٢٤٤٥ - وقال خُشَيْشُ بنُ أَصْرَم: حدّثنا حَبّان (^٢) بن هِلال، ثنا المبارك، عن الحسن في قوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] قال: "ما تشاؤون من خيرٍ إلّا أن يشاءَه الله لكم" (^٣).
٢٤٤٦ - وذكر عبد الرحمن بنُ مَنْدَه ما ذكره نُعَيْم بنُ حمّاد: ثنا بقيّة بنُ الوليد، عن أبي بكر بنِ عبد الله، عن ضُمْرَة بنِ حبيب، عن أبي الدَّرْداء قال: قال رسول الله ﷺ:
_________________
(١) كتب المصنف: (يضل)، وهو خطأ.
(٢) بفتح الحاء. المؤتلف والمختلف (١/ ٤٢٦).
(٣) في إسناده عنعنة المبارك وهو ابن فضالة، قال في التقريب: "صدوق يدلس ويسوي".
[ ٣ / ١٣٢٧ ]
"مشيئةُ الله بين يَدَيْ الخلق، ما شاء الله كان، وما لم يشأْ لم يكن، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله، إنّه على كل شيءٍ قديرٌ" (^١).
٢٤٤٧ - قال إسحاق بن راهويه (^٢): أبنا عبد الرزّاق، ثنا مَعْمَر، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن ابن عبّاس أنّه سمع رجلًا، يقول: الشرُّ ليس بقدر، فقال ابن عبّاس: "بيننا وبين أهل القدر: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]-تلا حتى بلغ-، ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩]، -قال ابن عبّاس- والعجز والكَيْس من القدر"، قال طاووس: "ولقي إبليسُ عيسى بنَ مريم فقال له: أليس قد علمتَ أنّه لا يُصيبُك إلّا ما قُدِّر عليك؟ فأَوْفِ بذروة الجبل فتردَّ منه فانظرْ أتعيشُ أم لا، فقال عيسى: إنّ الله يقول: إنّ العبد لا ينبغي له أن يجرّبني، وما شئتُ فعلتُ"، قال: فقال الزُّهْريّ: "لقيَ إبليسُ عيسى بنَ مريم"، فذكر مثلَه وقال: "قال عيسى له: إنّ العبدَ لا يَبتلي ربَّه ولكنّ الله يَبتلي عبدَه، فخصَمَه" (^٣).
٢٤٤٨ - أخبرنا محمد ابنُ أبي الهَيْجاء ومحمد بنُ المُحِبّ، قالا: أبنا ابنُ عبد الدائم، أبنا بركات الخُشوعي، أبنا هبة الله بنُ أحمد، أنا عبد العزيز بنُ أحمد، أنا عبد الرحمن بنُ عثمان بنِ القاسم، أبنا أبو المَيْمُون عبد الرحمن بنُ عبد الله البَجَلي، أنا أبو زُرْعَة النَّصْري، حدّثني هشام، في الهَيْثَم بنُ عِمْران قال: سمعتُ عَمْرو بنَ مهاجر مَوْلَى الأنصار قال: أَقْبَلَ غَيلان -وهو مَوْلًى لآل عثمان بن عفّان- وصالح بنُ سُوَيْد إلى عُمَر بنِ
_________________
(١) إسناده ضعيف، أبو بكر بن عبد الله هو ابن أبي مريم، قال في التقريب: "ضعيف، وكان قد سُرق بيته فاختلط"، وفيه عنعنة بقية بن الوليد وهو مدلس.
(٢) مسنده (٦/ ١٤/ أرقام: ٨٢٤، ٨٢٥، ٨٢٦).
(٣) الأثر في مصنف عبد الرزاق (١١/ ١١٤ - ١١٥/ رقم: ٢٠٠٧٣)، بدون قول طاووس وما بعده. وأخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٣١٧) من طريق عبد الرزاق وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي.
[ ٣ / ١٣٢٨ ]
عبد العزيز، فلقيا مُزاحِم مولى عُمَر بنِ عبد العزيز فسألاه أن يجعلَهما في حَرَس عُمَر، فذكرهما لعُمَر، فأَدْخَلَهما عليه، فكلّمهما فسرّه رغبتَهما في ذلك، فقال: اجلِسْهما يا عَمْرو وامْنَعْهما من حمل السيف، قال عَمْرو: ففعلتُ، فبَلَغَه أنّهما ينطقان في القدر، فدعاهما فقال: أَعِلْمُ الله نافذٌ في عباده أو مُنتقض؟ قالا: بل نافذٌ يا أمير المؤمنين، قال: ففيم الكلامُ؟ فخرجا، ثم بلغه أنّهما قد أَسْرَفا فقال: ما هذا الأمر الذي تنطقان فيه؟ قالا: نقول ما قال الله ﷿ في كتابه: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١)﴾ إلى قوله: ﴿وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ١ - ٣]، ثم سكت، فقال عُمَر: اقرأ، فقرأ حتى بلغ ﴿يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ [الشّورى: ٨]، قال: كيف ترى يا ابنَ الأتانة؟! تأخذُ الفروعَ وتَدَعُ الأصولَ؟! ثم أَخْرَجَهما، فلمّا كان عند مرضه بَلَغَه أنّهما قد أَسْرَفا، فأرسل إليهما وهو مُغضَبٌ فقال: ألم يكن في عِلْم الله حين أمر إبليس بالسجود أنّه لا يسجدُ؟ قال عَمْرو: فأومأتُ إليهما برأسي: قُولا نعم، فقالا: نعم، فأمر بإخراجهما والكتابِ إلى الأجناد بخلاف ما قالا، فمات عُمَر قبل أن تنفذ تلك الكتب (^١).
٢٤٤٩ - قال أبو عُمَر الطَّلَمَنْكي: "زَعَمَت المعتزلةُ المُلْحِدَةُ أنّ الله لا يُضلُّ أحدًا، وأنّ الإضلالَ من الله تسميةٌ كما يُقال: أَكْفَرَ فلانٌ فلانًا، أي سمّاه كافرًا، أو كما يُقال: أَفْجَرَه وأَفْسَقَه، واللغةُ لا تُطلِق ذلك لهم إلّا أن يتناول توجيهَ ذلك مَنْ كان مِنْ أهل اللغة، مطابقًا لهم على مذاهبهم كمَثَل محمد بن المستنير المعروف بقُطْرُب، وأبي الحسن سعيد بن مَسْعَدَة الأَخْفَش ومَن كان مثلَهما، فقد تكلّموا في آي الأقدار في القرآن بأهوائهم، ولقد أخبرني أبو بكر محمد بنُ عليّ بنِ أحمد، قال: قال لنا أبو جعفر أحمد بنُ محمد بنِ إسماعيل النحّاس (^٢): قال أبو حاتم: وسمعتُ الأَخْفَش
_________________
(١) أخرجه أبو زرعة الدمشقي في تاريخه (١/ ٣٧١ - ٣٧٢/ رقم: ٨٠٤)، والرواية من طريقه.
(٢) انظر: إعراب القرآن (١/ ٤٢١).
[ ٣ / ١٣٢٩ ]
يَذكرُ كسرَ إنْ يحتجُّ به لأهل القدر لأنّه كان منهم، ويجعله على التقديم والتأخير، أي: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُو إنما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ، قال: ورأيتُ في مصحفٍ في المسجد الجامع قد زادوا فيه حرفًا فصار: إنَّمَا نُمْلِي لهم ليزدادوا إيمانًا، فنظر إليه يعقوب القارئ فتبيّن اللحقَ فحكَّه".
٢٤٥٠ - قال الطَّلَمَنْكي: "وقد لَعَنَ رسولُ الله ﷺ الزائدَ في كتاب الله، ومَنْ كان هذا اعتقادَه فغيرُ مَأمونٍ على تأويل القرآن، ولا ينبغي أن يُسْكَنَ إلى قوله ولا يوثَقَ به في لغة العرب، وإن ذُكر قولُه فينبغي أن يُذكر مِنْ قوله ما لا يمكنُه الإلحادُ فيه أو ما كان مُجامعًا فيه لغيره من أهل اللغة المتسنِّنين، كالخليل بن أحمد وسيبويه وأبي عَمْرو بن العلاء وعليّ بنِ حمزة الكسائي والفرّاء وأبي عُبَيْد وأبي حاتم، رحم الله جميعَهم ومَنْ سَلَك سبيلَهم ممّن سَلَك طريقَ السنّة ولم تُحفَظْ عليه البدعةُ".
٢٤٥١ - قال الطَّلَمَنْكي: "وقالت القدريّة المنفردةُ بالقدر: إنّ الله لا يبتدئُ بالإضلال أحدًا، ولكنّه يُضلُّ مُجازيا، والذي عليه أهلُ الحديث والفقه وأسلافُ المسلمين من الصحابة والتابعين على أنّ الله قد أَضَلَّ مَن شاء وهَدَى مَنْ شاء في مَكْنون عِلْمِه وقديمِ كتابه، بغير عملٍ كان منهم، وفَعَل في ذلك ما شاء، وله الحجّةُ البالغةُ، ولم يُحفظْ عن أحدٍ منهم أنّ الإضلال مِن الله تسميتُه كما قالت المُلحدةُ المُبَدِّلة قولًا غير الذي قيل لهم؛ غير أنّ كثيرًا مِن أصحابنا مِن أهل السنّة قد أجاب أنّ الله هَدَى مَنْ كان في عِلْمِه أنّه يَقبلُ الهُدى ويُطيعُه ويتَّبعُ رسلَه، وأضلَّ من كان في عِلْمه أنّه لا يقبلُ الهُدَى ولا يُطيعُه ولا يتّبعُ رسلَه، قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣]، وقال عُمَر بن الخطّاب للنصرانيّ الذي عارضه في قوله من يهده اللهُ فلا مُضلَّ له، ومن يُضلل فلا هادي له: بل الله أَضَلَّك على عِلْم، ثم يُميتُك ويُدخلُك النارَ إن شاء الله، وعلى القولين
[ ٣ / ١٣٣٠ ]
جميعًا إنّ الإضلال والهُدَى من الله قد تقدّم في سابق عِلْمه، وإنّ العباد غيرُ قادرين على الخروج ممّا عَلِمَه منهم، والآثارُ والقرآنُ تشهدُ لأهل السنّة، وذكرنا في القرآن من ذلك في ثلاثةٍ وعشرين موضعًا، أولها: في البقرة ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦]، وآخرها في سورة المدّثّر ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [المدثر: ٣١]، -قال أبو عُمَر- ولم تزل العربُ في جاهليّتها تَذْكُرُ الهُدَى والضلالَ في خُطَبِها وأشعارِها، قال لَبيد بن ربيعة في جاهليّته:
من هداه سبل الخير اهتدى … ناعمَ البال ومن شاء أضلّ
وما قال ليبتغيَ الإسلامَ بيتًا واحدًا".
قلتُ: رُوِيَ أنّه قال في الإسلام بيتًا واحدًا:
الحمد لله إذْ لم يأتني أجلي … حتى لبستُ من الإسلام سربالا (^١)
٢٤٥٢ - وقال محمد بن الحافظ التَّيْمي (^٢): والظاهرُ أنّ لبيدًا ﵀ قال قولَه:
لَعمرُك ما تدري الطوارقُ بالحصى … ولا زاجراتُ الطير ما الله صانعُ
قبل الإسلام؛ فإنّه لم يقل بعد الإسلام إلّا بيتين فيما رُوِي.
قلتُ: لعلّه يعني بالبيتين مِنْ قول لَبيد:
ذهب الذين يُعاشُ في أكنافهم … وبقيتُ في خلْفٍ كجلد الأجرب
يتأكَّلون بلادةً ومشحّةً … ويُعاب قائلُهم وإن لم يشغب
_________________
(١) وقيل إن البيت لقِرَدَة بن نُفاثة السلولي ﵁، أخرجه البيهقي في الزهد الكبير (رقم: ٦٤٥)، وانظر: الاستيعاب (٣/ ١٣٠٥ - ١٣٠٦).
(٢) هو: محمد بن الحافظ إسماعيل بن محمد التيمي، توفي صغيرًا في حياة والده سنة ٥٢٦ هـ، أملى جملةً من شرح الصحيحين. السير (٢٠/ ٨٣ - ٨٤).
[ ٣ / ١٣٣١ ]
رَوَتْه عائشةُ، وهو عندنا في الأول من معجم ابن جُمَيْع (^١).
٢٤٥٣ - قال محمد بن إسحاق بن خُزَيْمَة: حدّثنا أبو موسى، ثنا أبو عامر عبد الملك بنُ عَمْرو، ثنا حاتم بنُ إسماعيل، ثنا صالح بنُ محمد بنِ زائدة -هو: أبو واقد-، عن أبي سَلَمَة ابنِ عبد الرحمن، عن عائشة قالت، ما رَفَعَ رسولُ الله ﷺ بصرَه إلى السماء إلّا قال:
"يا مقلّبَ القلوب ثبِّتْ قلبي على طاعتك" (^٢).
٢٤٥٤ - حديثُ عَمْرو بن شُعَيْب، عن أبيه، عن جدّه: بينا رسولُ الله ﷺ يحدّثنا على باب الحجرات إذْ أقبل أبو بكر وعُمَر ومعهما فئامٌ من الناس، الحديث في اختلافهما، وقولُ عُمَر: "الحسناتُ والسيّئاتُ من الله"، وفيه:
"لأقضينّ بينكما بقضاء إسرافيل بين جبريل وميكائيل، إنّهما أول خلق الله تكلّم فيه، فقضى بينهما بحقيقة القدر، خيره وشرّه وحلوه ومرّه كلِّه من الله، وإنّي قاضٍ بينكما"، ثم التفت إلى أبي بكر فقال:
"يا أبا بكر، إنّ الله لو أراد أن لا يُعصى لم يخلقْ إبليس"، فقال أبو بكر: صدق اللهُ ورسولُه.
رواه الطبراني في المعجم الأوسط (^٣) وقال: "لم يَرْوِه عن مقاتل بن حيّان إلّا عُمَر بنُ الصبح، تفرّد به محمد بن يَعْلَى -هو: زُنْبور- ".
_________________
(١) معجم الشيوخ (ص ١٠٢ - ١٠٣).
(٢) لم أجده في التوحيد ولا في الصحيح، فلعله في كتابه في القدر. وإسناده ضعيف، صالح ابن محمد بن زائدة ضعيف كما في التقريب. إلا أن الحديث صحيح بطرقه وشواهده.
(٣) المعجم الأوسط (رقم: ٢٦٤٨). وأخرجه كذلك البزار -كما في كشف الأستار (٣/ ٢٤ - ٢٥/ رقم: ٢١٥٣) -. قال الهيثمي في المجمع (٧/ ١٩١ - ١٩٢): "وفي إسناد الطبراني عمر بن الصبح وهو ضعيف جدا، وشيخ البزار السكن بن سعيد لم أعرفه". وقال ابن حجر في مختصر زوائد البزار (٢/ ١٥٠): "هذا خبرٌ منكر، وفي الإسناد ضعف".
[ ٣ / ١٣٣٢ ]