٩٩٥ - قرأتُ على زينب ابنة الكمال، عن سبط السِّلَفي إجازةً، أنبأنا جدي، أبنا أحمد ابن أُشْتَة، أبنا أبو الحسن الخَرْجاني، أبنا أبو أحمد العسّال الحافظ، ثنا أبو إسحاق إبراهيم بن السِّنْدي بن علي، ثنا أبو يحيى محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، ثنا أبي، ثنا ورقاء بن عُمَر اليَشْكُري، حدثني أبو طَيْبَة (^١)، عن كُرْز بن وَبَرَة، عن نُعَيْم بن أبي هند، عن أبي عُبَيْدَة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ:
"يقوم الناسُ لرب العالمين أربعين سنة شاخصةً أبصارُهم، ينتظرون فصلَ القضاء، حتى يلجمهم العرق من شدة الكَرْب، ثم ينزل الله ﵎، وتجثو الأمم، وينادي منادٍ: أيّها الناس، ألا ترضون من ربكم الذي خلقكم ورزقكم وأمركم بعبادته ثم تولَّيتُم غيرَه، أن يخلّي بينكم وبين ما تولّيتُم، يتولى كلُّ إنسان ما تولّى؟ قال: فينادي أَنْ من كان يتولى شيئًا فليلزمه، قال: فينطلق من كان تولّى حجرًا أو عودًا أو دابةً يطلبه، قال: فتفرّ منهم آلهتُهم ويقولون: ما شعرنا بهذا، ويتبع اليهود والنصارى وأصحاب الملائكة والشياطين الذين أمروهم بعبادتهم، فيسوقونهم حتى يُلقُوهم في جهنم، ويبقى أهلُ الإسلام، فيقول لهم ربهم: ما لكم ذهب الناس وبقيتم؟ قالوا: إن لنا ربًّا لم نره بعد، يقول: وهل تعرفونه إذا رأيتموه؟ فيقولون: بيننا وبينه آيةٌ إذا رأيناه عرفناه، فيكشف عن ساقٍ فيخرون
_________________
(١) عيسى بن سليمان الدارمي.
[ ٢ / ٥٤٦ ]
له سجدًا، ويبقى قوم ظهورهم كصياصي البقر يريدون أن يسجدوا فلم تلين (^١) ظهورُهم، ويرفعون رؤوسهم ونورُهم بين أيديهم وبأيمانهم، فمنهم من يكون نورُه مثل الجبل بين يديه، ثم يكون دون ذلك، على قدر أعمالهم، فيمشون وهو بين أيديهم يتبعونه، فيقول أهلُ النفاق: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾، ومضى النور بين أيديهم، وبقي أثره مثلُ حدّ السيف دحضَ مزلّة، ﴿قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣)﴾ [الحديد] إلى آخر الآية، فيكون أسرُعهم خروجًا أفضلَهم عملًا، الزمرة الأولى مثل البرق وطرف العين، ثم الزمرة التي تليها مثل الريح ومثل الطير، ثم مثل جري الفرس، ثم سعيًا، ثم رملًا، ثم مشيًا، حتى يكون آخرهم خروجًا من يجثو على ركبتيه وقدميه وكفّيه ومرفقيه ووجهه، ويجرّ إحدى رجليه ويعلِّق الأخرى، تصيب النارُ من شعره وجلده حتى يرى أنه لن يخرج، حتى إذا خرج ونظر إليها قال: تبارك الله الذي أنجاني منكِ، ما أُعْطِيَ أحد من الأولين والآخرين ما أعطاني ربي، أنجاني منك بعد ما رأيتُ منكِ ما رأيت، ثم ينطلق إلى غدير بين يدي باب الجنة، فيغتسل منه ويشرب، فيعود عليه مثل ألوان الجنة وريحهم، ثم ينطلق إليها وقد سبقه الناس، فينظر إلى أدنى منزل منها على بابها ما لم يخطر على باله أن يرى مثله، ولم يره أحدٌ من أهل الدنيا، فتَتُوق نفسه إليه فيقول: رب أنزلني هذا المنزل، فيقول: تسألني منزلًا من الجنة وقد أنجيتك مما رأيت؟ يقول: إنما أريد أن تجعل بيني وبين النار هذا الباب فلا أراها ولا أسمع حسيسها، يقول: لعلك إن أعطيتك هذا تسألني غيرَه؟ يقول: لا وعزّتك لا أبغي غيره، ولا آخذ أفضل منه، يقول:
_________________
(١) كذا بخط المصنف.
[ ٢ / ٥٤٧ ]
فهو لك، فإذا أتاه نظر بين يديه إلى منزلٍ كأنما كان منزله معه حُلُمًا، فلا يملك نفسه حتى ينطلق إليه يقول: رب أنزلني هذا المنزل، قال: فيقول: فأين ما أقسمت لي عليه؟ يقول: هذا المنزل الواحد، يقول: فلعلّك تسألني غيرَه، يقول: لا وعزّتك لا أسألك غيرَه، يقول: فهو لك، فإذا أتاه رأى منزلًا كأنما كانت تلك عنده حُلُمًا، فيقوم مبهوتًا لا يستطيع أن يتكلّم، فيقول: مالك لا تسألني؟ فيقول: رب قد سألتك حتى خشيتُ منعَك، وقد أقسمتُ لك حتى استحييت، فيقول: ما الذي ترضى؟ ولا يدري ماذا أعدّ الله لأهل الكرامة، ولم ير إلا الدنيا وملكَها، فيقول: أيرضيك أن أجمع لك الدنيا من أوّل يوم خلقتُها إلى آخر يوم أفنيتها، ثم أضعّفها لك عشرة أضعاف؟ فيقول: أتستهزئ بي وأنت ربُّ العالمين؟ فيقول: لا أستهزئ بك، ولكني قادرٌ أن أفعله".
قال بعض أصحابه (^١): لقد سمعتُك تحدّث بهذا الحديث مرارًا ما بلغتَ هذا إلا ضحكتَ، فيقول: لقد سمعتُ رسول الله يحدّث به ما بلغ هذا قط إلا ضحك حتى تبدوَ أضراسُه، فأضحكُ لضحكه، ولقد حدثني رسول الله ﷺ لضحك الله جلّ ثناؤه لقوله: "أتستهزئ بي وأنت ربُّ العالمين"، وقال: "رب ألحقني بالناس، فأُلْحِق بهم، قال: فانطلق يرفل في الجنة حتى يبدو له شيء لم يكن ما رأى معه شيئًا، فيخرّ ساجدًا، فيقول: ما لك؟ يقول: أليس هذا ربي تجلّى لي؟ فيقول: لا، ولكنه منزلك، وهو أدنى منازلك، قال: فيلقاه رجل إذا رأى وجهه وثيابه قام مبهوتًا يظنّ أنه مَلَك، فيسلم عليه، فيرد ﵇، فيقول: أنا قهرمانٌ من قهارمتك على منزل من منازلك ولك مثلي ألف قهرمان كلهم على مثل منزلي، فينطلق بين يديه إلى
_________________
(١) يعني: ابن مسعود ﵁.
[ ٢ / ٥٤٨ ]
منزله، فإذا قصرٌ من لولؤة جوفاء منها مصاريعها وسقوفها وأعْلاقُها ومفاتيحها، فإذا فتحه -ولم يفتحه قبل ذلك غيرُه- استقبله خيمةٌ من جوهرة خضراء طولها سبعون ذراعًا، لها سبعون بابًا، على كل باب منها يفضي إلى جوهرة على مثل طولها، لها سبعون بابًا ليست منها خيمة على لون صاحبتها، في كل خيمة أزواج ومناصف وأسرّة، فإذا دخلها وجد فيها حوراء عيناء عليها سبعون حلّة ليست منها حُلّة على لون صاحبتها، يرى مخَّ ساقها من وراء ثيابها، لا يعرض عنها إعراضَةً إلا ازدادت في عينه سبعين ضعفًا وازداد في عينها حُسْنَ سبعين ضعفًا، فيكون كبدها مرآته وكبده مرآتها، فإذا أشرف على ظهر القصر أشرف على مُلْكِ مائة سنة ينفذه بصره، إذا سار فيه سار في مُلك مائة سنة، لا ينتهي إلى شيء منه إلا نظر فيه أجمع، فهذا أدنى أهل الجنة منزلًا، فكيف بأفضلهم" (^١).
* * *
_________________
(١) الرواية من العظمة للعسال، فيما يبدو. وأخرجه بطوله الدارقطني في الرؤية (رقم: ١٦٠)، رواه عن ابن صاعد عن أبي يحيي المقرئ.
[ ٢ / ٥٤٩ ]