لقد بين الله ﷿ في كتابه وعلى لسان رسوله أن له أسماءً تسمى بها، وصفاتٍ اتصف بها، وينبغي على المسلم أن يتعبد لله ﷿ بهذه الأسماء والصفات، إثباتًا لها، وعملًا بمعانيها ومقتضياتها، متقربًا بذلك لله جل وعلا، وإن الإيمان بهذه الأسماء والصفات ينمي في حس المسلم ووجدانه معاني الإيمان، ويحيي في قلبه معاني التعظيم لله جل وعلا، وتقديره حق قدره.
[ ٨ / ١ ]
إثبات صفتي السمع والبصر لله ﷾
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فأن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي النبي ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فإن العلم بصفات الله جل في علاه هو أرقى العلوم وأشرفها، إذ العلم علمان: علم بالله، وعلم بأمره ونهيه.
وأشرف العلوم على الإطلاق العلم بالله؛ لأنه ليس أحد أشرف من الله جل في علاه.
والعلم بالله ينقسم إلى علم بربوبيته جل في علاه، وعلم بأسماء الله الحسنى، وعلم بصفات الله جل في علاه.
لا يوصف الله جل وعلا بالبركة؛ لأنه لم يرد دليل من الكتاب ولا من السنة يصف الله بالبركة، وصفات الله جل في علاه توقيفية، يعني: لا نعرفها إلا عن طريق السماع من الكتاب أو السنة.
فلا نصف الله بالبركة، وإنما نصفه جل في علاه بتبارك؛ لأن الدليل جاء فقصرها على الله جل في علاه، فلا يصح أن نصف الله بالبركة.
السمع والبصر صفتان ثبتتا لله جل في علاه بالكتاب والسنة وإجماع أهل السنة، فقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:٥٨] فأثبت لنفسه السمع والبصر، والنبي ﷺ عندما تكلم عن سمع الله وبصر الله وضع أصبعه على عينه، ووضع الأصبع الآخر على أذنه، كما في السنن أنه فعله أبو هريرة ورفع الفعل للنبي ﷺ.
وفي الصحيحين عن أبي موسى لما كانوا في سفر وعلت أصواتهم فقال: لهم النبي ﷺ: (أربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصمًا ولا غائبًا، وإنما تدعون سميعًا بصيرًا).
فأثبت لربه السمع والبصر.
وقد اتفق أهل السنة والجماعة على أن لله سمعًا وبصرًا.
[ ٨ / ٢ ]
المعنى اللغوي لصفتي السمع والبصر المثبت لله تعالى
والسمع في اللغة معلوم، فبه تسمع كل المسموعات، فلا يخفى على الله جل في علاه شيء، فيسمع حتى دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، ويرى مخ سوقها.
فيسمع نبضات القلب، بل يسمع همسات الصدر، ويسمع كل شيء، السر والنجوى، سبحانه جل في علاه.
وأما معنى البصر: فهو أن الله أحاط بكل شيئًا بصرًا، ولذلك جاء عن النبي ﷺ كما في الصحيحين أنه قال: (حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه)، سبحات يعني: أنوار وبهاء وعظمة وجمال وجهه، قوله: (ما انتهى إليه بصره من خلقه) أي: أن بصر الله ينتهي إلى جميع خلقه، فقد أحاط بكل شيء سمعًا وبصرًا.
وفي البخاري أن عائشة ﵂ وأرضاها قالت: سبحان الذي وسع سمعه الأصوات كلها، إن المرأة تشتكي لرسول الله وأنا في ناحية المنزل يخفى عليّ بعض حديثها، فأنزل الله جل في علاه: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة:١]، أي: من فوق سبع سماوات، سبحانه جل في علاه.
[ ٨ / ٣ ]
أنواع سمع الله ﷿
وسمع الله أنواع: سمع تهديد وسمع تسديد ونصرة وتأييد، وسمع قرب وإجابة ورفع بلوى وكشف كربة.
أما سمع التهديد: فكما بين الله جل في علاه لهؤلاء الذين يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله، ثم بعد ذلك يدبرون الأمر بالليل، فأخبرهم أنه يسمع سرهم ونجواهم، وهذا السماع وهذه الآية تدل على أن الله يهددهم، فكأنه يقول لهم: أسمع سركم وأسمع نجواكم، فإن سمعت ما تقولون أو ما تسرون في قلوبكم أو في أماكنكم فإن قوتي ستصل إليكم؛ لأني سمعت ما تدبرون وإني قاصم لظهوركم.
سبحانه جل في علاه.
فهذا سمع تهديد، يهدد به الله جل في علاه القلوب المريضة، ولترجف وترجع.
وسمع تأييد ونصرة وتسديد.
اللهم اسمعنا بنصرك يا رب العالمين، وبتسديدك وتأييدك.
وهذا السمع هو الذي قاله الله جل في علاه لموسى عندما قال: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ [طه:٤٥]، وذلك لما ذهب إلى فرعون الطاغية الأكبر الأرعن، الذي تجرأ وقال: إني أنا ربكم الأعلى.
فخاف موسى وخاف على هارون، ﴿قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ [طه:٤٥]، فبين الله أنه يسمعهم، وهذا السمع يستلزم التأييد والنصرة، بل ويستلزم أن الله جل وعلا يعصمه من كل شر.
﴿قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]، أي: أسمع ما يحاك بكم، وما يدار بينكم، وكل ما يدور معكم، وإني منجيكم من هؤلاء الكفرة الظلمة، ﴿قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦].
فسمعه سمع قرب، وإجابة وكشف الكربة، ورفع البلوى.
فيسمع لعبده في السحر في الليل وهو متخشع متذلل متضرع لربه جل في علاه، فيسمع دعواه ويستجيب له.
ولذلك ينزل ربنا نزولًا يليق بجلاله وكماله إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الآخر، فيسمع دعاء عبده، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ [البقرة:١٨٦]، وخاصة إذا قدمت بين دعاءك دعاء الثناء؛ لأن الدعاء: دعاء عبادة ودعاء مسألة، فإذا قدمت دعاء الثناء والعبادة فإن الله يقبل المسألة.
ومثال ذلك: إذا كنت في الصلاة فقرأت: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، فقد أثنيت على الله بالربوبية، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة:٣ - ٥]، وهذا ثناء على الله بأنه المتفرد وحده بالعبادة، فقد أثنيت على ربك أولًا بدعاء الثناء وهو دعاء العبادة، بل هو كل العبادة.
وقد احتج له شيخ الإسلام بحديث فيه ضعف، ولكن أستأنس به ومعناه صحيح، وهو حديث: (من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته فوق ما أعطي السائلين) فإذا أديت دعاء العبادة، ثم ركعت فعظمت الرب قائلًا: سبحان ربي العظيم، فقد قدمت ثناء العبادة أو دعاء العبادة، فدعاء المسألة لك مستجاب، فقل: سمع الله لمن حمده، يعني: أن الله سمع ثناءك وحمدك وشكرك، وسيجازيك عن ذلك خيرًا، فهذا السماع: سماع قرب واستجابة للدعاء.
وقد سمع الله قلب زكريا قبل صوته عندما خفق قلبه على الولد، وقد بلغ من الكبر عتيًا، وامرأته عاقر.
ولما دخل على مريم ﵂ وأرضاها ورأى عندها فاكهة الصيف في الشتاء والعكس بالعكس، نادى ربه، وهو يعلم بأن الله سميع قريب مجيب سيسمع دعاءه فقال: ﴿قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران:٣٨].
وهذا هو سمع الإجابة، فكانت المكافئة: ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ [مريم:٧].
ولو تدبر أحدنا ذلك وعلمه، واجتهد حتى يتعلم هذه الصفات، وكيف يتعبد بها لربه جل في علاه؟ ومن السمع القريب: سمع الله جل في علاه في كشف الكربة ورفع البلوى، كما في قصة المرأة التي جاءت تشتكي زوجها، وأنه بعدما كبر سنه، وبعد العشرة الطويلة، قال لها: أنت علي كظهر أمي.
وكان هذا في الجاهلية يعد طلاقًا، فكأنه بت طلاقها.
فذهبت تشتكي ذلك لرسول الله ﷺ، كيف يفعل بها ذلك؟ وهي حجرها له وطاء، وهي معه في هذا العمر المديد.
فأنزل الله جل في علاه كاشفًا عنها الكربة ويقول: لا ليس بطلاق، إنما هذا منكر من القول وزور، فقال تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة:١] فسمع شكوى المرأة، وكشف كربتها، ولم يجعل هذا طلاقًا بائنًا أبدًا، بل جعله منكرًا من القول، ثم عاقب هذا القائل بأنه لا بد أن يكفر عن هذا القول الذي هو منكر وزور، فكشف الكربة، ورفع البلوى.
وهذه الصفة قد تعبد بها يونس ﵇، عندما كان في ظلماتٍ ثلاث: ظلمة البحر، وظلمة الحوت، وظلمة الليل، فقال: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧]، وفي بعض هذه الآثار وإن كانت إسرائيليات لا تصدق ولا تكذب، أن الملائكة كانوا يقولون: سمعنا قولًا، أو سمعنا كلامًا أو صوتًا من مكان بعيد، ولكنه عند الله قريب ولذلك سمع الله له، فجاد عليه جودًا لم يجده على نبي مثله.
[ ٨ / ٤ ]
أثر الإيمان بصفتي السمع والبصر
ومن اعتقد في الله هذا الاعتقاد، وعلم أن ربه يسمع وأنه يرى، فإنه سيخشى أن يقع في ما يضره عند الله جل في علاه.
وفيما ينزل قدره عند ربه جل في علاه، وإذا علم أن الله يسمعه سمع التسديد والنصرة والتأييد فلا يقع في بلوى، أو في مأزق، أو في أي أمر من الأمور إلا ويستحضر ذلك، ويعلم أن الله مؤيده، وأن الله غالب على أمره.
وإذا علم أن الله يراه فإنه سيستحي أن ينظر إلى ما يغضب الله جل في علاه.
[ ٨ / ٥ ]
ثبوت صفة الجمال لله ﷾ والأدلة عليها
الجمال صفة ثوبتية لله جل في علاه، والجمال جمال في كل شيء، فهو جمال في الذات المقدسة، وجمال في الصفات الكاملة والأسماء الحسنى، جمالًا في الأفعال، وجمال في الصنعة أي: الأفعال، وجمال في كل شيء.
وهذه الصفة ثابتة لله جل في علاه بالكتاب والسنة وإجماع أهل السنة.
أما الأدلة من الكتاب: فقوله تعالى ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة:٧].
وقوله تعالى ﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة:١١٧]، هذه الدلالات تدل على جمال الله جل في علاه.
وأما الأدلة من السنة: فما جاء صريحًا في سنن الترمذي بسندٍ صحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله جميل يحب الجمال).
فالله جميل، لن يتنعم المرء مثل تنعمه برؤية وجه الله جل وعلا، ورؤية جماله سبحانه.
[ ٨ / ٦ ]
جمال المخلوقات من جمال الخالق
انظروا إلى بديع خلق الله، وإلى جمال القمر ليلة البدر، فإنه لا يوجد مثله في الجمال والبهاء والعظمة والجلال.
فهذا القمر جلاله وبهاؤه وعظمته وجماله من جلال وبهاء وعظمة وجمال الله جل في علاه.
وانظروا إلى النجوم التي تبرق وتتلألأ في السماء الصافية، هداية للحائرين، ومتعة للناظرين، فإنها من خلق الله جل في علاه، ومن صنعه سبحانه.
وانظروا إلى الثمار الزاهية شموا شذى عطرها، فإنها من الله جل في علاه.
فكل جمال تراه في هذه المخلوقات في هذه الدنيا ما هو إلا نابع من جمال الله جل في علاه.
بل لو اجتمع جمال السموات والأرض وما فيهن ما كان إلا سراجًا مقارنة بنور جمال الله جل في علاه.
[ ٨ / ٧ ]
التعبد لله بصفة الجمال
لقد تعبد رسول الله ﷺ بصفة الجمال عندما قال: (أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به السموات والأرض)، فإن الأرض تشرق بنور ربها، حين يأتي الرب جل في علاه ليفصل بين العباد، وهذا من جمال الله جل في علاه، والله جميل يحب كل جميل.
ويتعبد المرء بهذا الجمال كالآتي: التدبر في جمال الله جل في علاه، فينظر في جمال أسماء الله الحسنى.
فمثلًا ينظر في اسم اللطيف، وينظر في جمال اللطف، وأن الله يخفي الأشياء في أضدادها، فيخفي النصر داخل الهزيمة، ويخفي العزة داخل الذل، ويخفي الحرية داخل الرق، سبحانه جل في علاه، وينتزع النصر من أنياب القهر والظلم، فهذا من جمال أسماء الله جل في علاه.
وينظر إلى اسم الله الحنان المنان، سبحانه جل في علاه.
فينظر كيف يمن على عباده بأرزاق شتى، أرزاق القلوب، وأرزاق الأبدان.
وينظر إلى جمال صفات الله، فينظر إلى صفة الضحك، فإن الله يضحك، وهذا من جماله، وإذا كان الله يضحك فإنا لن نعدم من رب يضحك خيرًا، كما قال الصحابي الفقيه الأريب اللبيب عندما قال للنبي ﷺ: (أيضحك ربنا؟ قال: يضحك ربكم.
قال: ما يضحك الرب؟ قال: أن تدخل بغير درع، أن تدخل مقبلًا غير مدبر، فتضرب في عنقك، أو تضرب في صدرك، فيضحك الرب من ذلك)، وإن كانت الأسانيد مختلف فيها، لكن لها شواهد تدل على الصحة.
فقال الرجل: لن نعدم من رب يضحك خيرًا.
ويضحك سبحانه إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر، ويأخذ الأول بيد الآخر ويدخلان الجنة.
وينظر إلى جمال صنيع الله، وفعل الله مع نبيه ﷺ، فبعد أن كان ذليلًا طريدًا مكن له في المدينة، وأسس الدولة الإسلامية، وكشف عنه الكربة، وسلاه بعد هذا الكرب الشديد الذي نزل عليه.
وأخذه إلى رحلة لم يأخذ نبيًا لها أبدًا، إلا رسول الله ﷺ، تشريفًا وتعظيمًا وتوقيرًا لمكان هذا النبي، وذلك في الإسراء والمعراج، وهذا من جمال فعل الله جل وعلا مع نبيه.
وينظر إلى جمال فعل الله جل في علاه مع عباده، فقد فتح لهم باب التوبة إلى أن تطلع الشمس من مغربها، فهذا من جميل صنيع الله جل في علاه.
[ ٨ / ٨ ]
أثر الإيمان بصفة الجمال
إذا تدبر العبد ذلك قال: إن الله جميل في صفاته، وجميل في ذاته، وجميل في أفعاله.
فلا بد أن أكون جميلًا في ذاتي، جميلًا في أفعالي، جميلًا في صفاتي، فإن الله جميل يحب كل جميل، فلا بد أن تكون جميلًا في ثوبك، وفي نعلك وفي هيئتك، وفي وقارك وفي تعظيمك لسنة النبي ﷺ، فإن هذا جمال يحبه الله جل في علاه.
وإن أنعم الله عليك نعمة فعليك أن تري الله جل في علاه أثر هذه النعمة عليك، فإن الله يحب أن يرى أثر النعمة على عبده، فهذه من الجمال والبهاء.
أيضًا لا بد أن تكون جميلًا في الظاهر والباطن، وهذا هو الأهم عند الله.
فجمال الباطن بنقاء السريرة، فلا غل ولا حسد ولا حقد ولا مشاحنة ولا هجر لا مهاجرة، ولا عمل يسيء إليك أمام ربك جل في علاه.
فلا بد من نقاء السريرة، وهذا هو الجمال المطلوب، وعليك أن تعود نفسك عليه، حتى يرضى عنك ربك، وحتى يرى أثر جماله في جمال قلبك، ونقاء سريرتك، وانظر إلى جميل فعل صحابة رسول الله عندما تأثروا بجمال الله ظاهرًا وباطنًا، ففي مسند أحمد أنه ﷺ قال: (يخرج عليكم اليوم رجل من أهل الجنة، وفي اليوم الثاني قال: يخرج عليكم رجل من أهل الجنة) وخرج نفس الرجل، وفي اليوم الثالث خرج نفس الرجل، فذهب عبد الله بن عمرو بن العاص ينظر في هذا الرجل وفي شدة عبادته، فما رأى كثير صلاة ولا صيام، فقال: ما الذي جعلك تبشر بالجنة وأنت تمشي على قدميك بين الناس؟! قال: ما أبيت وفي صدري لأحد شيئًا.
وهذه هي التي رفعته عند ربه جل في علاه، وصاحب البطاقة ما ارتقى وما نجا إلا بنقاء السريرة ونقاء القلب، وأرقى من ذلك ما اصطفى الله جل في علاه محمدًا إلا بنقاء قلبه، فعن ابن مسعود ﵁ وأرضاه موقوف عليه بسند صحيح كما في سنن الدارمي وغيره أنه قال: إن الله نظر في القلوب فوجد أنقاها قلب رسول الله ﷺ فاختاره نبيًا وخليلًا، ثم نظر إلى القلوب فوجد أتقاها وأنقاها قلوب صحابة رسول الله ﷺ.
فما اختار الله نبيه إلا بالقلب، وما اختار أصحابه إلا بالقلب، وهذا من جميل صنيع الصحابة، وصنيع الله مع صحابة رسول الله ﷺ، فإن مقياس الناس عند رب الناس هي: القلوب.
جمال الظاهر عند الصحابة قد طبقوه واقعًا يعيشون به، فهذا أبو بكر ﵁ وأرضاه نال ما نال، ولو أن أحدنا نال ما ناله أبو بكر لأعمل السيف في الذي أوصل له هذا الضر الشديد، فإن عائشة وهي الصديقة بنت الصديق لما تكلم عنها مسطح الذي كان ينفق عليه أبو بكر ﵁ وأرضاه ومسطح ابن خالته، وكان من المهاجرين، ومن المؤمنين الصالحين، ﵁ وأرضاه، ولكنه زل زلة شديدة عندما تكلم وخاض مع الخائضين في حادثة الإفك، فقال أبو بكر: والله لأمنعن النفقة عن مسطح، فالله جل في علاه عظم قدره بجميل فعله فقال: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ [النور:٢٢].
فهنيئًا لك يا أبا بكر، فإن الله كلمك بالتعظيم لجميل صنعك، وانظروا إلى جميل فعله مع رسول الله، قال النبي ﷺ: (وواساني بماله وأهله).
فقد أنفق ماله كله في الدعوة إلى الله جل في علاه، فكان يحوط رسول الله ﷺ برعايته وبماله كله، فشكر الله له ذلك وعظمه، وتكلم معه مخاطبًا إياه بالتعظيم فقال: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى﴾ [النور:٢٢] إلى آخر الآيات، فقال: عدت في النفقة.
فلما قال الله: ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور:٢٢] قال: أحب أن يغفر الله لي.
فهذا جمال صنيع أبي بكر.
وانظروا إلى ما هو أروع من ذلك، أو ما هو في روعة هذا، وهو فعل سعد بن الربيع ﵁ وأرضاه، وجميل صنعه وجمال فعله بالتعبد لله بالجمال، فعندما آخى النبي ﷺ بينه وبين عبد الرحمن بن عوف قال له: أما البيت فبيني وبينك نصفين، فنقسمه بيني وبينك نصفين، وأما أزواجي فانظر إلى واحدة منهن أعجبتك أطلقها وتتزوجها.
ومع أن العرب معروف عنهم الغيرة الشديدة، إلا أنه يقول: أيتهما أعجبتك أطلقها فتتزوجها.
وأرقى جمالًا من ذلك ما فعل عبد الرحمن بن عوف، فإنه قال له: بارك الله لك في أهلك ومالك، فدلني على السوق.
نسأل الله جل في علاه أن يجعلنا ممن يتعبد بصفات الله، وجمال الله، وبهاء الله، وجلال الله، وعظمة الله.
[ ٨ / ٩ ]
ثبوت صفة الجود لله ﷾
صفة الجود: صفة ثبوتية ذاتية؛ لأن جود الله عم كل البشر، ووصل جوده إلى الحيوانات العجماوات، ووصل إلى أكفر أهل الأرض، فقد وصل جود الله إلى فرعون، فعافاه وأعطاه ومنحه وملكه، وهو مع ذلك يكفر برب العالمين جل في علاه.
وقد ثبتت هذه الصفة لله بالكتاب وبالسنة وبإجماع أهل السنة.
أما بالكتاب فالدليل عليها وإن كانت المسألة فيها رقائق بعيدة عن المنهجية، لكن قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤]، وهي تدل على الجود.
وأما من السنة فما جاء في السنن: (إن الله جواد يحب الجود).
وهذه الصفة العظيمة الجليلة معناها: كثرة العطاء، وكثرة الفضل والإحسان.
وقد قال ابن القيم في نونيته: وهو الجواد فجوده عم الوجود جميعه بالفضل والإحسان وهو الجواد فلا يخيب سائله ولو أنه من أمة الكفران فجود الله عم الدنيا بأسرها، كما قال النبي ﷺ: (يمين الله ملأى سحاء الليل والنهار، لا تغيظها نفقة، أرأيتم ما انفق الله منذ خلق السموات والأرض؟ ما نقص ذلك مما عند الله شيئًا).
[ ٨ / ١٠ ]
أنواع الجود
جود الله نوعان: جود معنوي، وجود حسي، فأما الجود الحسي فهو معلوم، وهو الجود بالأرزاق، فمن جود الله إرسال الرياح رحمةً وبشرى بين يدي رحمته، ومن جوده إنبات الثمر للحيوانات قبل البشر، ومن جوده جل في علاه إعطاء المحروم ما يريد وما يتمنى.
ومن جود الله جل في علاه المعنوي: الجود على أوليائه بالإيمان وبالعلم وبالنفقة القلبية، فيكشف عن القلوب، فيجود عليها بحبه وبإيمانه.
ومن جوده أنار لك طريق الهداية، ومن جوده أرسل محمدًا رحمةً للعالمين سبحانه جل في علاه، وأعجب من ذلك: أن جوده بلغ الكافر كما بلغ المسلم، كما في الصحيحين عن النبي ﷺ قال: (لا أحد أصبر على أذى من الله، يسبونه، ويدعون له الولد، وهو يعافيهم ويرزقهم!).
وهذا من جود الله جل في علاه.
فالجود عم كل المخلوقات، فقد عم المسلم والكافر، وعم البر والفاجر، وعم حتى الحيوانات العجماوات.
[ ٨ / ١١ ]
التعبد لله بصفة الجود
لا بد أن يتأثر العبد بجود الله جل في علاه، فيكون جوادًا كريمًا، منفقًا مما عنده، شطر ما عنده، أو ربع ما عنده، أو ثلث ما عنده، أو خمس ما عنده، تقربًا لله جل في علاه، حتى يكتب عند الله جوادًا.
ويجود بالعلم، والجود بالعلم فوق الجود بالمال، وأرقى منه بمراتب، والدليل على ذلك من السنة هو ما جاء عن ابن عباس ﵁ وأرضاه قال: (كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يدارسه جبريل القرآن).
[ ٨ / ١٢ ]