وإن كنت بريئة فسيبرئك الله.
فقالت: والله ليس مثلي ومثلكم إلا كمثل يعقوب مع أولاده، فصبر جميل والله المستعان) من الحلم؛ لأن علامات الحلم الصبر، فالله جل في علاه كافأها على حلمها في هذا البلاء بأن برأها من فوق سبع سماوات، وقد اشتد غضب أبيها أبي بكر ﵁ وقال: والله لا أنفق على مسطح فأنزل الله معاتبًا إياه: ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور:٢٢]، فقال: أحب أن يغفر الله لي، ثم أعاد النفقة على مسطح.
وعمر بن الخطاب ضرب لنا أروع الأمثلة في الحلم أيضًا، عندما دخل المسجد وكان هناك من ينام في المسجد وكان عمر ﵁ وأرضاه رجل طوال، ورجله ليست بالهينة، فوطئ رجلًا بقدمه، فقام الرجل فقال: أنت أيها الأعمى! يقول ذلك لـ عمر، وعمر معه من معه من الصحابة، فقاموا لتأديبه فقال: اتركوه وقال للرجل: أوما ترى عيني؟ إني لست بأعمى، وهذا من حلم عمر ﵁ وأرضاه.
اللهم ارزقنا الحلم، فالإنسان إذا تعلم الحلم ساد، والقاعدة عند العلماء: لا يسود المرء إلا بالحلم.
فنسأل الله جل في علاه أن يعلمنا الحلم، وأن يجعلنا نطبق هذه الآيات وهذه الصفات على أنفسنا، فيرى الله منا الصدق ويحلينا بصفات المتقين، ويرزقنا الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقًا.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم على محمد وآله وصحبه أجمعين.
[ ٩ / ٨ ]