إن من أعظم ما يزيد إيمان العبد أن يعلم صفات الله تعالى ويتعبده بما فيها من المعاني الجليلة، ومن هذه الصفات صفة الحكم لله جل وعلا، والتي معناها: أن الأمر كله يرجع لله في الدنيا والآخرة، فلا راد لأمره ولا معقب لحكمه العدل، وقوله الفصل، والعلم بذلك يلزم منه رد التنازع والتحاكم إليه في كل ما يختلف فيه الناس، ومن صفات الله الجليلة: صفة الحكمة والتي معناها: أن الخالق الحكيم يضع الشيء في موضعه، فإذا نظر العبد في أفعال الله تعالى علم أنها لا تكون إلا عن حكمة، فيعيش راضيًا بأقدار الله، مطمئن البال سعيدًا، يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
[ ١٠ / ١ ]
إثبات صفة الحكم لله تعالى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فنحن اليوم على موعد مع صفة من صفات الجليل، هذه الصفة صفة ذاتية لا تنفك عن الله جل في علاه أزلًا ولا أبدًا، وهي صفة الحكم؛ قال ﷿: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام:٥٧] يعني: أن الحكم كله يرجع لله جل في علاه، يفصل في كل أمورنا في الدنيا وفي الآخرة، وهذه الصفة أجمع عليها أهل السنة والجماعة، وهذا الإجماع ينبني على الكتاب والسنة، أما من الكتاب فقد قال الله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ [الأنعام:١١٤]، والحكم هنا اسم من أسماء الله جل في علاه يتضمن صفة كمال وهي الحكم، وقال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا﴾ [الأعراف:٨٧]، وفي سورة يوسف ذكر الحكم صريحًا فقال: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف:٤٠]، ففي هذه الآية قصر الحكم على الله وحده لا شريك له.
أما من السنة فإن النبي ﷺ مر برجل يكنى بـ أبي الحكم فقال: (لمَ كناك الناس بهذا الاسم؟ فقال: إنهم كانوا يتحاكمون إلي، فأحكم بينهم فيأخذون بحكمي، فقال له النبي ﷺ: إن الله هو الحكم، «إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ» [الأنعام:٥٧]، ثم قال: ما اسم ابنك الأكبر؟ فقال: اسمه شريح، فقال: أنت أبو شريح)، فكناه باسم ابنه الأكبر، فهذا دليل من السنة على أن الحكم المطلق لا يكون إلا لله جل في علاه.
[ ١٠ / ٢ ]
كيفية التعبد لله بصفة الحكم
أما كيف يتعبد المرء بهذه الصفة الجليلة لله؟ فأقول: أولًا: لا بد أن يعلم أن الحكم حكمان: حكم كوني وحكم شرعي، فالحكم الكوني لا بد أن يقع، ولا مرد له، ولا يستطيع أحد أن يرده على الله جل في علاه! والحكم الكوني يقع فيما يحبه الله وفيما لا يحبه الله جل في علاه، كوجود إبليس.
وحكم الله الكوني يقع حتمًا فلا مرد له، ويمكن أن يمثل له بقصة سعد بن معاذ ﵁ وأرضاه حين قال: اللهم لا تمتني حتى تقر عيني في بني قريظة، فحكمه الله فيهم، فقال النبي ﷺ لهم: (تنزلون على حكم سعد؟)، قالوا: ننزل على حكم سعد، أخ كريم، فأشار إليهم فقال: تنزلون على حكمي؟ قالوا: ننزل على حكمك.
ثم نظر ناحية النبي ﷺ تأدبًا منه ولم يشر، فقال: أترضون بحكمي؟ -يقصد بذلك: رسول الله ﷺ- فقال: (اللهم نعم) فقال: تقتل مقاتلتهم، وتسبى نساؤهم فقال له النبي ﷺ: (حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات)، فهذا حكم لا مرد له بحال من الأحوال.
والحكم الثاني هو: الحكم الشرعي، ولا يكون إلا فيما يحبه الله.
إذًا: الفرق بينه وبين الكوني أن الحكم الكوني يقع فيما يحبه الله وفيما لا يحبه، وأما الحكم الشرعي فيكون فيما يحبه الله جل في علاه فقط، وقد يقع وقد لا يقع، بمعنى أنه يمكن أن يقبله الناس ويمكن أن يردوه.
وقد جلى الله جل في علاه هذا الصنف بقوله ﷾: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:٦٠]، فقد أنزل الله لهم الحكم من فوق سبع سماوات وما رضوه، بل ردوه على الله جل في علاه.
فلا بد أن تعتقد اعتقادًا جازمًا أن الحكم لله جل في علاه حكم كوني وحكم شرعي، وإذا أردت أن تتعبد وتمحص النظر في هذه الصفة فلا بد لك أن تعلم أن حكم الله تعالى له شقان: شق الدنيا، وشق الآخرة، أما شق الدنيا فلابد أن تعلم أن الله حكم عدل، وأن الله جل في علاه إذا حكم بين العباد وفصل بينهم فصل بينهم بالقسط وبالعدل، فإن مقتضى حكم الله تعالى نشر العدل ومنع الظلم ونشر البر ومنع الفساد، بل كل المصالح الدنيوية والأخروية نابعة عن حكم الله الشرعي فإذا أردت أن تتعبد لله بحكمه الكوني فما اختلفت في شيء مع أحد أو تنازعت معه في شيء فلا بد عليك لزامًا أن ترجع إلى حكم الله تعالى؛ فإن الله يحب أن يرى أثر هذه الصفة عليك، فإن كنت ممن يعتقد اعتقادًا جازمًا أن أحقية الحكم لا تكون إلا لله جل في علاه، فإن تنازعت في شيء جليل أو دقيق فمرجعه إلى الله، وعليك أن تستحضر في ذلك قول الله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠]، وقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء:٥٩].
[ ١٠ / ٣ ]
أمثلة من تسليم الصحابة لحكم الله ﷿
والرجوع إلى الله ليحكم بين المرء وبين من اختلف معه -إما بكتاب الله وإما بسنة النبي ﷺ- كان واقعًا عاشه الصحابة الكرام، ولذلك كتب الله لهم القيادة والريادة والسيادة، وكان هذا الرعيل هو الذي ارتقى عند ربه لأنه طبق هذه الصفة أيما تطبيق، فهؤلاء الصحابة كانوا إذا تنازعوا فيما بينهم ردوا الأمر إلى الله وردوا الأمر لرسول الله ﷺ، عملًا واعتقادًا بأن الحكم العدل هو الله جل في علاه، وأن الحكم كله لله لا يرجع للقبائل ولا للقوانين الوضعية، ولا يرجع إلى شيء عدا الله جل في علاه.
فعندما حدثت المشاحة بين أبي بكر وعمر رّدا هذا النزاع إلى رسول الله ﷺ، وهما مقران في نفسيهما بأن الله حكم عدل، ولا بد من التسليم لحكمه؛ عملًا بقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦]، وعملًا بقول الله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥].
فيا أخي الكريم! هل جلست مع نفسك عندما تنازعت مع إخوانك؟ فإن الشيطان الذي يئس أن يعبد في جزيرة العرب لم ييئس أن يحرش بين الإخوة المسلمين الملتزمين بدين الله جل في علاه، فهل عندما حدث التنازع رددت نفسك إلى ربك جل في علاه؟ هل رددت نفسك إلى رسول الله ﷺ؟ هل عملت وتعبدت لربك بصفة الحكم لله جل في علاه؟ إن فعلت ذلك فأنت من السعداء، فأنت الذي اصطفاك الله جل في علاه؛ لتعتقد هذا الاعتقاد الصحيح، بل وتترجمه حياة واقعة كما فعله الصحابة الذين أنزل الله عدالتهم من فوق سبع سماوات، فهذا أبو بكر حدثت بينه وبين عمر مشاحة، فاشتد أبو بكر على عمر؛ لأنه كان فيه حدة على رقة قلبه، ثم تراجع فذهب إلى عمر يستسمح، فـ عمر أبى على أبي بكر ﵁ وأرضاه، فقال: يفصل بيننا رسول الله ﷺ، أو كتاب الله وسنة النبي ﷺ، فهو يستحضر أن الحكم الصحيح الذي سينفذ على أبي بكر وعلى عمر ويكون على رأس أبي بكر ويكون على رأس عمر هو حكم الله جل في علاه، كما قال جل وعلا: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، فذهب أبو بكر متنازعًا مع عمر إلى رسول الله ﷺ، فعندما رآه رسول الله وهو حاسر عن ركبته، قال النبي ﷺ: (إن صاحبكم قد غامر)، فلما كشف له عن حقيقة الأمر وجاء عمر تمعر وجه رسول الله ﷺ.
وبادئ ذي بدء قد يقول الإنسان: كيف يستعدي أبو بكر رسول الله على عمر وهو الذي أخطأ في حق عمر، فيمكن للأغرار الأغمار الذين لا ينظرون بعمق النظر أن يقولوا ذلك، لكن النبي ﷺ بين أن سابقة أبي بكر، وأن فضل أبي بكر يسبق عمر بمراحل، فـ عمر نفسه كان يقول: ليتني شعرة في صدر أبي بكر ﵁ وأرضاه! فأراد النبي ﷺ أن يفصل في النزاع، فانظروا كيف التسليم، ولذلك من أروع ما قال ابن القيم في هذه الآية: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، قال: الإيمان لا يوجد إلا بثلاث خصال: الأولى: أن يحكم الله ورسوله في النزاع، فإن حكّم غير الله وغير الرسول فليس بمؤمن.
والثانية: ألا يجد في نفسه حرجًا؛ فإن وجد في نفسه حرجًا بعدما سمع حكم الله وحكم الرسول فليس بمؤمن.
الثالثة: أن يسلم تسليمًا، فإن لم يجد من نفسه التسليم لحكم الله وحكم رسوله فليس بمؤمن.
فانظروا إلى الصحابة كيف كانوا يطبقون هذه الصفة، فلما دخل عمر تمعر وجه النبي ﷺ وفصل في النزاع فقال: (هلّا تركتم لي صاحبي؟! قلتم: كذب، وقال: صدق، وواساني بأهله وماله، سدوا عني كل خوخة إلا خوخة أبي بكر)، فرضي عمر بحكم رسول الله ﷺ، ورضي الصحابة بحكم رسول الله ﷺ وسلموا تسليمًا، قال الراوي: فما رؤي أبو بكر ﵁ وأرضاه حزينًا أبدًا، كان يشتد على من يشتد عليه ويقول: يغفر الله لك يا أبا بكر.
وقد حدث أن أبا بكر اشتد على بعض الأنصار ثم قال له: اقتص مني، فقال الأنصاري: يغفر الله لك يا أبا بكر! ولم يرد عليه، تسليمًا لحكم رسول الله؛ ولأنه علم مكانة أبي بكر ﵁ وأرضاه، فقال له: اقتص مني وإلا استعديت عليك رسول الله، فقال بعض الأنصار: هو يشتد عليك ويستعدي عليك رسول الله؟ والله لنذهبن معك عند رسول الله ولنستعدين رسول الله عليه، فقال لهم الأنصاري: اصمتوا، لعل أبا بكر يسمعكم فيغضب، فيغضب رسول الله لغضب صاحبه، فيغضب الله لغضب رسوله فيهلك صاحبكم.
انظروا إلى التسليم وإلى فصل النزاع من رسول الله ﷺ عندما فصل القضية، فـ أبو بكر لا يقال له إلا: يغفر الله لك، أبو بكر لا بد أن يوضع على الرءوس، أبو بكر هو الإمام والقدوة ولذلك يقول النبي ﷺ في مرض موته: (ائتوني بكتاب حتى لا يقول قائل)، يعني: حتى لا يقول قائل: أنا أحق بها، ثم قال رسول الله ﷺ: (لا، يأبى الله ويأبى المؤمنون إلا أبا بكر).
ثم رجع رسول الله ﷺ إلى حكم الله عندما أراد أن يكتب الخليفة، ورجع إلى حكم الله الكوني؛ لأنه ركن إلى أن الله جل وعلا لا بد أن يمكن لـ أبي بكر رضي الله وأرضاه، وهذا هو الذي حدث، فقد مكن الله لـ أبي بكر ﵁ وأرضاه.
ومن أروع الأمثلة في ذلك ما حدث لـ بلال وأبي ذر لما تنازعا وحدث الشجار بينهما، ونحن نقول: حصل ذلك وهم صحابة رسول الله لأنهم بشر، والنبي ﷺ يقول: (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولأتى بقوم يذنبون ثم يستغفرون فيغفر لهم)، فالناس جبلوا على الوقع في الخطأ، لكن الله جل وعلا يتداركهم برحمته فيتوبون إليه.
فنظر أبو ذر إلى بلال فقال: يا ابن السوداء! عيره بأمه؛ لأنه من الحبشة، فهذه مشاحة حدثت بين أبي ذر وبين بلال، فرأى بلال أن يرد الحكم لرسول الله؛ لقول الله ﷿: «إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لله» [الأنعام:٥٧]، وهو إذا رد الحكم إلى رسول الله فقد رده إلى الله؛ لأن رسول الله لا يحكم إلا بحكم الله وبوحي منه، فذهب بلال فاشتكى إلى رسول الله ﷺ، ففصل النبي ﷺ في النزاع بين صحابته فقال: (يا أبا ذر! قلت له: يا ابن السوداء؟ عيرته بأمه؟! إنك امرؤ فيك جاهلية)، فرضي أبو ذر بحكم النبي ﷺ، ولم يجد غضاضة في قلبه، وسلم تسليمًا، فجاء إلى محفل من الصحابة وفيهم بلال ﵁ وأرضاه فتقدم إلى بلال فوضع خده على التراب، ثم قال لـ بلال: والله! لا أرفع خدي عن التراب حتى تطأ خدي! هكذا يسلم لرسول الله ﷺ القائل: (إنك امرؤ فيك جاهلية)، فقال: أرد ذلك بالتواضع لأخي في الله، عملًا بقول الله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٥٤].
فانظروا إلى جميل صنيعهم عندما يتعبدون لله بصفة الحكم.
وهناك قصة طريفة جاءت أيضًا في أمر التسليم تبين أن أمر التسليم لحكم الله وحكم الرسول هو مكمن الإيمان، وإن كان السند ضعيفًا، لكن يستأنس بها: فقد جاء منافق ويهودي يتحاكمان إلى رسول الله ﷺ، فالنبي ﷺ بعدما نظر في دعوى الخصمين، حكم لليهودي؛ لأن ديننا حكم عدل، ورسولنا حكم عدل، فحكم لليهودي، فلم يرض المنافق بحكم رسول الله، فقال: لا أرضى، نذهب إلى أبي بكر، فذهبوا إلى أبي بكر، فـ أبو بكر بعدما نظر إلى دعوى الخصمين حكم لليهودي، وهو لم يعلم أن رسول الله ﷺ قد حكم لليهودي؛ لأن الدين واحد، فقال: لا أرضى إلا بحكم عمر، فذهبا إلى عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه، فقال عمر: أحكم بينكما رسول الله؟ قالا: نعم، قال اليهودي: فلم يرض بحكم رسول الله، قال: ولم يرض؟ قال: نعم، فقال لليهودي: ترضى بحكمي؟ قال: أرضى بحكمك، ثم قال للمنافق: ترضى بحكمي؟ قال: أرضى بحكمك، قال: انتظروني هنيهة، فدخل فاستل سيفه، ثم خرج فقطع رقبة المنافق.
لأن الله تعالى يقول: «وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا» [النساء:٦٥]، فلما لم يوجد التسليم لرسول الله ﷺ من هذا المنافق كان هذا دليلًا على عدم الإيمان في القلب، ولهذا قطع عمر رأسه.
[ ١٠ / ٤ ]
حكم الله ﷿ بين عباده يوم القيامة
أما الحكم الأخروي: فما منا من أحد إلا يعلم أن الله سيحكم بين العباد بعدما يكلم كل إنسان منا، كما قال ﵊: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أمامه فلا يرى إلا النار، فيقول: هلكت هلكت، فيقول الله تعالى: عبدي! تذكر ذنب كذا؟ فيقول: نعم.
فيقول: عبدي! تذكر ذنب كذا؟ فيقول: اللهم نعم.
عبدي! تذكر ذنب كذا؟ فيقول: اللهم نعم.
ثم يقول: قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم).
ثم لا يمكن لأحد كتب الله له الجنة أن يمر على الصراط إلى بعد التنظيف؛ لأن الله أبى أن تدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، فيقفون على الصراط فيبدأ التحاكم إلى الله جل في علاه، كما في مسند أحمد بسند صحيح من حديث عائشة عن النبي ﷺ أنه قال: (لله ثلاثة دواوين: ديوان لا يغفره أبدًا، وديوان لا يتركه أبدًا، وديوان هو في مشيئة الله جل في علاه)، أما الديوان الذي في مشيئة الله فهو ديوان الذنوب، وقد قال فيه الله جل في علاه: (عبدي قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم)، وأما الديوان الثاني الذي لا يغفره الله أبدًا فديوان الشرك، فالذين يشركون بالله فإنهم لا يغفر لهم أبدًا، بل يخلدون في نار جهنم، وأما الديوان الثالث فديوان لا يتركه أبدًا -وهو محل الشاهد في صفة التحاكم- الفصل بين العباد، فإن الله لا يترك عبدًا انتهك حرمة أخيه، أو عبدًا سرق أو زنى أو اغتاب، فوصل ضرره لأخيه إلا وسيقتص منه يوم القيامة، فعن علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ رأى شاتين تنتطحان، فقال: (تعلم لم يتناطحان؟ قال: الله ورسوله أعلم.
فقال له: الله يعلم وسيقتص منهما)، والنبي ﷺ في أكثر من حديث يبين أن الشاة الجلحاء ستقتص من الشاة القرناء يوم القيامة، فالله يجعل هذا القصاص بين الحيوانات، فما بالكم بما بين البشر؟ وأجلى من ذلك ما بينه النبي ﷺ بقوله: (من كان له عند أخيه مظلمة فليتحلل منه اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم، إنما هي الحسنات والسيئات)، وأول القصاص يوم القيامة ما يكون في الدماء، فإن الله يقضي بين العباد في الدماء، ثم بعد ذلك في المظالم، سواء أكانت السب أو الغيبة أو كانت الزنا، أو الطعن في العرض، أو غير ذلك من المظالم، فإن الله حكم عدل وسيفصل بين العباد.
ولذلك ترى الصحابي الجليل أبا هريرة عندما روى الروايات عن رسول الله، قالوا: أكثر علينا أبو هريرة، فقال: قالوا: أكثر علينا أبو هريرة والله الموعد، يعني: موعدنا عند الله أي: أن الله جل وعلا سيفصل في هذا، وينظر هل أكثرت على رسول الله كذبًا أم كان هذا بالحق وبالسماع من رسول الله ﷺ، وعند الله تجتمع الخصوم.
هذا الحكم الثاني وهو حكم الآخرة.
فإن علمت ذلك فلا بد أن تتحرى ترك كل غيبة وكل نميمة، فقد قال ﵊: (لا يدخل الجنة نمام)، فكل انتهاك لعرض أخ من إخوانك لا بد أن ترد هذا الانتهاك، ولست معابًا أن تخطئ؛ لأن كل البشر يخطئون، لكن العيب كل العيب أن تصر على خطئك، وتتكبر ولا ترجع عن خطئك، ولذلك بين الله جل في علاه أن الذين لا يصرون على الأخطاء هم المغفور لهم فقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥]، فليس المهم ألا يقع الإنسان في الخطيئة فإننا كلنا نخطئ في حق الله، لكن أفضل الناس وخيرهم التواب، كما قال النبي ﷺ: (كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون).
نسأل الله جل في علاه أن يجعلنا جميعًا من التوابين، وعلينا أن نستحضر دائمًا في قلوبنا حكم الله بيننا، فإن كانت مظلمة بيننا وبين إخواننا فعلينا أن نردها في هذه الدنيا؛ لأن الله الموعد، وعنده تجتمع الخصوم.
[ ١٠ / ٥ ]
إثبات صفة الحكمة لله تعالى
أما صفة الحكمة فهي أيضًا صفة ذاتية لا تنفك عن الله جل في علاه، وهذه الصفة ثبتت لله بالكتاب وبالسنة وبإجماع أهل السنة والجماعة، أما بالكتاب فإن الله جل في علاه يقول: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٨]، والحكيم اسم من أسماء الله الحسنى يتضمن صفة الحكمة، وقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة:٢٢٨]، أيضًا يتضمن صفة الحكمة.
ومن السنة: عن سعد بن أبي وقاص ﵁ وأرضاه أنه كان يقول: سبحان الله رب العالمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم، رواه مسلم.
فالشاهد هنا: أنه ذكر اسم الله الحكيم الذي يتضمن صفة كمال، وهي صفة الحكمة، وصفة الحكمة أجمل ما يقال في معناها: أن الله جل وعلا يضع الشيء في موضعه، أما الظلمة فلا يضعون الشيء في موضعه، والذين ليسوا بحكماء لا يضعون الشيء في موضعه، لكن الله من حكمته سبحانه جل في علاه أنه يضع الشيء في موضعه.
[ ١٠ / ٦ ]
كيفية التعبد لله بصفة الحكمة
وحكمة الله جل في علاه لا بد أن يستحضرها المرء في قلبه، يرى عطاء الله فيقول: إن الله لم يعط فلانًا إلا لحكمة، ولم يمنع فلانًا إلا لحكمة، ولم يرفع أقوامًا ولم يخفض آخرين إلا لحكمة، ولم ينزع الملك من أقوام إلا لحكمة، ولم يؤت الملك لأقوام آخرين إلا لحكمة جليلة عظيمة، ألم تر أن الله قد عاب على من رد حكمة الله فيقول مثلًا: خلقت وما أدري لم خلقت؟! ومن أين جئت؟! أو أين أذهب؟! قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، واللام هنا تسمى لام تعليل، ويعبدون من الأفعال الخمسة التي تنصب بحذف النون، وهذه النون ليست نون الرفع وإنما هي نون الوقاية.
إذًا: الحكمة من الخلق العبادة، وكأن الله جل وعلا يقول: خلقت الجن والإنس لأمر جسيم، ولأمر مهم، وهو العبادة، ولذلك استنبط العلماء من هذه الآية أن الجن مكلفون: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦].
فحكمة الله لا بد أن ينظر لها العبد حتى يتعبد بها لله جل في علاه، ولا بد أن ينظر في أفعال الله ويقول: ما كانت إلا عن حكمة لله جل في علاه.
فهذا يصل بالمرء إلى ألا يتسخط على أقدار الله، كما فعل عمر بن عبد العزيز ﵁ وأرضاه؛ فإنه كان يصبح وهمه في قدر الله، ولذا قال: ما فرحت بشيء إلا فرحت بقدر الله جل في علاه.
والعبد إذا استحضر حكمة الله فيما يتنزل عليه من بلايا ومن سراء وضراء ومن خير وشر فإنه ستكون عاقبته إلى خير، وقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له)، فنصف الدين الشكر، والنصف الآخر هو الصبر، ويتقلب العبد بين الشكر والصبر بنظره إلى حكمة الله، وأن أفعال الله خاضعة لحكمته جل في علاه، فينظر إلى الواقع الذي عاشه الصحابة وهم يطبقون هذه الصفة تعبدًا لله، فانظر هل خلق الله ﷿ إبليس عبثًا أم لحكمة؟ إن الله ما خلق إبليس إلا لحكمة، وهذا يمنع المرء من أن يتسخط على أقدار الله، ويمنع المرء من الشطط ومن الغلو والجفاء، فلا يكون في باب القدر قدريًا ولا جبريًا، والفرق بين الجبرية والقدرية: أن القدرية قالوا: العبد يخلق فعل نفسه، والله لا يخلق فعل العبد، وأما الجبرية فقالوا: إن الله خلق أفعال العباد جميعًا، وكلهم مطيع وعاصٍ تحت أمر الله جل في علاه، فكلهم مجبورون لله جل في علاه، ولذلك قالوا: ألقاه في اليم مكتوفًا وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء فإذا تعبد العبد بصفة الحكمة لله جل في علاه لن يوافق القدرية، ولا الجبرية؛ لأنه سيرى أن الله جل وعلا حكيم عليم، هدى أناسًا بحكمته وعلمه وفضله، وأضل أناسًا بحكمته وعلمه وعدله، كما قال ﷿: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ [النحل:٣٦].
[ ١٠ / ٧ ]
تجلي حكمة الله ﷿ في خلق إبليس وإنظاره إلى يوم القيامة
إإن المرء إذا نظر إلى حكمة الله جل في علاه لم يتعجب كيف ترك الله إبليس يؤذي المؤمنين، ويحرش بينهم، ويعيث في الأرض فسادًا، فيقول: إن الله ما تركه يفعل ذلك إلا لحكمة، وإن الله لم يخلق شرًا محضًا، فإبليس رد أمر الله، واستكبر في الأرض، ثم أقسم ليغوين عباده أجمعين، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٣٤]، ثم رد حكمة الله، ورد الأمر فقال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢]، وقال: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا * أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٦١ - ٦٢]، وقال: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٢]، وقال: ﴿أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ﴾ [الأعراف:١٤ - ١٥] ﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [الحجر:٣٨]، فأنظره الله جل في علاه واستجاب دعاءه، ولله في ذلك حكم وأسرار، من هذه الحكم: أولًا: أن الله جل في علاه ترك إبليس حتى يأخذ حقه في الدنيا بأسرها، ثم مآله إلى النار مع أعوانه؛ لأن الله حكم عدل.
ثانيًا -وهو أمر مهم جدًا-: أن الله جل وعلا من حكمته ألا يسوي بين المختلفين، فالقاعدة التي استنبطها العلماء من كتاب الله ومن فعل النبي تقول: إن الشرع يسوي بين المتماثلين، ويفرق بين المختلفين، ومن أظلم الظلم أن تسوي بين المختلفين وتفرق بين المتساويين، أرأيت الله جل وعلا كيف يقول: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص:٢٨]، فالمؤمنون ليسوا كالفجار؛ فإن الله يميز بين الخبيث والطيب، والله جل في علاه جعل إبليس يحرش ويغوي ويوسوس حتى يميز بين الصف المؤمن والصف المنافق، ويميز بين المؤمنين والكافرين، والله جل في علاه تمت حكمته بترك إبليس حتى يعلو من يستحق العلو، وينخفض من يستحق السفول، فإن إبليس إذا وسوس للمؤمن الصادق المصدق بربه جل في علاه فإنه يرد كيده، ويرد هواه وشهوته لله جل في علاه، ويترك الدنيا بأسرها، كما قالها علي بن أبي طالب ﵁: طلقتك ثلاثًا.
ولما صارع عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه الشيطان قال رسول الله ﷺ: (يا عمر! لو سلكت فجًا لسلك الشيطان فجًا غير الفج الذي تسلكه)، لأنه ترك هواه وشهوته خلفه ظهريًا، وكان بالمرصاد لوسوسة الشيطان.
فالله جل في علاه فعل ذلك ليميز بين الخبيث والطيب وبين المؤمن التقي والفاجر الفاسد، وبين المؤمن الصادق وبين الكافر المنافق، فهذا تمييز من الله جل في علاه، فهذه حكمة من الحكم لإبقاء الله لإبليس في الحياة الدنيا، بل وأبقاه أيضًا ليزيد الكافرين عذابًا؛ لأنه لما أغوى الكافرين كانوا أعوانه، فكانوا في المآل سواءً حكمة من الله ﷾ وعدلًا.
[ ١٠ / ٨ ]
حكمة الله في تسليط أهل الكفر والعصيان على أهل الحق والإيمان
وإن من حكمة الله البالغة إنزال البلاء بالمسلمين، وجعل الله الأيام دول بين أهل الإيمان وأهل الكفر والعصيان، وبين أنصار الرحمن وبين أنصار الشيطان؟ لمَ تكون الدولة للكافرين على المسلمين؟ فهذه أيضًا حكمة عظيمة خصوصًا في هذه الأوقات العصيبة التي نرى فيها أن الكافرين قد أحاطوا بالمؤمنين إحاطة ليس بعدها إحاطة، وأنهم تداعوا عليهم كما تتداعى الأكلة على قصعتها كما قال النبي ﷺ، فإنك إذا نظرت لذلك صدقت بالله، وآمنت بالله، وازداد يقينك في الله، وقلت: ما وعدنا الله ورسوله إلا صدقًا وحقًا، فإن الله فعل ذلك لحكمة عظيمة، فجعل الأيام دولًا لأمرين اثنين: الأمر أول: ليستشعر المؤمنون نعمة النصر ونعمة الخير التي أذاقهم الله إياها بعدما كانوا في تشرذم، وبعدما كانوا قلة، وبعدما كانوا مستضعفين، فنصرهم الله ببدر، وأراهم الخير كله، وأعلى كلمتهم على أهل الكفر، فشكروا الله جل في علاه، فتم لهم نصف الدين، ثم في غزوة أحد أنزل الله البلاء عليهم لينظروا في البأساء فيصبروا فيما كما شكروا في السراء، فتكتمل لهم درجات الإيمان.
الأمر الثاني: ليتخذ الله جل في علاه من هؤلاء الذين اصطفاهم أناسًا ليكونوا في منزلة لا يرتقي أحد إليها هذه المنزلة منزلة الشهداء لا تكون إلا بالهزيمة لأهل الإيمان، فلما هزم المؤمنون أظهر الله جل في علاه لنا شجاعة أنس بن النضر وبسالة طلحة وإقدام أبي دجانة ﵃، فهؤلاء الصناديد نبراس لنا وقدوة، ولم يظهروا إلا بعد هزيمة المسلمين في غزوة أحد، فإن أنس بن النضر اتخذه الله شهيدًا بعدما ظهرت شجاعته، ودخل متقدمًا على الكافرين حتى قتل، وما عرف إلا ببنانه.
وطلحة بن عبيد الله فدى رسول الله ﷺ بنفسه حتى إنه كان يقول: نحري دون نحرك يا رسول الله! لا ترفع رأسك فيأتيك سهم من سهام القوم.
ثم بعدما دق سيفه أخذ يدافع عن رسول الله بيده حتى شلت، فقال النبي ﷺ: (دونكم صاحبكم فقد أوجب) يعني: أوجب الجنة.
وأبو دجانة عندما ربط العصابة الحمراء قالوا: ربط أبو دجانة عصابة الموت، فأخذ النبي ﷺ خشبة، فهزها فأصبحت سيفًا، فقال: (من يأخذ هذا السيف بحقه؟ فقام الزبير، فقال: اجلس، فقام الزبير مرة ثانية، فقال: اجلس، حتى قام أبو دجانة فأعطاه رسول الله ﷺ)، فهذه من الحكم البليغة التي ظهرت في غزوة واحدة؛ فإنه ظهر فيها كيف أن رسول الله ﷺ يهزم وكاد يقتل، وجعل الله الدولة لأهل الكفر، كل ذلك لحكمة عظيمة هي اتخاذ هؤلاء الشهداء، وإظهار صدق الصادقين، ومنهم أنس وطلحة وعمرو بن الجموح، وهو من صناديد أهل الإسلام أيضًا؛ فإنه وكان أعرج، والله جل في علاه قد رفع الحرج عن الأعمى والأعرج، فجاء إلى النبي ﷺ وقال له: (يا رسول الله إني أريد هذه الغزوة.
فقال له النبي ﷺ: قد رفع الله عنك الحرج، فقال: والذي نفسي بيده! لأطأن بعرجتي هذه الجنة! فعلم النبي ﷺ صدقه فقال لأولاده: اتركوه وما يشتهي، لعل الله يرزقه ما يريد)، فما كان له أن يكون شهيدًا في هذه المعركة إلا بما حدث في غزوة أحد، فاتخذ الله الشهداء، وأظهر الصادقين.
ومن حكم الله العظيمة التي أظهرها لنا في هذه الغزوة حكمة أعلى وأعظم، وهي أن في معصية رسول الله الهلاك، فالرماة عندما قال لهم النبي ﷺ: (إذا رأيتم الطير تتخطفنا فلا تنزلوا عن مواقعكم)، فعصوا أمر رسول الله بعدما رأوا أن القوة والغلبة للمسلمين، وقالوا: الغنيمة الغنيمة.
ونسوا أو تناسوا أو غفلوا أو تغافلوا أمر رسول الله، فقال أميرهم: إن رسول الله أمركم ألا تنزلوا عن مواقعكم.
فنزلوا عن مواقعهم فحدث ما حدث من الهزيمة، فحذار! من معصية رسول الله، وحذار أن يأتيكم أمر من رسول الله فتردوه، وحذار! أن تعلموا أن الله أو رسول الله حكم بحكم فتردوه، فلكم في هزيمة المؤمنين في غزوة أحد عبرة؛ فإن السبب الرئيسي هو عصيان أوامر رسول الله ﷺ.
وهناك حكم بليغة عظيمة لممحص النظر في أفعال الله جل في علاه تظهر له ويتعبد بها لله جل في علاه.
[ ١٠ / ٩ ]
كيفية التعبد لله بصفة الحكمة
[ ١٠ / ١٠ ]