قال الله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ (١٢)﴾ في قراءة حمزة والكسائي (^١).
وكذا كان ابنُ مسعود يقرؤها، رواها الأَعْمَش عن أبي وائل عنه (^٢).
٢١٤٤ - وقال أبو عُبَيْد القاسم بن سلام: سمعتُ الكسائيَّ يُخَبِرُ، عن زائدة، عن الأَعْمَش، عن شقيق بن سَلَمَة قال: قرأتُ عند شُرَيْحٍ: ﴿بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ (١٢)﴾ فقال: لا يعجبُ من الشيءِ، إنما يعجبُ مَنْ لا يعلمُ، قال الأَعْمَش: فذكرت ذلك لإبراهيم، فقال: إن شُرَيْحًا كان يعجبُ بعلمه، كان عبد الله أعلمَ منه، وكان يقرأ: ﴿بَلْ عَجِبْتُ﴾ بضم التاء (^٣).
تابعه مَنْدَلٌ وجريرٌ عن الأَعْمَش (^٤).
قال أبو عُبَيْد: وسمعتُ الكسائيَّ يُخْبِرُ عن زائدة عن الأَعْمَش: أنّ ابن
_________________
(١) يعني برفع تاء عجبت، قال الشاطبي في حرز الأماني: واضمم تا عجبت شذا
(٢) عزا السيوطي تخريجه في الدر المنثور (١٢/ ٣٩٢) إلى: الفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم. وهو في معجم الطبراني الكبير (٩/ ١٥١) ومستدرك الحاكم (٢/ ٤٣٠).
(٣) عزاه السيوطي (١٢/ ٣٩٢) إلى: أبي عبيد وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات. وهو عند البيهقي (٢/ ٤١٥/ رقم: ٩٩١) لجرير عن الأعمش.
(٤) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٤١٥ - ٤١٦/ رقم: ٩٩١، ٩٩٢).
[ ٣ / ١١٧٠ ]
عبّاس قرأَها كذلك ﴿بَلْ عَجِبْتُ﴾، وسمعتُه يُخْبِرُ عن سفيان، عن أبي إسحاق قال: سمعتُ عبد الله بن مُغَفَّل يقرؤُها كذلك أيضًا ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾، قال الأَعْمَش: وكان إبراهيم ويحيى بن وَثّاب يقرآها كذلك ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾، وهي قراءةُ الأَعْمَش وحمزة والكسائي، وأما أبو جعفر وشيبة ونافع وعاصم وأبو عَمْرو فقرؤُوها ﴿عَجِبْتَ﴾ بالنصب.
قال أبو عُبَيْد: وقراءتُنا هي الأَوْلى ﴿عَجِبْتَ﴾؛ للّذي روينا عن ابن مسعود وابن عباس ومن وافقهما، والشاهد عليها مع هذا قول الله ﵎: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ [الرعد: ٥]، فأخبر ﷻ أنه عَجِبَ، ومما يزيدُه تصديقًا: الحديث المرفوع: "عَجِبَ الله البارحةَ من فلانة وفلان" (^١).
٢١٤٥ - وقال أبو زكريا الفَرّاء - وقد روى قصةَ شُرَيْحٍ عن مَنْدَل بن علي العَنَزي عن الأَعْمَش - (^٢): والرفعُ أَحَبُّ إلينا، لأنها قراءةُ عليٍّ وعبد الله وابنِ عباس، والعَجَبُ وإن أُسْنِدَ إلى الله فليس معناه من الله كمعناه من العباد، ألا ترى أنه قال: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩] وليس السُّخْرِيُّ من الله كمعناه من العباد، وكذلك قوله: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] ليس ذلك من الله كمعناه من العباد، ففي ذي بيانٌ لكسر قول شُرَيْح.
٢١٤٦ - وقال ابن أبي حاتم في الرد على الجَهْمِيَّة: حدثنا أبي، ثنا محمد بن عَمْرو أبو غَسّان زُنَيْج، قال: سمعت مُتّ - يعني: محمد بن عبد الرحمن - يذكرُ الجهْمِيَّةَ - يعني بأمرٍ عظيم - ويحتجُّ عليهم ويقول: يُعجبُني أن أقرأَ ﴿بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ (١٢)﴾، خلافًا للجَهْمِيَّة، وكان يُفَضَّل على الكِسائي في زمانه.
_________________
(١) سيذكره المصنف ويأتي تخريجه.
(٢) معاني القرآن (٢/ ٣٨٤).
[ ٣ / ١١٧١ ]
قلتُ: مُتّ هذا يكنى أبا عبد الله، أحدُ القراء، له ترجمة في تاريخ نَيْسابور (^١).
٢١٤٧ - وقال أبو المُثَنَّى معاذ بن المُثَنَّى بن معاذ بن معاذ العَنْبَري: ثنا سليمان بن حرب، ثنا جرير بن حازم، عن سليمان الأَعْمَش، عن أبي وائل: سمعتُ شُرَيْحًا يقرأ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢)﴾، فقلتُ له: إني سمعتُ عبد الله يقرأ ﴿بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ (١٢)﴾، قال: فلم يرجع شُرَيْحٌ عن قراءته.
وقال تعالى: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥].
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ [الرعد: ٥].
ولا يلزمُه شيءٌ مما يلزمُ تَعَجُّبَ المخلوقين؛ لأنّ الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، سبحانه وتعالى عما يقولُ المُشبّهةُ والمُعطّلةُ علوًّا كبيرًا.
فلا يجمعُ بين صفاته وصفات خَلْقه إلّا مجرّدُ التسمية، فنحن لنا علمٌ وقدرةٌ وسمعٌ وبصرٌ ورضًى وغضبٌ وتعجّبٌ حقيقةً، وهي أعراضٌ كما تناسبُ ذواتَنا، والله ﷿ له علمٌ وقدرةٌ وسمعٌ وبصرٌ ورضًى وغضبٌ وتعجّبٌ حقيقةً غيرَ أعراض كما تناسبُ ذاتَه، لكنا لا نعلمُ حقيقتَها وكيفيتَها وماهيّتَها؛ لأنا إذا كنا لا نعلمُ حقيقةَ الموصوف وكيفيتَه وكُنْهَه، فكيف نعلمُ صفاتِه، فإذا كان إثباتُ ذاته إثباتَ وجودٍ حقيقةً لا إثباتَ كيفيّةٍ ومائيّةٍ، فكذلك إثباتُ جميعِ ما وَصف به نفسَه إثباتُ وجودٍ حقيقةً لا إثباتُ كيفيّةٍ وتحديدِ.
وقد ورد في السنة غيرُ حديثٍ أنّ الله يعجب.
_________________
(١) لم أجده في منتخب الصريفيني لسياق الفارسي. وقد ذكره ابن الجزري في الغاية (٢/ ١٦٨/ رقم: ٣١٢٤).
[ ٣ / ١١٧٢ ]
٢١٤٨ - قرأتُ على محمد بن أحمد بن عثمان (^١)، قال: قرأتُ على عُمَر بن عبد المنعم، عن أبي اليُمْن الكِنْدي، أبنا أبو الفتح بن البيضاوي، أبنا ابن النَّقُّور، أبنا عيسى بن علي الوزير، ثنا البغوي، ثنا كامل بن طَلْحَة، ثنا حماد بن سَلَمَة، ثنا محمد بن زياد، سمعتُ أبا هُرَيْرَة يقول: سمعتُ أبا القاسم ﷺ يقول:
"عَجِبَ ربُّنا من قومٍ يُقادُون إلى الجنة في السلاسل" (^٢). (^٣)
وهذا حديثٌ صحيح، رواه شُعْبَة وغيره، عن محمد بن زياد (^٤).
٢١٤٩ - أخبرني أبو عبد الله محمد بن أحمد الفارِقي (^٥)، قال: حدثنا أبو المعالي أحمد بن إسحاق الهَمْداني بمصر، أبنا زَيْد بن يحيى البيِّع ببغداد، أبنا ابن قَفَرْجَل (^٦)، أبنا محمد بن أبي عثمان، أبنا أبو محمد البيِّع، ثنا المَحامِلي، ثنا يوسف بن موسى، ثنا جرير، عن منصور، عن أبي إسحاق، عن علي بن ربيعة الأَسَدي قال: رأيتُ عليًّا ﵁ أُتِيَ بدابّة، فوضع رجلَه في الركاب فقال: بسم الله، فلما اسْتَوى عليها قال: الحمد لله، فذكره، وقال فيه: قلت: يا رسول الله استضحكت؟ قال:
"يَعْجَبُ ربُّنا من قول عبده: سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلّا أنت، قال: علم عبدي أنّ له ربًّا يغفر الذنوب" (^٧).
_________________
(١) هو: الحافظ الذهبي.
(٢) الرواية من حديث أبي يحيى كامل بن طلحة الجحدري - رواية البغوي - (ق/ ١ - ب - مجموع ٦١).
(٣) كتب المصنف على الحاشية: "هو في: جزء السرّاج، وفي جزء الغِطْريف، والثاني من حديث البغوي". وهو في جزء الغطريف (رقم: ٥٨).
(٤) رواية شعبة أخرجها البخاري (رقم: ٣٠١٠).
(٥) هو: الحافظ الذهبي.
(٦) هو: أبو القاسم أحمد بن المبارك بن عبد الباقي بن محمد بن قفرجل البغدادي، توفي سنة ٥٥٦ هـ. السير (٢٠/ ٣٥٦ - ٣٥٧).
(٧) الرواية من أمالي المحاملي - برواية البيّع -. أبو إسحاق هو: السبيعي، وهو مدلّس، وقد =
[ ٣ / ١١٧٣ ]
ورواه سفيان الثَّوْري ومَعْمَر وشَرِيك بن عبد الله، عن أبي إسحاق نحوه (^١).
ورواه عن أبي إسحاق أيضًا:
زياد بن خَيْثَمَة، وهو عندنا في جزء من أمالي السَّرّاج.
وإسرائيل، وهو في مسند عبد بن حُمَيْد (^٢).
والأَجْلَح (^٣).
ورواه الحَكَم بن عُتَيْبَة والمِنْهال بن عَمْرو عن علي بن ربيعة (^٤). وهذا حديثٌ صحيح (^٥).
٢١٥٠ - وقد أخبرناه غيرُ واحد، منهم: محمد بن علي الواسطي، أبنا
_________________
(١) = دلّس في إسناد هذا الحديث ولم يسمعه من علي بن ربيعة وإنما رواه عن يونس بن خباب عن رجل عنه، وقد بين ذلك الدارقطني في العلل (٤/ ٦١ - ٦٣). وأخرجه البزار في مسنده (٣/ ٢٤ - ٢٥/ رقم: ٧٧٣) عن يوسف بن موسى، ولم يذكر المرفوع. وأخرجه النسائي في السنن الكبرى (٦/ ١٢٩/ رقم: ١٠٣٣٦) عن محمد بن قدامة عن جرير.
(٢) رواية سفيان الثوري أخرجها الدارقطني في العلل (٤/ ٦٢ - ٦٣). ورواية معمر في الجامع (رقم: ١٩٤٨٠) له. ورواية شريك بن عبد الله في مسند الإمام أحمد (٢/ ١٤٨/ رقم: ٧٥٣).
(٣) المنتخب من مسند عبد بن حميد (رقم: ٨٩). وهو في مسند أحمد (٢/ ٣١٤/ رقم: ١٠٥٦).
(٤) رواية الأجلح عن أبي إسحاق أخرجها ابن السني في عمل اليوم والليلة (رقم: ٥٠٠) والطبراني في الدعاء (رقم: ٧٨٦).
(٥) رواية الحكم بن عتيبة أخرجها الطبراني في الدعاء (رقم: ٧٨٠). ورواية المنهال أخرجها الحاكم في المستدرك (٢/ ٩٨ - ٩٩) والطبراني (رقم: ٧٧٨).
(٦) وقال الدارقطني في العلل (٤/ ٦٢): "فهو من رواية أبي إسحاق مرسلًا، وأحسنها إسنادًا حديث المنهال بن عمرو عن علي بن ربيعة، والله أعلم".
[ ٣ / ١١٧٤ ]
محمد بن قُدامة، أبنا أبو الفتح بن البَطِّي وغيرُه، أبنا ابن البَطِر، أبنا البيِّع، فذكره.
٢١٥١ - وقال الإمام أبو عبد الله بن بَطَّة في كتاب الإبانة (^١): حدثني أبو صالح، ثنا أبو الأَحْوَص، ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حمّاد بن سَلَمَة، ثنا عاصم أو غيره، عن مُرّة الهَمْداني، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ:
"عَجِبَ ربُّنا من رجلين: رجلٌ ثار عن وِطَائِه ولِحافِهِ، فيقولُ الله لملائكته: انظروا إلى عبدي طلب ما عندي، ورجلٌ غزا في سبيل الله فانهزم أصحابُه فرجع حتى هُريق دمُه، فيقولُ الله: انظروا إلى عبدي رجع شفقةً من عذابي"، وذكر الحديث.
أخرجه العَسّال، من رواية عبد الواحد بن غِياث عن حمّاد، فقال: عن عطاء بن السائب، عن مُرَّة، ولم يشكّ (^٢).
وكذا رواه الإمام أحمد (^٣)، عن رَوْح وعَفّان عن حمّاد؛ وأبو داود (^٤)، عن موسى بن إسماعيل عن حمّاد.
وكذا رواه زائدة عن عطاء، وهو في جزء السَّرّاج (^٥).
_________________
(١) الإبانة (الرد على الجهمية ٣/ ١٣٤ - ١٣٥/ رقم: ١٠٣). وإسناده حسن. وكتب المصنف على الحاشية بحذاء هذا النص: "مو د"، يعني رواه أبو داود على الموافقة، وسيأتي.
(٢) وأخرجه هكذا البيهقي في السنن (٩/ ١٦٤) وفي الأسماء والصفات (٢/ ٤٠٨ - ٤٠٩/ رقم: ٩٨٤).
(٣) المسند (٧/ ٦١ - ٦٢/ رقم: ٣٩٤٩).
(٤) السنن (رقم: ٢٥٣٦).
(٥) وأخرجه الخطيب البغدادي في موضح أوهام الجمع والتفريق (٢/ ٤٧٧ - ٤٧٨). وزائدة هو: ابن قدامة.
[ ٣ / ١١٧٥ ]
٢١٥٢ - ورواه خالد بن عبد الله - فيما رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الحذر والشفقة - عن خَلَف بن هشام عنه عن عطاء بن السائب، فقال: عن مُرَّة، عن عبد الله بن مسعود قال: "يعجبُ الله من خصلتين يعملُهما العبادُ: رجلٌ قام من الليل فتوضّأ فأحسن الوضوءَ ثم قام إلى الصلاة"، الحديث.
قال البيهقي (^١): ورواه أبو عُبَيْدَة عن ابن مسعود من قوله موقوفًا (^٢).
٢١٥٣ - أخبرني محمد بن قَيْماز (^٣) قال: أخبرنا أحمد بن هبة الله، عن عبد المُعِزّ بن محمد الهروي، أبنا زاهر بن طاهر، أبنا أحمد بن منصور، أبنا أبو بكر الجَوْزَقي، أبنا أبو العباس الدَّغُولي، ثنا عبد الله بن هاشم الطُّوسي، ثنا سفيان، عن أبي الزِّناد، عن الأَعْرَج، عن أبي هُرَيْرَة: عن النبي ﷺ قال:
"إنّ الله يَعْجَبُ من الرجلين يقتلُ أحدُهما الآخر فيَدخلان الجنة" (^٤).
أخرجه مسلم (^٥)، عن ابن أبي عُمَر عن سفيان.
٢١٥٤ - أخبرني الذهبي، أخبرنا عُمَر بن عبد المنعم، عن أبي اليُمْن الكِنْدي، أبنا عبد الله بن محمد البَيْضاوي، أنا أحمد بن محمد بن النَّقُّور، أبنا عيسى بن علي الوزير، ثنا عبد الله بن محمد البغوي، ثنا كامل بن طَلْحَة، ثنا ابن لهيعة، عن أبي عُشَّانة، عن عُقْبَة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ:
_________________
(١) الأسماء والصفات (٢/ ٤٠٩).
(٢) قال الدارقطني في العلل: "والصحيح هو الموقوف".
(٣) هو: الحافظ الذهبي.
(٤) كتب المصنف في الحاشية: "هو في آخر الأربعين للجَوْزَقي، عن الدَّغُولي ومكّيّ بن عَبْدان".
(٥) الصحيح (رقم: ١٨٩٠).
[ ٣ / ١١٧٦ ]
"عَجِبَ ربُّنا من شابٍّ ليس له صَبْوَة" (^١).
٢١٥٥ - وقال أبو أحمد العَسّال في كتاب المعرفة له: حدثنا محمد بن أيوب، ثنا مُسَدَّد، ثنا عبد الله بن داود، عن فُضَيْل بن غَزْوان، عن أبي حازم، عن أبي هُرَيْرَة: أنّ رجلًا أتى النبي ﷺ، فبعث إلى نسائه فقلن: ما معنا إلا الماء، فقال رسول الله ﷺ:
"من يضمّ - أو يضيِّف - هذا؟ "،
فقال رجلٌ من الأنصار: أنا، فانطلق به إلى امرأته فقال: أكرمي ضيفَ رسول الله، فقالت: ما عندنا إلا قوتُ الصِّبْيان، فقال: هيِّئي طعامَك وأَصْلِحي سِراجَك ونَوِّمي صِبْيانَك إذا أرادوا العَشاء، فهيَّأتْ طعامَها وأَصْلَحَتْ سِراجَها ونَوَّمَتْ صِبْيانَها، ثم قامت كأنها تُصْلِحُ سِراجَها فأَطْفَأَتْه، وجعلا يُريانه كأنّهما يأكلان، وباتا طاوِيَيْن، فلما أصبح غدا على رسول الله ﷺ فقال:
"لقد ضَحِك الله الليلةَ - أو: عَجِبَ - من فِعْلِكما" (^٢).
أخرجه البخاري (^٣)، عن مُسَدَّد.
_________________
(١) إسناده ضعيف؛ لأجل ابن لهيعة فهو سيء الحفظ. وأخرجه أبو يعلى الموصلي في مسنده (٣/ ٢٨٨/ رقم: ١٧٤٩) عن كامل بن طلحة. وله طرق عن ابن لهية في المسند (٢٨/ ٦٠٠/ رقم: ١٧٣٧١). وضعفه الألباني في تخريج السنة (رقم: ٥٧١) بابن لهيعة. وكتب المصنف في الحاشية: "هو في: جزء السَّرّاج، وثالث حديث قُتَيْبَة للعَيَّار، والثاني من حديث البغوي".
(٢) كتب المصنف على الحاشية: "هو في مسند أبي يَعْلَى". وهو فيه (١١/ ٢٩ - ٣٠/ رقم: ٦١٦٨)، لجرير عن فضيل بن غزوان.
(٣) الصحيح (رقم: ٣٧٩٨).
[ ٣ / ١١٧٧ ]
والأنصاري هو: ثابت بن قَيْس (^١)، فأنزل الله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية.
٢١٥٦ - (^٢) حدثنا موسى بن إسحاق، ثنا عُبَيْد بن أبي هارون المقرئ، ثنا المُحارِبي، ثنا فُضَيْل بن غَزْوان، فذكره، وفيه:
"لقد عَجِبَ الله من فلانٍ وفلانةٍ"، من غير شكّ.
٢١٥٧ - حدثنا عَبْدان بن محمد بن عيسى المَرْوَزي، ثنا الحسين بن سَيّار الحَرَّاني، ثنا خَلَف بن خليفة، عن يزيد بن كَيْسان، عن أبي حازم، عن أبي هُرَيْرَة نحوه، وفيه: فجئتُ النبيَّ ﷺ فنظر إليَّ من بعيد وقال:
"جاءني جبريلُ فأخبرني أنّ ربَّك عَجِبَ مما صنعْتَ بضَيْفِك - أو: ضَحِك مما صنعتَ بضَيْفِك -" (^٣).
٢١٥٨ - حدثنا موسى بن إسحاق، ثنا محمد بن إسحاق المُسَيِّبي، حدثني يحيى بن يزيد بن عبد الملك النَّوْفَلي، عن أبيه، عن يزيد بن خُصَيْفَة، عن أبيه، عن جدّه، عن أبي هُرَيْرَة: أنّ رسول الله ﷺ قال:
"إنّ الله ليَعْجَبُ من مُداعبة المرءِ زوجتَه، فيكتبُ لهما بذلك أجرًا، ويجعلُ لهما بذلك رِزْقًا، إذا كان حلالًا" (^٤).
_________________
(١) وقيل: هو أبو طلحة الأنصاري، واستبعده الحافظ ابن حجر. انظر: فتح الباري (٧/ ١٤٩ - ١٥٠).
(٢) السياق من كتاب المعرفة للعسّال.
(٣) كتب المصنف في الحاشية: "هو في: جزء السرّاج، وعاشر المُخَلِّصِيّات". وهو في فوائد المخلص (رقم: ٢٣٠٣). وأخرجه ابن حبان (١٦/ ٢٥٤ - ٢٥٥/ رقم: ٧٤٢١) وأبو عوانة (٥/ ٢٠٢/ رقم: ٨٣٩٦)، ليزيد بن كيسان.
(٤) إسناده ضعيف جدًّا؛ علّته يحيى بن يزيد النوفلي: ذكره الذهبي في الميزان (٤/ ٤١٤) بكلام أبي حاتم وابن عديّ فيه، وذكر من منكراته هذا الحديث، وقال في أبيه: "مُجمع على ضعفه".
[ ٣ / ١١٧٨ ]
٢١٥٩ - حدثنا محمد بن أحمد بن الفَضْل بن بنت معاوية بن عَمْرو، ثنا أبو همّام، أخبرني ابن وَهْب، أخبرني عَمْرو بن الحارث، عن أبي عُشَّانة المَعَافِري، عن عُقْبَة بن عامر الجُهَني قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول:
"يَعْجَبُ ربُّك ﷿ من راعي غَنَمٍ في رأس الشَّظِيّة يؤذِّنُ بالصلاة ويصلِّي، فيقولُ الله ﷿: انظروا إلى عبدي هذا يؤذِّنُ ويقيمُ الصلاة، يخافُ منِّي، قد غفرتُ لعبدي وأدخلتُه الجنّةَ" (^١).
رواه الإمام أحمد وأبو داود (^٢) جميعًا عن هارون بن مَعْروف، ورواه النسائي (^٣) عن محمد بن سَلَمَة المُرادي، كلاهما عن ابن وَهْب.
وهو عندنا في جزء ابن فَرْغان، وفي الثامن من فوائد المَيَانَجي (^٤).
٢١٦٠ - حدثنا محمد بن أَبان، ثنا سليمان بن داود، ثنا ابن أبي فُدَيْك، عن شِبْل بن العلاء، عن أبيه، عن جدّه، عن أبي هُرَيْرَة قال: قال النبي ﷺ:
"عَجِبَ ربُّكم ﷿ من ذَبْحِكم الضَّأْنَ في يوم عيدِكم هذا" (^٥).
٢١٦١ - حدثنا موسى بن إسحاق، ثنا مِنْجاب بن الحارث، أبنا ابن
_________________
(١) إسناده صحيح. وعمرو بن الحارث هو: ابن يعقوب أبو أمية المصري.
(٢) المسند (٢٨/ ٦٤٩/ رقم: ١٧٤٤٣) وسنن أبي داود (رقم: ١٢٠٥).
(٣) سنن النسائي (رقم: ٦٦٦).
(٤) هو: أبو بكر يوسف بن القاسم ين يوسف الميانجي الشافعي، توفي سنة ٣٧٥ هـ. انظر: السير (١٦/ ٣٦١ - ٣٦٣). وفوائده هذا من مرويات الحافظ ابن حجر في المعجم المفهرس (رقم: ١٥٨٨).
(٥) إسناده ضعيف جدًّا؛ مسلسل بالضعفاء. وقال الألباني في ضعيف الجامع: "موضوع". وقد أخرجه أبو نعيم في ذكر أخبار أصبهان (٢/ ٢٣٤) عن العسّال. وأخرجه البيهقي في الشعب (٩/ ٤٥١/ رقم: ٦٩٥٤) لأبي عبد الله محمد بن الصبّاح عن سليمان بن داود.
[ ٣ / ١١٧٩ ]
مُسْهِر، عن محمد بن راشد قال: سمعت عبد الله بن أبي الهُذَيْل وسأله رجل فقال: يا أبا المغيرة أَسَمِعْتَ عبد الله يقول: إنّ الله ليَضْحَكُ ممن ذكره في الأسواق؟ قال: لا، ولكني سمعتُ عبد الله بن مسعود يقول: "إنّ الله ليَعْجَبُ ممن ذكره في الأسواق".
رواها أبو أحمد العسّال في جملة الأحاديث المروية في ضَحِكِ الربّ ﷿، وأنبأنيها (^١) وجميعَ الكتاب (^٢) أحمد بنُ سلامة وغيره، أنا أبو جعفر الصَّيْدَلاني إجازةً، عن أبي علي الحدّاد، عن أحمد بن جعفر الفقيه، أبنا أحمد بن إبراهيم القصّار، ثنا الحافظ أبو أحمد محمد بن أحمد العَسّال، فذكرها.
٢١٦٢ - قرأتُ على زينب بنت أحمد بن عبد الرحيم، عن يوسف بن خليل إذنًا، أنا يحيى بن أَسْعَد بن بُوش ببغداد، أنا عبد القادر بن محمد اليوسُفي، أنا الحسن بن علي الجَوْهَري، أنا أبو حفص عُمَر بن محمد الزَّيّات، ثنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبّار، ثنا أبو إبراهيم التُّرْجُماني، ثنا صالح المُرِّي، عن أبي هارون، عن ابن عُمَر: عن النبي ﷺ قال:
"إنّ القومَ إذا صَلّوا في الجميع إنّ الله ليَعْجَبُ" (^٣).
٢١٦٣ - أخبرنا عيسى، أبنا أبو عبد الله الحافظ، أبنا أبو جعفر الصَّيْدَلاني، أبنا أبو علي الحدّاد وإسماعيل بن الفضل بن الإِخْشِيذ، قالا: أنا
_________________
(١) الكلام للحافظ الذهبي.
(٢) يعني: كتاب المعرفة للعسّال.
(٣) أخرجه أبو حفص الزيّات في حديثه (ق ٢٦٣ أ/ - مجموع ٩٤)، والرواية من طريقه. وإسناده ضعيف جدًّا، فيه أبو هارون وهو: العبدي عمارة بن جوين، قال في التقريب: "متروك"، وقال في صالح - وهو: ابن بشير - المري: "ضعيف". وروي عن أبي عمرو النَّدْبي عن ابن عمر، أخرجه الإمام أحمد (٩/ ١٢١ - ١٢٢/ رقم: ٥١١٢)، وأبو عمرو الندبي اسمه: بشر بن حرب، قال في التقريب: "صدوق فيه لين".
[ ٣ / ١١٨٠ ]
محمد بن علي الجصّاص، أنا أبو أحمد الحاكم، ثنا أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمَة، ثنا علي - يعني: ابنَ حُجْر السَّعْدي - ثنا مُدْرِك بن سَعْد الفُراوي، عن يونس بن حَلْبَس قال: "يقولُ الله: عجبتُ لثلاثةٍ من عبادي: مَن أمِن النارَ وقد علمَ أنّه واردُها، ومَن اطمأنّت نفسُه إلى الدنيا وقد علمَ أنه مفارقُها، ومَن تغافلَ وليس بمغفولٍ عنه"، قال: ثم يتمثّل يونس بهذين البيتين:
وكيف تأمنُ نفسٌ وَهْيَ قد علمت … ورد الجحيم ولما يعلم الصدرا
مستقبلين بها الأحقابَ دائمةً … ما يمضي منها ولا يفنى الذي غبرا
٢١٦٤ - وفي الباب أيضًا: عن النُّعْمان بن بشير في حديث: "إنّ الله أمرَ المؤمنين"، كتبناه في الحديث العاشر من كتاب السبعين (^١).
٢١٦٥ - قرأتُ على محمد بن أحمد الذهبي قال: قرأتُ على أبي علي الخَلّال، أبنا جعفر، أبنا السِّلَفي، أبنا أبو علي البَرْداني، أبنا هَنّاد، أبنا محمد بن أحمد الغُنْجار (^٢)، ثنا أبو نصر أحمد بن عَمْرو، ثنا أحمد بن خالد بن الخليل، ثنا محمد بن أحمد بن حفص، ثنا أبي قال: قال أَفْلَح بن محمد: قلت لعبد الله بن المبارك: إني أكرهُ الصفةَ - عنى صفةَ الربّ -، فقال: أنا أَشَدُّ الناس كراهةً لذلك، ولكن إذا نطق الكتابُ بشيءٍ قلنا به، وإذا جاءت الآثار بشيءٍ جَسَرْنا عليه (^٣).
_________________
(١) لعلّه من مؤلّفات المصنّف.
(٢) هو: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد البخاري الملقَّب بغنجار، صاحب تاريخ بخارى، توفي سنة ٤١٢ هـ. السير (١٧/ ٣٠٤ - ٣٠٥).
(٣) الرواية من تاريخ بخارى لغنجار، انظر: المعجم المفهرس (رقم: ٧٢٥). وأخرجه اللالكائي في السنة (٣/ ٤٧٨ - ٤٧٩/ رقم: ٧٣٧) عن محمد بن أحمد - وفي المطبوع: أحمد بن محمد، ولعلّه تحريف، وما أكثره!! - بن حفص. وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ١٥٨ - ١٥٩/ رقم: ٧٢٦) لمحمد بن هارون الكرابيسي عن محمد بن أبي حفص - وهو: أحمد - عن أبيه.
[ ٣ / ١١٨١ ]
٢١٦٦ - أبنا محمد بن الذهبي قال: أجاز لنا غيرُ واحد، عن أبي الفتح المَنْدائي، أبنا عبيد الله بن محمد بن أحمد بن الحسين البَيْهَقي، أبنا جدِّي، أبنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا محمد بن علي الجَوْهَري ببغداد، ثنا إبراهيم بن الهَيْثَم، ثنا محمد بن كثير المصِّيصِّي، سمعت الأَوْزاعي يقول: "كنا والتابعون متوافرون نقول: إنّ الله تعالى فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنةُ من صفاته" (^١).
٢١٦٧ - وبه إلى أحمد بن الحسين (^٢)، أبنا أبو بكر بن الحارث، أبنا ابن حَيّان، ثنا الحسين بن محمد الدَّارَكي، ثنا أبو زُرْعَة، ثنا ابن مُصَفَّى، ثنا بَقِيَّة، حدثني الأَوْزاعي ومَكْحُول قالا: "أَمْضوا الأحاديث على ما جاءت" (^٣).
٢١٦٨ - أخبرنا أبو عبد الله التُّرْكُماني الذهبي، أخبرنا إسماعيل بن الفَرّاء، أبنا ابن قُدامة، أبنا أبو بكر بن النَّقُّور، عن أبي بكر الطُّرَيْثِيثي، أبنا أبو القاسم اللَّالَكائي، أبنا أحمد بن محمد بن حفص، ثنا أحمد بن محمد بن المُسْلِمَة (^٤)، ثنا شريك بن عثمان، سمعتُ إبراهيم بن المهتدي يقول: سمعت داود بن طلحة يقول: سمعت عبد الله بن أبي حنيفة الدَّبُوسي يقول: سمعت محمد بن الحسن يقول: "اتفق العلماءُ من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله ﷺ في صفة الربّ، من غير تفسيرٍ، ولا وصفٍ، ولا تشبيهٍ، فمن فسّرَ شيئًا من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي ﷺ وفارق الجماعةَ، فإنهم لم يصفوا، ولم
_________________
(١) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٣٠٤/ رقم: ٨٦٥)، والرواية من طريقه. وصححه شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع فتاويه (٥/ ٣٩).
(٢) هو: البيهقي.
(٣) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٣٧٧/ رقم: ٩٥٤).
(٤) هو: أبو الفرج أحمد بن محمد بن عمر بن المسلمة البغدادي. السير (١٧/ ٣٤١).
[ ٣ / ١١٨٢ ]
يفسِّروا، ولكن آمنوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا، فمن قال بقول جَهْمٍ فقد فارق الجماعة، لأنه وصفه بصفة لا شيء" (^١).
٢١٦٩ - وقال الخلّال (^٢): أخبرني أحمد بن محمد بن واصل، ثنا الهَيْثَم بن خارجة، أبنا الوليد بن مسلم قال: سألت مالكًا والثوري واللَّيْث والأَوْزاعي عن الأخبار التي في الصفات؟ فقالوا: "أَمِرُّوها كما جاءت" وفي لفظ آخر: "أَمِرُّوها كما جاءت بلا كيف".
٢١٧٠ - وقال أبو عُبَيْد: ما أَدْرَكْنا أحدًا يفسّرُ هذه الأحاديث، ونحن لا نفسّرُها.
رواه أبو عبد الله بن مَنْدَه في التوحيد (^٣) فقال: ثنا أحمد بن محمد بن زياد، ثنا عبّاس الدوري، سمعتُ أبا عُبَيْد القاسم بن سلّام يقول: "هذه الأحاديث التي تُروى، مثل (ضحكَ ربُّنا من قُنوط عباده)، و(حتى يضعَ ربُّك قدمَه في النار)، و(الكرسي موضعُ القدمين)، هي عندنا حق، ونحن إذا سُئِلنا عنها لا نفسّرُها، وما أدركتُ أحدًا يفسّرُها".
٢١٧١ - وبه (^٤)، قال الدُّوري: سمعت يحيى بن معين يقول: شهدت زكريا بن عَدِيّ سأل وكيعًا فقال: يا أبا سفيان، هذه الأحاديث مثل:
_________________
(١) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٢/ ٤٨٠/ رقم: ٧٤٠)، والرواية من طريقه. وفيه: (أحمد بن محمد بن سلمة) بدل (بن المسلمة)، و(سهل بن عثمان) بدل (شريك بن عثمان).
(٢) أي: في السنة، كما نسبه إليه شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (٥/ ٣٩).
(٣) التوحيد (٣/ ١١٦/ رقم: ٥٢٢). وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ١٩٨/ رقم: ٧٦٠)، وصحح إسناده ابن تيمية (٥/ ٥١).
(٤) التوحيد (٣/ ١١٥/ رقم: ٥٢١). وهو في تاريخ الدوري عن يحيى بن معين (رقم: ٢٥٤٣).
[ ٣ / ١١٨٣ ]
(الكرسي موضعُ القدمين) ونحو هذا؟ فقال: إسماعيل بن أبي خالد والثَّوْري ومِسْعَر يرْوُون هذه الأحاديث، لا يفسّرون منها شيئًا.
٢١٧٢ - وقال أحمد بن نصر: سألت سفيان بن عُيَيْنَة عن حديث عبد الله: "إنّ الله يضعُ السماواتِ على أصبع" وحديث: "قلوبُ بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن" وحديث: "إنّ الله يعجبُ، ويضحك"؟ فقال: "هي كما جاءت، نُقِرُّ بها ونُحدِّثُ بلا كيف".
أخرجه القاضي أبو يَعْلَى في إبطال التأويل (^١).
٢١٧٣ - وعن أبي عَمْرو سَهْل بن هارون البصري قال: كان أولُ من خرّج هذه الأحاديث أحاديثَ الرؤية ونحوها، وجمعها من البصريِّين حماد بنُ سَلَمَة، فقال له بعضُ إخوانه: يا أبا سَلَمَة لقد سبقتَ إخوانَك بجمع هذه الأحاديث في الوصف، فقال: "والله ما دعتني نفسي إلى إخراج ذلك إلا أني رأيت العلمَ يُخَرَّج، يقولها ثلاثًا وينفض كفَّه، فأحببتُ إحياءَه وبثَّه في العامّة لئلا يطمع في خَرْجِه أهلُ الأهواء".
أخرجه أحمد بن الجُنَيْد الخُتَّلي في كتاب العظمة بإسناده.
٢١٧٤ - وقال عبد الرحمن بن عُمَر: سمعت عبد الرحمن بن مَهْدي وذُكر عنده الجَهْمِيَّة أنّهم يَنفُون أحاديث الصفات اليد والرجل ويقولون: الله أعظمُ من أن يوصفَ بشيء، فقال: "قد أهلك قومٌ من هذا الوجه فقالوا: الله أعظمُ مِن أن يُنْزِل كتابًا أو يرسلَ رسولًا، ثم قرأ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١]، وهل هلك المجوسُ إلا مِن جهة التعظيم قالوا: الله أعظمُ مِن أن نعبدَه ولكن نعبدُ مَنْ هو أقربُ إليه منا، فعبدوا الشمسَ وسجدوا لها".
_________________
(١) إبطال التأويلات (١/ ٤٧/ رقم: ١٤).
[ ٣ / ١١٨٤ ]
أخرجه أبو يَعْلَى الفراء في إبطال التأويل (^١).
٢١٧٥ - وقال المرُّوذي: سألتُ أبا عبد الله أحمد بن حَنْبَل عن عبد الله التَّيْمي فقال: صدوق، وقد كتبتُ عنه، ولكن حُكِيَ عنه أنه ذَكر حديث الضحكَ فقال: مثلُ الزرع، وهذا كلامُ الجَهْمِيَّة (^٢).
٢١٧٦ - وقال الإمام أحمد في رواية حَنْبَل عنه: "يضحكُ الله ولا نعلم كيف يضحكُ".
٢١٧٧ - وقال أبو مَعْمَر الهُذَلي: "مَن زعمَ أنّ الله لا يتكلمُ ولا يبصرُ ولا يسمعُ ولا يضحكُ ولا يعجبُ ولا يغضبُ فهو كافرٌ بالله" (^٣).
٢١٧٨ - وقال حمّاد بن زَيْد: "مَثلُ الجَهْمِيَّة مَثَلُ رجلٍ قيل له: في دارك نخلةٌ؟ قال: نعم، قيل: فلها خُوصٌ؟ قال: لا، قيل: فلها أصلٌ؟ قال: لا، قيل: فلا نخلةَ في دارك، فهؤلاء الجَهْمِيَّة قيل لهم: لكم ربٌ يتكلمُ؟ قالوا: لا، قيل: فله يدٌ؟ قالوا: لا، قيل: فله قدمٌ؟ قالوا: لا، قيل: فله أصبعٌ؟ قالوا: لا، قيل: فيرضى؟ قالوا: لا، قيل: فيغضبُ؟ قالوا: لا، قيل: فلا ربَّ لكم" (^٤).
٢١٧٩ - وقال أبو عبد الله بن بَطَّة في (باب الإيمان بالتعجّب) (^٥): قيل لإبراهيم النَّخَعي: إنّ شُرَيْحًا قرأ ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢)﴾ يعني بالفتح، فقال: "كان شُرَيْحًا مُعْجَبًا برأيه، عبد الله أعلم من شُرَيْح".
_________________
(١) إبطال التأويلات (١/ ٥٣/ رقم: ٢٧).
(٢) ذكره في إبطال التأويلات (١/ ٧٥/ رقم: ٥٨).
(٣) أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد في السنة (١/ ٢٨١/ رقم: ٥٣٥) عن أبي معمر الهذلي.
(٤) ذكره في إبطال التأويلات (١/ ٥٥/ رقم: ٣٨).
(٥) الإبانة (الجزء الثالث من الرد على الجهمية/ ص ١٣١).
[ ٣ / ١١٨٥ ]
قال ابن بَطَّة: والتعجبُ على وجهين: المحبّةُ بتعظيمِ قدر الطاعة، والسَّخَطُ بتعظيم الذنب، ومِن ذلك قولُه ﷺ: "عَجِب ربُّنا مِن شابّ ليست له صَبْوَة"، وعلى معنى الاستذكار للشيء وهو الجهلُ به قبل وقوعه ورؤيته تعالى الله عن ذلك.
٢١٨٠ - وما أحسنَ ما قال الإمامُ أبو سليمان الخَطَّابي (^١): الكلامُ في الصفات فرعٌ على الكلام في الذات، فإذا كان إثباتُ ذاته ﷾ إثباتَ وجودٍ لا إثباتَ كيفيّةٍ، فكذلك إثباتُ صفاته إثباتُ وجودٍ لا إثباتُ كيفيّةٍ.
قال الذَّهَبي: فكذلك نُثبتُ صفةَ التعجُّبِ أنّها صفةٌ لله تعالى كغيرها من صفاته المقدَّسة، وهي مُباينةٌ لصفاتِ المخلوقين ونعوتِ المجعولين، وإن اتَّفقت أسماؤها فهي مُنَزَّهَةٌ عن الأشباه بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، ثابتةٌ على الحقيقة بقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، فنسألُ الله العظيمَ الهُدى والسدادَ وتركَ المراءِ والعنادِ.
٢١٨١ - وذكر مَكِّيُّ بن أبي طالب القَيْسي في كتاب وجوه القراءات (^٢) قراءةَ حمزة والكسائي في قوله: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ ثم قال: وحجةُ مَن ضمَّ التاءَ أنه رَدَّ العَجَبَ إلى كلِّ مَنْ بلغَه إنكارُ المشركين للبعث مِن المُقِرِّين بالبعث، وعلى ذلك أتى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ [الرعد: ٥] أي: فعَجَبٌ قولُهم عندكم وفيما تعقلون، وقد أنكر شُرَيْحٌ هذه القراءةَ وتَأَوَّلَها على رَدِّ الإعجابِ إلى الله جلّ ذكرُه فأَنْكَرَها، وليس الأمرُ على ذلك، إنّما الإِعْجابُ في القراءةِ بضمِّ التاءِ إلى المؤمنين مُضافًا إلى كلّ واحدٍ منهم.
_________________
(١) كلامه من رسالته الغنية عن الكلام وأهله كما نسبه إليه ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٥/ ٥٨ - ٥٩).
(٢) الكشف عن وجوه القراءات السبع (٢/ ٢٢٣).
[ ٣ / ١١٨٦ ]
وهذا الذي قاله مَكِّيُّ باطلٌ، وإنما أُتِيَ فيه مِن جهله بهذه الصفة لله، التي دَلَّ عليها الكتابُ وتواترتْ بها السنةُ عن رسول الله ﷺ، وإلا فهذا الذي ذكره من أَبْعَدِ التأويل، وهو من جنس تحريف الكَلِمِ عن مواضعه، فنعوذُ بالله من ذلك، ونبرأُ إليه منه.
٢١٨٢ - أخبرنا جدِّي وغيرُه، عن محمد بن نصر بن الحَصْري إجازةً، أبنا عُبَيْد الله بن شاتيل، أبنا أبو الحسن بن العَلّاف، أبنا أبو الحسن بن الحَمَّامي، أبنا أبو أحمد محمد بن عبد الله بن يوسف البخاري، ثنا خَلَف بن محمد بن إسماعيل البخاري، ثنا أبو زَيْد عِمْران بن موسى بن الضحَّاك، ثنا نصر بن الحسين أبو اللَّيْث، ثنا أبو خُزَيْمَة خارجة بن خُزَيْمَة، عن صالح المُرِّي، عن أبي هارون العَبْدي، عن ابن عُمَر: عن النبي ﷺ قال:
"إنّ الله يَتَعَجَّبُ لصلاةِ الجميعِ" (^١).
والحمدُ لله رب العالمين.
قرأتُها على مؤلِّفِها شيخِنا الحافظ أبي عبد الله الذَّهَبي في محرّم سنة ثلاثين وسبعمائة.
كتبه
محمد بن عبد الله بن أحمد بن المُحِبّ المقدسي
آخر الجزء السابع من كتاب الصفات
_________________
(١) الرواية من جزء أبي أحمد البخاري، انظر: المعجم المفهرس (رقم: ١٠٠٤). وإسناده ضعيف جدًّا كما سبق.
[ ٣ / ١١٨٧ ]