من أنواع العبادات القلبية ما يستقر في القلوب من معاني أسماء الله وصفاته، وبقدر ما يكون منها في القلب يُرى أثر ذلك على الجوارح، فمن علم أن له ربًا في العلو ويشهد ذلك بقلبه يشتاق للعلو بقوله وفعله وهمته، ومن يوقن بغنى الرب يستغني به عن كل عبد.
[ ٦ / ١ ]
أدلة صفة العلو من الكتاب والسنة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فما زلنا مع صفات الله وأثر هذه الصفات في إيمان العبد، ووقفنا مع صفة العلو، والعلو صفة لله جل في علاه ثبتت بالكتاب والسنة وإجماع أهل السنة، وهي صفة ذاتية لله جل وعلا.
أما الكتاب: فقد قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥].
وقال جل في علاه: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١].
وقال جل في علاه: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد:٩].
أما السنة: ففي الصحيحين عن النبي ﷺ قال: (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء) وقال أيضًا: (يأتيني الوحي من السماء)، وقوله: (من في السماء)، يقصد على السماء كما في حديث ابن مسعود: (والله فوق العرش، ويعلم ما أنتم عليه).
أي: فوق السماء، فالفوقية منا للذات، فمعنى: (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء) يعني: من فوق السماء، ومن جهة اللغة نحن نقول: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك:١٥]، وهل أحد شق الأرض ومشى داخلها؟ لا، إنما (في) هنا بمعنى: العلو.
إذًا: ثبت بالكتاب وبالسنة أن الله جل وعلا فوق عرشه، وهو بائن من خلقه، يعلم ما هم عليه، وعلو الله المراد به: علو الذات، وعلو الشأن، وعلو القهر.
ومعنى علو الذات: أن الله جل في علاه قد استوى على العرش، وهو علي بذاته جل في علاه قريب في علوه كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وقال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد:٤]، وكما مضى في حديث ابن مسعود: (وهو فوق العرش، ويعلم ما أنتم عليه).
فهذا علو الذات.
وأيضًا: النبي ﷺ أقر إيمان هذه الجارية لما اعتقدت الاعتقاد الصحيح بأن ربها في السماء، يعني: فوق العرش، وذلك لما سألها النبي ﷺ: (أين الله؟ قالت: في السماء -يعني: فوق السماء- ثم قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله ﷺ، فقال: إعتقها فإنها مؤمنة).
ومعنى علو الشأن: أنه ﷾ لا ينفع ذا الجد منه الجد، وهو الذي تقدست أسماؤه الحسنى، والذي نزه عن كل نقص وعيب جل في علاه، فله الكمال المطلق، والجمال المطلق، والعظمة المطلقة، والقدرة المطلقة سبحانه، وهو الصمد الذي له السؤدد المطلق سبحانه جل في علاه، وله الكمال في كل شيء، فهذا هو علو الشأن.
ومعنى علو القهر: أنه قهر كل المخلوقات، قال الله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٩٣]، أي: عبدًا مقهورًا ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ [مريم:٩٤].
ولما خلق الله السماوات والأرض قال لهما: ﴿اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١]، فهذا أيضًا قهر، والله جل في علاه غالب على أمره، وإذا أراد شيئًا قال له: كن فيكون، حيث قال الله جل في علاه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، وقال: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل:١].
وقال جل في علاه حاكيًا عن يوسف، وتمكين الله له، وأن هذا من قدرة الله، ومن قهر الله للعباد: ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١].
والله جل في علاه كتب على نفسه النصرة لأهل الإيمان والتقى والدين من الأنبياء والشهداء والصالحين والمرسلين، فهذا العلو هو علو القهر وعلو الغلبة، وأوضح من ذلك استدلالًا من كتاب الله جل في علاه: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ [الأنعام:٦١]، وقوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٨].
وهذه التقسيمات مستقاة من الآيات ومن أحاديث النبي ﷺ.
[ ٦ / ٢ ]
تعبد المسلم لربه بصفة العلو
كيف يتعبد المرء لربه بهذه الصفة العظيمة؟ إن الله علي في ذاته، علي في شأنه، علي في قهره جل في علاه، والله جل في علاه إذ يتصف بهذه الصفة الجليلة يحب أن يرى أثر هذه الصفة خلقًا من أخلاقيات عباده، فلا بد للعبد أن يتخلق بأثر هذه الصفة، فتعلو همته لله جل في علاه، ينظر إلى فوق العرش فيعلم أن ربه فوق العرش يدبر أمر عباده، فتعلو همته فلا ينام ليله إلا وروحه تصعد عند العرش، فتطوف حوله، وتعلو همته إلى أن يجاور رب العرش سبحانه جل في علاه في الفردوس الأعلى.
[ ٦ / ٣ ]
تعبد الصحابة لربهم بصفة العلو
هذا الرجل مولى رسول الله ﷺ عندما وضع الوضوء للنبي ﷺ فقال له رسول الله ﷺ شاكرًا لفعله: (سلني، قال: أسألك مرافقتك في الجنة؟)، علو في الهمة، فهو يعلم أن ربه علي، وعلو الهمة صفة يحبها الله جل في علاه كما في الحديث الصحيح: (إن الله يحب معالي الأمور ويبغض أسافل الأمور)، فلذلك قال مولى رسول الله ﷺ: (أسألك مرافقتك في الجنة)، همة عالية فما رضي بالدون، وما قال: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ﴾ [آل عمران:١٨٥]، فكثير من العامة الآن تسمعهم يقولون: نحن لا نريد إلا أن نزحزح عنها فقط، فقط نمر على الصراط، هذه همة دنيا، والهمة الدنيا يمكن أن ينزل بها إلى نار جهنم، بل قال بعضهم: انظر إلى السماء حتى تصل إلى المأذنة؛ فلا بد لك من همة عالية، ولا ترضى بغير الفردوس بديلًا، وإن علمت أنك ربما تقع وتتجرأ وتتعدى وتفعل الحرام فاعلم بأن ربك سيوفقك للتوبة، واعلم أنك ما زلت على هدف غالٍ ثمين، هذا الهدف بعلو همتك ستصل إليه.
كانت همة الصحابة رضوان الله عليهم في الفردوس الأعلى، عمرو بن الجموح ذلك الرجل الذي ابتلاه الله جل في علاه بعرجة في رجله وقد رفع عنه الحرج، كما قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [الفتح:١٧]، عندما جاء إلى النبي ﷺ بين له أن الله قد رفع عنك الحرج، لكن له همة عالية لا ترضى بالدون، لا يرضى أن يكون تحت الناس، ولا أن يكون في الخط الخلفي، قال: والذي نفسي بيده لأطأن بعرجتي هذه الجنة، نسأل الله جل في علاه أن يجعله في الفردوس الأعلى مع النبي ﷺ، هذه هي الهمة العالية في طلب الله جل في علاه.
[ ٦ / ٤ ]
تعبد الرسل لربهم بصفة العلو
لقد ضرب لنا موسى ﵇ أروع الأمثلة في الهمة العالية، فبعد أن سمع صوت الله جل في علاه عندما ناداه ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١٤٣]، هذا من الهمة العالية؛ لأنه بعدما سمع هذا الصوت قال: إن كان هذا الجمال في الصوت فجمال الرؤيا أمتع وأشد وقعًا علي، فطلب بهمة عالية رؤية الله جل في علاه، لكن حال بينه وبين هذه الرؤية أن الله كتب ألا يراه أحدٌ في هذه الدنيا، ونطمع بإذن الله أن نرى ربنا في الآخرة، وكل بحسب إيمانه.
همة عالية أيضًا في الدعوة إلى الله جل في علاه، أما رأيتم رسول الله ﷺ ومكة بأسرها تتكالب عليه وتتهمه بالجنون، وتضرب عليه بيد من حديد وتريد قتله، بل بعد ذلك ساومته ليتملك مكة بأسرها من مال وجاه ونساء وهو لا يرضى بذلك، ولا يرضى بدعوة الله جل في علاه بديلًا.
إن رسول الله ﷺ صاحب الهمة العالية ما مات حتى أتم الله عليه الشريعة بأكملها، وبلغ عن الله أتم البلاغ، وبين عن الله أتم البيان ﷺ، ولذلك قال في خطبة الوداع: (خذوا عني مناسككم، خذوا عني مناسككم، ثم قال: أترون أني قد بلغت؟ ثم جعل يرفع إصبعه يشير بها إلى السماء ثم ينكسها ويقول: اللهم فاشهد، اللهم فاشهد).
همة عالية في نشر دعوة الله جل في علاه، رجل واحد غير الله به الدنيا بأسرها مشارقها ومغاربها، وأصبح هذا الدين هو الدين الحق، وأصبحت الأمة الإسلامية هي أفضل أمة عند الله وكفى بهذه الأمة فخرًا وشرفًا وعلوًا أن النبي ﷺ يقول: (نحن الآخرون السابقون)، أي: سابقون في القضاء، وعبور الصراط، ودخول الجنة.
وصحابة رسول الله ﷺ تعلموا الهمة العالية من رسول الله ﷺ متأثرين بصفة العلو لله جل في علاه، فأنا أهيب بنفسي وبإخوتي أن يتمثلوا بذلك ويتدبروا هذه الصفة، فإن كان طالبًا للعلم فعليه أن يكون من أصحاب الهمم العالية، إن كان حافظًا للقرآن فعليه أن يكون من أصحاب الهمم العالية، إن كان داعيًا إلى الله فعليه أن يكون من أصحاب الهمم العالية.
[ ٦ / ٥ ]
تعبد العلماء لربهم بصفة العلو
انظروا إلى ابن حزم ﵀، فهو أروع الأمثلة التي ضربت من العلماء، فقد بين لنا الهمة العالية كيف تصنع بصاحبها، دائمًا كانوا يقولون: التعليم في الصغر كالنقش على الحجر، يعني: الذي يتعلم في الكبر تعليمه لا ينفع، لكنه كسر كل هذه القواعد: دخل المسجد بعد العصر، فأراد أن يصلي فقام له رجل فقال: يا جاهل! تصلي بعد العصر، وفي حديث ابن عباس ﵁ وأرضاه: أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة بعد العصر، فاستحيا ابن حزم وجلس فلم يصل، فجاء في الجمعة التي بعدها فصادف أنه دخل بعد العصر المسجد فجلس ولم يصل؛ لأن الرجل قد علمه بأن النبي نهى عن ذلك، فلما أراد أن يجلس قال له طالب علم: أيها الجاهل! تدخل المسجد وتجلس ولا تصلي؟ أما علمت أن رسول الله ﷺ يقول: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)؟ فقام حزينًا بعدما صلى، فذهب وقال: والله لا أتركن العلم بحال.
انظروا إلى الهمة العالية، وكيف يتعبد لله بصفة العلو، فعكف على الكتب ثلاث سنوات فقام يطيح بالرءوس، ويشتد على الشافعي وأبي حنيفة والترمذي ويقول: ما سمعت بهذا الرجل، وما ترك أحدًا إلا وبرى قلمه عليه، والعلماء يقولون: ابن حزم فحل من فحول أهل العلم لولا لسانه؛ لأن لسانه كان سيفًا بتارًا، فـ ابن حزم قال فيه العز بن عبد السلام: والله ما أبحت لنفسي أن أفتي حتى اقتنيت المغني لـ ابن قدامة، والمحلى لـ ابن حزم، ومن قرأ في المحلى علم غزارة علم الرجل حديثًا وفقهًا وأصولًا ولغة، فهو بحر في كل شيء لا ساحل له، ولولا قلمه لنال القبول العام عند العلماء، لكن انظر الهمة العالية التي جعلته في ثلاث سنوات يناطح الجبال، بل قام يناطح الجوزاء نفسها.
مسدد بن مسرهد كان رجلًا محدثًا بارعًا ثقة ثبتًا، دار على محدثي الكوفة والبصرة وذهب إلى العراق فما ترك محدثًا إلا واستمع منه، يعاني كل ذلك ليسمع من ابن حنبل، ثم هو في كل طريق يسأل عن الإمام أحمد بن حنبل فدخل على يحيى بن معين فقال: أسألك، قال: سل، قال: أسألك عن فلان؟ قال: ثقة، قال: أسألك عن فلان؟ قال: ضعيف، قال: أسألك عن فلان؟ قال: ثقة، قال: أسألك عن أحمد بن حنبل توثقه؟ فتعجب يحيى بن معين وقال: وأحمد بن حنبل يسأل عنه؟ أحمد بن حنبل إمام الدنيا بأسرها، أحمد لا يسأل عنه، ويذهب مسدد يسمع الحديث من أحمد بن حنبل وكان ثقة ثبتًا، بل أحمد رئيسه وشيخه وسيده، فظهر لنا علو همته في الطلب لما ذهب من بغداد ماشيًا يريد صنعاء حتى يسمع الحديث من عبد الرزاق، وكان يستأجر نفسه، ويذهب يحمل عن الناس المتاع حتى يأخذ الأجرة فيطعم ويشرب حتى يذهب إلى عبد الرزاق ويسمع منه.
البخاري من بخارى ما ترك بلدة فيها محدث إلا وذهب إليها، فذهب إلى أحمد وجلس إليه وأخذ منه الحديث، ثم ترك بغداد، وأراد أن يرحل إلى مصر، فقال له أحمد: أين تذهب؟ أتتركنا وتترك الحديث؟ لكن البخاري قد أخذ منه ما يريد وذهب باحثًا عن علو الإسناد، فما ترك بلدة فيها محدث إلا وذهب إليها.
أبو داود جاء من سجستان في خراسان وذهب إلى الإمام أحمد، وله كتاب مشهور جدًا يربطه بالإمام أحمد اسمه: سؤالات أبي داود، كان يسأل الإمام دائمًا ويكتب عنه، فجمع الله بينهم فأخذ منه، ثم ذهب يدور على البلاد حتى يكتب الحديث.
انظروا إلى الهمة العالية من هؤلاء الأفذاذ أساطين أهل العلم، تأثروا بصفة العلو لله جل في علاه، وأصبحت الهمة كالجبال عالية لا ترضى بالدون، كما قامت هند وسط الناس وأخذت بـ معاوية وقالت: إن ابني هذا سيد وسيعانق الجوزاء، وصدقت حينما قالت ذلك؛ فإن معاوية ﵁ وأرضاه صاحب همة عالية لا يرضى بالدون؛ ولذلك أصبح أميرًا للمؤمنين ﵁ وأرضاه، فالصحابة رضوان الله عليهم وأرضاهم كانوا يتعبدون لله جل في علاه بهذه الصفة العظيمة الجليلة، وأيضًا من التابعين وتابعي التابعين.
نسأل الله جل في علاه أن يجعلنا من أصحاب الهمم العالية.
لكن أنا أشتكي إلى ربي من نفسي ثم الله أعلم بإخوتي؛ لأني أعصي الله، والمعصية شوك في طريق طالب العلم، وجبل هدام على طالب العلم، فالله جل في علاه يغفر لنا زلاتنا، ويسير بنا على هذا الطريق الذي هو أشرف وأنبل الطرق، ويجعل همتنا همة عالية حتى ننظر في وجهه الكريم ونحن في الفردوس الأعلى لا ننزل عنها درجة أبدًا، وإن كانت الأعمال لا تصل بنا، لكن كفانا بحديث النبي ﷺ: (المرء مع من أحب)، ونحن جميعًا بفضل الله نحب الله، ونحب رسوله، ونحب أبا بكر وعمر جمع الله بيننا وبينهم في الفردوس الأعلى.
[ ٦ / ٦ ]
صفة الغنى لله تعالى
[ ٦ / ٧ ]
الفرق بين الصفات الذاتية والصفات الخبرية
الفرق بين الصفات الذاتية والصفات الخبرية: أن الصفات الذاتية لا تنفك عن الله، فهي أزلية أبدية اتصف الله بها في كل الأحايين، أما الخبرية فتأخذ حكم الذاتية في أنها لا تنفك عن الله، ولا تستطيع أن تقول: لله عين، عندما قال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤]، وليس له عين في الوقت الآخر حاشا لله، فلا يصح أن تنفك عن الله فلله عين أزلًا وأبدًا، لكن الفرق بينهما: أن العقل يمكن أن يثبت الذاتية، ولا يمكن أن يثبت الخبرية.
ولو أدخلنا العقل في الصفة الخبرية لدخلنا في التكييف.
مثال الصفة الذاتية: العزة، نقول: محمد عزيز، فإذا وصفت محمدًا بالعزة فهذه صفة كمال، فمن باب أولى أن أصف رب محمد بالعزة.
إذًا: العقل أثبت الصفة الذاتية أثبتها عن طريق قياس الأولى، وأقول: محمد كريم، فمحمد موصوف بالكرم، وهذه صفة كمال، إذًا: فرب محمد أولى أن يتصف بها، إذًا: العقل يمكن أن يثبتها.
أما مثال الصفة الخبرية فأقول: محمد له عين، هل العين كمال في محمد فأصف الله بها؟ لا؛ لأني لا أعلم، فقد لا تكون صفة كمال في الإنسان وهي نقص في حق الله تعالى؛ لأن الإنسان يحتاج إلى العين ليرى لعجزه ونقصه، ولا تستطيع أن تقول: هذا في حق الله جل في علاه، هذا الفارق؛ لأن الصفة الخبرية لا يمكن أن تصف الله بها إلا أن تأتيك عن طريق الخبر، أما صفة الكمال الذاتية فمن الممكن أن تصف الله بها عن طريق قياس الأولى.
[ ٦ / ٨ ]
أدلة صفة الغنى في الكتاب والسنة
الغنى صفة ذاتية لله جل في علاه ثبتت بالكتاب وبالسنة، أما بالكتاب: فقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥].
وفي مسلم عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال: (بينما أيوب يغتسل ذكر لنا أنه سقط عليه قيراط من ذهب، فأخذ يحثو من الذهب، فأوحى الله إليه: ألم أكن قد أغنيتك؟ قال: لا غنى لي عن بركتك).
وجه الشاهد: (أغنيتك)، ووجه الدلالة: أن هذا فعل من أفعال الله، وهو أثر صفة من صفاته وهي صفة الغنّى.
إذًا: صفة الغنى لله جل في علاه ذاتية الأصل، وتكون فعلية بالنسبة لفعل الرب تجاه العبد، فهو يغني من يشاء ويفقر من يشاء جل في علاه.
[ ٦ / ٩ ]
تعبد المسلم لربه بصفة الغنى
إذا قلت ذلك فاعلم أخي الكريم -حتى تيأس من هذه الدنيا- أن الغنى والفقر بيد الله جل في علاه؛ ولذلك كان النبي ﵊ دائمًا يقول: (ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه ملء السموات والأرض لا ينفع ذا الجد منك الجد)، أي: لا ينفع الغنى منك الغنى، فإن الغنى كله بيد الله جل في علاه، فإن أردت أن تتعبد بهذه الصفة لله جل في علاه فاعلم أن ربك غني عنك وعن أمثالك وعن الدنيا بأسرها، إن مدحت ربك بسجودك وتذللك وتضرعك فلا تمن على الله بذلك؛ لأنه غني عن عبادتك وتضرعك ومدحك وثنائك عليه، ألم تسمع قول الله تعالى في الحديث القدسي: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك مما عندي شيئًا)؟ وأيضًا يقول النبي ﷺ في الصحيح: (قال الله جل في علاه: يا عبادي! إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، ولن تبلغوا ضري فتضروني)، فالغنى المطلق لله جل في علاه.
إن علمت ذلك -أخي الكريم- فاستغن بربك، ولا تسألن أحدًا إلا إذا أباح لك الله السؤال في المسألة التي تحل لك؛ لأنك إذا استغنيت بربك فالدنيا بأسرها ستكون معك، ومن كان الله معه فمن عليه؟! ومن انشغل بالله كفاه الله كل الهموم، كما في بعض الآثار: (خلقتك للعبادة فلا تلعب، وقسمت لك الرزق فلا تتعب).
قال ابن القيم: خلق الكون كله لك، وخلقك أنت له؛ فإن استغنيت به جعل الكون كله في يديك.
أنت موظف عند ربك جل في علاه، فانشغل بهذه الوظيفة يكفيك الله كل الهموم.
ولذلك كان شيخ الإسلام ابن تيمية يبين غناه بربه جل في علاه، ويدحض الشبه التي تأتيه فيقول: ماذا يريد أعدائي بي؟ انظروا إلى الغنى بالله جل في علاه، ما سأل أميرًا ولا وزيرًا ولا حاكمًا ولا غير ذلك، قال: ما يفعل أعدائي بي؟ ما يظن أعدائي بي؟ ما يريدون مني، أنا جنتي في قلبي، ولذلك قلنا بأن الرزق رزقان: رزق قلوب، ورزق أبدان، وأفضل ما يكون من رزق القلوب هو غنى القلب، وأن تستغني بربك في قلبك، قال: إن قتلوني فقتلي شهادة، وإن سجنوني فسجني خلوة بربي، وإن نفوني فنفيي سياحة.
فهو يستغني بربه عن كل شيء.
[ ٦ / ١٠ ]